← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

مع أنهم اتفقوا على منع إحداث قول ثا [ن] (١) في الإجماع على قول واحد؛ لأن ذلك خارق للإجماع (٢). وسبب الخلاف في إحداث قول ثالث: أن إجماعهم على قولين، هل يقتضي حصر الحق فيهما أو لا يقتضيه؟ فتكون المسألة اجتهادية (٣). وأما المسألة الثانية: وهي عدم الفصل بين المسألتين ففيها ثلاثة أقوال: المنع مطلقًا، وهو مذهب المؤلف (٤)، والجواز مطلقًا (٥)، والتفصيل بين أن يصرحوا بعدم الفصل بين المسألتين، أو تكون (٦) العلة في القولين واحدة، وإلى هذا القول بالتفصيل ذهب الإمام فخر الدين (٧) والقضاة الأربعة (٨): القاضي عبد الوهاب (٩)، والقاضي أبو جعفر (١٠) (١١) ...........................

стр. 2452

والقاضي أبو الطيب (١) (٢)، والقاضي أبو بكر (٣) (٤)، وغيرهم (٥). مثال ذلك: ذوو الأرحام، فإنهم اتفقوا على عدم الفصل بينهم، فمن [ورث العمة] (٦) ورث الخالة بموجب القرابة والرحم (٧) (٨)، ومن لم يورث العمة لم يورث الخالة لضعف القرابة عن التوريث، فلا يجوز لأحد أن يورث العمة دون الخالة، أو يورث الخالة دون العمة، فطريق (٩) الحكم وعلته واحدة في المسألتين.

стр. 2453

وأما إن اختلفت العلة بأن يقول بعضهم: [لا أورث العمة لبعدها من الأب] (١)، ويقول البعض الآخر: لا أورث الخالة لإدلائها بالأم، فإن الفصل يجوز؛ لأن اختلاف المدرك يسوغ ذلك؛ لأنه إذا قال قائل: أورث العمة لشائبة الإدلاء بالأب، ولا أورث الخالة لإدلائها بالأم، وجهة الأنوثية (٢) ضعيفة، فهذا قد قال (٣) بالتوريث في العمة، وقد قاله بعض الأمة فلم يخرق الإجماع، وقال بعدم التوريث (٤) في الخالة، وقد قاله بعض الأمة أيضًا فلم يخرق الإجماع. وكذلك قال باعتبار ما اعتبره من العلة بعض الأمة، وبإلغاء ما ألغاه من العلة بعض الأمة فلم يخالف الإجماع (٥). حجة المنع مطلقًا: قوله ﵇: "لا تجتمع أمتي على خطأ" كما قال المؤلف، وغير ذلك من الأدلة المذكورة أولاً؛ لأن إجماعهم على عدم الفصل دليل على منع الفصل (٦). حجة الجواز مطلقًا: أن اختلافهم في حكم المسألتين ليس بإجماع على حكم واحد (٧)؛ لأن أحد الفريقين قال في المسألتين خلاف ما قال به الفريق

стр. 2454

الآخر. حجة القول بالتفصيل: أن التصريح بعدم الفصل بين المسألتين دليل على منع الفصل بينهما، ومن فصل بينهما فقد خالف ما أجمعوا (١) عليه فيكون خارقًا للإجماع، وكذلك إذا كانت علة أحد القولين متحدة فلا يجوز خلاف ذلك؛ لأنه خرق للإجماع (٢). قوله: (ويجوز حصول الاتفاق بعد الاختلاف في العصر الواحد، خلافًا للصيرفي، وفي العصر (٣) الثاني لنا وللشافعية والحنفية (٤) قولان مبنيان على أن إِجماعهم على الخلاف هل يقتضي أنه الحق؟ فيمتنع الاتفاق أو (٥) هو مشروط (٦) بعدم الاتفاق، وهو الصحيح). ش: هذه مسألة رابعة وخامسة. إحداهما (٧): هل يجوز الاتفاق بعد الاختلاف في العصر الواحد [أم لا] (٨)؟ والثانية: هل يجوز الاتفاق بعد الاختلاف في العصرين أم لا؟

стр. 2455

ذكر المؤلف في المسألة الأولى (١) قولين؛ مشهورهما الجواز، والشاذ المنع (٢). حجة المشهور: أن الصحابة رضوان الله عليهم اتفقوا على إمامة أبي بكر ﵁ بعد اختلافهم في إمامة الخلفاء (٣) ﵃ (٤)، وكذلك اتفقوا على قتال مانعي الزكاة بعد اختلافهم فيه (٥). حجة أبي بكر الصيرفي من الشافعية: أن اختلافهم أولاً على قولين يدل على أن كل واحد من القولين حق، وإجماعهم بعد ذلك على الحق في أحد القولن دون الآخر فيه مخالفة الإجماع الأول. قوله: (ويجوز حصول الاتفاق بعد الاختلاف في العصر الواحد خلافًا للصيرفي)، قال أبو إسحاق الشيرازي (٦) في اللمع: الخلاف المذكور في هذه

стр. 2456

المسألة إنما هو فيما إذا استقر [الخلاف] (١) وجوزوا الأخذ بكل واحد من القولين، وأما إذا لم يستقر الخلاف بعد، وهم في حالة (٢) التفكر والتردد ثم اتفقوا بعد ذلك فذلك إجماع من غير خلاف، كإمامة أبي بكر، وقتال مانعي الزكاة (٣). وأما المسألة الثانية، وهي حصول الاتفاق في العصر الثاني بعد الاختلاف في العصر الأول (٤)، يعني إذا اختلفت (٥) الصحابة ﵃ على قولين وانقرض العصر عليه، هل يجوز للتابعين أن يتفقوا على أحد ذينك القولين أم لا؟ ذكر المؤلف فيه قولين، والصحيح المنع (٦). مثال ذلك: اتفاق التابعين على منع بيع أم الولد بعد اختلاف الصحابة [فيه] (٧) / ٢٦١/ (٨).

стр. 2457

حجة الجواز (١): ما قال المؤلف: أن إجماعهم على الخلاف مشروط بعدم الاتفاق، أي شرطه: ألا يطرأ إجماع بعده، وقد فات الشرط فيفوت المشروط (٢). وحجة أخرى: أن أهل العصر الثاني هم كل الأمة (٣)، والصواب لا يفوت كل الأمة، فيتعين قولهم ويكون ما عداه باطلاً (٤). وحجة المنع (٥): ما قال المؤلف، وهو أن إجماعهم على الخلاف يقتضي

стр. 2458

أنه الحق فيمتنع (١) الاتفاق يعني أن أهل العصر الأول اتفقوا على جواز الأخذ بكل واحد من القولين، فالقول (٢) بعد ذلك بحصر (٣) الحق في أحدهما خلاف الإجماع الأول، فيكون باطلاً (٤). وحجة أخرى: أن ذلك يؤدي إلى تعارض الإجماعين؛ لأن أهل العصر الأول أجمعوا (٥) على جواز الأخذ بكل واحد من القولين، وأهل العصر الثاني أجمعوا على امتناع الأخذ بكل واحد من القولين وإنما يؤخذ بواحد منهما خاصة دون الآخر، فيلزم تخطئة (٦) أحد الإجماعين القاطعين، وذلك ممنوع. قوله: (قولان مبنيان على [أن] (٧) إِجماعهم على الخلاف) أي: على أن إجماعهم على جواز الأخذ بكل واحد من القولين يقتضي أنه الحق، فيمتنع (٨) الاتفاق على الأخذ بأحد القولين خاصة، أو يقال: إجماعهم على الخلاف إنما يكون حقًا بشرط عدم الاتفاق على الأخذ بأحد القولين خاصة، وهو الصحيح عند المؤلف، فالخلاف إنما هو في تخريج المناط ثم تحقيقه.

стр. 2459

فرع: قال إمام الحرمين ﵁ (١): إذا سمع أحد من رسول الله ﷺ حكمًا في مسألة بنص لا يحتمل التأويل ولم يسمع (٢) غيره، والسامع ليس من أهل الاجتهاد، ثم أجمعت (٣) الأمة على خلاف مسموعه، فهل يأخذ السامع بما سمع أو يأخذ بالإجماع؟ [فالجواب أنه يأخذ بالإجماع] (٤) لعصمة الإجماع، وذلك أن عدم عثورهم على الخبر يدل على نسخه ولو لم ينسخ لعثروا عليه [وعملوا به] (٥) (٦) لما ثبت لهم من العصمة (٧)، فاعلم هذه الحجة؛ فإن هذا مما زل فيه كثير من العلماء، وبالله التوفيق بمنّه. قوله: (وانقراض العصر ليس شرطًا، خلافًا لقوم من الفقهاء والمتكلمين، لتجدد الولادة [في] (٨) كل يوم، فيتعذر الإِجماع). ش: هذه مسألة سادسة (٩)، ................................

стр. 2460

مذهب الجمهور أن الإجماع يصير حجة بنفس انعقاده (١) ولا يشترط فيه انقراض المجمعين (٢) (٣)، وذهب (٤) أحمد بن حنبل (٥) وبعض الشافعية (٦) وبعض المعتزلة (٧) إلى أنه لا يصير حجة إلا بعد انقراض المجمعين (٨) (٩). حجة الجمهور القائلين بعدم اشتراط انقراض العصر: ما ذكره (١٠) المؤلف من تجدد الولادة في كل يوم فيتعذر الإجماع، يعني: أن اشتراط انقراض العصر في انعقاد الإجماع يؤدي إلى عدم تحقق الإجماع في شيء من الأعصار.

стр. 2461

لأن التابعين يولدون في زمن الصحابة رضوان الله عليهم ويصير منهم فقهاء مجتهدون قبل انقراض عصر الصحابة فيلزم ألا ينعقد إجماع الصحابة دونهم، ثم عصر التابعين أيضًا كذلك، فتتداخل (١) الأعصار بعضها في بعض فلا ينعقد إجماع أبدًا (٢)؛ لأن من قال باشتراط انقراض العصر اشترط موافقة اللاحقين لهم (٣) في صحة إجماعهم. قوله: (لتجدد الولادة في كل يوم)، يعني: ويصير (٤) المولود مجتهدًا فتتداخل (٥) الأعصار فيتعذر الإجماع. قال بعضهم: قول المؤلف: يمتنع الإجماع لتجدد (٦) الولادة في كل يوم، لا يصح؛ لأن المعتبر في الإجماع من أدرك من المجتهدين عصر المجمعين (٧)، وأما من أدرك [عصر] (٨) من أدرك عصر المجمعين (٩) فلا يعتبر في إجماع من لم يعاصره، فيصح اشتراط انقراض العصر (١٠). حجة القول باشتراط انقراض العصر في صحة الإجماع: أن الناس ما داموا

стр. 2462

أحياء فهم في مهلة النظر والاجتهاد، فربما يرجعون أو بعضهم عما أجمعوا عليه، فلا ينعقد الإجماع (١). قوله: (وإِذا حكم بعض الأئمة (٢) وسكت الباقون؛ فعند الشافعي والإِمام ليس بحجة ولا إِجماع (٣) (٤)، وعند الجبائي إِجماع وحجة بعد انقراض العصر (٥)، وعند أبي هاشم ليس بإِجماع وهو حجة (٦)، وعند أبي علي بن أبي هريرة (٧) (٨): إِن كان القائل حاكمًا لم يكن إِجماعًا ولا حجة

стр. 2463

وإِن كان غيره فهو حجة وإِجماع) (١) (٢). ش: هذه مسألة سابعة (٣)، يعني إذا ذهب واحد من المجتهدين إلى حكم في نازلة قبل استقرار المذاهب (٤) على حكم [تلك النازلة] (٥)، كان ذلك على طريق الحكم أو على طريق الفتيا، وحضر الباقون، أو عرف (٦) به أهل عصره، وسكتوا عن الإنكار عليه. كقول عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر: ألا إن الخمر إذا تخلل بنفسه فهو حلال (٧)، وسكت الآخرون.

стр. 2464

فاختلف الأصوليون فيه على خمسة أقوال، ذكر المؤلف أربعة، والخامس هو إجماع وحجة مطلقًا، وهو قول جمهور المالكية والشافعية (١). حجة القول بأنه إجماع وحجة مطلقًا: أن السكوت ظاهر في الرضى لا سيما مع طول المدة، ولهذا قال (٢) ﵇ [في البكر] (٣): "إذنها صماتها" (٤)، فإذا كان الساكت موافقًا للقائل كان إجماعًا وحجة، عملاً بالأدلة الدالة على كون الإجماع حجة (٥). حجة القول بأنه ليس بإجماع ولا حجة: أن السكوت لا يدل على الرضى؛ لأن الساكت قد يسكت (٦)؛ لأنه في مهلة النظر أو التدبر (٧)، أو يعتقد أن قول خصمه مما يمكن أن يذهب إليه ذاهب، أو يعتقد أن كل مجتهد مصيب، أو لأنه عنده منكر ولكن يظن أن غيره قام بالإنكار عليه، أو يعتقد أن

стр. 2465

إنكاره لا يفيد، أو لأنه لا يقدر على الإنكار في الحال (١)، ومع هذه الاحتمالات لا يقال: الساكت موافق للقائل، وهو معنى قول الشافعي: "لا ينسب إلى ساكت (٢) قول (٣) ". حجة (٤) الجبائي القائل: بأنه إجماع وحجة بعد انقراض العصر: أن الساكت ما دام حيًا هو في مهلة (٥) النظر والاجتهاد، فإذا مات أمن خلافه (٦). حجة القول بأنه حجة وليس بإجماع: وإنما قال/ ٢٦٢/: ليس بإجماع لاحتمال السكوت غير الموافقة (٧) كما تقدم، وإنما قال: هو حجة؛ لأن السكوت ظاهر في الرضى، [والظاهر يفيد الظن، والظن حجة معمول به لقوله ﵇: "نحن نحكم بالظاهر"، وقوله ﵇: "أمرت أن أقضي بالظاهر" وقياسًا] (٨) على سائر المدارك الظنية (٩).

стр. 2466

حجة القول بالفرق بين الحاكم والمفتي: أن أحكام الحاكم تابعة لما يطلع عليه من أمور الرعية، فربما يطلع على ما لا يطلع عليه غيره من أمور رعيته مما يقتضي خلاف دعوى الخصم وظاهر الحال [يقتضي] (١) أنه مخالف للإجماع، وأما المفتي فإنما (٢) يفتي على مقتضى المدارك الشرعية وهي معلومة عند غيره، فإذا رآه قد خالفها نبهه، بخلاف الحاكم؛ لاطلاعه على ما لم يطلع عليه غيره من أحوال رعيته، فإنه (٣) قد يرى المذهب المرجوح راجحًا في بعض الخصوم مما لا يطلع عليه إلا من وُلِّي عليه (٤). قوله: (فإِن قال بعض الصحابة قولاً ولم يعرف له مخالف، قال الإِمام: إِن كان مما تعم به البلوى ولم ينتشر ذلك القول فيهم، ففيه (٥) مخالف لم يظهر، فيجري مجرى قول البعض وسكوت البعض، وإِن كان مما لا تعم به البلوى، فليس بإِجماع ولا حجة). ش: هذه مسألة ثامنة (٦).

стр. 2467

الفرق (١) بين هذه المسألة والتي قبلها، أن القول في التي قبلها منتشر ظاهر، والقول في هذه المسألة غير منتشر. فقال الإمام في المحصول: إذا قال بعض الصحابة (٢) [قولاً] (٣) ولم ينتشر فيهم، ففيه تفصيل بين أن تعم به البلوى أم لا، فإن كان مما تعم به البلوى فيجري مجرى قول البعض بحضرة البعض (٤) وسكوتهم، فتكون بمنزلة المسألة التي قبل هذه وهي قوله: (وإِذ حكم بعض الأمة وسكت الباقون ...) إلى آخره، وإن كان مما لا تعم به البلوى فليس بإجماع ولا حجة (٥). قوله: (وإِن كان مما تعم به البلوى) يعني: الحاجة (٦)، وهو ما احتاج

стр. 2468

إليه كل مكلف؛ لأن التكليف به يعم كل أحد من المكلفين، كدم البراغيث (١)، والدماميل (٢)، وطين المطر، وغيرها بالنسبة إلى العفو عنها، وكمسّ (٣) الأنثيين، والدبر، أو بين (٤) الإليتين، بالنسبة إلى نقض الوضوء، كذلك القيء (٥)، والقلس (٦)، والبلغم (٧)، والرعاف (٨)، والحجامة، والفصادة (٩)،

стр. 2469

بالنسبة إلى نقض الوضوء، وذلك (١) أن هذه الأشياء كلها وقع فيها الخلاف بين العلماء وهي كلها مما تعم به البلوى. وقد أشار القاضي عبد الوهاب إلى الخلاف فيها بالردّ على المخالف فقال في التلقين: ولا يوجب الوضوء ما خرج من البدن من غير السبيلين (٢) من قيء ولا قلس ولا بلغم ولا رعاف ولا حجامة ولا فصادة (٣) ولا غير ذلك (٤). قوله: ولا غير ذلك، كالدم (٥) والعرق واللعاب والمخاط. وقال أيضًا: ولا وضوء من مسّ (٦) الأنثيين ولا الدبر ولا شيء من أرفاغ البدن وهي مغابنه الباطنة كتحت الإبطين وما بين الفخذين وما أشبه ذلك (٧)، ولا من أكل شيء أو شربه (٨) كان مما مسته النار أو مما لم تمسه، ولا من قهقهة في صلاة أو غيرها، ولا من ذبح بهيمة أو غيرها (٩). قوله: أو غيرها أي: غير (١٠) البهيمة كذبح الطيور، وفي بعض النسخ:

стр. 2470

أو غيره، بضمير التذكير، أي: أو غير الذبح، كحمل الميت (١) أو مس الصنم، أو حلق الشعر، أو قص (٢) الظفر. قوله: ولا من أكل شيء أو شربه (٣)، خلافًا لمن قال بذلك مستدلاً بأنه ﵇: أكل كتف شاة فتوضأ (٤)، وشرب (٥) لبن ناقة فتوضأ (٦)، وحمل مالك ذلك الوضوء على (٧) اللغوي (٨).

стр. 2471

قوله: (وإِن كان مما لا تعم به البلوى) أي: وإن كان مما لا يحتاج إليه كل أحد من المكلفين، كالاستحاضة (١) والسلس (٢) والدود والحصى، بالنسبة إلى نقض الوضوء. وإنما قال الإمام: إذا كان مما تعم به البلوى يجري مجرى قول [البعض] (٣) وسكوت البعض؛ لأن ما تعم به البلوى شأنه أن ينتشر بينهم لعموم سببه لهم وشموله لهم، فإذا (٤) لم ينتشر بينهم فلا بد أن يكون الساكت علم تلك الفتوى لوجود سببها في حقه وهو إما موافق أو مخالف (٥) (٦). قال المؤلف في شرحه: قولي: ففيه (٧) مخالف لم يظهر، صوابه ففيه قائل لم يظهر، أما المخالف (٨) فلا يتعين؛ لأن الساكت قد يكون موافقًا للقائل، وقد يكون مخالفًا له (٩). وإنما قال الإمام: إذا كان [مما] (١٠) لا تعم به البلوى فلا يكون إجماعًا ولا

стр. 2472

حجة لاحتمال ذهول (١) البعض عنه. وإنما قال الإمام: ليس بإجماع ولا حجة؛ لأن مذهبه في الإجماع السكوتي أنه ليس بإجماع ولا حجة، وإلا فالخلاف جار في الجميع (٢). قوله: (وإِذا جوّزنا الإِجماع السكوتي فكثير (٣) ممن لم يعتبر انقراض العصر في القولي اعتبره في السكوتي). ش: هذه مسألة تاسعة (٤)، والفرق بين القولي والسكوتي في هذا المعنى: أن الإجماع القولي قد صرح كل واحد بما في نفسه فلا معنى لانتظار انقراض العصر، وأما السكوتي فيحتمل أن يكون الساكت في مهلة النظر فينتظر حتى ينقرض العصر، فإذا مات علمنا رضاه (٥). قال الإمام فخر الدين: هذا ضعيف؛ لأن السكوت إما أن يدل على

стр. 2473

الرضا أم لا، فإن دل على الرضا دل عليه في الحياة، وإن لم يدل على الرضا لم يدل عليه في الممات (١). قوله: (والإِجماع المروي (٢) بالآحاد (٣) حجة خلافًا لأكثر الناس؛ لأن هذه الإِجماعات (٤) وإِن لم تفد [العلم] (٥) فهي تفيد الظن [والظن] (٦) معتبر في الأحكام كالقياس وخبر الواحد، غير أنا (٧) لا نكفر (٨) مخالفها قاله الإِمام (٩)). ش: هذه مسألة عاشرة (١٠). حجة كونه حجة ثلاثة [أوجه] (١١):

стр. 2474

أحدها: ما قال المؤلف أنه مفيد للظن والظن (١) معتبر شرعًا كالقياس وخبر الواحد. الوجه الثاني: أن الإجماع حجة شرعية فيصح التمسك بمظنونه كما يصح بمقطوعه كالنصوص والقياس (٢). الوجه الثالث: أنه يقاس على قبوله في السنة؛ لأنه إذا كان مقبولاً في السنة فأولى وأحرى أن يكون مقبولاً في الإجماع؛ لأن السنة متفق عليها، والإجماع مختلف فيه، فإذا جاز إثبات السنة بالآحاد فأولى وأحرى/ ٢٦٣/ أن يثبت الإجماع بالآحاد. حجة كونها ليس بحجة (٣): أن الإجماع من الوقائع العظيمة (٤) فشأنه (٥) أن تتوفر (٦) الدواعي (٧) على نقله، فإذا لم ينقل بالتواتر كان ذلك ريبة فيه (٨). ورد هذا الدليل: بأنه لازم في خبر الواحد (٩) بما تعم به (١٠) البلوى، مع أن

стр. 2475

الصحيح قبوله. أجيب عنه: بأن عموم البلوى أقل من الكل (١). قوله: (غير أنا لا نكفر مخالفها) وإنما [لا] (٢) يكفر مخالف الإجماعات المروية بالأخبار الآحادية (٣)؛ لأنها ظنية (٤)، ولا يكفر بمخالفة الظنون (٥) باتفاق، وإنما الخلاف في الإجماع الثابت بالتواتر هل يكفر به أم لا؟ كما سيأتي إن شاء الله [في آخر هذا الفصل في قوله: (واختلف في تكفير مخالفه بناء على أنه قطعي، وهو الصحيح، ولذلك قدم على الكتاب والسنة، وقيل: ظني)] (٦). قوله: ([قال] (٧) وإذا استدل أهل العصر [الأول] (٨) بدليل وذكروا (٩) تاويلاً، واستدل [أهل] (١٠) العصر الثاني بدليل آخر وذكروا تأويلاً آخر

стр. 2476

فلا يجوز إِبطال التأويل القديم، وأما الجديد فإِن لزم منه إِبطال القديم بطل وإِلا فلا). ش: هذه مسألة حادية عشر (١)، أي: قال الإمام: إذا استدل أهل العصر الأول على مسألة الإجماع بدليل ثم استدل أهل العصر الثاني على تلك المسألة بدليل آخر (٢). مثاله: اللفظ المشترك كالقرء (٣) [مثلاً] (٤) (٥) إذا فسره أهل العصر الأول بالطهر ثم فسره أهل العصر الثاني بالحيض، فلا يجوز إبطال التأويل القديم وهو تفسيره بالطهر، ويبطل التأويل الثاني وهو تفسيره بالحيض؛ لأن تفسيره بالحيض يؤدي إلى إبطال تفسيره (٦) بالطهر؛ لأن الطهر مناقض للحيض فإذا ثبت أحدهما ارتفع الآخر فلا يمكن اجتماعهما. قوله: (يبطل وإِلا [فلا] (٧)) أي: بطل التأويل الثاني، وإن لم يلزم منه إبطال القديم فلا يبطل التأويل الثاني، كالعام إذا خصصه [أهل العصر الأول بتخصيص، وخصصه] (٨) أهل العصر الثاني بتخصيص آخر، فلا يبطل واحد

стр. 2477

من التأويلين، فيبقى كل واحد على حاله. مثال (١) [ذلك] (٢): قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) إذا خصصه أهل العصر الأول بالنساء والصبيان، وخصصه (٤) أهل العصر الثاني بكل ما ليس فيه إذاية (٥) للمسلمين كالأحبار والرهبان والشيخ الفاني، فلا يبطل التأويل الثاني [ها] (٦) هنا كما لا يبطل التأويل القديم؛ لأن التأويل الثاني لا يلزم من إثباته إبطال التأويل القديم، لإمكان اجتماعهما، فيخصص العموم بمجموع (٧) التأويلين معًا فيخرج النساء والصبيان والأحبار والرهبان والشيخ الفاني [من العموم] (٨). قوله: (وإِذا استدل أهل العصر الأول بدليل ...) إلى آخره، هذا الذي ذكره المؤلف إنما هو فيما إذا لم ينص أهل العصر الأول على منع الاستدلال بغير دليلهم، ولا نصوا على جواز الاستدلال بغير دليلهم (٩)، أما إذا نصوا

стр. 2478

على منع الاستدلال بغير دليلهم فإنه يمنع (١) الاستدلال بغير دليلهم اتفاقًا، وكذلك إذا نصوا على جواز الاستدلال بغير دليلهم، فإنه يجوز الاستدلال بغير دليلهم اتفاقًا أيضًا. وإنما الخلاف فيما إذا سكت أهل العصر الأول عن الأمرين، أعني: سكتوا عن جواز الاستدلال بغير دليلهم وسكتوا أيضًا عن منع الاستدلال بغير دليلهم. فالقول المشهور الذي عليه الجمهور جواز الاستدلال بغير دليلهم، والشاذ (٢) منعه، فالمختار مذهب الجمهور بأنه (٣) جائز إلا إذا لزم منه إبطال ما أجمع (٤) عليه أهل العصر الأول كما قاله (٥) المؤلف. قوله: (وإِجماع أهل المدينة [عند مالك ﵀] (٦) فيما طريقه التوقيف حجة خلافًا للجميع). ش: هذه مسألة ثانية عشر (٧) ..............................

стр. 2479

يعني إذا أجمع (١) علماء المدينة من الصحابة والتابعين على شيء مما سبيله التوقيف، أي: النقل (٢) فهو حجة عند مالك، يعني وعند جمهور أصحابه. قال الباجي: وإليه ذهب المحققون من أصحابنا (٣). قوله: (فيما طريقه التوقيف)، كصفة الأذان والإقامة، ومقدار الصاع والمد (٤)، وجواز الأحباس (٥) (٦)، وغير ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل والرواية عن النبي ﵇.

стр. 2480

واحترز بقوله: (التوقيف) مما طريقه الاجتهاد. وقيل (١): إجماعهم حجة مطلقًا في المنقولات وفي الاجتهاديات، وإليه ذهب أكثر المغاربة (٢) (٣). وقيل: إجماعهم لا يكون حجة مطلقًا (٤). حجة [قول] (٥) مالك بأنه حجة في النقل دون الاجتهاد: أن أخلافهم (٦) ينقلون عن أسلافهم، وأبناءهم، عن آبائهم، وذلك يخرج الخبر عن حيز الظن والتخمين إلى حيز القطع واليقين (٧). حجة (٨) القول بأنه حجة مطلقًا: قوله ﵇: "إن المدينة تنفي خبثها

стр. 2481

كما ينفي الكير خبث الحديد" (١) والخطأ خبث فوجب (٢) نفيه (٣). حجة القول بأنه لا يكون حجة مطلقًا: قوله ﵇: "لا تجتمع أمتي على خطأ". مفهوم ذلك أن بعض الأمة يجوز عليه الخطأ، وأهل المدينة هم بعض الأمة (٤). أجيب عنه: بأن منطوق الحديث المثبت أولى من مفهوم الحديث النافي (٥) قوله: (وإِجماع أهل المدينة) يعني علماءها (٦). قالوا (٧): علماء المدينة سبعة (٨) (٩) ...........................

стр. 2482

جمعهم بعضهم في هذين البيتين (١): ألا كل من لا يقتدي بأئمة ... فقسمته ضيزى عن الحق خارجة فخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجة (٢) بيانهم بالنثر: عبيد الله (٣) بن عبد الله بن مسعود (٤)، وعروة بن الزبير (٥) ,

стр. 2483

والقاسم بن محمد (١)، وسعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن (٢)، وسليمان بن يسار (٣)، وخارجة بن زيد (٤). وجمعهم (٥) بعضهم [أيضًا] (٦) بهذه الحروف السبعة: عينان وسينان وألفان وخاء.

стр. 2484

قوله: (ومن الناس من اعتبر إِجماع أهل الكوفة) (١). ش: هذه مسألة ثالثة عشر، والمشهور أن إجماعهم لا يكون حجة. حجة القول بأن إجماعهم حجة: أن عليًا ﵁ وجماعة كثيرة من الصحابة [والعلماء] (٢) كانوا بها فكان ذلك دليلاً على أن الحق لا يفوتهم (٣). حجة القول الآخر: أن العصمة إنما تثبت (٤) لمجموع الأمة (٥) لا لبعض الأمة؛ فلا يكون إجماعهم حجة (٦). قوله: / ٢٦٤/ (وإِجماع العترة عند الإِمامية (٧) [حجة] (٨)). ش: هذه مسألة رابعة عشر (٩)، المشهور أن إجماع العترة ليس بحجة

стр. 2485

خلافًا للإمامية (١)، وهم: أتباع أبي بكر (٢) ﵁ (٣). العترة بالعين المهملة (٤)، قال الزبيدي في مختصر العين (٥) باب العين المهملة (٤): عترة الرجل: أقرباؤه (٦). واختلف العلماء في المراد بعترة النبي ﵇، قيل: بنو عبد المطلب، وقيل: بنو هاشم، وقيل: أهل بيته الأقربون والأبعدون، لقول أبي بكر ﵁: نحن عترة رسول الله ﷺ وبيضته التي تفقأ (٧) عنه، كما تقدم

стр. 2486

في خطبة الكتاب (١). ومعنى العترة في اللغة: ما يجعله الضب (٢) علامة يهتدي (٣) بها إلى مأواه (٤)، فإن الرجل يرجع إلى أقربائه وأهل بيته. حجة الإمامية (٥): قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٦) [والخطأ رجس] (٧)، فوجب أن يزال عنهم (٨) (٩). أجيب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن الرجس ظاهر في المعصية، والاجتهاد المخطئ ليس بمعصية (١٠)؛ لأنه ﵇ أثبت فيه أجرًا، والأجر لا يكون في المعصية. الوجه الثاني: أن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ [اللَّهُ] (١١)﴾ [صيغته] (١٢)

стр. 2487

صيغة الحصر، والحصر متعذر؛ لأن إرادة الله تعالى شاملة لجميع أجزاء العالم فبطلت الحقيقة، فإذا (١) بطلت الحقيقة تعين المجاز، ووجوه المجاز غير منحصرة، فيصير (٢) في الآية إجمال فيسقط [بها] (٣) الاستدلال (٤). واختلف في أهل البيت المذكورين في هذه الآية المذكورة، قيل: زوجاته ﵇ (٥)، وقيل: علي وفاطمة والحسن (٦) والحسين (٧). وقيل: بنو عبد المطلب، وقيل: بنو هاشم (٨). قوله: (وإِجماع الخلفاء الأربعة حجة عند أبي حازم (٩) ولم يعتد

стр. 2488

بخلاف زيد (١) في توريث (٢) ذوي الأرحام). ش: هذه مسألة خامسة عشر (٣)، يعني [أن القاضي] (٤) أبا (٥) حازم من أصحاب أبي حنيفة قال: إجماع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ على مسألة حجة، ولا عبرة بمخالفة من خالفهم من الصحابة وغيرهم (٦). حجته: قوله ﵇: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين [من] (٧)

стр. 2489

بعدي عضوا عليها بالنواجذ"، فهذا (١) تحضيض (٢) يوجب اتباعهم وهو المطلوب (٣). حجة الجماعة: أنهم بعض الأمة لا كل الأمة والعصمة إنما تثبت لكل الأمة لا لبعض الأمة. قوله: (ولم يعتد بخلاف زيد في توريث (٤) ذوي الأرحام) يعني أن أبا حازم جعل اتفاق الخلفاء الأربعة إجماعًا، ولذلك لم يعتبر ما قاله زيد بن ثابت من أن ذوي الأرحام لا يرثون. وذلك أن زيد بن ثابت قال: لا يرثون (٥)، وقال الخلفاء الأربعة: يرثون، فاعتبر القاضي أبو حازم قول الخلفاء الأربعة، ولم يعتبر قول زيد بن ثابت؛ لأن أبا حازم أفتى بتوريثهم وحكم بردّ أموال حصلت في بيت الخليفة المعتمد العباسي (٦)،

стр. 2490

وأعطاها لذوي الأرحام، وقبل (١) المعتمد فتياه وأنفذ قضاءه (٢) وكتب به إلى الآفاق (٣). وتوريث (٤) ذوي الأرحام هو مذهب أبي حنيفة (٥)، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٦). وقال مالك: لا يرثون (٧) واستدل بعمل أهل المدينة، وقد مات رجل ولم يترك إلا عمته (٨) وخالته، فقال لهما (٩) النبي ﵇: "لا أجد لكما في كتاب الله شيئًا" (١٠).
следующие страницы →