← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

الفصل الخامس فيما يعرف به النسخ (١) ش: أي في بيان الطريق الذي يعرف به النسخ (٢)، وهو محصور في قسمين: لفظي، ومعنوي. قوله: ([و] (٣) يعرف (٤) بالنص على الرفع، أو على ثبوت النقيض أو الضد). ش: يعني أن النسخ يعرف بأحد شيئين: لفظي وهو [معنى] (٥) قوله: بالنص، ومعنوي وهو قوله: ثبوت النقيض أو الضد (٦). مثال النص على النسخ: كما لو قال ﵇: هذا ناسخ وهذا منسوخ، وكذلك ما في معنى هذا؛ كقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ

стр. 2417

﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ...﴾ (١) الآية، وكقوله ﵇: "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة التي دفت عليكم وأما الآن فكلوا وتصدقوا وادخروا"، وكقوله ﵇: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرًا"، وكقوله ﵇ (٢): "نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا وكل مسكر حرام". ومثال النص (٣) على ثبوت النقيض: (٤) وقوف الواحد للاثنين فإنه يناقض وقوف الواحد للعشرة (٥)؛ لأن ما بين الاثنين والعشرة يقتضي أحد الدليلين جواز الهروب منه والآخر يقتضي منع الهروب، فالجمع بين الجواز والمنع جمع بين النقيضين (٦) وهو ممنوع، فيقتضي أن أحد الدليلين ناسخ

стр. 2418

للآخر. ومثال النص على الضد: استقبال الكعبة مع استقبال بيت المقدس؛ لأن الجمع بين الاستقبالين (١) جمع بين الضدين وهو ممنوع. قوله: (ويعلم (٢) التأريخ بالنص على التأخير، أو [على] (٣) السنة، أو الغزوة، أو الهجرة، ويعلم (٤) نسبة ذلك إِلى زمان الحكم، أو برواية من مات قبل رواية الحكم الآخر) (٥). ش: يعني أن زمان الدليلين المتعارضين يعلم بأحد شيئين: لفظي، ومعنوي (٦)، فاللفظي: أن ينص الشارع على أن أحد الدليلين متأخر عن الآخر، كحديث لحوم الأضاحي المتقدم وغيره، وإلى هذا أشار بقوله: ويعلم التأريخ بالنص على التأخير (٧)، وأشار إلى المعنوي بقوله: أو على السنة أو الغزوة أو الهجرة، يعني: أن ينص (٨) الراوي على [أن] (٩) التحريم مثلاً وقع في سنة خمس ويعلم أن الإباحة في سنة سبع فتكون الإباحة ناسخة للتحريم

стр. 2419

لتأخر تأريخها (١) (٢) عن تأريخ التحريم، وإن قال الراوي: كان التحريم في غزوة كذا أو كانت الإباحة في غزوة [كذا] (٣) كان (٤) ذلك بمنزلة النص على السنة؛ لأن غزواته ﵇ معلومة (٥) السنين (٦). وكذلك إن [قال] (٧): كان التحريم مثلاً قبل الهجرة، وكانت الإباحة بعد الهجرة، فإن ذلك بمنزلة النص على السنة. والإشارة [في] (٨) قوله (٩): ويعلم نسبة ذلك، عائدة (١٠) على السنة والغزوة والهجرة، أي: ويعلم نسبة ذلك لزمان الحكم هل هو متقدم عليه أو متأخر عنه؟ فينسخ المتأخر المتقدم أبدًا (١١). قوله: (أو السنة)، يغني عن قوله: أو الغزوة أو الهجرة؛ لأن قوله: الغزوة أو الهجرة تبيين للسنة؛ لأن ما قبل الهجرة وما بعدها معلوم السنين، وغزواته ﵇ معلومة السنين، بينها أرباب السير، وقد أشار إليها

стр. 2420

ابن الحاجب في كتاب الجهاد (١) [فقال:] (٢) وقد جاهد [رسول الله] (٣) ﷺ في الثانية من الهجرة غزوة بدر (٤) , ثم أحد (٥)، ثم ذات الرقاع (٦)، ثم الخندق (٧)، ثم بني النضير (٨) (٩) ,

стр. 2421

ومريسيع (١) (٢) وفيها اعتمر عمرة الحديبية (٣) التي صد عنها، ثم خيبر (٤) واعتمر فيها عمرة القضاء (٥)، ثم فتح مكة (٦)، وفيها نزل على حنين (٧)، والطائف/ ٢٥٧/ (٨)،

стр. 2422

ثم تبوك وهي الأخيرة (١) وفيها تخلف الثلاثة (٢) وجماعة، وفيها أمر أبا بكر أن يحج (٣) بالناس (٤)، وحج ﷺ في العاشرة، وتوفي بعد حجـ[ـه في القابل] (٥) (٦). انتهى. قوله: (قال القاضي عبد الجبار: قول الصحابي في الخبرين المتواترين هذا قبل ذلك مقبول وإِن لم يقبل قوله في نسخ العلوم، كثبوت الإِحصان بشهادة (٧) اثنين بخلاف الرجم، وشهادة (٨) النساء في الولادة دون النسب).

стр. 2423

ش: ها هنا ثلاثة ألفاظ (١): أحدها: أن يقول الصحابي [هذا قبل ذلك. ثانيها: أن يقول: هذا نسخ ذلك. ثالثها: أن يقول: هذا منسوخ. فإذا قال: هذا قبل ذلك. قال القاضي عبد الجبار مقبول (٢)، وإليه أشار المؤلف بقوله: قال القاضي عبد الجبار في الخبرين المتواترين هذا قبل ذلك مقبول، يعني: إذا قال الصحابي] (٣) في الخبرين المتواترين المتعارضين هذا الخبر قبل ذلك الخبر فإنه مقبول في ثبوت النسخ. وقال غيره: لا يقبل، فإنه يقتضي نسخ المتواتر بقول ذلك الواحد (٤). قوله: (وإِن لم يقبل قوله في نسخ المعلوم)، هذا تأكيد وإغياء (٥)، معناه: قال القاضي عبد الجبار: يقبل قوله وإن لم يقبل قوله ابتداء في نسخ المتواتر: هذا منسوخ. وقاس (٦) القاضي عبد الجبار قبول ذلك على أصلين.

стр. 2424

أحدهما: الإحصان (١). فإنه يثبت بشاهدين (٢) مع أن الإحصان يؤدي إلى الرجم الذي لا يثبت سببه بشاهدين (٣). إذ لا يثبت سببه الذي هو الزنا إلا بأربعة شهداء. والجامع بينهما: أن التقدم شرط (٤) النسخ كما أن الإحصان شرط الرجم (٥). والأصل الثاني: شهادة النساء تقبل في الولادة بأن هذا الولد ولد على فراش هذا، فإن شهادة النساء تثبت في الولادة (٦) مع أن الولادة يؤدي ثبوتها إلى ثبوت النسب الذي لا يثبت بشهادة النساء, إذ لا يثبت النسب إلا بشهادة الرجال. والجامع بينهما (٧): أن التقدم (٨) شرط ثبوت النسخ. والولادة شرط ثبوت النسب (٩).

стр. 2425

قوله: (قال (١) (٢): فخر الدين: قول الصحابي: هذا منسوخ، لا يقبل، لجواز (٣) أن يكون اجتهادًا منه. وقال الكرخي: إِن قال: هذا (٤) نسخ ذلك (٥) لم يقبل، وإِن قال: هذا منسوخ قبل؛ لأنه لم يُخَلِ للاجتهاد مجالاً فيكون قاطعًا به، وضعفه الإِمام). ش: ذكر المؤلف ها هنا لفظين. أحدهما: أن يقول الصحابي: هذا منسوخ. الثاني: أن يقول هذا نسخ ذلك. فإذا قال: هذا منسوخ ففيه قولان: قال فخر الدين: لا يقبل (٦). [وقال أبو الحسن الكرخي: يقبل (٧). وإنما قال فخر الدين: لا يقبل] (٨)، للاحتمال أن يقول ذلك بالاجتهاد

стр. 2426

منه (١). وإنما قال الكرخي: يقبل؛ لأنه لم يُخَلِ للاجتهاد مجالاً فيكون قاطعًا [به] (٢)، أي: بنسخه (٣)؛ لأن الصحابي إذا أطلق القول فيه فقال: هذا منسوخ ولم يذكر الناسخ فكأنه قطع بصحته، بخلاف ما إذا ذكر الناسخ فقال: هذا نسخ ذلك، فإنه عرضة للاحتمال؛ لأنه يحتمل أن يكون ذلك اجتهادًا منه (٤). قال المؤلف في الشرح: ونظير قوله هذا منسوخ فيقبل (٥)، قول بعضهم في الخبر المرسل: إنه أقوى من المسند؛ لأنه إذا بين السند ورجاله فقد جعل لك (٦) مجالاً في الاجتهاد في عدالتهم، وأما إذا سكت فقد التزم ذلك في ذمته فيكون أقوى في العدالة ممن [لم] (٧) يلتزم (٨)، فكذلك إذا قال: هذا منسوخ. قوله: (وضعفه الإِمام)، [أي لأنه يحتمل] (٩) (١٠) أن يقول ذلك لقوة ظنه

стр. 2427

والظن محتمل (١) للخطأ (٢). تنبيه: لا يثبت التقديم والتأخير بتقدم إحدى (٣) الآيتين على الأخرى في المصحف؛ لأنه ليس ترتيب الآيات (٤) في المصحف على ترتيبها في النزول، لأنه ربما قدم المتأخر وربما أخر المتقدم (٥). والدليل على ذلك أن قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٦) ناسخ لقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (٧) مع أن الناسخ متقدم على المنسوخ في المصحف (٨). ...

стр. 2428

الباب الخامس عشر في الإجماع وفيه خمسة فصول: الفصل الأول: في حقيقته. الفصل الثاني: في حكمه. الفصل الثالث: في مستنده. الفصل الرابع: في المجمعين. الفصل الخامس: في المجمع عليه.

стр. 2429

الباب الخامس عشر في الإجماع وفيه خمسة فصول: الفصل الأول في حقيقته (١) ش: الإجماع لغة له ثلاثة (٢) معانٍ: أحدها: العزم، والثاني: الصيرورة [إلى الجمع] (٣)، والثالث: الاتفاق (٤). فدليل العزم (٥): أنك (٦) تقول: أجمع الرجل أمره (٧)، إذا عزم عليه، ومنه قوله ﵇: "لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل"، [أي: لمن

стр. 2430

لم يعزم على الصيام من الليل] (١) ومنه قول ابن الحاجب: ولو أجمع على الإسلام واغتسل (٢) له أجزأه (٣)، أي: عزم (٤) على الإسلام. ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ (٥) [أي: فاعزموا على أمركم، وقوله: ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾] (٦)، يحتمل نصبه على المعية، أي: مع شركائكم (٧)، ويصح أن يكون منصوبًا بفعل محذوف تقديره: وأجمعوا شركاءكم (٨)، أمر من جمع ثلاثيًا لا رباعيًا؛ لأن الرباعي لا يستعمل في الضم والجمع، وإنما يستعمل في العزم، وإنما الذي يستعمل في الضم والجمع هو الثلاثي، فتقول: أجمعت أمري، وجمعت شركائي (٩). فلا تقول: جمعت أمري بفعل ثلاثي، ولا أجمعت (١٠) شركائي بفعل رباعي.

стр. 2431

فقوله تعالى: ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ منصوب بواو المعية، أو منصوب بفعل مضمر كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ (١)، أي: وألفوا (٢) الإيمان، إذ لا يقال: تبوأت الإيمان (٣). ومنه قول الشاعر: علفتها تبنًا وماءً باردًا (٤) ..................... أي: وسقيتها ماءً باردًا؛ إذ لا يقال: علفتها ماءً. ومنه قول الشاعر [أيضًا] (٥): فزججن الحواجب والعيونا أي: وكحلن العيونا؛ إذ لا يقال: زججن العيونا. وأما المعنى الآخر وهو الصيرورة إلى الجمع فدليله: (٦) أنك تقول: أجمع

стр. 2432

الرجل، إذا صار ذا جمع، مثل: ألبن وأتمر (١)، إذا صار ذا لبن وذا تمر. فأجمع بالفعل الرباعي إذًا (٢) له معنيان: إما عزم، وإما صار ذا جمع/ ٢٥٨/، فقولهم: أجمع المسلمون على وجوب الصلاة مثلاً، يصح أن يكون بمعنى صاروا ذوي جمع، ويصح أن يكون بمعنى عزموا [على] (٣) ذلك، أي: قطعوا به، هذا كله في أجمع (٤) الرباعي، وأما الثلاثي فمعناه الضم، أي: ضم المفترق (٥)، ومصدره جمعًا (٦)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ [لِيَوْمِ الْجَمْعِ]﴾ (٨) (٩) (١٠). وأما المعنى الثالث وهو الاتفاق (١١) فدليله: قولهم: أجمع القوم على كذا، معناه: اتفق القوم على كذا، ولكن هذا المعنى الثالث يصح أن يرجع إلى المعنيين (١٢) الأولين، فقولهم: أجمع القوم على كذا، يصح أن يكون معناه:

стр. 2433

صاروا ذوي جمع، ويصح أن يكون معناه: عزموا ذلك، أي: قطعوا به. هذا كله في المعنى اللغوي (١). وأما حقيقته في الاصطلاح فقد بيّنها (٢) المؤلف رحمه الله تعالى. قوله: (وهو (٣) اتفاق أهل الحل والعقد من هذه الأمة في (٤) أمر من الأمور. ونعني بالاتفاق: الاشتراك إِما في القول أو في الفعل أو [في] (٥) الاعتقاد، و [نعني] (٦) بأهل الحل والعقد: المجتهدين في الأحكام الشرعية، وبأمر من الأمور: الشرعيات، والعقليات، والعرفيات). ش: هذا الحد مع تفسير قيوده هو حد الإمام في المحصول (٧).

стр. 2434

قوله: (إِما في القول) مثل أن يصرحوا بأن يقولوا: مذهبنا في هذا أنه حلال أو حرام أو واجب مثلاً. قوله: (أو في الفعل) مثل أن يفعلوا كلهم فعلاً من الأفعال، فيدل ذلك على جوازه ونفي الحرج، يريد ما لم تقم قرينة تدل على وجوبه أو (١) ندبه، فيحكم بمقتضى القرينة، كما أن فعله ﵇ يدل على الإباحة ما لم تقم (٢) قرينة تدل على الوجوب أو (٣) الندب فيقضى بمقتضى القرينة، قاله إمام الحرمين [في البرهان] (٤) (٥). وكذلك إذا أجمعوا على ترك شيء قولاً كان أو فعلاً، فإن ذلك يدل على عدم وجوبه، ويجوز أن يكون مندوبًا؛ لأن ترك المندوب غير محظور (٦). قوله: (أو في الاعتقاد) أي: [إذا] (٧) اعتقدوا شيئًا وأخبروا أنهم (٨) رضوه (٩) في أنفسهم دل ذلك على أن ذلك حسن؛ إذ لو لم يكن حسنًا ما رضوا به (١٠). قوله: (ونعني بأهل الحل والعقد: المجتهدين في الأحكام الشرعية)

стр. 2435

احترز (١) بالمجتهدين من العوام، واحترز به أيضًا من اتفاق بعضهم (٢) دون البعض؛ لأن قوله: (المجتهدين) يقتضي جميع المجتهدين؛ لأنه جمع محلى بالألف واللام، وسيأتي (٣) صفة المجمعين في الفصل الرابع في المجمعين (٤). قوله: (من هذه الأمة) يعني: أمة محمد ﷺ اللهم اجعلنا من أمة محمد بحرمة محمد ﵇ (٥)، واحترز بهذه الأمة من إجماع أرباب الشرائع من الأم السالفة؛ لأن (٦) إجماعهم ليس بحجة في أديانهم؛ لأن العصمة من خصائص هذه الأمة، ويجوز الخطأ على غيرهم من الأمم، وقد اختلف أرباب الأصول في الأمم السالفة هل هو حجة؟ قاله أبو إسحاق

стр. 2436

الإسفراييني (١) (٢)، أو ليس بحجة؟ قاله الجمهور (٣)؛ لأنهم قالوا: الإجماع من خصائص هذه الأمة، أو الوقف، قاله القاضي أبو بكر (٤)، أو التفصيل: إن أسند إلى قطعي فهو حجة وإلا فالوقف، قاله فخر الدين (٥). قوله: (الشرعيات) كتحريم الخنزير. قوله: (العقليات (٦))، كنفي الشريك لله تعالى. قوله: (العرفيات (٧)) كإباحة الأغذية النافعة كالخبز، وتحريم الأغذية الضارة كالسم. واعترض قوله: (العقليات)؛ إذ لا مدخل للإجماع في العقليات.

стр. 2437

قال إمام الحرمين في البرهان: لا أثر للإجماع في العقليات، فإن المعتبر فيها الأدلة القاطعة فإذا انتصبت لم يعارضها شقاق ولم يعضدها وفاق (١)، وإنما يعتبر الإجماع في السمعيات (٢). أجيب عنه: بأن مقصود الحد تصوير (٣) حقيقة الإجماع خاصة، وأما كونه حجة في إثبات السمعيات والعرفيات والعقليات فلم يتكلم عليه المؤلف ها هنا، وسيأتي في موضعه إن شاء الله في الفصل الخامس في المجمع عليه (٤)؛ لأن تصور الإجماع مخالف للحكم على الإجماع. واعترض (٥) أيضًا قوله: (اتفاق أهل الحل والعقد) بأنه يوهم أن الإجماع لا يتم إلا باتفاقهم في جميع الأعصار إلى يوم القيامة، وذلك باطل؛ لأنه يؤدي إلى عدم انعقاد الإجماع أصلاً، فلا بد من أن يزاد بعد قوله: (من هذه الأمة): في عصر من الأعصار. ...

стр. 2438

الفصل الثاني في حكمه وهو عند الكافة حجة خلافًا للنظام والشيعة والخوارج، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ (١) الآية (٢)، وثبوت الوعيد على المخالفة، يدل على وجوب (٣) المتابعة، وقوله ﵇: "لا تجتمع (٤) أمتي على خطأ" (٥) يدل على ذلك (٦). ش: تعرض المؤلف في هذا الفصل لأحكام (٧) الإجماع، فذكر في ذلك عشرين مسألة. الأولى (٨): هل الإجماع حجة أم لا؟. ذهب (٩) الجمهور [إلى] (١٠) أنه

стр. 2439

حجة (١)، خلافًا للنظام من المعتزلة (٢)، والشيعة (٣)، والخوارج (٤) القائلين: ليس بحجة. حجة المخالف: أن الله ﵎ نهى المؤمنين عن أنواع المناكر، كالقتل، والزنا، [والسرقة] (٥)، وشرب الخمر، وأكل الربا، وأكل أموال (٦) الناس بالباطل، فلولا تصور (٧) وقوع ذلك منهم لما نهاهم عنه، فذلك (٨) يدل على عدم عصمة المؤمنين (٩). أجيب عنه: بأن العصمة إنما هي (١٠) ثابتة للمجموع لا للآحاد والأفراد؛

стр. 2440

لأن صيغ العموم إنما وضعت لكل واحد [واحد] (١) لا للمجموع، فيكون كل واحد من المؤمنين على انفراده غير معصوم، ولا نزاع في ذلك، وإنما النزاع في مجموعهم لا في آحادهم (٢). وحجة الجمهور: الكتاب، والسنة؛ فالكتاب (٣): قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ ...﴾ (٤) الآية (٥)، كما قال المؤلف/ ٢٥٩/؛ لأن ثبوت الوعيد على مخالفة سبيل المؤمنين يدل على وجوب متابعة سبيل المؤمنين، والإجماع من (٦) سبيل المؤمنين فيجب اتباعه (٧). وقوله تعالى أيضًا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٨) والوسط] (٩) معناه: الخيار، سمي الخيار وسطًا لتوسطه بين طرفي الإفراط والتفريط (١٠)، قاله المؤلف في شرحه (١١)، فمدحهم يدل على أنهم على الصواب، والصواب حق يجب (١٢)

стр. 2441

اتباعه، فيجب اتباعهم. وقوله تعالى [أيضًا] (١): ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢)، فمدحهم يدل على [أنهم على] (٣) الصواب، والصواب يجب اتباعه فيجب اتباعهم (٤). وأما دليل السنة: فقوله ﵇: "لا تجتمع (٥) أمتي على خطأ"، وفي بعضها: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" (٦)، وفي بعضها: "لم يكن الله ليجمع (٧) أمتي على الضلالة" (٨)، وفي بعضها (٩): "سألت الله ألا يجمع (١٠) أمتي على الضلالة فأعطانيها" (١١) (١٢)، وقال ﵇: "من فارق الجماعة شبرًا خلع

стр. 2442

ربقة الإسلام من عنقه" (١)، والربقة هي ما أحاط بالعنق، مأخوذ من ربقة الغنم وهي حلقة من حبل تشد بها (٢)، وقال ﵇: "من فارق الجماعة واستذل الإمارة لقي الله ولا وجه له عنده" (٣)، وقال ﵇: "من نزع يده من الطاعة لم تكن له يوم القيامة حجة" (٤)، وقال ﵇: "من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية" (٥)، وقال ﵇: "من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة" (٦)، .................................

стр. 2443

والبحبوحة معناها (١) الوسط (٢)، وقال ﵇: "يد الله على الجماعة" (٣)، وقال ﵇: "عليكم بالسواد الأعظم" (٤)، وقال ﵇: "لا تزال [طائفة من] (٥) أمتي على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله " (٦)، وقال ﵇: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن" (٧)، وغير

стр. 2444

ذلك (١)، كله يدل على عصمة هذه الأمة من الخطأ، وذلك أن عصمة الأمة المحمدية تواتر معناها؛ لأنها وردت بألفاظ مختلفة وعبارات متباينة [الألفاظ] (٢) كلها تدل على [معنى] (٣) العصمة، فيكون ذلك تواترًا معنويًا كتواتر شجاعة علي، وسخاء (٤) حاتم، وفصاحة حسان (٥) وخطابة الحجاج، وغير ذلك. قوله: (وعلى منع (٦) القول الثالث و [على] (٧) عدم الفصل فيما جمعوه (٨) فإِن جميع ما خالفهم يكون خطأ لتعين (٩) الحق في جهتهم). ش: هذه مسألة ثانية وثالثة. قوله: (وعلى منع [القول] (١٠) الثالث وعلى عدم الفصل فيما جمعوه) يعني أن قوله ﵇: "لا تجتمع (١١) أمتي على خطأ" يدل على منع ثلاثة أشياء:

стр. 2445

يدل على منع مخالفة الإجماع. ويدل على منع إحداث القول الثالث. ويدل على عدم الفصل فيما جمعه (١) الصحابة ﵃. وإنما جمع المؤلف بين هذه المسائل الثلاث في الدليل الواحد؛ لأن مذهبه (٢) المنع في الجميع. وإنما قدم الدليل على المدلول للاختصار؛ لأنه لو قدم المدلول لاحتاج إلى إعادة الدليل بعد المدلول فيكون تكرارًا وتطويلاً. قال المؤلف في الشرح: الفرق بين إحداث القول الثالث (٣) وبين الفصل بين المسألتين، أن القول الثالث يكون في الفعل الواحد، وعدم الفصل يكون في مسألتين (٤)، كما سيأتي [في] (٥) تفصيل ذلك. قوله: (فإِن جميع ما خالفهم يكون خطأ لتعين (٦) الحق في جهتهم) أي: لأن خلاف الإجماع، وإحداث القول الثالث، وتفصيل ما جمعوه، مخالف لهم، فإن جميع ما خالفهم خطأ لتعين الحق في جهتهم. قوله: (وإِذا اختلف (٧) العصر الأول على قولين فلا يجوز (٨)

стр. 2446

[لمن] (١) بعدهم إِحداث قول ثالث عند الأكثرين، وجوزه أهل الظاهر، وفصل الإِمام فقال (٢): إِن لزم منه خلاف ما أجمعوا عليه امتنع، وإِلا فلا، كما قيل: للجد كل المال، وقيل: يقاسم الأخ، فالقول: بجعل المال كله للأخ مناقض للأول، وإِذا اجتمعت (٣) الأمة على عدم الفصل بين مسألتين فلا يجوز (٤) لمن بعدهم الفصل بينهما). ش: لما ذكر المؤلف هاتين المسألتين إجمالاً أراد أن يذكرهما تفصيلاً. أما المسألة الأولى: وهي إحداث القول الثالث، فمثاله: اختلاف العلماء (٥) في الفرض من الوقوف بعرفة، قال مالك: هو الوقوف بالليل (٦)، وقال الشافعي: هو الوقوف بالنهار (٧)، ولا يجوز لمن بعدهم أن يقول:

стр. 2447

الفرض منه هو الليل والنهار معًا؛ لأنه إحداث قول ثالث (١). فذكر المؤلف فيه ثلاثة أقوال: المنع مطلقًا، [وهو قول الجمهور] (٢) (٣)، والجواز مطلقًا، وهو قول الظاهرية (٤)، والمعتزلة (٥)، وبعض الحنفية (٦)، والقول الثالث بالتفصيل وهو مذهب الإمام الفخر (٧) بين أن يلزم [من القول الثالث] (٨) خلاف القولين معًا أم لا، مثل المؤلف ذلك بمسألة الجد مع الإخوة في الميراث، قيل: المال كله للجد، وقيل: يقسم بينه وبين الإخوة (٩)، والقول

стр. 2448

الثالث بأن المال كله للإخوة يناقض الإجماع الأول الذي هو عدم حرمان الجد من المال، فالقول بحرمان الجد يرفع ما اتفقا عليه؛ لأنهما اتفقا على أن الجد لا يحرم من المال، فالقول الثالث مخالف للإجماع الأول. ومثاله أيضًا: وجوب النية في الطهارة وضوءًا وغسلاً (١) وتيممًا، قيل: تعتبر في الجميع (٢)، وقيل: تعتبر في التيمم خاصة كما قاله الحنفية (٣) (٤)، فالقول بأنها (٥) لا تعتبر في جميعها يرفع ما اتفق (٦) عليه الفريقان من اعتبارها في التيمم (٧). هذا معنى قوله: (إِن لزم منه خلاف ما أجمعوا (٨) عليه امتنع).

стр. 2449

قوله: (وإِلا فلا) أي: وإن لم يخالف ما اتفقوا عليه (١) جاز إحداثه. مثاله: الخلاف في سباع الوحش/ ٢٦٠/ قيل: كلها حرام (٢) وقيل: كلها حلال (٣)، والقول بأن بعضها حرام وبعضها حلال (٤) غير مخالف لما اتفق (٥) عليه الفريقان؛ لأن القول الثالث موافق لكل واحد من القولين في وجه، مخالف له في وجه. ومثاله أيضًا: زوج وأبوان، أو زوجة وأبوان (٦)، قيل: للأم ثلث المال (٧)، وقيل: [لها] (٨) ثلث ما بقي بعد زوج أو زوجة (٩)، فالقول بأن لها

стр. 2450

ثلث المال في إحدى (١) الصورتين ولها ثلث ما بقي في الصورة الأخرى جائز؛ لأنه موافق لكل واحد من القولين في وجه، مخالف له في وجه. حجة قول الجمهور بالمنع مطلقًا: قوله ﵇: "لا تجتمع أمتي على خطأ" كما قال المؤلف؛ لأن الأمة لا يفوتها الحق، فلا يكون الثالث حقًا. وأيضًا: أن الأمة قبل هذا الثالث أجمعت (٢) على هذين القولين، وإحداث القول الثالث (٣) خارق (٤) للإجماع (٥). وأيضًا: لو صرحوا بنفي الثالث لم يجز الأخذ به إجماعًا، فكذلك إذا سكتوا ولم يصرحوا (٦). أصله: إذا جمعوا (٧) على قول واحد فإنه لا يجوز إحداث قول ثان ولو لم يصرحوا بنفيه. حجة القول بالجواز: أن الإجماع (٨) الأول مشروط بألا يجمعوا بعد ذلك على خلافه، فبطل الإجماع الأول لعدم شرطه (٩). وردّ هذا: بأنه يلزم جواز إحداث قول ثان في إجماعهم على قول واحد،

стр. 2451

مع أنهم اتفقوا على منع إحداث قول ثا [ن] (١) في الإجماع على قول واحد؛ لأن ذلك خارق للإجماع (٢). وسبب الخلاف في إحداث قول ثالث: أن إجماعهم على قولين، هل يقتضي حصر الحق فيهما أو لا يقتضيه؟ فتكون المسألة اجتهادية (٣). وأما المسألة الثانية: وهي عدم الفصل بين المسألتين ففيها ثلاثة أقوال: المنع مطلقًا، وهو مذهب المؤلف (٤)، والجواز مطلقًا (٥)، والتفصيل بين أن يصرحوا بعدم الفصل بين المسألتين، أو تكون (٦) العلة في القولين واحدة، وإلى هذا القول بالتفصيل ذهب الإمام فخر الدين (٧) والقضاة الأربعة (٨): القاضي عبد الوهاب (٩)، والقاضي أبو جعفر (١٠) (١١) ...........................

стр. 2452

والقاضي أبو الطيب (١) (٢)، والقاضي أبو بكر (٣) (٤)، وغيرهم (٥). مثال ذلك: ذوو الأرحام، فإنهم اتفقوا على عدم الفصل بينهم، فمن [ورث العمة] (٦) ورث الخالة بموجب القرابة والرحم (٧) (٨)، ومن لم يورث العمة لم يورث الخالة لضعف القرابة عن التوريث، فلا يجوز لأحد أن يورث العمة دون الخالة، أو يورث الخالة دون العمة، فطريق (٩) الحكم وعلته واحدة في المسألتين.

стр. 2453

وأما إن اختلفت العلة بأن يقول بعضهم: [لا أورث العمة لبعدها من الأب] (١)، ويقول البعض الآخر: لا أورث الخالة لإدلائها بالأم، فإن الفصل يجوز؛ لأن اختلاف المدرك يسوغ ذلك؛ لأنه إذا قال قائل: أورث العمة لشائبة الإدلاء بالأب، ولا أورث الخالة لإدلائها بالأم، وجهة الأنوثية (٢) ضعيفة، فهذا قد قال (٣) بالتوريث في العمة، وقد قاله بعض الأمة فلم يخرق الإجماع، وقال بعدم التوريث (٤) في الخالة، وقد قاله بعض الأمة أيضًا فلم يخرق الإجماع. وكذلك قال باعتبار ما اعتبره من العلة بعض الأمة، وبإلغاء ما ألغاه من العلة بعض الأمة فلم يخالف الإجماع (٥). حجة المنع مطلقًا: قوله ﵇: "لا تجتمع أمتي على خطأ" كما قال المؤلف، وغير ذلك من الأدلة المذكورة أولاً؛ لأن إجماعهم على عدم الفصل دليل على منع الفصل (٦). حجة الجواز مطلقًا: أن اختلافهم في حكم المسألتين ليس بإجماع على حكم واحد (٧)؛ لأن أحد الفريقين قال في المسألتين خلاف ما قال به الفريق

стр. 2454

الآخر. حجة القول بالتفصيل: أن التصريح بعدم الفصل بين المسألتين دليل على منع الفصل بينهما، ومن فصل بينهما فقد خالف ما أجمعوا (١) عليه فيكون خارقًا للإجماع، وكذلك إذا كانت علة أحد القولين متحدة فلا يجوز خلاف ذلك؛ لأنه خرق للإجماع (٢). قوله: (ويجوز حصول الاتفاق بعد الاختلاف في العصر الواحد، خلافًا للصيرفي، وفي العصر (٣) الثاني لنا وللشافعية والحنفية (٤) قولان مبنيان على أن إِجماعهم على الخلاف هل يقتضي أنه الحق؟ فيمتنع الاتفاق أو (٥) هو مشروط (٦) بعدم الاتفاق، وهو الصحيح). ش: هذه مسألة رابعة وخامسة. إحداهما (٧): هل يجوز الاتفاق بعد الاختلاف في العصر الواحد [أم لا] (٨)؟ والثانية: هل يجوز الاتفاق بعد الاختلاف في العصرين أم لا؟

стр. 2455

ذكر المؤلف في المسألة الأولى (١) قولين؛ مشهورهما الجواز، والشاذ المنع (٢). حجة المشهور: أن الصحابة رضوان الله عليهم اتفقوا على إمامة أبي بكر ﵁ بعد اختلافهم في إمامة الخلفاء (٣) ﵃ (٤)، وكذلك اتفقوا على قتال مانعي الزكاة بعد اختلافهم فيه (٥). حجة أبي بكر الصيرفي من الشافعية: أن اختلافهم أولاً على قولين يدل على أن كل واحد من القولين حق، وإجماعهم بعد ذلك على الحق في أحد القولن دون الآخر فيه مخالفة الإجماع الأول. قوله: (ويجوز حصول الاتفاق بعد الاختلاف في العصر الواحد خلافًا للصيرفي)، قال أبو إسحاق الشيرازي (٦) في اللمع: الخلاف المذكور في هذه
следующие страницы →