← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

ثابت بالقياس على حكم المنطوق به. وقيل: الدلالة لفظية؛ لأن لفظ المنطوق [به يدل] (١) على حكم المسكوت عنه بدلالة الالتزام (٢). وعلى كل تقدير [سواء] (٣) قلنا: عقلية، أو قلنا: لفظية يصح النسخ به؛ لأن حكمه صار مناقضًا لحكم ما تقدمه، فيصح النسخ به؛ كغيره من سائر ما يجوز به النسخ (٤). قوله: (والعقل يكون ناسخًا في حق من سقطت رجلاه، فإِن (٥) الوجوب ساقط عنه. قاله الإِمام). ش: قال المؤلف في شرحه: ليس هذا (٦) بنسخ، فإن بقاء المحل شرط، وعدم الحكم لعدم شرطه أو سببه أو قيام (٧) مانعه ليس بنسخ، وإلا كان النسخ واقعًا طول (٨) الزمان، لطريان الأسباب وعدمها (٩)، فقول الإمام فخر الدين: سقوط غسل الرجلين بسقوط الرجلين، هو نسخ لوجوب غسل الرجلين

стр. 2382

المأمور [به في] (١) قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٢) (٣)، لا يصح، وإنما ذلك [من باب سقوط الحكم لعدم محله] (٤) (٥). ...

стр. 2383

الفصل الرابع فيما يتوهم أنه ناسخ (١) ش: ها هنا سؤالان: أحدهما: [لأي شيء] (٢) لم (٣) يدرج المؤلف مسائل هذا الفصل في الفصل الذي قبله؟ واستأنف لها فصلها، مع أن مسائل هذا الفصل مختلف فيها كما اختلف في مسائل الفصل الذي قبله (٤). أجيب عنه: بأن دعوى النسخ في مسائل هذا الفصل بعيدة (٥)، ولذلك وصفها بالتوهم فقال: فيما يتوهم أنه ناسخ، ولكن هذا الجواب ضعيف؛ لأنه ذكر في الفصل الذي قبله ما دعوى النسخ فيه أبعد مما (٦) ذكر ها هنا وهو نسخ الغسل في حق من سقطت رجلاه كما قاله الإمام (٧).

стр. 2384

السؤال الثاني: لأي شيء خالف المؤلف عبارة المحصول؟ لأنه قال: فيما يتوهم، وقال الإمام في المحصول: فيما يظن أنه ناسخ وليس كذلك (١)، فعبر الإمام بالظن، وعبر المؤلف بالوهم، مع أن الظن والوهم حقيقتان متباينتان (٢). أجيب عنه: بأن الإمام نظر إلى من أثبت النسخ في هذه المسائل فعبر بالظن، ونظر الشهاب إلى من منعه فعبر بالوهم؛ لأن المثبت يقضي (٣) بغلبة (٤) ظنه، والمانع يقول (٥): إنما ذلك وهم لا ظن. قوله: (زيادة صلاة على الصلوات، [وزيادة] (٦) عبادة (٧) على العبادات، ليست نسخًا وفاقًا (٨)).

стр. 2385

ش: هذه المسألة مشهورة عندهم بالزيادة على النص (١) (٢). هل هي نسخ أو لا؟ فذكر المؤلف [أن] (٣) العبادة المزيدة إذا كانت منفردة بنفسها غير مرتبطة بالمزيد عليه لا تكون نسخًا باتفاق (٤). مثال زيادة صلاة على الصلوات، كزيادة الوتر على الصلوات الخمس. ومثال: زيادة عبادة على العبادات: زيادة الحج في آخر الإسلام على الصلاة والصيام والزكاة. [و] (٥) ليست تلك الزيادة ناسخة للمزيد عليه باتفاق لعدم شرط النسخ وهو المنافاة بين الناسخ والمنسوخ، [إذ من شرط

стр. 2386

النسخ المنافاة] (١) ولا منافاة فلا نسخ (٢) (٣)؛ ولأن الزيادة لم ترفع حكمًا شرعيًا، وإنما رفعت البراءة الأصلية وهو حكم عقلي لا شرعي، ومن شرط النسخ رفع الحكم الشرعي (٤). قوله: (وإِنما جعل أهل العراق الوتر ناسخًا لما فيه من رفع قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٥) , فإن المحافظة على الوسط (٦) تذهب بصيرورتها (٧) غير وسط (٨). ش: هذا جواب عن سؤال مقدر، كأنه قيل له: كيف تقول زيادة عبادة على العبادات ليست نسخًا مع أن الحنفية (٩) (١٠) قالوا: ينسخ (١١) الوتر محافظة [الوسطى بسبب صيرورة تلك الوسطى غير وسطى؛ لأن الصلوات حينئذ ست صلوات] (١٢)؛ لأن الوتر واجب عند .............................

стр. 2387

الحنفية (١)، فأجاب المؤلف بما ذكر [وذلك] (٢) أن الحنفية لما اعتقدوا وجوب الوتر صارت الصلوات (٣) عندهم ستًا لا خمسًا، والست عدد زوج (٤) لا توسط فيه (٥)، وإنما التوسط في العدد الفرد نحو الخمس، فإنك تقول: اثنان [و] (٦) اثنان وواحد متوسط بينهما، وتقول في الست: ثلاث وثلاث (٧) ولم يبق عدد يتوسط بينهما فالست ليس فيه (٨) وسط، فإذا ذهب الوسط زال الطلب بالمحافظة على الوسط لعدم الوسط، والطلب بالمحافظة [على الوسط] (٩) أمر شرعي لأنه مندوب إليه، فقد ارتفع حكم شرعي فيكون نسخًا (١٠). قال سيف الدين الآمدي: قول الحنفية زيادة الوتر ناسخ للوسطى غير صحيح، لأن كون العبادة وسطى (١١) أمر حقيقي ليس بحكم شرعي، ومن

стр. 2388

شرط النسخ أن يكون [في] (١) حكم شرعي (٢). وقال المؤلف في شرح المحصول: في المحافظة على الوسطى ندب شرعي تختص به دون سائر الصلوات، والندب حكم شرعي يقبل النسخ (٣)، وإلى هذا أشار بقوله: لما فيه من رفع قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٤) أي: لما في وجوب الوتر من رفع ندب المحافظة المطلوبة في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ قوله: فإن المحافظة على الوسط (٥) تذهب بصيرورتها غير وسط، وفي بعض النسخ: فإن المحافظة على الوسطى تذهب بصيرورتها غير وسطى (٦)، والمعنى واحد (٧)، وهذا الذي قرره المؤلف مع الحنفية/ ٢٥٣/ إنما هو كله على القول بأن الصلاة الوسطى سميت بذلك لتوسطها بين شيئين (٨).

стр. 2389

وأما على القول بأنها سميت بذلك (١) لفضلها مأخوذ من الوسط الذي هو الفضل، فلا يجري عليه ذلك. وذلك أن الوسط لغة له معنيان (٢): أحدهما: التوسط بين الشيئين. والثاني: الفضل والشرف. لأنك تقول: وسط فلان قومه، إذا فضلهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٣) أي فضلاً (٤)، وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ (٥) أي: أفضلهم (٦). واختلف العلماء في الصلاة الوسطى في فرعين. أحدهما: ما معنى تسميتها بالوسطى هل من الوسط بين شيئين أو من الوسط بمعنى الفضل؟ قولان (٧).

стр. 2390

والفرع الثاني: ما تعيين الصلاة الوسطى؟ فاختلف العلماء في تعيينها على تسعة أقوال، ذكرها ابن عطية (١)، وابن الخطيب (٢)، والإمام المازري (٣) (٤). قيل: صلاة الصبح، وقيل: الظهر، وقيل: العصر، وقيل: المغرب، وقيل: العشاء، وقيل: الصلوات الخمس كلها، وقيل: صلاة الجمعة، وقيل: الصبح والعصر، وقيل: أخفاها (٥) الله بين سائر الصلوات ليقع التحفظ والمحافظة على جميعها، كما أخفى ليلة القدر بين سائر الليالي وكما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وكما أخفى الدعاء الذي فيه رضاه بين سائر [الأدعية، وكما أخفى وليه بين سائر عباده، وكما أخفى وقت الإجابة بين سائر الأوقات، وكما أخفى اسمه الأعظم بين سائر] (٦) أسمائه (٧).

стр. 2391

أما صلاة الصبح، فقيل: سميت بالوسطى لفضلها، قال ﵇: "من صلى صلاة الصبح في جماعة فكأنما قام ليلة [القدر] (١) " (٢)، وقيل: لتوسطها بين صلاتي جمع قبلها وصلاتي جمع بعدها (٣)، وقيل: لتوسطها بين صلاتي اشتراك قبلها وصلاتي اشتراك بعدها (٤)، وقيل: لتوسطها بين الليل والنهار (٥) (٦).

стр. 2392

وأما صلاة الظهر، فقيل: سميت الوسطى لفضلها لكونها أول صلاة ظهرت في الإسلام؛ لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي عليهما (١) السلام (٢) (٣). وقيل: لتوسطها بين صلاتي النهار (٤). وقيل: لأنها متوسطة في وسط النهار (٥) (٦). وأما صلاة العصر، فقيل: سميت بالوسطى لفضلها لقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٧)، أقسم الله بها لفضلها على القول بذلك (٨)، ولقوله تعالى قبل النسخ: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة

стр. 2393

الوسطى وصلاة العصر﴾ (١) (٢) أي وهي صلاة العصر، وقال ﵇: "من فاتته (٣) صلاة العصر فكأنما (٤) وتر أهله وماله" (٥) أي سلب أهله وماله؛ لأنه يقال: وتره وترًا إذا سلبه (٦)، وقيل معناه: نقص أهله وماله وبقي

стр. 2394

فردًا، مأخوذ من الوتر الذي هو الفرد (١)، وقال ﵇ (٢): "شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله بطونهم وقبورهم نارًا"، وكانت تلك الصلاة هي صلاة العصر. وقيل: لتوسطها بين الحر والبرد أي بين حر النهار وبرد (٣) الليل (٤). وأما صلاة المغرب، فقيل: سميت بالوسطى لفضلها؛ لأن عمر ﵁ أخرها حتى طلع نجم فأعتق رقبة. وأخرها حتى طلع نجمان فأعتق رقبتين (٥).

стр. 2395

وقيل: لتوسطها بين الضياء والظلام (١). وأما صلاة العشاء، فقيل: سميت بالوسطى (٢) لفضلها، قال ﵇: "من صلى صلاة العشاء في جماعة فكأنما قام ليلة" (٣)، وقال ﵇: "فضلتم بصلاة العشاء على سائر الأمم ولم تصلها أمة قبلكم" (٤). وقيل: لتوسطها بين صلاتين لا تقصران (٥). وأما صلاة الجمعة، فقيل: سميت بالوسطى لفضلها لقوله ﵇: "الجمعة حج الفقراء (٦) وعيد الأغنياء ونزهة الأولياء وعز الخطباء وسرور العلماء وغم الأعداء" (٧).

стр. 2396

وقيل: لتوسطها بين صلاتي النهار. وقيل: لأنها متوسطة في وسط النهار (١). وأما القول بأنها صلاة الصبح وصلاة العصر معا (٢)، فقيل: سميتا (٣) بالوسطى لفضلهما لقوله ﵇: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون عند صلاة الصبح وعند صلاة العصر" (٤). وقيل: لتوسط كل [صلاة من هاتين الصلاتين] (٥) بين الظلام والضياء. وأما القول بأنها الصلوات الخمس كلها (٦)، فقيل: سميت الصلوات الخمس بالوسطى لفضلها وشرفها لأنها أفضل العبادات، قال ﵇:

стр. 2397

"بين العبد والكفر ترك الصلاة"، وقيل: لتوسطها بين أعلى (١) الإيمان وأدناه، لقوله ﵇: "الإيمان بضع وسبعون خصلة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (٢) (٣). قوله: (والزيادة على العبادة الواحدة ليست نسخًا عند مالك ﵀ وعند أكثر أصحابه والشافعي، خلافًا للحنفية. وقيل: إِن نفت (٤) ما دل عليه المفهوم الذي هو دليل الخطاب أو الشرط كانت (٥) نسخًا (٦)، وإِلا فلا. وقيل: إِن لم يجز الأصل بعدها فهي نسخ، وإِلا فلا. فعلى مذهبنا: زيادة التغريب (٧) ليست نسخًا، وكذلك تقييد الرقبة بالإِيمان، وإِباحة قطع السارق في الثانية، والتخيير بين الواجب وغيره لأن المنع من إِقامة الغير مقامه عقلي لا شرعي، وكذلك لو وجب (٨) الصوم إِلى الشفق).

стр. 2398

ش: شرع المؤلف ﵀ ها هنا في الزيادة على العبادة الواحدة، أي: إذا زيدت عبادة على عبادة واحدة (١)، كزيادة ركعتين على ركعتين كما قالت عائشة ﵂: "فرضت الصلاة مثنى مثنى ثم زيد في صلاة الحضر" (٢) (٣)، هل تكون تلك الزيادة ناسخة (٤) أم لا؟ ذكر المؤلف في ذلك أربعة أقوال: الأول: لمالك والشافعي وأكثر أصحابهما (٥).

стр. 2399

الثاني: للحنفية (١). الثالث: للقاضي عبد الجبار (٢) (٣). الرابع: للقاضي أبي بكر والقاضي ابن القصار (٤) واختاره الباجي (٥).

стр. 2400

قوله: (وعند أكثر أصحابه والشافعي)، وكذلك به قال أكثر/ ٢٥٤/ أصحاب (١) الشافعي أيضًا، فصوابه أن يقول: (٢) ليست نسخًا عند مالك والشافعي وأكثر أصحابهما. حجة القول الأول الذي عليه الجمهور: أن [شرط] (٣) النسخ المنافاة فلا منافاة بين الزيادة والمزيد عليه فلا نسخ (٤)، وذلك [أن] (٥) زيادة ركعتين لا تبطل وجوب الركعتين الأوليين بل الجميع واجب (٦).

стр. 2401

حجة القول الثاني الذي عليه الحنفية ثلاثة أوجه: أحدها: أن الركعتين قد كانتا (١) أولاً تجزيان (٢) وبعد الزيادة لا تجزيان (٣) والإجزاء حكم شرعي فقد ارتفع حكم شرعي فيكون نسخًا (٤). الثاني: أن السلام كان أولاً واجبًا عقيب الركعتين ثم بطل ذلك وصار واجبًا بعد الأربع فقد بطل حكم شرعي فيكون نسخًا (٥). الثالث: الأفعال بعد الركعتين كانت مباحة ثم ارتفعت تلك الإباحة بعد الزيادة والإباحة حكم شرعي فقد ارتفع حكم شرعي فيكون نسخًا (٦). أجيب عن الأول: أن الإجزاء راجع إلى عدم التكليف بالزيادة وعدم التكليف عقلي لا شرعي، ورفع الحكم العقلي ليس بنسخ إجماعًا (٧).

стр. 2402

أجيب (١) عن الثاني: بأنا (٢) لا نسلم أن الله تعالى أوجب السلام عقيب الركعتين لكونهما ركعتين بل لكونهما آخر الصلاة فقط، ولا مدخل للعدد في ذلك فقد وقع السلام في موضعه الذي هو آخر الصلاة فلم تبطله الزيادة فلا يكون نسخًا (٣). وأجيب عن الثالث: بأن إباحة الأفعال بعد الركعتين تابع لعدم التكليف بالزيادة (٤) وعدم التكليف عقلي وتابع العقلي عقلي ورفع الحكم العقلي ليس بنسخ (٥). قوله: (وقيل إِن نفت الزيادة ما دل عليه المفهوم الذي هو دليل الخطاب أو الشرط كانت نسخًا وإِلا فلا)، هذا هو القول الثالث، وهو قول القاضي عبد الجبار (٦) بالتفصيل بين أن تنفي تلك الزيادة ما دل عليه مفهوم الصفة أو مفهوم الشرط أو لم تنفه (٧). قوله: (دليل الخطاب)، أي: مفهوم المخالفة ومفهوم (٨) الصفة.

стр. 2403

وقوله: (أو الشرط)، أي: أو دل عليه مفهوم الشرط. مثال نفي ما دل عليه مفهوم الصفة: قوله ﵇: "في سائمة الغنم الزكاة" مفهومه: أن لا زكاة في غير السائمة، ثم يقول بعد ذلك: في الغنم [مطلقًا] (١) الزكاة، فإن عموم هذا الثاني يرفع المفهوم المتقدم فيكون نسخًا (٢). ومثال نفي ما دل عليه مفهوم الشرط: أن يقول صاحب الشرع (٣): إن كانت الغنم سائمة ففيها الزكاة، مفهومه: أن لا زكاة في غير السائمة، ثم يقول بعد ذلك: في الغنم مطلقًا الزكاة، فإن عموم هذا الثاني ينفي المفهوم المتقدم فيكون نسخًا (٤)؛ لأنه رافع لما هو ثابت بدليل شرعي وهو المفهوم، فجعل القاضي عبد الجبار النفي الأصلي حكمًا شرعيًا لاقترانه بمفهوم الصفة (٥) أو مفهوم الشرط (٦). قال المؤلف في شرحه: وليس الأمر كما قال: لأن الله تعالى لو قال: لا أشرع لكم في هذه السنة حكمًا، أو قال: لا أكلفكم في هذه السنة بشيء، فإنه تعالى (٧) لم تكن (٨) له في هذه السنة شريعة، فإن رفع الحكم

стр. 2404

الأصلي ليس بنسخ، أي فإن رفع الحكم العقلي ليس بنسخ، فالقاضي عبد الجبار مع تدقيقه [قد] (١) فاته هذا الموضع (٢) (٣). قوله: (وإِلا فلا)، أي: وإن لم (٤) تنف الزيادة مدلول المفهوم فلا تكون نسخًا. مثاله: زيادة (٥) ركعتين في صلاة الحضر على ركعتين. قوله: (وقيل: إِن لم يجز الأصل بعدها فهي (٦) نسخ وإِلا فلا)، هذا هو القول الرابع، وهو قول القاضي أبي (٧) بكر والقاضي ابن القصار وهو مختار الباجي، وهو التفصيل بين أن يجزئ الأصل أو لا يجزئ. مثال ما لا يجزئ فيه الأصل بدون الزيادة: كون الصلاة أولاً ركعتين هذا هو الأصل، ثم وردت زيادة ركعتين في الحضر، فإن الركعتين الأولتين (٨) لا تجزيان بدون هذه الزيادة، فتكون الزيادة ناسخة للحكم المتقدم لعدم إجزاء

стр. 2405

المتقدم عن انضمام (١) الزيادة إليه (٢). ومثال ما يجزئ فيه الأصل بدون انضمام الزيادة إليه: زيادة التغريب بعد الجلد في حد الزاني؛ فإن الإمام إذا جلده ثم قيل له: لا بد من تغريبه، فإنه يغربه ولا يحتاج إلى إعادة الجلد بخلاف المصلي ركعتين فإنه لا بد له من إعادة الصلاة بأربع ركعاتها (٣)، فإذا كان الأصل لا يجزئ إلا باتصال الزيادة كانت الزيادة نسخًا للأصل، وإن (٤) كان الأصل يجزئ بدون اتصال الزيادة لم تكن الزيادة نسخًا للأصل. ووجه هذا القول: أن الأصل إذا لم يجزئ بعد الزيادة اشتد التغيير فيكون نسخًا (٥)، بخلاف القسم الآخر لقلة التغيير فيه. قوله: (فعلى مذهبنا زيادة التغريب ليست نسخًا)، أي: فعلى مذهبنا نحن القائلين (٦) بأن الزيادة على العبادة الواحدة ليست نسخًا، وإنما لم تكن زيادة التغريب نسخًا؛ لأن وجوب التغريب رافع لعدم وجوبه، وعدم الوجوب حكم عقلي ورفع الحكم العقلي ليس بنسخ (٧).

стр. 2406

قوله: (وكذلك تقييد الرقبة بالإِيمان)، أي: زيادة قيد الإيمان في الرقبة في كفارة قتل الخطأ وأطلقت الرقبة في كفارة الظهار، وإنما لم تكن زيادة الإيمان في الرقبة نسخًا؛ لأن وجوب الإيمان فيها رافع لعدم وجوب تحصيل الإيمان فيها، وعدم الوجوب حكم عقلي (١)، ورفع الحكم العقلي ليس بنسخ. قوله: (وإِباحة قطع السارق [يعني: أن إِباحة قطع جارحة السارق] (٢) في المرة الثانية ليست نسخًا لآية (٣) السرقة)، وهي (٤) قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٥)، وإنما قيد المؤلف/ ٢٥٥/ بالمرة الثانية لأن بها تتصور الزيادة على العبادة التي هي فرض المسألة (٦). قوله: (في (٧) الثانية)، يعني: وكذلك في المرة الثالثة والرابعة، وإنما لم تكن هذه الإباحة ناسخة؛ لأنها رافعة لعدم إباحة القطع، وعدم الإباحة حكم عقلي ورفع الحكم العقلي ليس بنسخ (٨). فإن قيل: إن الآدمي محرم مطلقًا والتحريم حكم شرعي، وقد ارتفع

стр. 2407

بإباحة القطع فيكون نسخًا؛ لأنه رفع حكم شرعي بحكم شرعي (١). أجيب عنه بوجهين: أحدهما: أنا لا نسلم أن الآدمي محرم، بل الأصل في الآدمي وغيره عدم الحكم لا تحريم ولا إباحة؛ لأن عدم الحكم هو الأصل عندنا في جميع (٢) أجزاء العالم حتى وردت (٣) الشرائع (٤)، فإباحة القطع رافعة لعدم الحكم لا للتحريم فلا يكون نسخًا (٥). الوجه الثاني: أنا نسلم التحريم ولكن ذلك التحريم إنما هو لآدميته وشرفه من غير نظر إلى الجناية، وهذا التحريم باق، وإباحة قطعه إنما هي (٦) من حيث

стр. 2408

جنايته، ولا تنافي بين تحريمه من حيث هو هو وبين (١) إباحته من حيث الجناية، [فإن] (٢) التحريم (٣) باق لم يرتفع فلا (٤) نسخ لعدم المنافاة، كما نقول في الميتة: هي محرمة من جهة أنها ميتة، ومباحة من جهة الإضرار (٥) إليها، فلا تكون الإباحة فيها نسخًا لتحريمها الثابت (٦) لها من حيث هي هي لعدم المنافاة، وإنما يحصل التنافي لو أبحنا الميتة من حيث هي ميتة، وكذلك قطع الآدمي لم يحصل فيه التنافي فلا يكون إباحة قطعه في السرقة (٧) نسخًا، لعدم التنافي، وإنما يحصل التنافي لو أبحنا قطعه من حيث هو آدمي (٨). فتبين بما قررناه: أن إباحة القطع في السرقة (٩) لا تكون نسخًا للتحريم، بل هي رافعة لعدم الحكم، وعدم الحكم هو حكم عقلي ورفع الحكم العقلي ليس بنسخ. قوله: (والتخيير بين الواجب وغيره لأن المنع من إِقامة الغير مقامه عقلي لا شرعي)، يعني: أن التخيير بين الواجب وغيره لا يكون نسخًا

стр. 2409

للوجوب. مثاله: كما لو أوجب الله تعالى غسل الرجلين ثم خير بين الغسل والمسح على الخفين فلا يكون ذلك التخيير نسخًا لوجوب الغسل، وإنما لا يكون (١) التخيير نسخًا للواجب؛ لأن عدم التخيير إنما هو لعدم مشروعية المسح (٢)، وعدم المشروعية حكم عقلي، ورفع الحكم العقلي لا يكون نسخًا، فإن المنع من إقامة المسح مقام الغسل عقلي لا شرعي (٣)، وإلى هذا أشار بقوله: لأن المنع من إقامة الغير مقامه عقلي لا شرعي؛ أي: لأن المانع من إقامة غير الواجب مقام الواجب عقلي لا شرعي، أي: لأن المانع من جعل غير الواجب بدل الواجب أمر عقلي، وهو عدم مشروعيته، أي: عدم وروده في الشرع لأن عدم المشروعية عقلي. قال في الشرح: لأنه إذا قيل لك: لم لا تتخير بين صلاة الظهر وصدقة درهم، تقول: لأن البدل لم يشرع، تشير إلى عدم المشروعية، وعدم المشروعية حكم عقلي (٤). انتهى. وكذلك لو قيل: لم لا تتخير (٥) بين غسل الرجلين والمسح على الخفين، تقول: لأن البدل لم يشرع، تشير إلى عدم المشروعية، وعدم المشروعية

стр. 2410

حكم عقلي. فمتى خير (١) بين الواجب وغيره فقد رفع عدم مشروعية (٢) ذلك البدل فقط (٣). قوله: (وكذلك لو وجب (٤) الصوم إِلى الشفق)، يعني أنه لو ورد وجوب الصوم إلى الشفق بعد وروده إلى الغروب (٥) فلا يكون نسخًا؛ لأنه رافع لعدم الوجوب من الغروب إلى الشفق، وعدم الوجوب حكم عقلي ورفع الحكم العقلي ليس بنسخ (٦). قوله: (ونقصان العبادة (٧) نسخ لما سقط دون الباقي إِن لم يتوقف) (٨)، [وإن توقف] (٩) قال القاضي عبد الجبار: هو نسخ في الجزء دون الشرط،

стр. 2411

واختار فخر الدين والكرخي عدم النسخ. ش: لما فرغ المؤلف من حكم الزيادة على العبادة، شرع ها هنا في عكسه وهو (١) النقصان من العبادة. قوله: (ونقصان العبادة) (٢)، [أي: نسخ بعض العبادة] (٣)، أي: إذا نسخ بعض العبادة وبقي البعض فلا يخلو ذلك من وجهين: أحدهما: ألا يتوقف صحة الباقي على وجود الساقط. الوجه الثاني: أن يتوقف صحة الباقي على وجود الساقط قبل النسخ. فإن لم يتوقف صحة الباقي على الساقط فلا يكون نسخ الساقط نسخًا للباقي باتفاق (٤).

стр. 2412

قال المؤلف في الشرح: مثال ما لا يتوقف: كنسخ الزكاة بالنسبة إلى الصلاة مثلاً، يعني: أنه إذا نسخ وجوب الزكاة مثلاً فلا يكون نسخها نسخًا للصلاة لعدم توقف الباقي وهو الصلاة على وجود المنسوخ وهو الزكاة لأن كل واحدة (١) منهما عبادة مستقلة بنفسها لا تفتقر إلى الأخرى (٢). قال المسطاسي: تمثيل المؤلف ما لا يتوقف بالزكاة بالنسبة إلى الصلاة غير مطابق؛ لأن الغرض إنما هو في العبادة الواحدة (٣). قال بعضهم: مثال ما لا يتوقف فيه الباقي على الساقط كنسخ سنة من سنن (٤) العبادة فلا يكون ذلك نسخًا لتلك العبادة كلها باتفاق (٥)، كنسخ تكبيرة من تكبيرات الصلاة، فلا يكون [ذلك] (٦) نسخًا لتلك الصلاة، وإلى هذا القسم (٧) الذي لا يتوقف ما بقي فيه على ما سقط منه أشار المؤلف بقوله: ونقصان العبادة نسخ لما سقط دون الباقي إن لم يتوقف. وإنما لا يحكم على الباقي [فيه] (٨) بنسخ الساقط؛ لأن كل واحد (٩) منهما منفرد بنفسه لا يتوقف على الآخر. فهما متباينان/ ٢٥٦/ فلا يلزم من وجود

стр. 2413

أحدهما وجود الآخر ولا من عدمه عدمه. وأما إن توقف صحة الباقي على وجود المنسوخ قبل نسخه ففيه ثلاثة أقوال: قيل: هو نسخ للباقي مطلقًا (١). وقيل: ليس بنسخ له مطلقًا (٢). وقيل: التفصيل بين الجزء والشرط (٣)، فإن كان المنسوخ جزءًا من أجزاء العبادة فهو نسخ (٤) للباقي من العبادة فتنسخ العبادة كلها. وإن (٥) كان المنسوخ من العبادة شرطًا من شروطها فلا يكون ذلك نسخًا للعبادة (٦). مثال نسخ (٧) الجزء: كنسخ ركعة من الصلاة أو الركوع أو السجود (٨) (٩).

стр. 2414

ومثال نسخ الشرط: كنسخ الطهارة بالنسبة إلى الصلاة أو ستر العورة أو الاستقبال (١). وإلى هذا القول بالتفصيل أشار المؤلف بقوله: وإن توقف، قال القاضي عبد الجبار: هو نسخ في الجزء دون الشرط. وإلى القول بعدم النسخ مطلقًا لا فرق بين نسخ الجزء ونسخ الشرط أشار المؤلف بقوله: واختار فخر الدين والكرخي عدم النسخ، يعني لا فرق بين نسخ الجزء ونسخ الشرط (٢) فلا يكون نسخ بعض العبادة نسخًا للباقي منها، كان ذلك البعض المنسوخ جزءًا من أجزائها أو شرطًا (٣) من شروطها. وأما القول بأنه نسخ مطلقًا فلم يذكره المؤلف ولم يذكر إلا القولين (٤): قول بالتفصيل، وقول بعدم [النسخ] (٥) من غير تفصيل. حجة القول المشهور، وهو عدم النسخ مطلقًا: أن إيجاب الحكم لجميع (٦) العبادة يجري مجرى إثبات الحكم للعموم، فكما أن إخراج بعض العموم لا يقدح في الباقي فكذلك ها هنا (٧)، فإذا نسخ البعض بقي [البعض، وبقي] (٨)

стр. 2415

الحكم [له] (١) (٢). حجة القول بالنسخ مطلقًا: أن الباقي لا يجزئ قبل النسخ بانفراده فكذلك لا يجزئ بانفراده بعد النسخ (٣). أجيب عن هذا: بأن عدم الإجزاء إنما هو لأجل التكليف بالزائد (٤). حجة القول بالتفصيل بين الجزء والشرط: أن الجزء [هو] (٥) بعض أجزاء الماهية، والماهية حقيقة مركبة من أجزاء، فإذا عدم جزء من أجزائها بطلت الماهية كلها، بخلاف الشرط فإنه أمر خارج عن الماهية فلا يؤثر نسخه في نسخ الماهية (٦). ...

стр. 2416

الفصل الخامس فيما يعرف به النسخ (١) ش: أي في بيان الطريق الذي يعرف به النسخ (٢)، وهو محصور في قسمين: لفظي، ومعنوي. قوله: ([و] (٣) يعرف (٤) بالنص على الرفع، أو على ثبوت النقيض أو الضد). ش: يعني أن النسخ يعرف بأحد شيئين: لفظي وهو [معنى] (٥) قوله: بالنص، ومعنوي وهو قوله: ثبوت النقيض أو الضد (٦). مثال النص على النسخ: كما لو قال ﵇: هذا ناسخ وهذا منسوخ، وكذلك ما في معنى هذا؛ كقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ

стр. 2417

﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ...﴾ (١) الآية، وكقوله ﵇: "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة التي دفت عليكم وأما الآن فكلوا وتصدقوا وادخروا"، وكقوله ﵇: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرًا"، وكقوله ﵇ (٢): "نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا وكل مسكر حرام". ومثال النص (٣) على ثبوت النقيض: (٤) وقوف الواحد للاثنين فإنه يناقض وقوف الواحد للعشرة (٥)؛ لأن ما بين الاثنين والعشرة يقتضي أحد الدليلين جواز الهروب منه والآخر يقتضي منع الهروب، فالجمع بين الجواز والمنع جمع بين النقيضين (٦) وهو ممنوع، فيقتضي أن أحد الدليلين ناسخ

стр. 2418

للآخر. ومثال النص على الضد: استقبال الكعبة مع استقبال بيت المقدس؛ لأن الجمع بين الاستقبالين (١) جمع بين الضدين وهو ممنوع. قوله: (ويعلم (٢) التأريخ بالنص على التأخير، أو [على] (٣) السنة، أو الغزوة، أو الهجرة، ويعلم (٤) نسبة ذلك إِلى زمان الحكم، أو برواية من مات قبل رواية الحكم الآخر) (٥). ش: يعني أن زمان الدليلين المتعارضين يعلم بأحد شيئين: لفظي، ومعنوي (٦)، فاللفظي: أن ينص الشارع على أن أحد الدليلين متأخر عن الآخر، كحديث لحوم الأضاحي المتقدم وغيره، وإلى هذا أشار بقوله: ويعلم التأريخ بالنص على التأخير (٧)، وأشار إلى المعنوي بقوله: أو على السنة أو الغزوة أو الهجرة، يعني: أن ينص (٨) الراوي على [أن] (٩) التحريم مثلاً وقع في سنة خمس ويعلم أن الإباحة في سنة سبع فتكون الإباحة ناسخة للتحريم

стр. 2419

لتأخر تأريخها (١) (٢) عن تأريخ التحريم، وإن قال الراوي: كان التحريم في غزوة كذا أو كانت الإباحة في غزوة [كذا] (٣) كان (٤) ذلك بمنزلة النص على السنة؛ لأن غزواته ﵇ معلومة (٥) السنين (٦). وكذلك إن [قال] (٧): كان التحريم مثلاً قبل الهجرة، وكانت الإباحة بعد الهجرة، فإن ذلك بمنزلة النص على السنة. والإشارة [في] (٨) قوله (٩): ويعلم نسبة ذلك، عائدة (١٠) على السنة والغزوة والهجرة، أي: ويعلم نسبة ذلك لزمان الحكم هل هو متقدم عليه أو متأخر عنه؟ فينسخ المتأخر المتقدم أبدًا (١١). قوله: (أو السنة)، يغني عن قوله: أو الغزوة أو الهجرة؛ لأن قوله: الغزوة أو الهجرة تبيين للسنة؛ لأن ما قبل الهجرة وما بعدها معلوم السنين، وغزواته ﵇ معلومة السنين، بينها أرباب السير، وقد أشار إليها

стр. 2420

ابن الحاجب في كتاب الجهاد (١) [فقال:] (٢) وقد جاهد [رسول الله] (٣) ﷺ في الثانية من الهجرة غزوة بدر (٤) , ثم أحد (٥)، ثم ذات الرقاع (٦)، ثم الخندق (٧)، ثم بني النضير (٨) (٩) ,
следующие страницы →