← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

الأمر به إلى حين الفداء (١). أجيب عن الثالث: الذي هو قولنا: الحكم الشرعي قديم ولا تصح المثلية في القديم: بأن المراد بالحكم الشرعي ما يحصل على المكلف بعد أن لم يكن، وهو تنجيز التكليف وهو كونه مخاطبًا بالإتيان بالمكلف به كما تقدم في حد القاضي (٢). أجيب عن الرابع: الذي هو قولنا: قوله: (متراخيًا عنه) مناقض لما تقدم في تعارض الفعل والقول (٣): بأن ما تقدم جار على أحد القولين بدليل: جاز إن جوزنا نسخ الشيء قبل وقته وإلا فلا، وما ذكر ها هنا جار على القول الآخر. أجيب عن الخامس: الذي هو قولنا: قوله: (لولاه لكان ثابتًا)، إنما يحسن على القول بأن النسخ رفع لا على أنه انتهاء. أجيب: بأن ذلك على أحد القولين، ولا يعارض قول بقول. والمختار في تحديد النسخ عند المحققين ما قاله ابن الحاجب في الأصول وهو: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر (٤). ومراده بالحكم الشرعي: ما يحصل على المكلف بعد أن لم يكن، وليس المراد به الحكم القديم. قوله: (وقال القاضي (٥) منا، والغزالي: الحكم المتأخر يزيل

стр. 2312

[الحكم] (١) المتقدم، وقال الإِمام والأستاذ وجماعة: هو بيان انتهاء (٢) مدة الحكم، وهو (٣) [الذي يتجه] (٤)؛ لأنه لو كان دائمًا في نفس الأمر لعلمه الله دائمًا، فكان يستحيل نسخه، لاستحالة انقلاب العلم [جهلاً] (٥)، وكذلك الكلام القديم الذي [هو] (٦) خبر عنه) (٧). ش: لما ذكر المؤلف حد النسخ فذكر في ذلك حدين: أحدهما للقاضي، والآخر للإمام، فذكر أن معنى النسخ عند القاضي: هو رفع الحكم المتقدم (٨)، وأن معناه عند الإمام: هو انتهاء الحكم المتقدم (٩)، ولا خلاف بين الفريقين في

стр. 2313

أن الخطاب يقتضي الدوام في اعتقادنا، وإنما الخلاف بينهما: هل يقتضي الدوام في نفس الأمر؟ قاله القاضي، أو لا يقتضيه؟ قاله الإمام. قال القاضي: النسخ بمنزلة الفسخ، فكما أن الإجارة إلى شهر مثلاً يمكن فسخها في أثناء الشهر؛ لأن شأنها أن تدوم إلى تمام الشهر، فكذلك النسخ لا يكون إلا فيما شأنه أن يدوم (١)، وأما بعد الشهر فلا يمكن الفسخ لعدم الدوام، فيقتضي الخطاب عنده الدوام إلا أن يبطله الناسخ. وقال الإمام والجماعة (٢): لا يقتضي الخطاب الدوام في نفس الأمر، وإنما يقتضي الحكم إلى الغاية التي بيّنها النسخ. حجة القاضي: أن معنى النسخ لغة هو: الإزالة والرفع، فوجب أن يكون عرفًا كذلك؛ لأن الأصل عدم النقل والتغيير (٣). وحجة الإمام ما قاله المؤلف وهو قوله: (لو كان دائمًا في نفس الأمر لعلمه الله دائمًا ...) إلى آخره، وتقدير (٤) هذا الدليل: لو كان الحكم المتقدم يقتضي دوامه في نفس الأمر إلى أن رفعه الناسخ، لَعلمه الله تعالى دائمًا فيما

стр. 2314

علمه الله تعالى دائمًا، فيستحيل نسخه، لاستحالة انقلاب علم الله جهلاً، فذلك محال وما يؤدي إلى المحال فهو محال (١) فيتبين بهذا الدليل أن الحكم المتقدم لا يقتضي الدوام في نفس الأمر، فإذا كان لا يقتضي الدوام في نفس الأمر فلا يصح رفعه بالنسخ وهو المطلوب. قالوا: يلزم القاضي القائل برفع الحكم المحال في ثلاث صفات: وهي العلم، والخبر، والإرادة (٢). أما العلم: فلأن الله تعالى علم الأشياء على ما هي عليه، فلو كان الحكم دائمًا في نفس الأمر لعلمه الله دائمًا، ولو علمه الله لاستحال نسخه؛ لأن خلاف معلومه محال (٣). وأما الخبر: فلأن الله تعالى لو شرعه دائمًا لعلمه دائمًا، ولو علمه دائمًا لأخبر عن دوامه، ولو أخبر عن دوامه لوجب دوامه/ ٢٤٤/ ولو وجب دوامه لاستحال نسخه؛ لأن خلاف خبره محال (٤)، وإلى هذا أشار المؤلف بقوله: وكذلك الكلام القديم الذي [هو] (٥) خبر عنه، معناه: وكذلك يستحيل نسخ الكلام القديم الذي هو خبر عن الحكم؛ لأن ذلك يؤدي إلى التناقض.

стр. 2315

وأما الإرادة: فلأن [الله] (١) تعالى لو شرعه دائمًا لأراد دوامه، ولو أراد دوامه لوجب دوامه، ولو وجب دوامه لاستحال نسخه؛ لأن خلاف مراده محال (٢). فلو صح رفع الحكم بالنسخ كما قال القاضي للزم مخالفة هذه الصفات الثلاث، فتعين بذلك أن الحكم كان دائمًا في اعتقادنا لا في نفس الأمر، فالناسخ مزيل للدوام من اعتقادنا لا من نفس الأمر (٣)، فالنسخ على هذا بمنزلة تخصيص العام، ولهذا قالوا: النسخ تخصيص في الأزمان (٤). قال بعضهم: هذا الخلاف بين القاضي والإمام، إنما هو اختلاف حال وليس باختلاف مقال، فقول القاضي: النسخ هو: الحكم المتأخر يزيل المتقدم، إنما هو بالنسبة إلى اعتقادنا، وقول الإمام والجماعة: هو بيان انتهاء مدة الحكم، إنما هو بالنسبة إلى ما في نفس الأمر، فعلى هذا فلا خلاف بين الفريقين (٥). ...

стр. 2316

الفصل الثاني في حكمه ش: أي: في حكم النسخ باعتبار الجواز والوقوع. أي: هل هو جائز أم لا؟ وهل هو واقع أم لا؟ ذكر المؤلف في هذا الفصل ثماني مسائل. قوله: (وهو واقع (١)، وأنكره بعض اليهود عقلاً وبعضهم سمعًا، وبعض المسلمين مؤولاً لما وقع من ذلك بالتخصيص. لنا: ما اتفقت عليه الأمم من أن الله تعالى شرع لآدم تزويج الأخ بأخته (٢) غير توأمته، وقد نسخ ذلك). ش: قال سيف الدين الآمدي في الإحكام: اتفق أهل الشرائع على جواز النسخ عقلاً، وعلى وقوعه شرعًا، ولم يخالف في ذلك من المسلمين سوى

стр. 2317

أبي مسلم الأصفهاني (١) من المعتزلة، فإنه جوّزه عقلاً ومنعه شرعًا، ولم يخالف في ذلك من أرباب الشرائع سوى اليهود، فإنهم افترقوا في ذلك ثلاث فرق: فذهبت الشمعنية (٢) إلى امتناعه عقلاً وسمعًا (٣). وذهبت العنانية (٤) منهم إلى امتناعه سمعًا لا عقلاً. وذهبت العيسوية (٥) إلى جوازه عقلاً ............

стр. 2318

ووقوعه (١) سمعًا، واعترفوا بنبوة محمد ﷺ لكن إلى العرب خاصة لا إلى الأمم كافة (٢). قوله: (وهو واقع) يعني باتفاق المسلمين، وأما قول الأصبهاني المذكور فهو مؤول كما سيأتي. وقوله: (وأنكره بعض اليهود عقلاً) يعني: وسمعًا بأولى وأحرى وهم الشمعنية (٣) المذكورة (٤). قوله: (وبعضهم سمعًا) يعني: وجوزه عقلاً، وهم العنانية المذكورة (٥). قوله: (وبعض المسلمين مؤولاً لا وقع من ذلك بالتخصيص) يعني: أن بعض المسلمين وهو أَبو مسلم الأصبهاني من المعتزلة، فسر النسخ الوارد في الشريعة بالتخصيص في الأزمان (٦)؛ وذلك أن الحكم المنسوخ عنده هو مؤقت [بغاية وأنه] (٧) انتهى بانتهاء غايته، فعلى هذا لا خلاف في المعنى، وإنما

стр. 2319

الخلاف في التسمية؛ هل يسمى نسخًا أو يسمى تخصيصًا؟ (١). فحصل من كلام المؤلف رحمه الله تعالى ثلاثة أقوال: الجواز مطلقًا، والمنع مطلقًا، والثالث: يجوز عقلاً ولا يجوز سمعًا. فالأول للمسلمين، والآخران لليهود لعنهم الله تعالى. قوله: (لنا ما اتفقت عليه الأمم من [أن] (٢) الله تعالى شرع لآدم تزويج الأخ بأخته (٣) غير توأمته)، هذا دليل أهل الإسلام على جوازه عقلاً وسمعًا؛ لأن الوقوع يستلزم الجواز (٤)، وذلك أن أمنا حواء ﵍ ولدت أربعين بطنًا في كل بطن ذكر وأنثى، فكان آدم ﵇ يزوج لكل ذكر غير توأمته (٥)، ثم حرم الله ذلك في زمان نوح ﵇. ولنا أيضًا (٦) أن الله تعالى أباح لآدم وحواء أكل كل ما دب على وجه الأرض، ثم حرم الله تعالى في زمان نوح ﵇، وهذان الدليلان يستدل بهما على من أنكر النسخ من اليهود؛ لأن هذا موجود في التوراة (٧).

стр. 2320

ولنا أيضًا: إباحة العمل في السبت ثم حرم في زمان موسى (١). ولنا أيضًا: أن في التوراة السارق إذا سرق في الرابعة تنقب أذنه ويباع (٢)، ثم نسخ ذلك. ولنا أيضًا: جواز الجمع بين الحرة والأمة في شرع إبراهيم؛ لأنه جمع بين سارة الحرة وهاجر الأمة، ثم نسخ ذلك في التوراة (٣).

стр. 2321

ولنا أيضًا: أن الله تعالى قال في التوراة لموسى ﵇: أخرج أنت وشعبك لترثوا الأرض المقدسة التي وعدت بها أباكم (١) إبراهيم، فلما صاروا إلي التيه، قال الله تعالى: لا تدخلوها لأنكم عصيتموني (٢)، فهذا أيضًا عين النسخ) (٣). قال المؤلف في الشرح (٤): وقد ذكرت في شرح المحصول صورًا كثيرة غير هذه (٥)، وكذلك ذكرتها في كتاب الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة (٦)، في الرد على اليهود والنصارى (٧). ولنا أيضًا: قوله تعالى حكاية عن عيسى ﵇: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (٨) والتحليل بعد التحريم نسخ.

стр. 2322

وكذلك قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ (١) (٢)، وبيّن الله تعالى ذلك بقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ (٣)، ومعنى ذي ظفر: ما ليس بمنفرج الأصابع كالإبل والنعام والأوز، وقد بين المجاصي (٤) ذلك في أرجوزته (٥) فقال: وجاءنا/ ٢٤٥/ في وصف كل ذي ظفر ... يعني البعير والنعام والحمر وقيل كل كاسب بالظفر ... من سبع أو غيره كالطير (٦) ثم الحوايا مبعر في البطن ... فيما حكى ذوو النهى والفطن (٧) (٨) وقوله: أو الحوايا: في مفرده ثلاثة أقوال ذكرها المهدوي في التحصيل (٩).

стр. 2323

قال: قيل: حاوياء مثل قاصعاء وقواصع، وقيل: حاوية كضاربة وضوارب، وقيل: حوية، كسفينة وسفائن (١). ولنا أيضًا: قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ...﴾ الآية (٢) فأمر بذبح ولده، ثم نسخ ذلك. ولنا أيضًا: قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ ...﴾ الآية (٣)، وذلك أن الله تعالى حرم على اليهود العمل يوم السبت بعد أن كان مباحًا قبل ذلك، والتحريم بعد التحليل نسخ (٤). ولنا أيضًا: أن العلماء أجمعوا على أن شريعة محمد ﷺ ناسخة لجميع الشرائع السالفة (٥). وكذلك أجمعوا أيضًا على نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة (٦).

стр. 2324

وكذلك أجمعوا أيضًا على نسخ عدة الوفاة التي هي مقدرة بالحول الكامل بأربعة أشهر وعشر (١). وكذلك أجمعوا أيضًا (٢) على نسخ الوصية الوالدين (٣) والأقربين بآية المواريث (٤). وكذلك أجمعوا أيضًا على نسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي ﵇ (٥). وكذلك أجمعوا على نسخ وجوب وقوف الواحد للعشرة بوقوفه للاثنين (٦) (٧). ويدل على جواز النسخ أيضًا قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ

стр. 2325

بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (١) (٢)، قوله: "ننسخ" و"ننسها"، في كل واحد من الفعلين قراءتان في السبع، أما "ننسخ" بقراءة ابن عامر بضم النون وكسر السين (٣)، يقال: أنسخت الكتاب، أي: وجدته منسوخًا (٤)، كقولك: أحمدته وأبخلته، أي: وجدته محمودًا، أو بخيلاً (٥)، وفتحها الباقون (٦)، وأما "ننسها" (٧) فقرأه ابن كثير وأبو عمرو بفتح النون والسين مع الهمزة، وقرأه الباقون بضم النون وكسر السين من غير همزة (٨). فقوله تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٩) على قراءته بغير همز، يحتمل أن يكون من النسيان الذي هو ضد الذكر، ويحتمل أن يكون من النسيان الذي هو

стр. 2326

الترك، كقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ (١) نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ (٢) معناه (٣): نترك ثوابكم كما تركتم العمل ليوم هذا (٤)، فمعناه على أن المراد به النسيان الذي هو ضد الذكر: ما ننسخ من حكم آية أو ننسيكها تلاوتها، على حذف المفعول الأول لننسي (٥). ومعناه على أن المراد بالنسيان الترك: ما ننسخ من تلاوة آية أو ننسيكها العمل (٦) بها، أي نأمرك بترك العمل بها (٧). وقوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾، يعني: ثوابها (٨) في الآجل لا في العاجل. وأما معناه على قراءة الهمز فهو: ما ننسخ من حكم آية أو نؤخرها من التلاوة مع بقاء حكمها نأت بخير منها أو مثلها (٩).

стр. 2327

فقوله: أو ننسأها بالهمز: نؤخر (١)، فقولهم: نسأه ينسؤه نسأ، إذا أخره (٢) ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ (٣)، وهو تأخير القتال في المحرم إلى صفر إذا احتيج إلى ذلك (٤). ومنه تسمية العصا بالمنسأة (٥)، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إلا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ (٦). ومنه قول الشاعر: إذا دببت على المنساة من كبر ... فقد تباعد عنك اللهو والغزل (٧) ويدل على جواز النسخ أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ...﴾ (٨) الآية (٩). وهذا بأسره (١٠) يدل على جواز النسخ، وإلى ذلك أشار المؤلف بقوله:

стр. 2328

"وهو واقع". قوله: (وأنكره بعض اليهود عقلاً) حجتهم: أن الفعل لا يخلو إما أن يكون حسنًا وإما أن يكون قبيحًا، فإن كان حسنًا استحال النهي عنه لحسنه، وإن كان قبيحًا استحال الإذن فيه لقبحه؛ لأن الله تعالى لا يأمر بشيء إلا وفيه مصلحة، ولا ينهى عن شيء إلا وفيه مفسدة، فكيف يأمر بما فيه مصلحة ثم ينهى عنه؟ وكيف ينهى عن شيء فيه مفسدة ثم يأمر به؟ (١). أجيب عن هذا: بأن الفعل قد يكون حسنًا في وقت وقبيحًا في وقت آخر، كالأكل والشرب، باعتبار الصحة والمرض، وباعتبار الجوع والشبع، وباعتبار الشتاء والصيف. ألا ترى أن الطبيب قد يأمر المريض بدواء خاص في وقت معين لمصلحة، وينهاه عن ذلك في وقت آخر لمصلحة أخرى؛ لأن المصالح تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، كما تختلف باختلاف الأزمان والأوقات (٢). قوله: (وبعضهم سمعًا) يعني الطائفة العنانية من اليهود. حجتهم: أن موسى ﵇ تواتر عندهم أنه قال: إن هذه الشريعة مؤبدة عليكم ما دامت السموات والأرض (٣) (٤).

стр. 2329

أجيب عنه بأوجه: أحدها: الأدلة المتقدمة في جواز النسخ. الوجه الثاني: أن لفظ الأبد ظاهر في عموم الأزمنة المستقبلة لا نص، والمسألة علمية لا يكتفى فيها بالظواهر (١) كما يأتي في قوله: "ويجوز نسخ ما قيل فيه: افعلوا أبدًا خلافًا لقوم" (٢)، فإن صيغة أبدًا بمنزلة العموم في الأزمان، والعموم قابل للتخصيص والنسخ. الوجه الثالث: أن اليهود لم يبق منهم ما يصلح للتواتر؛ لأنهم أفناهم وأبادهم بختنصر (٣) بالقتل (٤).

стр. 2330

الوجه الرابع: أن لفظ الأبد في التوراة ورد على خلاف التأبيد (١)، فقال في التوراة: العبد يستخدم ست سنين ثم يعتق في السابعة، فإن أبى العتق فلتثقب أذنه ويستخدم أبدًا (٢)، فأطلق الأبد على العمر خاصة، وقال في السفر الثاني من التوراة: قربوا إليّ كل يوم خروفين/ ٢٤٦/؛ خروفًا غدوة وخروفًا عشية قربانًا دائمًا لاحقًا بكم أبدًا (٣)، ثم نسخ ذلك. الوجه الخامس: أنه لو صح ما ذكروه من النقل عن موسى ﵇ لحاججوا (٤) به النبي ﵇، ولم يرو عن أحد منهم أنه أظهر ذلك في زمان النبي ﵇، وإنما أظهره ابن الراوندي (٥) (٦) بعد ذلك، ليعارض

стр. 2331

بذلك دعوى محمد ﷺ (١). الوجه السادس: أنه لو صح ما نقلوه عن موسى ﵇ لما ظهرت معجزات نبي بعده، وقد ظهرت معجزات عيسى، ومعجزات محمد عليهما الصلاة والسلام (٢). فثبت بما قررناه أن ما نقلوه عن موسى ﵇ افتراء عليه وبهتان، والحمد لله على ظهور كذبهم وفضيحتهم. قوله: (ويجوز عندنا وعند الكافة نسخ القرآن خلافًا لأبي مسلم (٣) الأصفهاني؛ لأن الله تعالى نسح وقوف الواحد للعشرة [في الجهاد] (٤) بثبوته للاثنين، وهما في القرآن). ش: هذه مسألة ثانية (٥).

стр. 2332

قوله: (عندنا) يعني: أهل السنة. قوله: (وعند الكافة) يعني: المعتزلة. قوله: (خلافًا لأبي مسلم الأصبهاني)، ذكر المؤلف أن الخلاف المنسوب إلى أبي مسلم الأصبهاني مخصوص بنسخ القرآن. وهذا مخالف لما قال سيف الدين الآمدي في الإحكام؛ لأنه ذكر أن أبا مسلم الأصبهاني خالف في النسخ مطلقًا، فإنه منع وروده شرعًا وجوزه عقلاً (١)، كما تقدم لنا أول هذا الفصل (٢). فيحتمل أن يكون لأبي مسلم الأصبهاني قولان: قول بإنكار النسخ مطلقًا كما قاله الآمدي، وقول بإنكاره في القرآن خاصة، كما قاله المؤلف (٣). قوله: (خلافًا لأبي مسلم الأصبهاني) ذكر المؤلف الخلاف في جواز نسخ القرآن، وهذا مخالف لما ذكره القاضي أَبو بكر وإمام الحرمين؛ لأنهما قالا: لا خلاف بين الأمة في جواز نسخ القرآن بالقرآن (٤)، ولم يذكرا خلاف

стр. 2333

أبي مسلم الأصبهاني، فيحتمل أن يكون سكوتهما عن خلاف أبي مسلم الأصبهاني بناء على القول بتكفير المعتزلة (١)، فلا يعتبرون في الإجماع (٢). قوله: (خلافًا لأبي مسلم)، قال أَبو إسحاق الشيرازي في اللمع: أَبو مسلم كنيته، واسمه: عمر بن يحيى (٣). حجة الجماعة: ما قاله المؤلف، وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ (٤) مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا [أَلْفًا] (٥) مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ

стр. 2334

قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (١)، هذه الآية منسوخة بالتي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ (٢) مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣) (٤). وكذلك نسخ اعتداد المتوفى عنها بالحول الكامل بأربعة أشهر وعشر، وذلك أن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (٥)، وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٦) (٧). وغير ذلك من الناسخ والمنسوخ في القرآن. حجة أبي مسلم القائل بمنع نسخ القرآن بالقرآن: قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ [مِنْ] (٨) بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (٩)، فلو نسخ لبطل؛ لأن النسخ إبطال (١٠).

стр. 2335

أجيب: بأن معنى الآية: لم يتقدمه من الكتب ما يبطله، ولا يأتي بعده ما يبطله (١)، فالناسخ والمنسوخ حق (٢). قوله: (ويجوز نسخ الشيء قبل وقوعه عندنا خلافًا لأكثر الشافعية والحنفية [والمعتزلة] (٣)، كنسخ ذبح إسحاق ﵇ قبل وقوعه). ش: هذه مسألة ثالثة (٤) (٥).

стр. 2336

قال المؤلف في شرحه: ها هنا أربع صور: إحداها: أن يوقت الفعل بزمان مستقبل فينسخ قبل حضوره. وثانيها: أن يؤمر به على الفور فينسخ قبل الشروع فيه. وثالثها: أن يشرع فيه فينسخ قبل كماله. ورابعها: أن يكون الفعل يتكرر فيفعل مرارًا ثم ينسخ. فأما هذه الصورة الرابعة فقد وافقنا فيها المعتزلة، لحصول مصلحة الفعل بتلك المرة الواقعة قبل النسخ، كنسخ بيت المقدس بالكعبة وغير ذلك. وأما المسألة الأولى والثانية، وهما: النسخ قبل الوقت، وقبل الشروع، فقد منعه المعتزلة، لعدم حصول مصلحة الفعل؛ لأن ترك المصلحة عندهم ممنوع على قاعدة التحسين والتقبيح. وأما الصورة الثالثة وهي: النسخ بعد الشروع وقبل الكمال، فقال المؤلف في شرحه: لم أر فيه نقلاً للأصوليين، ومقتضى مذهب المعتزلة في هذه الصورة التفصيل بين الفعل الذي لا تحصل مصلحته إلا بكماله، وبين الفعل الذي تكون مصلحته متوزعة على أجزائه. مثال الفعل الذي لم تحصل مصلحته إلا بكماله كذبح الحيوان، وإنقاذ

стр. 2337

الغريق؛ فإن مجرد قطع الجلد لا يحصل مقصود الذكاة من إخراج الفضلات وزهوق الروح على وجه السهولة، وكذلك إيصال الغريق في البحر إلى قرب البر ويترك هنالك لا يحصل مقصود النجاة. ومثال الفعل الذي تكون مصلحته متوزعة على أجزائه كإطعام الجوعان، وسقي العطشان، وإكساء العريان، فإن كل جزء من هذه الأفعال يحصل جزءًا من المصلحة. فمقتضى مذهبهم (١) في القسم الأول منع النسخ لعدم حصول المصلحة، ومقتضى مذهبهم في القسم الثاني الاحتمال: يحتمل أن يقولوا بالجواز لحصول بعض المصلحة المخرجة للأمر الأول عن العبث، ويحتمل أن يقولوا بالمنع؛ لأن جزء المصلحة لا يقصدها العقلاء غالبًا بخلاف المصالح التامة (٢). قوله: (ويجوز نسخ الشيء قبل وقوعه عندنا) هو أعم/ ٢٤٧/ من كونه لم يحضر وقته، أو حضر ولم يفعل منه شيء، أو فعل بعضه ولم يكمل، فإن هذه الصور كلها مندرجة في كلام المؤلف، وهي كلها جائزة عندنا نحن المالكية (٣). قوله: (كنسخ ذبح إِسحاق ﵇ قبل وقوعه) أي: قبل وقوع الذبح، أي: قبل حصوله (٤).

стр. 2338

وذلك أن الله تعالى أمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده، بدليل قوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (١)، ثم نسخ ذلك قبل فعله بذبح كبش بدليل قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٢) (٣). قال ابن عباس ﵁: فدي بكبش رعى في الجنة أربعين سنة (٤)، ومعنى قوله: عظيم، أي: كبير متقبل (٥). قوله: (كنسخ ذبح إِسحاق ﵇ هذا يقتضي أن الذبيح هو إسحاق، هذا هو القول الصحيح، وهو الذي عليه كثير أهل العلم (٦) (٧).

стр. 2339

وقيل: بأن الذبيح هو إسماعيل ﵇، واستدل قائل هذا بقوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١)؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أن المبشر به خلاف الذبيح، أي: وبشرناه بإسحاق مع الفداء، وإنما قلنا: ظاهر الآية أن إسماعيل هو الذبيح؛ لأن الله تعالى لما فرغ من قصة الذبيح قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾، فدل ذلك على أن المبشر به غير الذبيح. وتأولها القائلون بأن الذبيح هو إسحاق بأن التقدير: وبشرناه بكون إسحاق نبيًا من الصالحين (٢). قوله: (كنسخ ذبح إسحاق ﵇ اعترض سيف الدين هذا المثال بأن النسخ فيه بعد التمكن من الامتثال، وليس محل النزاع في النسخ قبل التمكن من الامتثال (٣) (٤). أجيب: بأنه لو كان بعد التمكن لعصى بتأخير المأمور به عن أول زمان الإمكان. ومثل سيف الدين هذه المسألة: بنسخ الخمسين صلاة ليلة الإسراء بخمس

стр. 2340

صلوات (١) (٢). قال المؤلف في شرحه: ويرد عليه أن ذلك خبر واحد والمسألة علمية، فلا يفيد القطع، ولأنه نسخ قبل الإنزال، وقبل الإنزال لا يتقرر علينا حكم، فليس من صورة النزاع (٣). قال بعضهم: قول المؤلف: نسخ قبل الإنزال، فيه نظر، بل هو نسخ بعد الإنزال؛ لأنه أنزل على النبي ﵇ في السماء ولا عبرة في هذا بالإنزال إلى الأرض؛ لأن الذي ينزل عليه هو النبي ﵇ (٤)، وقد أمر بذلك سواء كان في الأرض أو في السماء، فمثال سيف الدين موافق. قوله (٥): (ونسخ (٦) [الحكم] (٧) لا إِلى بدل خلافًا لقوم، كنسخ الصدقة في قوله تعالى: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ (٨) لغير بدل).

стр. 2341

ش: هذه مسألة رابعة (١) اختلف فيها أهل السنة وأهل الاعتزال. قوله: (خلافًا لقوم) يعني المعتزلة (٢). سبب الخلاف: هل يجوز ارتفاع التكليف عن المكلفين جملة أو لا يجوز؟ جوزه أهل السنة ومنعه المعتزلة، فإذا جوزناه جملة فأولى وأحرى أن نجيزه في عبادة مخصوصة (٣). واحتج المعتزلة على منع النسخ بغير بدل: بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٤)، فنص على أنه لا بد في النسخ من بدل بخير أو مثل (٥). أجيب عنه: بأن رفع الحكم لغير بدل قد يكون خيرًا للمكلف باعتبار

стр. 2342

التخفيف عليه يرفع التكليف عنه (١). وأجيب عنه أيضًا: بأن قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ...﴾ الآية صيغة شرط والشرط لا يستلزم الإمكان؛ إذ ليس من شرط الشرط (٢) أن يكون ممكنًا، فقد يكون الشرط ممكنًا كقوله: إن جاء زيد فأكرمه، وقد يكون متعذرًا إن (٣) كان الواحد نصف العشرة فالعشرة اثنان، فهذا الشرط محال مع أن الكلام عربي فصيح، ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (٤) فالشرط ها هنا محال أيضًا؛ لأن تعدد الآلهة محال، فإذا كان الشرط لا يستلزم الإمكان، فلا يدل على الوقوع مطلقًا، فضلاً عن الوقوع ببدل (٥). قوله: (كنسخ الصدقة في قوله تعالى: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ (٦))، قال بعضهم: الاستدلال بهذه الآية على جواز النسخ ضعيف؛ لأن هذا من باب ارتفاع الحكم لارتفاع سببه؛ لأن الأمر بالصدقة المذكورة

стр. 2343

سببه التمييز بين المؤمنين والمنافقين (١)، وقد ذهب المنافقون فارتفع الحكم لارتفاع سببه (٢). أجيب عنه: بأن هذا رفع للحكم مع بقاء سببه؛ لأنه روي أنه لم يتصدق إلا علي ﵁ (٣)، فرفع الحكم ونسخ حينئذ مع بقاء السبب بعد صدقته (٤). وأجيب عنه أيضًا: بأن سبب الأمر بالصدقة هو أن أهل المشورة غلبوا على مجالسة النبي ﵇ ومناجاته، فكره ﵇ ذلك، فأمر الله الأغنياء بالصدقة عند المناجاة، ثم نسخ ذلك (٥).

стр. 2344

قوله: (ونسخ الحكم إِلى الأثقل، خلافًا لبعض أهل الظاهر كنسخ عاشوراء برمضان) (١). ش: هذه مسألة خامسة، ها هنا ثلاثة أوجه: أحدها: نسخ الحكم ببدل مماثل، كنسخ توجه بيت المقدس بالكعبة. الثاني: نسخ الحكم ببدل أخف، كنسخ تحريم الأكل بعد النوم ليلة رمضان بإباحة الأكل (٢).

стр. 2345

والثالث: نسخ الحكم بأثقل منه، كنسخ عاشوراء بصوم رمضان؛ لأن صوم شهر أثقل من صوم يوم. أما القسمان الأولان فلا خلاف في جوازهما عند القائلين بالنسخ. وأما القسم الثالث، وهو النسخ بالأثقل: فهو محل النزاع (١). جوّزه جمهور العلماء من الفقهاء والمتكلمين (٢)، ومنعه بعض الظاهرية (٣)، وبعض الشافعية (٤)، وبعض المعتزلة (٥)، ولكن منهم من منعه مطلقًا عقلاً وسمعًا، ومنهم من منعه سمعًا وجوّزه عقلاً (٦). حجة الجمهور: نسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان (٧)، وكذلك نسخ الصفح/ ٢٤٨/ عن الكفار بالقتال؛ لأن القتل أثقل وأشد من الصفح؛ لأن

стр. 2346

قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ (١) منسوخ بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢) (٣). وكذلك نسخ الحبس في البيوت بالجلد والرجم؛ لأنهما أثقل وأشد على الزناة (٤) من الحبس؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ (٥) منسوخ بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ...﴾ الآية (٦)، وبرجم النبي ﵇ ماعزًا والغامدية (٧) (٨). حجة المخالف: قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٩) فنصّ على الخير وهو الأخف، ونصّ على المثل، ولم ينص على الأثقل، فيمنع (١٠). أجيب عنه: بأن الأثقل قد يكون خيرًا للمكلف باعتبار الثواب

стр. 2347

والأجور (١). واحتج المخالف أيضًا: بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢) والأثقل هو عسر لا يسر (٣). أجيب عنه: بأن اليسر محمول على اليسر في الآخرة (٤). قوله: (ونسخ التلاوة دون الحكم، كنسح: "الشيخ والشيخة إِذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله" مع بقاء الرجم (٥)، والحكم دون التلاوة كما تقدم في [آية] (٦) الجهاد (٧)، وهما معًا لاستلزام إمكان المفردات إِمكان المركبات (٨)).

стр. 2348

ش: هذه مسألة سادسة (١)، ذكر المؤلف فيها ثلاثة فروع وهي: نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، أو نسخ الحكم مع بقاء التلاوة، أو نسخ التلاوة والحكم معًا. مثال نسخ التلاوة دون الحكم قوله تعالى: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله". وكذلك روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: كنا نقرأ من القرآن: "لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم" (٢). وكذلك روي عن أنس ﵁ أنه قال: أنزل في قتلى بئر معونة (٣):

стр. 2349

"ألا بلغوا إخواننا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا" (١). ومثال نسخ الحكم دون التلاوة: نسخ وقوف الواحد للعشرة بوقوفه للاثنين، وإليه أشار المؤلف بقوله: كما تقدم في آية الجهاد، وكذلك نسخ الاعتداد بالحول الكامل بالاعتداد بأربعة أشهر وعشرًا في حق المتوفى عنها زوجها. وكذلك نسخ الوِصية للوالدين (٢) والأقربين (٣): ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٤) بآية المواريث، وهي قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ ...﴾ (٥) الآية (٦). وكذلك نسخ وجوب الفدية على المفطر القادر على الصوم بوجوب الصوم، وذلك أن قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٧) أي: يطعم عن كل يوم أفطر فيه مدًا من الطعام، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى:

стр. 2350

﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١) (٢). ومثال نسخ التلاوة والحكم معًا: قول عائشة ﵂: كان فيما أنزل الله تعالى: "عشر رضعات يحرمن" ثم نسخن بخمس (٣). وروي أيضًا أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة ثم نسخ منها ما نسخ (٤). حجة الجمهور بالجواز مطلقًا: أن التلاوة والحكم عبادتان متباينتان، أي: حكمان متباينان، فجاز رفع أحدهما وبقاء الآخر، وجاز رفعها معًا؛ إذ ليس في ذلك كله ما يحيله كسائر الأحكام (٥). حجة من منع نسخ التلاوة مع بقاء الحكم: أن التلاوة دليل على الحكم والحكم يثبت بثبوتها، فينبغي أن ينتفي بانتفائها (٦).
следующие страницы →