← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

المتقدم (١)؛ لأنه يدل بنفسه، أي: يدل بالوضع ولا يحتاج إلى ما يدل على أنه دليل (٢)، بخلاف الفعل؛ فإنه لا يكون دليلاً إلا بالقول الدال على أنه دليل. مثال ذلك: قوله ﵇: "امشوا أمام الجنازة" (٣) رواه أَبو هريرة ﵁, وقال ابن عباس عنه: يمشي وراء الجنازة مع الصحابة (٤).

стр. 2277

قوله: (فإِن عارض الفعل الفعل، بأن يقر شخصًا على فعل، وفعل هو ﵇ ضده، فيعلم خروجه عنه، أو يفعل ﵇ ضده في وقت يعلم لزوم مثله له فيه، فيكون نسخًا للأول). ش: هذا هو الجزء الثاني، وهو التعارض بين الفعلين (١)؛ فإن ما تقدم كله فإنما هو في حكم التعارض بين القول والفعل، وهذا الكلام إنما هو في حكم التعارض بين الفعلين. قال الغزالي: لا يمكن التعارض بين الفعلين (٢)، وذلك أن نقول: إما أن يمكن اجتماعهما، فإن أمكن اجتماعهما كالصلاة والصوم فلا تعارض، وإن لم يمكن اجتماعهما، إما أن يتماثلا، أو يتضادا؛ فإن تماثلا كظهر اليوم وظهر الغد فلا تعارض أيضًا، وإن تضادا كما إذا صام في وقت معين وأكل في مثل ذلك الوقت فلا تعارض أيضًا، لجواز أن يكون الفعل واجبًا في أحد الوقتين وجائزًا (٣) في الوقت الآخر (٤)، فإذا انتفت المعارضة فلا نسخ ولا تخصيص إلا في مسألتين (٥):

стр. 2278

إحداهما: أن يقر ﵇ شخصًا على فعل ثم فعل ﵇ ضد ذلك الفعل؛ فإنه يعلم خروج ذلك الشخص المقر من حكم ذلك الفعل، فيكون إقرار ذلك الشخص على ذلك الفعل نسخًا لحكم الفعل في حق ذلك الشخص، أو يكون تخصيصًا له من حكم ذلك الفعل. مثال ذلك: إقراره ﵇ عبد الرحمن بن عوف على لباس الحرير (١)، وهو ﵇ يترك لباسه (٢). وإلى هذه المسألة أشار المؤلف بقوله: بأن يقر شخصًا على فِعْلٍ فَعَلَ هو ﵇ ضده فيعلم خروجه عنه. المسألة الثانية: أن يفعل ﵇ فعلاً ويدل الدليل على أنه يجب عليه تكرر ذلك الفعل في مثل ذلك الوقت، ثم فعل ﵇ ضد ذلك الفعل في مثل ذلك الوقت، فيكون الفعل الثاني ناسخًا لحكم الفعل الأول. مثال ذلك: أنه ﵇ رئي يشرب جالسًا ثم رئي بعد ذلك يشرب قائمًا، فالقيام ضد الجلوس. ...

стр. 2279

الفصل الثالث في تأسيه ﵇ ش: التأسي هو الاتباع (١)، أي: في اتباعه ﵇ لشرع من قبله من الأنبياء ﵈. الفرق بين هذا الفصل والذي قبله: أن التأسي فيما تقدم أضيف إلى المفعول، وها هنا في هذا الفصل أضيف إلى الفاعل، تقدير الفصل المتقدم: الفصل الثاني: في اتباع الأمة للنبي ﵇، وتقدير هذا الفصل الثالث: أي الفصل الثالث: في اتباع النبي ﵇ لشرع من قبله من الأنبياء عليهم [السلام] (٢). قوله: (مذهب مالك وأصحابه أنه لم يكن متعبدًا بشرع من قبله قبل نبوته، وقيل: كان متعبدًا). ش: يقال: تعبد، إذا تلبس بالعبادة (٣)، فهو متعبد بكسر الباء اسم

стр. 2280

الفاعل، ويقال: تعبده الله بكذا، إذا كلفه عبادته فهو متعبد بفتح الباء اسم مفعول. قال المؤلف في الشرح (١): المختار أن نقول: متعبد، بكسر الباء فيما قبل النبوة. ونقول: متعبد، بفتح الباء فيما بعد النبوة، قال: وهو الصواب، وهو الذي يظهر لي. قال: والدليل على ذلك أنه ﵇ قبل النبوة كان ينظر إلى ما عليه الناس فيجدهم على حالة لا تليق لصانع العالم فكان يخرج إلى غار حراء يتحنث فيه أي: يتعبد ويقترح أشياء من ذاته لقربها من المناسب في اعتقاده، ويخشى ألا تكون مناسبة لصانع العالم، فكان من ذلك في أمر عظيم وكرب شديد، حتى بعثه الله سبحانه، وعلمه جميع طرق الهداية، وأوضح له جميع مسالك الضلالة، فزال عنه ذلك الثقل الذي كان يجده، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ (٢) على أحد التأويلات (٣) أي: ووضعنا عنك الثقل الذي كنت تجده من أمر العبادة والتقرب. وهذا يقتضي أن نقول: متعبد بكسر الباء؛ لأنه ﵇ يقترح أشياء من ذاته لاعتقاده مناسبتها لجانب الربوبية، وذلك يقتضي أنه لم يكلف

стр. 2281

بها. وأما إن قلنا: إنه متعبد بفتح الباء فيقتضي أنه تعبده الله تعالى بشريعة سابقة أي: كلفه بها، وإنما يستقيم ذلك بعد النبوة؛ فإن الله تعالى تعبده بشريعة من قبله بعد النبوة، على الخلاف في ذلك (١). قوله: (مذهب مالك وأصحابه / ٢٣٩/ أنه لم يكن متعبدًا بشرع من قبله قبل نبوته، وقيل: كان متعبدًا). ذكر المؤلف في هذا الفصل مسألتين: الأولى: فيما قبل نبوته ﵇، والثانية: فيما بعد نبوته ﵇، فذكر فيما قبل النبوة (٢) قولين، وفيه قول ثالث بالوقف (٣)؛ ففيه إذًا ثلاثة أقوال.

стр. 2282

والقائلون بالتعبد اختلفوا في الشريعة التي تعبدها: فقيل: بجميع الشرائع، وقيل: بشريعة آدم، وقيل: بشريعة إبراهيم، وقيل: بشريعة نوح، وقيل: بشريعة موسى، وقيل: بشريعة عيسى. وهي ستة أقوال (١). حجة القول المشهور الذي عليه مالك وأصحابه ﵃ بعدم التعبد هي: قوله: (لنا أنه لو كان كذلك لافتخرت به أهل تلك الملة وليس فليس (٢)). معناه: لو قلنا: إنه ﵇ متعبد بشريعة من قبله، لافتخر أهل تلك الشريعة به بعد بعثه، لعلو شأنه بنسبته إلى شريعتهم، مع أنه لم ينقل شيء من ذلك. قوله: (وليس فليس).

стр. 2283

استعمل المؤلف ها هنا نوعًا من علم البديع وهو الترديد، وهو من الفصاحة اللفظية. وهو أن تعلق الكلمة في المصراع - أو مثله من النثر - بمعنى ثم تعلقها فيه بمعنى آخر (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ (٢)، وقد يجتمع في مصراع واحد ترديدان كقوله: ليس بما ليس به باس باس ... ولا يضر المرء ما قال الناس (٣) وحجة ثانية أيضًا: أن الشرائع المتقدمة قد اندرست ولم يبق منها ما يتمسك به أهلها فضلاً عن غيرهم (٤). وحجة ثالثة أيضًا: أنه لو كان متعبدًا بشريعة من قبلنا لكان يراجع علماء تلك الشريعة ويسألهم؛ إذ لم يقع ذلك، ولو وقع لاشتهر، ولو اشتهر لنقل إلينا (٥).

стр. 2284

وحجة رابعة أيضًا: ما تقدم لنا من أنه يقترح من ذاته أشياء يعتقد مناسبتها، ويخشى ألا تكون مناسبة، فلو كان متعبدًا بشرع من قبلنا (١) لما احتاج إلى ذلك (٢). وأما القائلون بالتعبد فحجتهم من وجهين: أحدهما: أن شريعة من قبله عامة للأشخاص والأزمان، فوجب دخوله ﵇ فيها ما لم يرد ناسخ، ولا ناسخ قبل نبوته، فوجب اندراجه فيها (٣). والوجه الثاني: أنه ﵇ كان يأكل اللحم والفواكه، ويركب الدواب، ويطوف بالبيت، ويصل الرحم، ويتقي الفواحش ولا بد من ذلك من مستند، ولا مستند [إلا] (٤) الشرائع المتقدمة على مذهب أهل السنة القائلين بأن العقل لا يفيد الأحكام الشرعية، وإنما الذي يفيدها هو الشرائع (٥). أجيب عن الأول، الذي هو قولهم: شريعة من قبله عامة فيدخل فيها، بأن ذلك دعوى لا برهان لها؛ إذ لا نسلم عمومها، وأيضًا سلمنا عمومها،

стр. 2285

فإن تلك الشرائع قد بدلت وغيرت، فلم يبق منها ما يوثق به، فانحسمت أبواب التوصل إليها، فكيف يكلف بها والله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها (١). وأجيب عن الوجه الثاني: الذي هو كونه ﵇ يأكل اللحم والفواكه، ويركب الدواب، ويطوف بالبيت وشبه ذلك، بأن مستنده في ذلك البراءة الأصلية، وذلك كاف في مباشرة هذه الأفعال (٢). وأما طوافه بالبيت فلا حجة فيه؛ لأن العرب مازالوا يطوفون بالبيت ويتبركون (٣) به ويعظمونه ولم يقتدوا في ذلك بشريعة، وإنما توارث ذلك أصاغرهم عن أكابرهم (٤). وأما صلة الرحم وتوقي الفواحش، فذلك مما جبلت عليه الطبائع الشريفة (٥). وها هنا تنبيهان: الأول: قال المؤلف في الشرح: هذا الخلاف مخصوص بالفروع، وأما الأصول فلا خلاف في التكليف بها. والدليل: أن أموات الكفار في الجاهلية يعذبون على تركها، ولولا

стр. 2286

التكليف بها لما عذبوا بتركها، وإنما الخلاف في الفروع خاصة، فإطلاق العلماء ها هنا مخصوص بالإجماع (١). التنبيه الثاني: قال المازري، والأبياري (٢) في شرح البرهان (٣)، والإمام فخر الدين (٤)، وإمام الحرمين (٥)، والتبريزي (٦): هذه المسألة لا تظهر ثمرة لا في الأصول ولا في الفروع البتة، بل تجري مجرى التواريخ (٧) المنقولة، ولا يترتب عليها حكم في الشريعة البتة (٨).

стр. 2287

قوله: (وأما بعد ثبوته فمذهب مالك رحمه الله تعالى وجمهور أصحابه. وأصحاب الشافعي وأبي حنيفة (١) أنه متعبد بشرع من قبله، وكذلك أمته إِلا ما خصه الدليل، ومنع من ذلك (٢) القاضي أَبو بكر [وغيره] (٣) (٤). لنا قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى (٥) اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٦) وهو عام، لأنه اسم جنس أضيف). ش: هذه هي المسألة الثانية (٧)، وهذه المسألة هي التي يقول فيها الفقهاء: شرع من قبلنا هل هو مشروع لنا أم لا (٨)؟

стр. 2288

ذكر المؤلف فيها قولين: قول بالتعبد (١)، وقول بعدم التعبد (٢)، وفيها قول ثالث بالوقف (٣). فهي ثلاثة أقوال كالأقوال الثلاثة المتقدمة فيما قبل النبوة. واعلم أن شرائع من قبلنا على ثلاثة أقسام (٤): قسم لا نكلف به باتفاق. وقسم نكلف به باتفاق. وقسم مختلف فيه. فالقسم الذي لا نكلف به باتفاق، هو ما لا يعلم إلا بقولهم ومن جهة كتبهم المبدلة، فلا نكلف به لعدم صحته.

стр. 2289

والقسم الذي نكلف به باتفاق، هو ما علم بشرعنا وأمرنا به، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ ...﴾ (١) الآية، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢). والقسم المختلف فيه ما علم بشرعنا أنه مشروع لهم، ولم نؤمر به، فهذا القسم الثالث هو محل الخلاف: هل تعبدنا به، أم لا، أو الوقف؟ وهذا الخلاف أيضًا / ٢٤٠/ فيما عدا الأصول وهي عقائد التوحيد والقواعد الكلية كما تقدم فيما قبل النبوة، فالخلاف إذًا إنما هو مخصوص بالفروع. وهذا القسم المختلف فيه مثاله: قوله تعالى حكاية عن منادي يوسف ﵇: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (٣) والزعيم: هو الضامن (٤). هل يستدل بهذه الآية على وجوب الضمانة (٥) أم لا؟

стр. 2290

وكذلك قوله تعالى حكاية عن شعيب (١) وموسى ﵉: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ...﴾ (٢) الآية. هل يستدل بهذه الآية على جواز الإجارة أم لا؟ مذهب مالك وجمهور العلماء (٣) أن النبي ﵇ متعبد بشرع من قبلنا وكذلك أمته، معناه: أن شرع من قبلنا شرع لنا إلا ما خصه الدليل، كالجمع بين الأختين وتزويج الأخت (٤)، واسترقاق السارق كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ

стр. 2291

فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ (١) معناه: جزاؤه استرقاق من وجد في رحله، وقوله: فهو جزاؤه تكرار لتأكيد البيان، وقيل: تقديره: من وجد في رحله فاسترقاقه جزاؤه، فالخبر للمبتدأ على التقدير الأول مفرد، والخبر على التقدير الثاني جملة، مبتدأ (٢) وخبر (٣). واختلف أصحاب هذا القول بالتعبد: هل بجميع الشرائع؟ أو بشريعة آدم؛ لأنها أول الشرائع (٤)، أو بشريعة نوح (٥)، أو بشريعة إبراهيم (٦)، أو بشريعة موسى (٧)، أو بشريعة عيسى (٨)، كما تقدم فيما قبل النبوة (٩). حجة القول بالتعبد كما قال المؤلف: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١٠)؛ لأن قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ اسم جنس أضيف، وهو عام للأقوال والأفعال والاعتقادات (١١)، وكذلك قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ...﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (١٢)،

стр. 2292

وهذا عام في جميع ما وصى به كل واحد منهم (١)، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ (٢) الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ (٣) ونبينا ﵇ من جملتهم (٤)، وكذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (٥) (٦)، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (٧) (٨)، وكذلك قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٩) (١٠)، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ (١١) مِنْ بَعْدِهِ﴾ (١٢) (١٣). وأجيب عن هذا الاستدلال بهذه الآيات كلها: بأنه يحتمل أن يكون

стр. 2293

المراد الاتباع في الأصول، والقواعد الكلية، دون الفروع (١). وحجة القول بعدم التعبد أوجه: أحدها: قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٢) (٣). الوجه الثاني: أنه لو كان متعبدًا بشرع من قبله لوجب عليه مراجعة علماء تلك الشريعة ولا يتوقف إلى نزول الوحي عليه؛ إذ لو فعل ذلك لاشتهر، ولو اشتهر لنقل إلينا (٤). الوجه الثالث: أنه لو تعبدنا بشرع من قبلنا لوجب على علمائنا مراجعة علماء تلك الشرائع، وليس فليس (٥). الوجه الرابع: قوله ﵇ لمعاذ بن جبل (٦) ﵁: "بم

стр. 2294

تحكم يا معاذ؟ "، فقال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد؟ "، قال: فبسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد؟ "، قال: أجتهد رأيي، فقال النبي ﵇: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله" (١)، فدل ذلك على عدم اعتبار الشرائع المتقدمة (٢). الوجه الخامس: اتفاق العلماء على إضافة جميع الأحكام إلى شريعته ﵇ دون الشرائع المتقدمة، ولو تعبدنا بالشرائع المتقدمة لأضيف ذلك إليها لا إلى شرعنا (٣).

стр. 2295

وأجيب عن قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (١) بأن المراد بالشريعة والمنهاج هو القرآن؛ لأنه يخاطب به جميع الناس، ولم يرد بذلك الكتب المتقدمة قبله. وأجيب عن عدم مراجعته ﵇ وعن مراجعة علمائنا إلى (٢) تلك الشرائع: لعدم التوثق بهم (٣). وأجيب عن حديث معاذ: بأنه خبر آحاد، وأيضًا كتابنا وكتبهم جميع ذلك هو كتاب الله؛ فإن كتابنا يدل على الكتب المتقدمة (٤). وأجيب عن إضافة الأحكام إلى شريعته ﵇ دون سائر الشرائع المتقدمة: لكونه أحياها وبينها، لا لكونه غير مخاطب بها (٥)، وبالله التوفيق بمنه. ...

стр. 2296

الباب الرابع عشر في النسخ وفيه خمسة فصول: الفصل الأول: في حقيقته. الفصل الثاني: في حكمه. الفصل الثالث: في الناسخ والمنسوخ. الفصل الرابع: فيما يتوهم أنه ناسخ. الفصل الخامس: فيما يعرف به النسخ.

стр. 2297

الباب الرابع عشر في النسخ وفيه خمسة فصول: ش: النسخ في اللغة يطلق على معنيين: أحدهما: الإزالة (١)، والثاني: النقل (٢). فمن الإزالة (١): قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ...﴾ (٣)، أي: يزيله (٤)، ومنه قوله: نسخت الشمس الظل، ..................

стр. 2298

أي: أزالته (١)، وقولهم: نسخت الريح الأثر، أي: أزالته (٢)، وقولهم: نسخ الشيب الشباب (٣). ومثال المعنى الذي هو النقل: [قوله] (٤) تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٥) أي: ننقل (٦)، ومنه قولهم: نسخت النحل ونسخت العسل، إذا نقلتهما من خلية إلى خلية (٧)، ومنه قولهم: تناسخ المواريث، وهو نقل الحق من وارث إلى وارث (٨)، ومن معنى النقل قولهم: نسخت الكتاب (٩)، ولكن إطلاق النسخ على هذا مجاز، وهو مجاز التشبيه؛ لأن حقيقة النقل نقل الشيء من مكان إلى مكان ومن حالة إلى حالة مع بقائه في نفسه، كقولك: نقلت الحجر من مكان إلى مكان، وأما نسخ الكتاب فليس فيه نقل، وإنما هو شبيه بالنقل؛ لأن تحصيل مثل ما في أحد الكتابين/ ٢٤١/ في الآخر يجري

стр. 2299

مجرى نقله، وأما عين الشيء الذي في الكتاب المنسوخ منه فلم ينقل حقيقة (١). وهذان المعنيان المذكوران اللذان هما: الإزالة والنقل، اختلف الأصوليون في إطلاق النسخ عليهما؛ هل هو على سبيل الاشتراك فهو لفظ مشترك بينهما؟ قاله القاضي أَبو بكر والغزالي (٢)؛ إذ الأصل في الاستعمال الحقيقة. وقيل: هو حقيقة في الإزالة، مجاز في النقل، قاله أَبو الحسين البصري (٣) وغيره (٤)؛ لأن إطلاق النسخ على النقل في قولهم: نسخت الكتاب مجاز؛ لأنه لم ينتقل حقيقة، فيتعين كونه حقيقة في الإزالة (٥). وقيل: حقيقته (٦) في النقل مجاز في الإزالة، قاله بعض الشافعية (٧)؛ لأنه حقيقة في تناسخ المواريث، ونسخ النحل من خلية إلى خلية أخرى؛ لأن ذلك

стр. 2300

نقل حقيقة، فيكون مجازًا في الإزالة. ولكن هذان القولان المتعاكسان فيهما نظر؛ لأن كل واحد منهما معارض بمثله، والظاهر القول الأول بالاشتراك، والله أعلم؛ إذ الأصل في الاستعمال الحقيقة فيكون حقيقة فيهما، وهذا الخلاف لفظي لا حظ للمعنى فيه (١). وها هنا ثلاثة ألفاظ وهي: النسخ، والمسخ، والسلخ. لأنه يقال: نسخت الكتاب وسلخته ومسخته، فالنسخ معناه: نقل اللفظ والمعنى، والسلخ معناه: نقل المعنى دون اللفظ، والمسخ معناه: إفساد اللفظ والمعنى (٢). وقد كتب بعض العلماء إلى صديق له يعرفه بناسخ فقال: أعرفك بصفته: إن نسخ مسخ، وإن لفظ غلط، وإن شَكَّل أشكل، ولقد أمليته زيدًا فسمع عمرًا، وكتب خالدًا فقرأ عبد الله (٣). قوله: (الفصل الأول: في حقيقته (٤).

стр. 2301

قال القاضي (١) منا والغزالي (٢) (٣): هو خطاب دال على ارتفاع حكم ثابت بخطاب متقدم على وجه لولاه لكان ثابتًا مع تراخيه عنه) (٤). ش: وفي بعض النسخ: والغزالي من الشافعية (٥)، ولا شك أن الغزالي من الشافعية. قوله: (خطاب)، جنس يشمل اللفظ والفحوى والمفهوم والفعل والإقرار؛ لأن النسخ يقع بالجميع (٦).

стр. 2302

قوله: (دال على ارتفاع حكم) الحكم أعم من الوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة؛ لأن النسخ يقع في جميعها (١). قوله: (ثابت بخطاب متقدم) احترازًا من حكم ثابت بعقل؛ لأن العقل ليس بخطاب؛ لأن العقل يقتضي براءة الذمة قبل ورود الشرع، فابتداء إيجاب العبادة في الشرع مزيل لحكم العقل الذي هو براءة الذمة، ولا يسمى ذلك نسخًا (٢). قوله: (على وجه لولاه لكان ثابتًا) أي: لولا الخطاب الناسخ لكان حكم الخطاب المتقدم ثابتًا؛ أي مستمرًا. واحترز بذلك من الحكم المؤقت، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٣) فيقول الله تعالى مثلاً: فإذا دخل الليل فكلوا واشربوا، فإن هذا لا يكون نسخًا لحكم الأول لفوات شرط النسخ وهو استمرار الحكم الأول عند عدم الثاني الذي هو الناسخ، فإن الحكم المؤقت بغاية لا يستمر إذا انتهى إلى غايته (٤). قوله: (مع تراخيه عنه) أي: مع تأخير الخطاب الثاني الذي هو الناسخ عن الخطاب الأول الذي هو المنسوخ. واحترز بذلك من الخطاب المتصل بالخطاب الأول كالاستثناء والشرط

стр. 2303

والصفة والغاية، فلا يسمى ذلك نسخًا لفوات شرط النسخ وهو التراخي بين الناسخ والمنسوخ؛ فإن ذلك يسمى بيانًا ولا يسمى نسخًا (١). قوله: (خطاب دال على ارتفاع حكم ...) إلى آخر الحد معترض من أوجه: أحدها: أن الخطاب طريق معرف للنسخ وليس هو نفس النسخ؛ لأن النسخ هو الارتفاع، فالخطاب معَرِّف والنسخ معَرَّف، والفاعل خلاف المفعول فلا يتناول الحد المحدود أصلاً (٢). الثاني: أنه غير جامع، لخروج الفعل والإقرار من المحدود؛ لأن فعله ﵇ وإقراره ليس بخطاب مع أن النسخ يقع بذلك كما تقدم لنا في الباب قبل هذا، في قوله: "تفريع: إذا وجب الاتباع وعارض فعله قوله، فإن تقدم القول وتأخر الفعل نسخ الفعل القول، كان القول خاصًا به أو بأمته أو عمهما (٣) " (٤). الثالث: أنه غير جامع لخروج الفعل والإقرار منه أيضًا بالنسبة إلى المنسوخ؛ لأنه يقع النسخ في الفعل والإقرار كما يقع بهما؛ لأن قول المؤلف:

стр. 2304

(بخطاب متقدم)، يقتضي أن الفعل والإقرار لا ينسخان؛ إذ ليسا بخطاب (١)، فوقع الاعتراض بالفعل والإقرار من وجهين: وجه من جهة الخطاب الناسخ، ووجه من جهة الخطاب المنسوخ. الرابع: أن رفع الحكم لا يصح؛ لأنه إما أن يريد به كلام الله القديم، أو يريد أفعال المكلفين، ولا يصح الرفع في كليهما. أما رفع القديم فمحال ظاهر، وأما أفعال المكلفين، فإما أن يقع الفعل أم لا، فإن وقع الفعل فلا يصح رفعه/ ٢٤٢/ لأن رفع الواقع محال، وإن لم يقع فرفع ما لم يقع محال أيضًا، فاستحال الرفع على كل حال (٢). الخامس: أن قوله: (لولاه لكان ثابتًا)، حشو مستغنى عنه، فإن الحكم المغيا بوقت يرتفع بانتهائه إلى وقته، فلا يدل الخطاب الثاني على ارتفاع حكم الخطاب الأول، بل يرتفع بانتهائه إلى وقته؛ لأن ارتفاعه يتوقف على ثبوته لاستحالة ارتفاع المرتفع (٣). السادس: أن قوله: (مع تراخيه عنه) حشو أيضًا؛ لأن الخطاب المتصل ليس رافعًا لحكم الخطاب الأول، بل هو مبين لكون الخطاب المتقدم لم يرد به الحكم في المستثنى، وفيما خرج عن الشرط، والغاية، والصفة (٤). أجيب عن الأول الذي هو قولنا: الخطاب مُعَرِّف للنسخ لا نفس النسخ:

стр. 2305

بأن الناسخ في الحقيقة هو الله، ولذلك أضاف النسخ إلى نفسه في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (١)، فالنسخ هو فعل الناسخ، وفعله هو هذه المدارك وجعلها ناسخًا، فالمصدر في التحقيق هو هذه المدارك، فاندفع السؤال (٢). وأجيب عن الثاني - الذي هو خروج الفعل والإقرار من الحد لكونهما غير خطاب - بأن فعله ﵇ وإقراره يدل على ورود خطاب الله تعالى الدال على ارتفاع الحكم أو على ثبوت الحكم؛ إذ ليس للرسول ﵇ رفع الحكم ولا إثباته من تلقاء نفسه؛ لأنه مبلغ عن الله تعالى أحكامه للعباد، فيندرج فعله ﵇ وإقراره في الخطاب، وهذا الجواب أيضًا هو جواب عن الثالث (٣). وأجيب عن الرابع الذي هو قولنا: رفع الحكم الشرعي محال: بأن المراد بالحكم الشرعي ها هنا ما يجعل المكلف بعد أن لم يكن، وهو الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، وهو تعلق تنجيز التكليف، وهو كون المخاطب مكلفًا بالإتيان بالمكلف به عند تعلق الخطاب به، وليس المراد بالحكم الشرعي ها هنا الحكم القديم الأزلي (٤). وأجيب عن الخامس الذي هو قولنا: لولاه لكان ثابتًا حشو: بأنه أتى به

стр. 2306

رفعًا للبيان إلى أقصى غايته. وهكذا الجواب عن السادس الذي [هو] (١) قولنا: قوله: مع تراخيه عنه حشو. قوله: (قال (٢) الإِمام فخر الدين: الناسخ طريق شرعي يدل على أن مثل الحكم الثابت بطريق لا يوجد بعده متراخيًا عنه بحيث لولاه لكان ثابتًا (٣)، فالطريق يشمل (٤) سائر المدارك الخطاب وغيره، وقوله (٥): مثل الحكم؛ لأن الثابت قبل النسخ غير المعدوم بعده، وقوله: متراخيًا (٦) لئلا يتهافت الخطاب، وقوله: [لولاه] (٧) لكان ثابتًا احترازًا من المغيات نحو: الخطاب بالإِفطار بعد غروب الشمس، فإِنه ليس ناسخًا (٨) [لوجوب] (٩) الصوم (١٠)). ش: لما نظر الإمام إلى الإشكالات الواردة على حد القاضي عدل إلى هذا الحد فقال: طريق شرعي، فالطريق يندرج فيه الخطاب والفعل والإقرار، فالطريق أعم من الخطاب (١١) وإلى هذا أشار المؤلف بقوله: "فالطريق يشمل

стр. 2307

سائر المدارك: الخطاب وغيره". وقوله: (يدل) يعني دلالة الالتزام، ولا تصح ها هنا دلالة المطابقة ولا دلالة التضمن؛ لأن المنسوخ ليس جملة الناسخ ولا جزأه. قوله: (على أن مثل الحكم الثابت بطريق) أي: بطريق شرعي، وإنما حذف صفة الطريق ها هنا لدلالة الأول عليه، وإنما قال: "مثل الحكم" ولم يقل: يدل على أن الحكم الثابت، بناء على أن الحكم الأول لا يرتفع، وإنما الذي يرتفع بالنسخ هو مثله لا نفسه؛ لأنه لو لم يرد النسخ لتجدد مثل الحكم الأول، فورود النسخ يمنع تجدد مثل الحكم الأول، وهذا على طريقة المعتزلة القائلين بأن الحكم الشرعي قول، والأقوال عندهم لا تبقى زمانين فلا بد من تجددها. قوله: (الثابت) أي: الثابت قبل النسخ. قوله: (لا يوجد بعده) أي: لا يوجد بعد النسخ، أي: لا يوجد مثل الحكم الأول بعد النسخ بل يعدم مثله بعد النسخ، وهذا بناء على أن النسخ ليس فيه رفع الحكم المتقدم، وإنما هو بيان انتهاء مدة الحكم المتقدم. قوله: (متراخيًا عنه) قال فخر الدين وتاج الدين (١): أخرجنا بهذا القيد

стр. 2308

الأشياء المتصلة من الشرط والاستثناء والغاية؛ لأنها غير متراخية (١). قوله: (لئلا يتهافت الخطاب) التهافت لغة: هو التساقط، قال المؤلف في الشرح: قولي: مع تراخيه عنه؛ لأنه لو قال الشارع: افعلوا، لا تفعلوا، لتهافت الخطاب وأسقط الثاني الأول، وكذلك لو قال عند الأول: هو منسوخ عنكم بعد سنة، لكان هذا الوجوب مغيًا بتلك الغاية من السنة فلا يتحقق النسخ بل ينتهي بوصوله إلى غايته، وحينئذ يتعين أن يكون الناسخ مسكوتًا عنه في ابتداء الحكم. انتهى نصه (٢). قوله: (بحيث لولاه لكان ثابتًا) أي: على وجه لولا الناسخ لكان مثل الحكم ثابتًا أي مستمرًا. قوله: (احترازًا من المغيات) كأن يقول الله تعالى مثلاً: صوموا إلى الليل، ثم يقول بعد ذلك: إذا دخل الليل فكلوا واشربوا. فإن الحكم إذا جعل له غاية فلا يكون ثابتًا إذا وصل غايته، ومن شرط النسخ أن يكون الحكم الأول قابلاً للثبوت والدوام، والمغيا لا يقبل الثبوت والدوام بعد وصوله غايته (٣). قوله: (الناسخ طريق شرعي ...) إلى آخر الحد.

стр. 2309

معترض/ ٢٤٣/ من أوجه: أحدها: أن الطريق ناسخ لا نسخ، والمصدر غير الفاعل، فالحد لا يصدق على المحدود (١). الثاني: أن قوله: "يدل على أن مثل الحكم الثابت"، يقتضي خروج ما أمر به مرة واحدة في العمر ثم نسخ، كذبح إسحاق ﵇ (٢) فإنه شيء واحد والشيء الواحد لا مثل له، فيكون الحد غير جامع (٣). الثالث: أن الحكم الشرعي كلام الله القديم، والمثلية في حق القديم محال، وإنما تصح المثلية في الأعراض الممكنة التي يستحيل البقاء عليها زمانين (٤) (٥). الرابع: أن قوله: "متراخيًا عنه"، مناقض لقوله في الباب الذي قبل هذا: وإن تعقب الفعل القول من غير تراخ، وعم القول له ولأمته، خصصه عن

стр. 2310

عموم القول، وإن اختص بالأمة ترجح القول على الفعل، وإن اختص به جاز إن جوزنا نسخ الشيء قبل وقته وإلا فلا (١). انتهى نصه. فذكر هنالك أن الفعل إذا تعقب القول من غير تراخ وكان القول خاصًا بالنبي ﵇ فإنه يكون نسخًا، فإن كان التراخي شرطًا في النسخ فلا يصح كلامه في تعارض القول والفعل، وإن لم يكن التراخي شرطًا فلا يصح حده في النسخ، فأحد الأمرين لازم. الخامس: قوله: "لولاه لكان ثابتًا" إنما يحسن على القول بأن النسخ رفع لا أنه انتهاء (٢). أجيب عن الأول: الذي هو قولنا: أن الطريق ناسخ لا نسخ والمصدر خلاف الفاعل: بأن الناسخ في الحقيقة هو الله تعالى والنسخ هو فعله، وفعله هو هذا الطريق الذي جعله ناسخًا، فالمصدر في التحقيق هو هذا الطريق الذي جعله ناسخًا (٣). أجيب عن الثاني: الذي هو قولنا: قوله: "يدل على أن مثل الحكم الثابت"، يقتضي خروج ما أمر به مرة واحدة كنسخ ذبح إسحاق؛ لأنه شيء واحد، والشيء الواحد لا مثل له مع تحقق النسخ، أجيب عنه: بأن المقصود التعدد في الزمان لا في الفعل المأمور به (٤)؛ لأن زمان الذبح متسع من حين

стр. 2311

الأمر به إلى حين الفداء (١). أجيب عن الثالث: الذي هو قولنا: الحكم الشرعي قديم ولا تصح المثلية في القديم: بأن المراد بالحكم الشرعي ما يحصل على المكلف بعد أن لم يكن، وهو تنجيز التكليف وهو كونه مخاطبًا بالإتيان بالمكلف به كما تقدم في حد القاضي (٢). أجيب عن الرابع: الذي هو قولنا: قوله: (متراخيًا عنه) مناقض لما تقدم في تعارض الفعل والقول (٣): بأن ما تقدم جار على أحد القولين بدليل: جاز إن جوزنا نسخ الشيء قبل وقته وإلا فلا، وما ذكر ها هنا جار على القول الآخر. أجيب عن الخامس: الذي هو قولنا: قوله: (لولاه لكان ثابتًا)، إنما يحسن على القول بأن النسخ رفع لا على أنه انتهاء. أجيب: بأن ذلك على أحد القولين، ولا يعارض قول بقول. والمختار في تحديد النسخ عند المحققين ما قاله ابن الحاجب في الأصول وهو: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر (٤). ومراده بالحكم الشرعي: ما يحصل على المكلف بعد أن لم يكن، وليس المراد به الحكم القديم. قوله: (وقال القاضي (٥) منا، والغزالي: الحكم المتأخر يزيل

стр. 2312

[الحكم] (١) المتقدم، وقال الإِمام والأستاذ وجماعة: هو بيان انتهاء (٢) مدة الحكم، وهو (٣) [الذي يتجه] (٤)؛ لأنه لو كان دائمًا في نفس الأمر لعلمه الله دائمًا، فكان يستحيل نسخه، لاستحالة انقلاب العلم [جهلاً] (٥)، وكذلك الكلام القديم الذي [هو] (٦) خبر عنه) (٧). ش: لما ذكر المؤلف حد النسخ فذكر في ذلك حدين: أحدهما للقاضي، والآخر للإمام، فذكر أن معنى النسخ عند القاضي: هو رفع الحكم المتقدم (٨)، وأن معناه عند الإمام: هو انتهاء الحكم المتقدم (٩)، ولا خلاف بين الفريقين في

стр. 2313

أن الخطاب يقتضي الدوام في اعتقادنا، وإنما الخلاف بينهما: هل يقتضي الدوام في نفس الأمر؟ قاله القاضي، أو لا يقتضيه؟ قاله الإمام. قال القاضي: النسخ بمنزلة الفسخ، فكما أن الإجارة إلى شهر مثلاً يمكن فسخها في أثناء الشهر؛ لأن شأنها أن تدوم إلى تمام الشهر، فكذلك النسخ لا يكون إلا فيما شأنه أن يدوم (١)، وأما بعد الشهر فلا يمكن الفسخ لعدم الدوام، فيقتضي الخطاب عنده الدوام إلا أن يبطله الناسخ. وقال الإمام والجماعة (٢): لا يقتضي الخطاب الدوام في نفس الأمر، وإنما يقتضي الحكم إلى الغاية التي بيّنها النسخ. حجة القاضي: أن معنى النسخ لغة هو: الإزالة والرفع، فوجب أن يكون عرفًا كذلك؛ لأن الأصل عدم النقل والتغيير (٣). وحجة الإمام ما قاله المؤلف وهو قوله: (لو كان دائمًا في نفس الأمر لعلمه الله دائمًا ...) إلى آخره، وتقدير (٤) هذا الدليل: لو كان الحكم المتقدم يقتضي دوامه في نفس الأمر إلى أن رفعه الناسخ، لَعلمه الله تعالى دائمًا فيما

стр. 2314

علمه الله تعالى دائمًا، فيستحيل نسخه، لاستحالة انقلاب علم الله جهلاً، فذلك محال وما يؤدي إلى المحال فهو محال (١) فيتبين بهذا الدليل أن الحكم المتقدم لا يقتضي الدوام في نفس الأمر، فإذا كان لا يقتضي الدوام في نفس الأمر فلا يصح رفعه بالنسخ وهو المطلوب. قالوا: يلزم القاضي القائل برفع الحكم المحال في ثلاث صفات: وهي العلم، والخبر، والإرادة (٢). أما العلم: فلأن الله تعالى علم الأشياء على ما هي عليه، فلو كان الحكم دائمًا في نفس الأمر لعلمه الله دائمًا، ولو علمه الله لاستحال نسخه؛ لأن خلاف معلومه محال (٣). وأما الخبر: فلأن الله تعالى لو شرعه دائمًا لعلمه دائمًا، ولو علمه دائمًا لأخبر عن دوامه، ولو أخبر عن دوامه لوجب دوامه/ ٢٤٤/ ولو وجب دوامه لاستحال نسخه؛ لأن خلاف خبره محال (٤)، وإلى هذا أشار المؤلف بقوله: وكذلك الكلام القديم الذي [هو] (٥) خبر عنه، معناه: وكذلك يستحيل نسخ الكلام القديم الذي هو خبر عن الحكم؛ لأن ذلك يؤدي إلى التناقض.

стр. 2315

وأما الإرادة: فلأن [الله] (١) تعالى لو شرعه دائمًا لأراد دوامه، ولو أراد دوامه لوجب دوامه، ولو وجب دوامه لاستحال نسخه؛ لأن خلاف مراده محال (٢). فلو صح رفع الحكم بالنسخ كما قال القاضي للزم مخالفة هذه الصفات الثلاث، فتعين بذلك أن الحكم كان دائمًا في اعتقادنا لا في نفس الأمر، فالناسخ مزيل للدوام من اعتقادنا لا من نفس الأمر (٣)، فالنسخ على هذا بمنزلة تخصيص العام، ولهذا قالوا: النسخ تخصيص في الأزمان (٤). قال بعضهم: هذا الخلاف بين القاضي والإمام، إنما هو اختلاف حال وليس باختلاف مقال، فقول القاضي: النسخ هو: الحكم المتأخر يزيل المتقدم، إنما هو بالنسبة إلى اعتقادنا، وقول الإمام والجماعة: هو بيان انتهاء مدة الحكم، إنما هو بالنسبة إلى ما في نفس الأمر، فعلى هذا فلا خلاف بين الفريقين (٥). ...
следующие страницы →