← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

في خطبة الكتاب (١). ومعنى العترة في اللغة: ما يجعله الضب (٢) علامة يهتدي (٣) بها إلى مأواه (٤)، فإن الرجل يرجع إلى أقربائه وأهل بيته. حجة الإمامية (٥): قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٦) [والخطأ رجس] (٧)، فوجب أن يزال عنهم (٨) (٩). أجيب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن الرجس ظاهر في المعصية، والاجتهاد المخطئ ليس بمعصية (١٠)؛ لأنه ﵇ أثبت فيه أجرًا، والأجر لا يكون في المعصية. الوجه الثاني: أن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ [اللَّهُ] (١١)﴾ [صيغته] (١٢)

стр. 2487

صيغة الحصر، والحصر متعذر؛ لأن إرادة الله تعالى شاملة لجميع أجزاء العالم فبطلت الحقيقة، فإذا (١) بطلت الحقيقة تعين المجاز، ووجوه المجاز غير منحصرة، فيصير (٢) في الآية إجمال فيسقط [بها] (٣) الاستدلال (٤). واختلف في أهل البيت المذكورين في هذه الآية المذكورة، قيل: زوجاته ﵇ (٥)، وقيل: علي وفاطمة والحسن (٦) والحسين (٧). وقيل: بنو عبد المطلب، وقيل: بنو هاشم (٨). قوله: (وإِجماع الخلفاء الأربعة حجة عند أبي حازم (٩) ولم يعتد

стр. 2488

بخلاف زيد (١) في توريث (٢) ذوي الأرحام). ش: هذه مسألة خامسة عشر (٣)، يعني [أن القاضي] (٤) أبا (٥) حازم من أصحاب أبي حنيفة قال: إجماع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ على مسألة حجة، ولا عبرة بمخالفة من خالفهم من الصحابة وغيرهم (٦). حجته: قوله ﵇: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين [من] (٧)

стр. 2489

بعدي عضوا عليها بالنواجذ"، فهذا (١) تحضيض (٢) يوجب اتباعهم وهو المطلوب (٣). حجة الجماعة: أنهم بعض الأمة لا كل الأمة والعصمة إنما تثبت لكل الأمة لا لبعض الأمة. قوله: (ولم يعتد بخلاف زيد في توريث (٤) ذوي الأرحام) يعني أن أبا حازم جعل اتفاق الخلفاء الأربعة إجماعًا، ولذلك لم يعتبر ما قاله زيد بن ثابت من أن ذوي الأرحام لا يرثون. وذلك أن زيد بن ثابت قال: لا يرثون (٥)، وقال الخلفاء الأربعة: يرثون، فاعتبر القاضي أبو حازم قول الخلفاء الأربعة، ولم يعتبر قول زيد بن ثابت؛ لأن أبا حازم أفتى بتوريثهم وحكم بردّ أموال حصلت في بيت الخليفة المعتمد العباسي (٦)،

стр. 2490

وأعطاها لذوي الأرحام، وقبل (١) المعتمد فتياه وأنفذ قضاءه (٢) وكتب به إلى الآفاق (٣). وتوريث (٤) ذوي الأرحام هو مذهب أبي حنيفة (٥)، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٦). وقال مالك: لا يرثون (٧) واستدل بعمل أهل المدينة، وقد مات رجل ولم يترك إلا عمته (٨) وخالته، فقال لهما (٩) النبي ﵇: "لا أجد لكما في كتاب الله شيئًا" (١٠).

стр. 2491

قال ابن الحاجب: وإن لم يكن وارث فبيت المال على المشهور، وقيل: لذوي الأرحام، وعن ابن (١) القاسم: يتصدق به، إلا أن يكون الوالي كعمر ابن عبد العزيز (٢) (٣). واعلم أن ذوي الأرحام ثلاثة عشر؛ ستة من الرجال، وسبعة من النساء. فمن الرجال: ابن البنت، وابن الأخت، والخال، وابن الأخ للأم، والعم للأم، وأبو الأم. ومن النساء: بنت البنت، وبنت الأخت، [وبنت الأخ] (٤)، وبنت العم،

стр. 2492

والعمة، والخالة، وأم أبي الأم (١). قوله: (قال الإِمام: وإِجماع الصحابة مع مخالفة من أدركهم من التابعين ليس بحجة خلافًا لقوم). ش: هذه مسألة سادسة عشر (٢)، يعني أن التابعي إذا بلغ درجة الاجتهاد [قبل إجماع الصحابة] (٣) فإن خلافه معتبر، فلا ينعقد (٤) الإجماع بدونه؛ لأنه كأحد (٥) منهم، وعلى هذا تكلم المؤلف رحمه الله تعالى. وأما إذا أجمع (٦) الصحابة ﵃ قبل أن يبلغ التابعي درجة الاجتهاد، ففيه ثلاثة أوجه: إما أن يتفق الصحابة، أو يختلفوا، أو يتوقفوا. فإن اتفقوا فذلك إجماع ولا عبرة بمخالفة التابعي. وإن اختلفوا فيجري (٧) على جواز إحداث قول ثالث. وإن توقفوا أفتى بما يراه (٨).

стр. 2493

قوله: (وإِجماع الصحابة مع مخالفة من أدركهم) يريد إذا كان من أهل الاجتهاد حالة اتفاقهم، وأما إذا لم يكن من أهل الاجتهاد حالة اتفاقهم فلا عبرة به (١)، هذا هو مذهب الجمهور. حجة المشهور: أن التابعي (٢) بعض الأمة، والصحابة بعض الأمة، وقول بعض الأمة ليس بحجة في الإجماع (٣). حجة المخالف (٤): قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٥) ولو لم يكونوا عدولاً ما رضي [الله] (٦) عنهم، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٨)؛ لأن هذا كله خاص بالصحابة. وقوله ﵇: "لا تؤذوني في أصحابي، فوالذي (٩) نفسي بيده لو

стр. 2494

أنفق أحدكم مثل جبل أحد ذهبًا (١) ما بلغ مُدّ (٢) أحدهم ولا نصيفه" (٣) (٤). [وقول عائشة ﵂ لأبي مسيلمة (٥) حين يناكر (٦) الصحابة في أحوال الاجتهاد، فقالت له: مثلك كمثل الفروج (٧) يسمع الديكة (٨) تصرخ فيصرخ معها] (٩) (١٠). أجيب عن الأول: أن الآية لا تعلق لها بالإجماع؛ لأنها تقتضي عدم المعصية وحصول الطاعة في البيعة (١١)، ......................

стр. 2495

ولا تعلق لذلك (١) بالإجماع (٢). وأجيب عن الآية الثانية والثالثة بأن هناك عمومات تتناول المؤمنين كقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، وقوله ﵇: "لا تجتمع أمتي على خطأ" (٤). وأجيب عن الحديث (٥): أنه يقتضي أن قول كل واحد منهم يكون حجة، وأنتم لا تقولون ذلك (٦) / ٢٦٥/ (٧). [وأجيب عن إنكار عائشة على أبي مسيلمة (٨) بأنه لم يبلغ درجة الاجتهاد، وبأنه أخطأ طريق الاجتهاد] (٩) (١٠). قوله: (قال: ومخالفة من خالفنا في الأصول إِن كفرناهم لم نعتبرهم، ولا يثبت تكفيرهم بإِجماعنا؛ لأنه فرع (١١) تكفيرهم، وإِن لم نكفرهم اعتبرناهم). ش: هذه مسألة سابعة عشر (١٢)، يعني أن المبتدعة المخالفين [لأهل السنة

стр. 2496

في أصول الدين إن قلنا بكفرهم فلا عبرة بهم في انعقاد الإجماع؛ لأن العصمة إنما تثبت] (١) للأمة وهي (٢) المؤمنون لا الكافرون (٣)، وإن قلنا بعدم كفرهم فإنهم يعتبرون في انعقاد الإجماع لأنهم من الأمة؛ إذ هم مؤمنون. وذلك أن المبتدعة اختلف العلماء في تكفيرهم بسبب ما يؤول إليه مذهبهم من الكفر، فهل يكفرون بسبب ما يلزمهم (٤) [من] (٥) مذهبهم من الكفر أو لا يكفرون؟ وسبب الخلاف: هل لازم المذهب مذهب؟ أو ليس لازم المذهب مذهبًا (٦)؟ قال ابن الحاجب: ولمالك والشافعي والقاضي فيهم قولان. وفيها: ولا يناكحوا، ولا يصلى خلفهم، ولا تشهد جنائزهم، ولا يسلم عليهم (٧). قوله: (ولا يثبت تكفيرهم بإِجماعنا؛ لأنه فرع (٨) تكفيرهم)، معناه: أن إجماعنا لا يكون حجة على تكفيرهم إلا إذا كنا كل الأمة، ولا

стр. 2497

نكون (١) كل الأمة إلا إذا حكمنا بتكفيرهم، فصار إجماعنا متوقفًا على تكفيرهم، فلو توقف تكفيرهم على إجماعنا للزم الدور (٢) وهو محال. وإنما يثبت (٣) تكفيرهم بالأدلة القاطعة (٤). قوله: (ويعتبر عند (٥) مالك مخالفة الواحد في إِبطال الإِجماع، خلافًا لقوم). ش: هذه مسألة ثامنة عشر (٦)، مثالها: قال اللخمي وابن رشد في المقدمات: أجمع أهل العلم على جواز الرهن في السفر والحضر، إلا مجاهدًا (٧)

стр. 2498

فإنه منعه في الحضر (١). واختلف (٢) العلماء (٣) في مخالفة الأقل للأكثر هل ينعقد الإجماع ولا عبرة بتلك المخالفة لقلتها أو لا ينعقد؟ فقيل: تضر المخالفة مطلقًا فلا ينعقد الإجماع معها، وهو مذهب الجمهور (٤). وقيل: لا تضر تلك المخالفة مطلقًا لقلتها، وهو مذهب أبي بكر الرازي (٥) (٦). وقيل: يضر الزائد على الاثنين ولا يضر الواحد والاثنان، قال الباجي:

стр. 2499

وإليه ذهب محمد بن خويز منداد (١) من أصحابنا (٢). وقيل: تضر (٣) مخالفة الأقل إن بلغ عدده حد التواتر، وإن قصر عن عدد التواتر فلا تضر مخالفته، قاله أبو الحسن الخياط (٤) (٥) من المعتزلة (٦). وقيل: التفصيل بين أصول الديانات ومسائل الفروع، فلا تضر مخالفة الواحد والاثنين (٧) في أصول الدين، وتضر في الفروع، قاله ابن الأخشاد (٨) من المعتزلة (٩). حجة الجمهور باعتبار المخالفة مطلقًا: أن الباقي بعض الأمة، وقول

стр. 2500

بعض الأمة ليس بحجة. وأقوى من ذلك [أن] (١) ابن عباس ﵁ خالف الصحابة في مسألة العول ولم يعدوه (٢) مخالفًا للإجماع (٣). حجة القول بعدم اعتبارها: قوله ﵇: "عليكم بالسواد الأعظم"؛ لأنه يقتضي أن المعتبر هو الأكثر دون الأقل. أجيب عن هذا (٤): بأنه إنما يفيد الظن وليس محل (٥) النزاع، وكلامنا في الإجماع الذي يفيد العلم والقطع (٦). حجة القول بأن الواحد والاثنين لا يضر: أن اسم الأمة لا ينخرم بمخالفة (٧) الواحد أو الاثنين (٨)؛ لأن ذلك في غاية القلة، كما أن الثور الأسود

стр. 2501

[الذي] (١) فيه شعرات بيض لا يخرجه ذلك عن كونه أسود. أجيب عن هذا: بأن إطلاق اسم الأسود (٢) مجاز لا حقيقة، كذلك إطلاق اسم الأمة لا يصدق على بعضها إلا مجازًا (٣). حجة القول بأن عدد (٤) التواتر تضر مخالفته دون الأقل، أن ما قصر عن عدد التواتر لا يقطع بإيمانه (٥) فلا يقدح من يشك في إيمانه في الاجتهاد. أجيب عن هذا: بأنه يبطل بما إذا اختلفت الأمة على قولين وكل واحد من الفريقين [يبلغ] (٦) عدد التواتر (٧). وحجة القول بأن مخالفة [الواحد والاثنين تضر في الفروع دون الأصول، أن أصول الديانات مدركها العقل، والعقول (٨) قد تعرض لها الشبهات فلا يقدح] (٩) ذلك في الحق الحاصل للجمهور، وأما الفروع فمدركها السمع، وتحصيله واجب على كل مجتهد، فإذا خالف (١٠) واحد أو اثنان (١١) فإنما خالفوا مدركًا صحيحًا.

стр. 2502

أجيب عن هذا: بأن الشبهات كما تعرض للعقليات تعرض للسمعيات، إما من جهة سندها (١)، أو [من] (٢) جهة دلالتها، أو من جهة ما يعارضها بتخصيصها أو بنسخها، أو غير ذلك، فالكل سواء (٣). قوله: (وهو مقدم على الكتاب والسنة والقياس). هذه مسألة تاسعة عشر (٤)، وجه ذلك (٥): أن الكتاب والسنة يقبلان النسخ والتأويل، والقياس يحتمل الخطأ لقيام فارق أو فوات شرط، وأما الإجماع فمعصوم مطلقًا (٦) لا احتمال فيه، والإجماع المراد ها هنا: [هو] (٧) الإجماع اللفظي المشاهد (٨) أو المنقول بالتواتر، وأما الإجماع السكوتي والمنقول بالآحاد مثلاً فإن الكتاب والسنة المتواترة يقدمان عليه؛ لأنه ظني (٩). قوله: (وهو مقدم على الكتاب والسنة)، يريد إذا كان لفظيًا أو متواترًا. قوله: (واختلف في تكفير مخالفه بناء على أنه قطعي، وهو الصحيح،

стр. 2503

ولذلك قدم على الكتاب والسنة، وقيل: ظني). هذه مسألة عشرون (١)، الإجماع الذي يكفر به مخالفه على الصحيح يشترط أن يكون لفظيًا (٢) أو منقولاً (٣) بالتواتر، وأن يكون المجمع (٤) عليه ضروريًا أي: معلومًا من الدين بالضرورة. فقولنا: أن يكون لفظيًا، احترازًا من السكوتي؛ فلا يكفر مخالفه؛ لأنه ظني، وقولنا: أن يكون منقولاً بالتواتر، احترازًا من المنقول (٥) بالآحاد فلا يكفر مخالفه لأنه ظني. [وقولنا:] (٦) أن يكون المجمع عليه ضروريًا، كالعبادات الخمس مثلاً احترازًا من الأمور الخفية التي لا يطلع عليها إلا [المجتهدون] (٧) المتبحرون في الفقه كالإجارات والجنايات (٨) فلا يكفر مخالفه (٩)؛ لأنه لم يقصد إلى تكذيب صاحب الشريعة (١٠).

стр. 2504

فإن قيل (١): كيف تُكَفِّرُون مخالف الإجماع [ولا تُكَفِّرُون جاحد أصل الإجماع كالنظّام والشيعة وغيرهم من منكري الإجماع؟ مع أنهم أولى بالتكفير؛ لأن جحدهم يشمل/ ٢٦٦/ كل إجماع] (٢) بخلاف جاحد إجماع خاص. جوابه: أن الجاحد لأصل الإجماع لم يستقر عنده حصول الأدلة السمعية الدالة على وجوب متابعة الإجماع، فلم يتحقق منه تكذيب صاحب الشريعة، بخلاف جاحد إجماع خاص، فإنه مقر بالأدلة الدالة على وجوب اتباع الإجماع، فيكون مكذبًا لصاحب (٣) الشريعة، ومكذبه كافر، فلذلك كفرناه (٤). قوله: (بناء على أنه قطعي ...) المسألة. حجة القول بأنه [ظني: أن الأخبار الواردة فيه إنما تفيد الظن، وما كان أصله ظنيًا فأولى بأن يكون ظنيًا (٥). حجة الجمهور بأنه] (٦) قطعي: أن تلك الظواهر الدالة على الإجماع لا

стр. 2505

تفيد إلا الظن، ولكن تلك الأدلة الواردة فيه مضمومة (١) إلى الاستقراء التام من جزئيات الشريعة (٢)، وذلك يحصل العلم بكونه حجة، كشجاعة علي، وسخاء (٣) حاتم، وبالله التوفيق بمنّه. ...

стр. 2506

الفصل الثالث في مستنده (١) (٢) ش: أي في الشيء الذي يصدر عنه الإجماع. قوله: (ويجوز عند مالك انعقاده على (٣) القياس والدلالة والأمارة، وجوّزه قوم بغير ذلك بمجود الشبهة (٤) والبخت (٥)، ومنهم من قال: لا ينعقد عن الأمارة بل لا بد من الدلالة، ومنهم من فَصَّل بين الأمارة الجلية وغيرها). ش: حاصل هذا الخلاف أن يقال: اختلفوا أولاً، هل ينعقد الإجماع من غير مستند (٦) أو لا بد من مستند؟ (٧) وهو الصحيح، والقائلون: بأنه لا بد له

стр. 2507

من مستند (١) اختلفوا: هل يستند (٢) إلى الأمارة أو لا بد من الدلالة؟ والقائلون بأنه يستند (٣) إلى الأمارة، اختلفوا: هل يشترط أن تكون جلية أو لا فرق (٤) بين الجلية والخفية؟ (٥). فالفرق بين الدلالة والأمارة: أن الدلالة في عرف الأصوليين ما أفاد القطع، والأمارة ما أفاد الظن (٦)؛ لأن الدليل والبرهان في عرف أرباب الأصول موضوعان لما أفاد العلم، والأمارة (٧) موضوعة لما أفاد الظن (٨)، فيكون القياس داخلاً في الأمارة لأنه يفيد الظن، وإنما خصصه المؤلف بالذكر؛ لأن الظاهرية يجوزونه عن الأمارة ولا يجوزونه عن القياس؛ لأن القياس عندهم ليس بدليل شرعي (٩). ذكر المؤلف أربعة أقوال: أحدها، وهو المشهور: أنه لا بد للإجماع من مستند (١٠)، إما دلالة وإما أمارة (١١).

стр. 2508

الثاني: أنه ينعقد من غير مستند (١)، أي: من غير دلالة ولا أمارة (٢). الثالث: أنه ينعقد بالدلالة دون الأمارة (٣). الرابع: أنه ينعقد بالدلالة والأمارة الجلية، ولا ينعقد بالأمارة الخفية (٤). قوله: (انعقاده على القياس). مثاله: إجماع الصحابة على إمامة أبي بكر ﵁ قياسًا على إمامته بهم في الصلاة، ولذلك قال بعضهم: "رضيه رسول الله ﷺ لديننا أفلا نرضاه لدنيانا؟! " (٥).

стр. 2509

وكذلك تحريم شحم الخنزير قياسًا على لحمه (١). وكذلك إراقة الزيت إذا وقعت فيه فأرة قياسًا على السمن (٢). وكذلك إجماعهم على قتال مانع الزكاة قياسًا على الصلاة، قال أبو بكر ﵁: "والله لا أفرق بين ما جمع (٣) الله، قال [الله] (٤) تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٥) (٦). وكذلك إجماعهم في زمان عمر ﵁ على حد شارب الخمر

стр. 2510

ثمانين قياسًا على القذف؛ حيث شاور عمر الصحابة ﵃ فقال علي ﵁: إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فأرى [أن يقام] (١) عليه حد المفتري، فقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: هذا حد وأقل الحدود (٢) ثمانون (٣). قوله: (والدلالة) (٤).

стр. 2511

مثال انعقاد الإجماع على الدلالة: إجماعهم (١): على تحريم الضرب بتحريم التأفيف في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٢)؛ لأن تحريم التأفيف يدل على تحريم الضرب بطريق الأولى. قوله: [(والأمارة)] (٣). مثاله: ما تقدم في أمثلة (٤) القياس؛ لأن القياس أمارة. قوله: (وجوّزه قوم بمجرد الشبهة والبخت). [الشبهة والبخت] (٥) بمعنى واحد (٦)، والبخت بالخاء المعجمة بنقطة واحدة من فوق مع التاء المهملة (٧)، معناه: الحظ والجد والسعد والنصيب، وهو ما يأتي الإنسان (٨) من غير تعب ولا مشقة (٩).

стр. 2512

[ومنه قول ابن دريد في المقصورة: لا ينفع اللب بلا جد ولا ... يحطك الجهل إذا الجد علا (١) ومنه قول الشاعر: تقلبت حتى ما نفعني تقلبي ... وبالجد يسعى المرء لا بالتقلب (٢) ومنه قول العرب لفلان: جد في الأمر (٣)، أي: حظ وبخت] (٤). يقال: بخت فلان بختًا، إذ صار له حظ وجد. أي: وجوّز قوم شاذ (٥) انعقاد الإجماع من غير مستند (٦)، بل بمجرد

стр. 2513

البخت، أي بتوفيق الله تعالى إياهم في اختيار الصواب، وهذا جار على القول بأنه يجوز أن يقول الله تعالى لنبي أو عالم: احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب، فينعقد الإجماع على هذا القول بغير (١) دلالة ولا أمارة (٢). قال بعضهم: مثال ذلك: كأجرة الحجام والحمام والسقاء؛ لأن ذلك يجوز من غير تقدير الأجرة بإجماع (٣). حجة المشهور (٤) بانعقاده على (٥) الدلالة والأمارة: أن الأمارة تفيد الظن فأمكن اشتراك الجميع في ذلك الظن، كالغيم الرطب؛ فإنه يجوز اشتراك الجمع العظيم (٦) في الظن بنزول المطر، وكذلك أمارة الخجل والوجل يمكن اشتراك الجمع العظيم (٧) في إفادتها الظن، فكذلك أمارة الأحكام كالقياس وغيره (٨). حجة القول بانعقاده عن الدلالة دون الأمارة: أن الظنون تتفاوت؛ فلا يصح فيها الاتفاق، بخلاف الدلالة، وهي (٩) الدليل القاطع، فهو ظاهر لا

стр. 2514

مجال للاختلاف فيه، فيتصور بسببه الإجماع (١). أجيب عن هذا بثلاثة أوجه: أحدها: ما قدمناه (٢) من [أن] (٣) الغيم الرطب يجوز اشتراك الجمع العظيم في الظن بموجبه. الوجه الثاني: أن الدليل القاطع قد تعرض له الشبهة أيضًا كما تعرض للظني، ولذلك اختلف العقلاء في حدوث العالم وغيره من القطعيات، لكن عروض الموانع لا عبرة بها. الوجه الثالث: أنا لا ندعي وجوب حصول الإجماع، بل ندعي أنه إذا حصل كان حجة، وتعذر حصوله في كثير من الصور لا يقدح في ذلك (٤). حجة القول بالفرق بين الأمارة الجلية [والخفية] (٥) وهو القياس الجلي والخفي. مثال/ ٢٦٧/ الجلية: قوله ﵇: "لا يقضي القاضي وهو غضبان"؛ لأن علة ذلك تفهم بأول وهلة من غير تفكر، بخلاف الخفية كقياس الأرز على البر [في] (٦) الربا بجامع الاقتيات والادخار، أو الطعم (٧)،

стр. 2515

فلا تفهم علته إلا بعد تفكر؛ فإن الأمارة الجلية يمكن (١) اجتماع الكل في الظن بموجوبها بخلاف الخفية (٢). حجة القول بأنه ينعقد (٣) بدون مستند (٤): قوله ﵇: "لا تجتمع أمتي على خطأ"؛ فإنه يقتضي صحة الإجماع من غير مستند (٤) (٥). أجيب عن هذا: بأن القول من غير مستند (٤) اتباع الهوى (٦)، واتباع الهوى حرام، قال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٧) (٨). ...

стр. 2516

الفصل الرابع في المجمعين ش: أي في بيان المعتبرين في انعقاد الإجماع. قوله: (فلا يعتبر فيه جملة الأمة إِلى يوم القيامة، [لانتفاء فائدة الإِجماع] (١)). ش: وهذا الذي ذكره المؤلف [ها] (٢) هنا لا خلاف فيه؛ إذ لا يمكن التمسك بقول جميع الأمة من زمان الرسول ﵇ إلى يوم القيامة (٣)، أما قبل يوم القيامة فلعدم كمال الإجماع، وأما في يوم القيامة فلأنه لا تكليف فيه (٤). وإلى هذا أشار بقوله: لانتفاء فائدة الإجماع. قوله: (ولا العوام عند مالك وعند غيره، خلافًا للقاضي؛ لأن الاعتبار فرع الأهلية [ولا أهلية] (٥) فلا اعتبار).

стр. 2517

ش: وفي اعتبار العوام ثلاثة أقوال؛ ثالثها: يعتبرون في الإجماع العام دون الخاص، واختاره الباجي (١). ومعنى الإجماع العام: هو الذي يعلم الحكم فيه العلماء والعوام، وهو كل ما علم حكمه من الدين بالضرورة، كوجوب الصلاة، والزكاة، والصوم، والتحريم بالطلاق، وتحريم الربا، والزنا، والقتل، والخمر، وغير ذلك، دون الخاص، كأحكام البيوعات، والإجارات، والمساقاة، والقراض، والمغارسة، والمزارعة، وأحكام العتق، والكتابة، والتدبير، والشفعة، والجنايات، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا العلماء. حجة القول الذي عليه الجمهور: وهو عدم اعتبار العوام (٢): أن من شرط المعتبر في الإجماع أن يكون أهلاً للنظر والاجتهاد، وذلك معدوم من

стр. 2518

العامي ولا يوجد ذلك إلا في العلماء، فإذا عدم الشرط عدم مشروطه، وإلى هذه الحجة أشار المؤلف بقوله: (لأن الاعتبار فرع الأهلية [ولا أهلية] (١) فلا اعتبار) (٢). حجة القول باعتبار العوام في الإجماع، وهو قول [القاضي] (٣) أبي بكر (٤): أن أدلة الإجماع تتناولهم؛ لأن لفظ الأمة يتناولهم (٥) لأنهم مؤمنون فيعتبرون في الإجماع (٦). أجيب عن هذا: بأن أدلة الإجماع يتعين حملها على العلماء دون العوام؛ لأن قول العامي (٧) بغير مستند خطأ، والخطأ لا عبرة به (٨) (٩).

стр. 2519

وأيضًا أن الصحابة ﵃ أجمعوا (١) على عدم اعتبار العوام، وعلى إلزامهم اتباع العلماء (٢). حجة القول باعتبار العوام فيما يعلم من الدين بالضرورة: أن (٣) العوام والعلماء سواء في حصول المعرفة بالعلوم من الدين بالضرورة، وإنما يفترق الحال بين العوام والعلماء فيما لا يعلمه إلا العلماء. قال بعضهم: هذا القول الثالث بالتفصيل يحتمل أن يكون تفسيرًا لمحل الخلاف، وأن ما يعلم من الدين ضرورة يعتبر فيه العوام باتفاق، وإنما الخلاف فيما عداه، والله أعلم (٤). قوله: (والمعتبر في كل فن أهل الاجتهاد في ذلك الفن وإِن لم يكونوا من أهل (٥) الاجتهاد في غيره، فيعتبر في الكلام المتكلمون، وفي الفقه الفقهاء، قاله الإِمام) (٦). ش: وإنما لا يعتبر في الفن إلا أربابه؛ لأن غير أربابه بمنزلة العوام بالنسبة إلى غير فنه، والعوام لا عبرة بهم، ويلزم على قول القاضي المتقدم أن يعتبر

стр. 2520

أهل كل فن في غير فنه؛ لأن غايتهم أن يكونوا كالعوام بالنسبة إلي غير فنهم (١). قوله: (وقال: لا عبرة بالفقيه الحافظ للأحكام والذاهب إِن (٢) لم يكن مجتهدًا، والأصولي المتمكن من الاجتهاد غير الحافظ للأحكام و [المذاهب] (٣) خلافه معتبر على (٤) الأصح). ش: ذكر المؤلف ها هنا شخصين: أحدهما: العالم بالفروع دون الأصول، والثاني: العالم بالأصول دون الفروع. فذكر أن العالم بالفروع خاصة دون الأصول لا عبرة به في الإجماع، وإليه أشار بقوله (٥): لا عبرة بالفقيه الحافظ للأحكام والمذاهب إن (٦) لم يكن مجتهدًا (٧) أي: إن لم يكن أصوليًا (٨). قوله: (للأحكام والمذاهب) معناهما واحد، وهو الفروع، والمراد بالفروع: معرفة [مواضع] (٩) الاجتماع (١٠) والاختلاف خاصة؛ لئلا يفتي على خلاف الإجماع.

стр. 2521

وذكر المؤلف: أن العالم بالأصول خاصة دون الفروع يعتبر خلافه على الأصح، لعلمه بمدارك الأحكام وكيفية (١) دلالتها (٢) عليها، وكيفية تلقي الأحكام من منطوقها ومفهومها ومعقولها، بخلاف الفروعي. وهذا الذي ذكر المؤلف من التفصيل بين الفروعي والأصولي هو القول المشهور (٣). واختلف الأصوليون في هذه المسألة على أربعة أقوال: قيل: يعتبران (٤)، وقيل: لا يعتبران (٥)، وقيل: يعتبر الأصولي دون الفروعي، وهو الذي ذكره المؤلف، وقيل: يعتبر الفروعي دون الأصولي (٦)، وهو عكس ما ذكره المؤلف. وهذا الخلاف كله إنما هو على القول بعدم اعتبار العوام. وأما على القول باعتبار العوام في الإجماع فإن الفروعي والأصولي

стр. 2522

يعتبران بأولى وأحرى لما بينهما وبين العوام من التفاوت في الأهلية في الفروعي، وصحة النظر في الأصولي. حجة من اعتبرهما - أعني: الفروعي والأصولي -: هي (١) النظر إلى ما اشتملا عليه من الأهلية التي لا وجود لها (٢) في العوام ودخولهما في [عموم] (٣) أدلة الإجماع. حجة من لم يعتبرهما: أن شرط الاجتهاد معرفة الأصول والفروع (٤) معًا/ ٢٦٨/ فإن فقد أحدهما عدم الاجتهاد، وإذا عدم الاجتهاد عدم الإجماع. حجة من اعتبر الأصولي دون الفروعي: أن الأصولي أقرب إلى الاجتهاد لعلمه بمدارك الأحكام وكيفية دلالتها وأخذها من المنطوق والمفهوم والمعقول بخلاف الفروعي (٥). حجة من اعتبر الفروعي دون الأصولي: لأن (٦) الفروعي أعلم بتفاصيل الأحكام من (٧) الأصولي. قوله: (ولا يشترط بلوغ المجمعين إِلى حد التواتر، بل لو لم يبق والعياذ

стр. 2523

بالله إِلا واحد (١) كان قوله حجة). ش: اختلف؛ هل يشترط في المجمعين (٢) العدد المفيد للعلم، وهو عدد التواتر؟ قاله القاضي أبو بكر، فإن قصروا عن ذلك فليس بحجة (٣) أو لا يشترط ذلك، قاله الجمهور (٤). حجة عدم الاشتراط: الأدلة الدالة على كون الإجماعِ حجة؛ إذ لم يفصل (٥) فيها بين عدد وعدد، كقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ (٦) غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ (٧) (٨)، وقوله ﵇: "لا تجتمع أمتي على خطأ" وغير ذلك (٩). حجة القول بالاشتراط: أنا (١٠) مكلفون بالشريعة وأن نقطع (١١) بصحة

стр. 2524

قواعدها في جميع الأعصار، ومتى قصر العدد عن التواتر لم يحصل القطع بذلك (١). أجيب عنه: بأنا (٢) لا نسلم عدم حصول العلم لما ثبت للأمة من العصمة، وأيضًا سلمناه لكن (٣) نسقط (٤) التكليف بالعلم لتعذر أسبابه (٥). قوله: (وإِجماع غير الصحابة حجة، خلافًا لأهل الظاهر). ش: مذهب الجمهور [أن الإجماع] (٦) لا يختص بعصر (٧) الصحابة (٨) بل يصح إجماع أهل كل عصر، خلافًا لداود الظاهري (٩) .......................

стр. 2525

وشيعته (١) (٢) حجة الجمهور: أن الأدلة الدالة على كون الإجماع حجة تتناول الجميع ولا يخص (٣) عصر الصحابة دون غيره. حجة الظاهرية: قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٤) [وقوله تعالى] (٥): ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٦)؛ لأن [هذا] (٧) خطاب مشافهة وحضرة، فلا (٨) يتناول إلا الحاضرين دون من بعدهم (٩). أجيب عنه: بأنه (١٠) وردت (١١) أخبار تتناول الجميع (١٢) كقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ (١٣)، وقوله ﵇: "لا تزال
следующие страницы →