← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

والمرجوح الاشتراك، أي: الراجح حمل اللفظ على الإفراد دون الاشتراك. وكذلك مثاله أيضًا قولهم (١): الأصل التباين دون الترادف، أي الراجح (٢) في الألفاظ الحمل على التباين دون الترادف. ومثاله أيضًا: قولهم: الأصل بقاء ما كان على ما كان. قوله (٣): (فمن الأول: أصل السنبلة البرة) أي: فمن أمثلة المعنى الأول [الذي هو الأصل في اللغة قولهم] (٤): أصل السنبلة البرة. وقوله (٥): (ومن الثاني) أي: ومن أمثلة المعنى الثاني الذي هو الرجحان قولهم: الأصل براءة الذمة. وقولهم أيضًا: الأصل عدم المجاز. وقولهم أيضًا: الأصل بقاء ما كان على ما كان، أي الراجح بقاء ما كان في الزمان الثاني على ما كان عليه في الزمان الأول لم يتغير عن حاله. وهذه الأشياء الثلاثة (٦) يجمعها الاستصحاب؛ لأن الأول: استصحاب البراءة، والثاني: استصحاب الوضع الأول، والثالث: استصحاب الحال.

стр. 282

و (١) قوله: (ومن الثالث أصول الفقه أي: أدلته) أي: ومن أمثلة المعنى الثالث وهو الأصل الذي يراد به (٢) الدليل قولهم: أصول الفقه أي: أدلة الفقه. ومثاله أيضًا: الأصل في هذه المسألة الكتاب والسنة. ومثاله أيضًا: الأصل في هذه المسألة قول مالك: كذا، أي: و (٣) الدليل فيها الكتاب أو السنة (٤) أو قول (٥) مالك. فذكر المؤلف للأصل ثلاثة معان: واحد لغوي واثنان اصطلاحيان. وذكر في شرح المحصول معنىً رابعًا وهو ما يقاس عليه (٦)؛ لأن الشيء الذي يقاس عليه يسمى أيضًا في الاصطلاح أصلاً كقياس الأرز على الحنطة (٧) في تحريم الربا (٨). هذا بيان الأصول (٩) لغة واصطلاحًا وهو اللفظ المضاف. وأما بيان الفقه لغة واصطلاحًا وهو اللفظ المضاف إليه فقد بينه بقوله:

стр. 283

(والفقه هو: الفهم، والعلم، والشعر، والطب: لغة ... إِلي آخره). قوله: (والفقه هو: الفهم، والعلم (١)، والشعر، والطب: لغة) تقديره: ومعنى الفقه في اللغة هو: الفهم، والعلم، والشعر، والطب، فذكر المؤلف أن هذه الألفاظ الخمسة مترادفة (٢) [في اللغة. وذكر المازري (٣) في شرح البرهان أيضًا أن هذه الألفاظ الخمسة مترادفه (٤)] (٥) كما قال المؤلف. والدليل على ترادفها (٦) الكتاب، والسنة، وكلام العرب.

стр. 284

فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ (١) أي: لا نفهم وقولى (٢): ﴿لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (٣) أي: لا تفهمون. ومن السنة: قوله ﵇: "رب حامل (٤) فقه إلى من هو (٥) أفقه منه" (٦) [أي: أفهم منه] (٧). ومن كلام العرب، قولهم: رجل (٨) طب أي: عالم. ومنه قول الشاعر وهو علقمة (٩):

стр. 285

فإن سألتموني (١) بالنساء فإنني ... خبير بأدواء النساء طبيب (٢) أي: عارف عالم، ويقال: شعر بكذا إذا (٣) فهمه. قال الزبيدي في مختصر العين: يقال: شعرت بكذا شعرًا أو شعورًا قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٤) (٥). قوله: (وإِنما اختصت (٦) بعض هذه الألفاظ ببعض العلوم بسبب

стр. 286

العرف). يعني أن (١) ثلاثة ألفاظ من هذه الألفاظ خصها (٢) العرف ببعض العلوم، والمراد بهذه الثلاثة المخصوصة: الفقه، والطب، والشعر؛ لأن الفقه في العرف مخصوص بعلم الأديان، والطب في العرف مخصوص بعلم الأبدان، والشعر في العرف مخصوص بعلم الأوزان، وهذا من باب تخصيص العرف لما (٣) عمته اللغة. قال المؤلف في الشرح: قال أبو إسحاق الشيرازي (٤): الفقه في اللغة إدراك الأشياء الخفية، فلذلك تقول (٥): فقهت كلامك، ولا تقول (٦): فقهت السماء والأرض (٧).

стр. 287

وعلى هذا لا يكون لفظ الفقه مرادفًا لهذه الألفاظ، وعلى نقل المازري يكون مرادفًا (١)، والثاني هو الذي يظهر لي (٢)، ولذلك خصص الفقهاء اسم الفقه بالعلوم النظرية وأخرجت شعائر الإسلام من لفظ الفقه وحده. انتهى نصه (٣). انظر قوله: "الثاني هو الذي يظهر لي"، هو عين (٤) ما تقدم من التخصيص العرفي، ومراده بالثاني هو: تفسير الشيرازي. قوله (٥): (والفقه في الاصطلاح هو: العلم بالأحكام الشرعية العملية بالاستدلال). لما بين المؤلف رحمه الله تعالى (٦) معنى الفقه في اللغة أراد أن يبين معناه في الاصطلاح. فقال: الفقه (٧) في الاصطلاح، أي ومعنى الفقه (٨) في العرف هو: "العلم بالأحكام الشرعية العملية بالاستدلال" فذكر في هذا الحد جنسًا وأربعة قيود. قوله: (العلم) احترازًا من الظن، والشك، والوهم؛ لأن العلم ها هنا

стр. 288

معناه: الاعتقاد الجازم الذي لا يحتمل النقيض بوجه. وقوله: (بالأحكام) هو جمع حكم، ومعنى الحكم: كل معقول لا تعرف نسبته إلا بإضافته (١) إلى المحكوم عليه. وقوله: (بالأحكام) احترازًا من العلم بالذوات، والصفات، والمعاني؛ لأن العلم بذلك لا يكون (٢) فقهًا في الاصطلاح. وقولنا (٣): "بالذوات" كالعلم بسائر الأجسام؛ كالأحجار، والأشجار, وسائر الجمادات، والنباتات (٤)، وأشخاص الحيوانات. وقولنا: "الصفات" كسائر الألوان من السواد، والبياض، والاحمرار، والاصفرار، وغير ذلك. [وقولنا: والمعاني؛ كسائر الطعوم، والروائح، كحلاوة العسل، ومرارة الحنظل، والروائح الطيبة، والخبيثة وغير ذلك] (٥). وقوله: (الشرعية) احترازًا من العقلية (٦) كعلم الحساب، والهندسة, والموسيقا (٧)، وهو: علم الألحان، وغير ذلك من الفنون التي هي: ليست شرعية (٨).

стр. 289

وقوله: (العملية) احترازًا من أصول الفقه التي هي: الأدلة التي يبنى عليها الفقه، واحترازًا أيضًا من الاعتقادية بأصول الدين وهي: ما يجب في حق الله وما يجوز وما يستحيل؛ لأنها أحكام شرعية اعتقادية، لا عملية (١)؛ لأن العلم بذلك لا يسمى فقهًا في الاصطلاح. وقوله: (بالاستدلال) أي: يحصل (٢) علم ذلك بالاستدلال احترازًا من التقليد، والضرورة؛ لأن ما حصل للمقلد لا يسمى فقهًا في الاصطلاح، وكذلك ما حصل من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة، والزكاة والصيام (٣) مما هو معلوم من الدين بالضرورة، لا (٤) يسمى العلم بذلك فقهًا في الاصطلاح، لحصوله للعوام، والنساء، و (٥) البله؛ لأن ذلك لم يحصل بالدليل. وقد اعترض المؤلف على نفسه هذا الحد بأربعة أوجه؛ لأن كل واحد من ألفاظ الحد معترض إلا لفظًا واحدًا منها فهو سالم من الاعتراض وهو قوله: (الشرعية) وأما الألفاظ الأربعة الباقية فهي معترضة (٦).

стр. 290

أما قوله: (العلم) فاعترض (١) بأن قيل: هو غير جامع للأحكام الشرعية؛ لأن أكثر فروع الفقه إنما تثبت (٢) بالظن لا بالعلم؛ لأنه (٣) مستنبط من القياسات والعمومات، وأخبار الآحاد وذلك كله ظن لا علم. أجيب عن هذا: بأن الأحكام الشرعية كلها معلومة وليست بمظنونة، والدليل على أنها معلومة شيئان: الإجماع، والقطع. أما دليل الإجماع: فبيانه أن كل حكم شرعي ثابت بالإجماع، وكل ما ثبت بالإجماع فهو معلوم ينتج لك: كل علم (٤) شرعي معلوم. وإنما قلنا: كل حكم شرعي ثابت بالإجماع؛ لأن الأحكام الشرعية على قسمين: متفق عليه، ومختلف فيه، فالمتفق عليه (٥) ثابت بالإجماع ولا كلام فيه (٦)، والمختلف فيه هو أيضًا ثابت بالإجماع، وإنما قلنا: الحكم المختلف فيه ثابت أيضًا بالإجماع؛ لأنه انعقد الإجماع على (٧) أن كل مجتهد إذا غلب على ظنه حكم شرعي فهو حكم الله في حقه وفي حق (٨) من قلده إذا حصل له سببه، فصارت الأحكام في مواضع الخلاف ثابتة (٩) بالإجماع عند الظنون،

стр. 291

فصار كل حكم (١) شرعي معلومًا لثبوته بالإجماع؛ لأن كل ما ثبت بالإجماع فهو معلوم بناء على أن الإجماع معصوم، كما سيأتي في باب الإجماع إن شاء الله، هذا بيان دليل الإجماع على أن كل حكم شرعي معلوم لا مظنون. وأما دليل القطع: فلأن كل حكم شرعي ثابت بمقدمتين قطعيتين. وبيان ذلك: أن نفرض الكلام في حكم من الأحكام ونقرر (٢) فيه تقريرًا (٣) نجزم باطراده في جميع الأحكام، فنقول مثلاً: وجوب الدلك مظنون لمالك قطعًا عملاً بالوجدان، وكل ما ظنه مالك فهو حكم الله قطعًا عملاً بالإجماع، فينتج لك، التدلك (٤) حكم الله قطعًا عملاً بالإجماع، وهذا التقرير (٥) يطّرد في جميع صور الخلاف، فتكون الأحكام الشرعية كلها (٦) معلومة؛ لأنها ثابتة بمقدمتين قطعيتين، فالنتيجة تابعة للمقدمات، فتابع القطعي قطعي، وتابع العلمي علمي. فثبت بدليل الإجماع وبدليل العقل أن كل حكم شرعي معلوم لا مظنون (٧)

стр. 292

و (١) قال المؤلف في شرح المحصول: وهذا المسلك هو الذي سلكه (٢) القاضي أبو بكر، وإمام الحرمين، وسيف الدين (٣)، والغزالي، والمازري، وابن برهان (٤) وجمهور العلماء. قال ابن برهان: مثال ذلك: إذا (٥) شهدت بينة عند الحاكم، وغلب على ظنه صدقها فإنه يقطع بوجوب (٦) الحكم عند ذلك (٧) الظن بالإجماع، فلو

стр. 293

استحل عدم الحكم بها كفر، لكون (١) ذلك الحكم مقطوعًا به (٢). [فإن قيل: قولكم كل حكم شرعي ثابت بالإجماع، هذا لا يصح إلا على القول بأن: كل مجتهد مصيب؛ ولا يصح على القول الصحيح الذي قال: هو أن المصيب (٣) واحد؛ لأن ما عداه (٤) خطأ، والخطأ لا يكون حكم الله إجماعًا، بل هو معفو عنه فقط. قلنا: بل هو صحيح سواء قلنا: كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد؛ لأن المقصود إنما هو ما يظهر على ألسنة المجتهدين في ظنونهم، لا في (٥) نفس الأمر كالقبلة فإنها معينة للصلاة في نفس الأمر بإجماع (٦)، فإذا اختلف فيها

стр. 294

جماعة من المجتهدين فصلى كل واحد إلى غير الجهة التي صلى إليها صاحبه: فإن حكم الله تعالى في حق كل واحد منهم ما غلب على ظنه، وكذلك نقول (١) في الثياب والأواني] (٢). فأما (٣) قوله: (بالأحكام) فاعترضن بأن قيل: هل المراد بالأحكام جميع الأحكام؟ أو المراد بعض الأحكام؟ والأمران باطلان. وذلك أنه إن قدرنا أن المراد جميع الأحكام: فيكون الحد غير جامع؛ لأنه يخرج منه (٤) كثير من الفقهاء لعدم (٥) إحاطتهم (٦) بجميع الأحكام الشرعية، وقد اتفقوا على أن مالكًا ﵁ فقيه، بل هو أفقه الفقهاء، مع أنه لا يعلم جميع الأحكام؛ لأنه سئل في (٧) أربعين مسألة فأجاب أربع (٨) مسائل، وقال في ست وثلاثين: لا أدري، فلو كان المراد بالأحكام (٩) جميع الأحكام لاقتضى ذلك ألا يسمى فقيهًا حتى يعلم جميع الأحكام.

стр. 295

وإن قدرنا أن المراد ها هنا بالأحكام (١): بعض (٢) الأحكام: فيكون الحد غير مانع؛ لأن الإنسان قد يكون عالمًا ببعض (٣) الأحكام فيقتضي ذلك (٤) أن يسمى المقلد فقيهًا [مع أنه لا يسمى فقيهًا] (٥) في العرف. أجيب بأن قيل: نلتزم كل واحد من الأمرين فيصح الحد، فإن قدرنا أن المراد جميع الأحكام، فالمراد بعلم جميع الأحكام: تهيؤ العالم واستعداده للعلم بجميع الأحكام: فيكون الحد جامعًا، وإن قدرنا أن المراد بعض الأحكام فلا يدخل فيه المقلد؛ لأنه يخرج بقوله بالاستدلال؛ إذ ليس عنده دليل معتبر في تسمية الفقيه بالفقيه، وهو الدليل (٦) التفصيلي كما سيأتي فيكون الحد مانعًا. وقولنا: بعض الأحكام على هذا التقدير المراد به ثلاثة أحكام فما فوقها، وأما من لم يعلم غير حكم (٧) واحد أو حكمين بالاستدلال فلا يسمى فقيهًا في العرف. وأما قوله: (العملية) (٨) فاعترض بأن قيل: هل المراد بالعملية أعمال الجوارح الظاهرة (٩) دون الباطنة؟ أو المراد (١٠) أعمال الجوارح مطلقًا الظاهرة والباطنة؟ وكلا الأمرين باطلان.

стр. 296

وذلك إن قدرنا أن المراد أعمال الجوارح الظاهرة خاصة: فيكون الحد غير جامع؛ لأنه يخرج عنه أحكام القلب كالنية، والإخلاص، وتحريم الرياء، والحسد، والكبر، والعجب (١) وغير ذلك (٢) من المحرمات (٣)؛ لأن ذلك أحكام شرعية. وإن [قدرنا أن] (٤) المراد الأعمال مطلقًا: فيكون الحد غير مانع؛ لأنه يدخل فيه أصول الديانات (٥) وهي: الاعتقادات. قال المؤلف في الشرح: هذا الاعتراض لازم، والحق: ما قاله (٦) سيف الدين الآمدي؛ لأنه قال: العلم بالأحكام الشرعية الفروعية (٧)، فيجعل الفروعية عوض العملية؛ لأن الفروعية تشمل ما يتعلق به الفقه كان في الجوارح أو في القلب (٨). وأما قوله: ([بالاستدلال] (٩)) فاعترض بأن قيل: غير مانع؛ لدخول

стр. 297

المقلد فيه؛ لأن العلم الحاصل للمقلد هو أيضًا حاصل له بالدليل، كما حصل العلم للفقيه بالدليل، ودليل المقلد هو: القياس، وهو قوله: هذا ما أفتاني به المفتي عملاً (١) بالسماع، وكل ما أفتاني (٢) به المفتي فهو: حكم الله في حقي عملاً بالإجماع، فينتج هذا: حكم الله عملاً (٣) بالإجماع، وهذا الدليل يطرد للمقلد في جميع صور التقليد. فدليل المقلد هو (٤) دليل واحد في جميع موارد التقليد، وأما دليل الفقيه فهو: متعدد بتعديد (٥) المسائل، ودليل الصلاة غير دليل الصيام، ودليل الزكاة غير دليل الجهاد، ودليل البيع غير دليل النكاح، إلى غير ذلك، فتارة يكون دليل الفقيه من الكتاب (٦)، وتارة من السنة، وتارة بالقياس، وتارة بالإجماع، فكل فرع بدليله، فدليل التقليد تجميلي، ودليل الفقه تفصيلي. الاعتراض قد التزمه (٧) المؤلف في الشرح فقال: ينبغي أن يزاد في الحد بأدلة خاصة بالأنواع (٨). انتهى. فسبك الحد إذًا أن نقول: والفقه في الاصطلاح [هو العلم با لأحكام الشرعية الفروعية بالاستدلال بأدلة خاصة بالأنواع، هكذا قال المؤلف في

стр. 298

الشرح (١). ولك أن تقول في اختصار الحد] (٢): هو: "العلم بالأحكام الشرعية الفروعية بالاستدلال (٣) التفصيلي". فقولنا: بالاستدلال: يخرج به (٤) ما يحصل بالضرورة كوجوب الصلاة والزكاة. وقولنا: التفصيلي: يخرج به (٥) المقلد؛ لأن دليله إجمالي، لا تفصيلي. وقوله: (ويقال: فقِه بكسر القاف: إِذا فهم، وبفتحها: إِذا سبق غيره إِلى الفهم (٦)، وبضمها: إِذا صار الفقه له (٧) سجية). قال المؤلف في الشرح: هكذا نقله ابن عطية (٨) في تفسيره (٩)، فاسم

стр. 299

الفاعل من الأولين فاقه، واسم الفاعل من الآخر فقيه؛ لأن القاعدة العربية أن اسم (١) الفاعل من فعُل بضم العين هو على فعيل؛ نحو شرُف فهو شريف، وظرُف فهو ظريف (٢). وقوله: (سجية) أي: طبيعة (٣)؛ لأن الطبيعة (٤)، والسجية، والغريزة، والجبلة، والخليقة، والسليقة: ألفاظ مترادفة بمعنى (٥) واحد. [فالفعل الثاني أبلغ من الأول؛ لأن له على الأول مزية السبقية إلى الفهم، والفعل الثالث أبلغ من الثاني لتطبعه بالفهم (٦)] (٧). وقد تقدم لنا (٨) أن أصول الفقه له تفسيران: أحدهما باعتبار الإفراد، والآخر باعتبار التركيب. وبيّن المؤلف ﵀ تفسيره باعتبار الإفراد، وسكت عن تفسيره باعتبار التركيب. فإن قلت: بينه المؤلف بقوله: أصول الفقه أي: أدلته (٩).

стр. 300

قلنا (١): أصول الفقه الذي هو اسم علم على هذا الفن، ليس هو (٢) عبارة عن أدلة الفقه، وإنما هو عبارة عن العلم بأدلة الفقه على وجه خاص. وحده (٣) ابن الحاجب فقال: أما حده لقبًا (٤): فالعلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفروعية (٥) من (٦) أدلتها التفصيلية (٧). قوله: (القواعد) يعني بها: الأدلة الشرعية التي هي الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس (٨)، والاجتهاد، والترجيح. وإنما جمع القواعد ولم يقل: العلم بالقاعدة التي يتوصل بها ... إلى آخره (٩)؛ لأن العلم بقاعدة واحدة (١٠) منها لا يكون أصل فقه (١١). وقوله: (إِلى استنباط) أي: استخراج (١٢).

стр. 301

وقوله: (الأحكام) احترازًا من العلم بالقواعد (١) التي يتوصل بها إلى استنباط غير تلك (٢) الأحكام؛ كقواعد الهندسة، وقواعد الطب، فإن قواعد الهندسة يتوصل بها إلى استنباط الصنائع كالنجارة (٣)، والحياكة، وغيرهما، وقواعد الطب يتوصل بها إلى استخراج (٤) تركيب (٥) المعاجن (٦). وقوله: (الشرعية) [احترازًا من القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام العقلية كقواعد المنطق. وقوله: (الفرعية)] (٧) احترازًا (٨) من [القواعد التي يتوصل بها إلى] (٩) استنباط الأحكام الشرعية الأصلية، وهي: الاعتقادية، وهي: قواعد علم (١٠) الكلام. وقوله: (من (١١) أدلتها التفصيلية) احترازًا (١٢) من العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من (١٣) أدلتها الإجمالية،

стр. 302

كقولهم: يجب بالمقتضى ولا يجب بالنافي، فإن هذا الدليل يعم جميع الأحكام الشرعية بطريق الإجمال لا بطريق التفصيل. ***

стр. 303

الفصل الثالث في الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل فإنها تلتبس على كثير من الناس تعرض المؤلف - رحمه الله تعالى - (١) في هذا الفصل لبيان الفرق بين ثلاث حقائق، وهي: حقيقة الوضع، وحقيقة الاستعمال، وحقيقة الحمل. وإنما تعرض ﵀ (٢) للفرق بينها؛ لأجل التباس حقائقها على كثير من الناس كما قال. وإنما وقع الالتباس بين هذه الحقائق الثلاث (٣)؛ لأنها (٤) ترد (٥) على المعنى الواحد لكن باعتبارات متغايرات (٦)، فلما رأى المؤلف ﵀ التباسها فرّق بينها بذكر حقائقها، ورتبها في الذكر على حسب ترتيبها في الوجود، فقدم الوضع؛ لأنه السابق في الوجود، ثم ثنا بالاستعمال؛ لأنه في الوجود

стр. 304

بعد الوضع، ثم ثلث بالحمل؛ لأنه في الوجود بعد الاستعمال. فإذا تقرر هذا فاعلم أن المؤلف ذكر في هذا الفصل ثلاثة مطالب: المطلب الأول: في الوضع. المطلب الثاني: في الاستعمال. المطلب الثالث: في الحمل. فأما المطلب الأول وهو (١): الوضع، ففيه خمسة مطالب: ما حقيقة الوضع؟ وما فائدته؟ وهل من شرطه الاستعمال أم لا؟ وما أقسامه؟ وما الوضع؟ أما حقيقة (٢) الوضع (٣) فله حقيقتان؛ لأنه لفظ مشترك بين حقيقتين: إحداهما (٤): عبارة عن جعل اللفظ دليلاً على المعنى. الحقيقة الثانية: عبارة عن غلبة استعمال اللفظ في المعنى حتى يصير أشهر فيه (٥) من غيره. وقد ذكر المؤلف هاتين الحقيقتين كما سنبين ذلك مع حروف الكتاب إن شاء الله (٦). وأما فائدة الوضع: ففي ذلك قولان:

стр. 305

قيل: فائدة الوضع هي: الاستعمال. وقيل: التمكن من الاستعمال. وأما هل من شرط (١) الوضع الاستعمال أو ليس من شرطه الاستعمال؟ ففيه قولان. وسبب هذا الخلاف هو: الخلاف المذكور في فائدة الوضع: فمن قال: فائدة وضع اللفظ استعماله، قال: من شرط الوضع الاستعمال. ومن قال: فائدة (٢) الوضع هي تمكنه من استعماله، قال: ليس من شرط الوضع الاستعمال. وأما أقسام الوضع: فهي (٣) أربعة أقسام وهي: اللغوي، والشرعي، والعرفي العام، والعرفي الخاص، كما سنبين (٤) ذلك (٥) مع حروف الكتاب إن شاء الله (٦). وأما الواضع: ففيه خلاف (٧):

стр. 306

قيل: واضع اللغة هو الله (١). وقيل: هو الناس (٢). وقيل: وضع الله بعضها، ووضع الناس بعضًا (٣). فعلى القول الأول يكون الوضع: توقيفيًا. وعلى القول الثاني يكون الوضع: اصطلاحيًا. وعلى القول الثالث يكون بعض الوضع توقيفيًا، ويكون بعضه اصطلاحيًا. انظر بيانه في المطولات من كتب الأصول (٤).

стр. 307

قوله: (فالوضع يقال بالاشتراك). أي: يقال حالة كونه مشتركًا، والباء في قوله: (بالاشتراك) للمصاحبة، والمجرور في موضع الحال، وصاحب الحال هو: الضمير المستكن في: يقال، والعامل في الحال هو: يقال؛ لأنه العامل في ذي الحال، تقدير الكلام: فالوضع يقال حالة كونه مصحوبًا بالاشتراك في الاصطلاح. ثم بيّن المؤلف هذا الاشتراك بمعنيين: أحدهما: جعل اللفظ دليلاً على المعنى. والثاني: غلبة استعمال اللفظ في المعنى. وقوله: (جعل) (١) أي: نصب. وقوله: (اللفظ) أي: الملفوظ وهو من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول، كقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ (٢)، وقولهم: هذا ضرب الأمير، وهذا نسج اليمن، تقديره: مخلوق الله، ومضروب الأمير، ومنسوج اليمن. فاللفظ إذًا بمعنى الملفوظ؛ لأن الإنسان يلفظه أي: يرميه، قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٣).

стр. 308

وقوله: (دليلاً) (١)، أي: علامة على المعنى، أي على المقصود به؛ لأن العناية (٢) في اللغة معناها (٣): القصد؛ لأنك تقول: عنيت كذا إذا قصدته. وقوله: (المعنى) اسم مصدر؛ لأنك تقول: عنيت كذا أعنيه عناية ومعنى: إذا اعتنيت (٤) به (٥) وقصدته. وقوله: (المعنى)، أطلق المؤلف المعنى ها هنا على ما هو أعم من المعنى الحقيقي والمجازي، فالمعنى الحقيقي: هو المعنى القائم بالذات كالعلم والجهل، والمعنى المجازي، [هو] (٦) الذات. فقوله: (دليلاً على المعنى) سواء (٧) كان ذلك الموضوع له اللفظ معنى أو عينًا؛ لأن الأسماء توضع للأعيان وتوضع للمعاني، أي: توضع للذوات (٨) وتوضع للصفات. قوله: (جعل اللفظ دليلاً على المعنى). يحتمل أن يريد اللفظ المفرد والمعنى المفرد، بدليل تمثيله بالمفرد في قوله: كتسمية الولد بزيد [بناء على أن العرب لم تضع إلا المفرد ولم تضع المركب، وهو: مذهب الإمام فخر الدين] (٩).

стр. 309

[ويحتمل أن يريد (١) اللفظ مطلقًا مفردًا ومركبًا (٢)] (٣)، [بناء على أن العرب وضعت المفرد والمركب فيكون كلامه على هذا التأويل: شاملاً للفظ المفرد واللفظ المركب. وإنما مثل بخصوصية المفرد لأنه الأصل والأكثر، فالتمثيل (٤) به أولى، فتقدير الكلام على التأويل الأول بأن المراد باللفظ هو المفرد: فالوضع جعل اللفظ المفرد دليلاً على المعنى المفرد، كتسمية الولد بزيد] (٥). وتقدير الكلام على التأويل الآخر (٦) بأن المراد باللفظ المفرد والمركب (٧): فالوضع جعل اللفظ مطلقًا مفرداً أو مركبًا (٨) دليلاً على المعنى مطلقًا (٩) مفردًا ومركبًا (١٠). وقوله: (كتسمية الولد بزيد) (١١): مثال اللفظ المفرد مع المعنى المفرد. ومثال اللفظ المركب مع المعنى المركب: زيد يصلي في المسجد؛ لأن (١٢)

стр. 310

أجزاء اللفظ دالة على أجزاء (١) المعنى، فيكون مجموع اللفظ مطابقًا لمجموع المعنى. قوله: (كتسمية الولد بزيد) هذا اللفظ (٢) يستدعي أربعة ألفاظ متلازمة متباينة، وهي (٣): المسمي، والمسمى، والاسم، والتسمية. فالمسمي: هو واضع الاسم. والمسمى: هو (٤) الموضوع له الاسم من عين أو معنى. والاسم: هو اللفظ الموضوع. والتسمية: هو وضع الاسم على المسمى، وهو فعل الواضع الذي هو المسمي. وهذه الأربعة (٥) المعاني هي مجتمعة في قوله تعالى: ﴿إِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ (٦). فالتاء هو: المسمي، [والهاء هو: المسمّى] (٧)، ولفظ مريم هو: الاسم، والتسمية هو: قوله تعالى (٨): ﴿سَمَّيْتُهَا﴾؛ لأن الفعل يدل على مصدره. قوله: (وهذا هو الوضع اللغوي)، معناه: وجعل اللفظ دليلاً على

стр. 311

المعنى هو: الوضع الذي وضعه أهل اللغة، واحترز بذلك من المنقولات (١) الثلاث التي بينها بعد هذا. وقوله: (وهذا هو الوضع اللغوي)، هذا أحد الأقسام الأربعة التي قسم عليها الوضع. وقوله: (وعلى غلبة استعمال (٢) اللفظ في المعنى حتى يصير أشهر فيه من غيره) هذا هو المعنى الثاني من معنيي الوضع، وهو معطوف على قوله: على جعل اللفظ دليلاً [على المعنى] (٣) تقديره: يطلق (٤) الوضع (٥) على جعل اللفظ دليلاً على المعنى، ويطلق (٦) على (٧) غلبة استعمال اللفظ في المعنى. وقوله: (حتى يصير أشهر فيه من غيره) هذا بيان للغلبة المذكورة، وهي (٨): أن يصير المعنى الثاني أشهر من المعنى (٩) الأول. وقوله: (حتى يصير أشهر فيه من غيره) معناه: بحيث يصير اللفظ أشهر في المعنى الثاني من غيره، أي: من المعنى الأول الذي وضع له اللفظ في اللغة ابتداء.

стр. 312

قال المؤلف في الشرح (١): أريد بصيرورته (٢) أشهر من غيره: أن يصير هو المتبادر (٣)، ولا يحمل على غيره إلا بقرينة كحال الحقيقة اللغوية مع (٤) المجاز (٥). واعترض قوله: (وعلى غلبة استعمال اللفظ في المعنى)، بأن قيل: ظاهره أنه ليس فيه جعل اللفظ دليلاً على المعنى؛ لمقابلته للأول مع (٦) أن كل واحد من المعنيين فيه جعل اللفظ دليلاً على المعنى. أجيب: بأن الأول فيه القصد إلى الوضع، وأما الثاني وهو: غلبة الاستعمال فهو أمر اتفاقي (٧)، فالوضع الأول سابق، والوضع (٨) الثاني لاحق، فإن الوضع في المنقولات الثلاث (٩) طار على الوضع الأول. و (١٠) قوله: (وهذا وضع المنقولات الثلاث (١١))، معناه: وهذا المعنى الثاني الذي هو غلبة الاستعمال هو المراد بالمنقولات الثلاث (١٢). أي: يشمل الحقائق الثلاث التي هي الشرعية، والعرفية العامة، والعرفية الخاصة.

стр. 313

وقوله: (المنقولات) صفة حذف موصوفها، تقديره: الحقائق الثلاث، فالموصوف مؤنث، ولذلك أسقط المؤلف التاء من الثلاث؛ لأن العدد يذكر فيه المؤنث ويؤنث فيه المذكر. وقال بعضهم: بل الموصوف المحذوف هو الأشياء أو الأمور، تقديره: الأشياء أو الأمور المنقولات، وهذا أولى بدليل تذكير أوصافها الثلاث (١)، التي هي: الشرعي، والعرفي العام، والعرفي الخاص؛ لأنه لو أراد الحقائق لقال: الشرعية والعرفية (٢). فقوله على هذا: (المنقولات) (٣)، هو: جمع (٤) منقول (٥)، وليس بجمع (٦) منقولة بالتاء، فيلزم على هذا أن تثبت التاء التي هي للتأنيث (٧) في قوله: "الثلاثة". وقوله: (الشرعي نحو: الصلاة، والعرفي العام نحو: الدابة للحمار (٨)، والعرفي الخاص نحو (٩): الجوهر والعرض عند المتكلمين). هذا بيان المنقولات الثلاث. إحداها: الحقيقة الشرعية، مثلها المؤلف بالصلاة؛ لأن لفظ الصلاة في اللغة موضوع للدعاء، ثم نقل في عرف الشرع إلى الأفعال المخصوصة،

стр. 314

وهي: ذات الركوع والسجود (١). ومثالها أيضًا: الزكاة، فإن معناها في اللغة الزيادة والنماء (٢)، ثم نقل في عرف الشرع إلى: أخذ جزء مقدر من مال معلوم (٣). ومثاله (٤) أيضًا: الصيام، فإن معناه في اللغة: الإمساك (٥) ثم نقل في عرف الشرع إلى: إمساك مخصوص (٦). ومثاله أيضًا: الحج، فإن معناه في اللغة: القصد (٧)، ثم نقل في عرف الشرع إلى قصد مخصوص (٨). ومثاله أيضًا: الترتيب والموالاة، فإن هذين المعنيين في اللغة: لمطلق الترتيب بين الأشياء ومطلق الموالاة بين الأشياء، ثم نقل في عرف الشرع إلى: ترتيب وموالاة مخصوصة (٩) بالطهارة للصلاة.

стр. 315

وإلى هذه الحقيقة الشرعية أشار المؤلف بقوله: (الشرعي نحو الصلاة). وقوله: (والعرفي العام نحو: الدابة للحمار). أي: الحقيقة الثانية وهي: العرفية العامة، مثلها المؤلف بالدابة لخصوصية الحمار عند أهل مصر (١)؛ وذلك أن لفظ الدابة في عرف اللغة موضوع لكل ما اتصف بالدبيب (٢) وهو: الحركة، ثم نقل في العرف عند أهل مصر إلى خصوصية الحمار، ونقل في عرف أهل العراق إلى خصوصية الفرس، فإذا سمع لفظ الدابة [عند أهل مصر فلا يتبادر إلى أذهانهم إلا خصوصية الحمار، وكذلك إذا سمع لفظ الدابة] (٣) عند أهل العراق فلا يفهم إلا خصوصية الفرس عندهم ولا يفهم غير ذلك (٤) إلا بقرينة. وقوله: (العرفي العام) يعني (٥) أن يكون ذلك العرف، أي: ذلك الاصطلاح عامًا لأهل البقعة كلهم، ولا يشترط فيه (٦) أن يكون عامًا لأهل الإقليم كلهم. ومثال العرف العام أيضًا: لفظ الدابة عند أهل المغرب؛ [لأنه مخصوص عندهم (٧) بثلاث دواب وهي] (٨): الخيل (٩) والبغال والحمير، فإذا

стр. 316

سمع (١) لفظ الدابة عند أهل المغرب (٢) فلا يفهم عندهم إلا أحد هذه الثلاث (٣) دون غيرها إلا بقرينة. وقوله (٤): (والعرفي الخاص (٥) نحو: الجوهر والعرض عند المتكلمين)، أي: الحقيقة الثالثة (٦) وهي العرفية الخاصة، مثلها المؤلف بالجوهر والعرض عند المتكلمين؛ وذلك أن لفظ الجوهر في اللغة موضوع للنفيس من كل شيء ثم نقل في عرف المتكلمين إلى الشيء الذي لا يقبل القسمة، والعرض في اللغة موضوع لكل ما يؤول إلى الفناء وإن دام ما دام (٧)، ومنه قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (٨)، أي: تريدون (٩) ما يزول والله يريد ما لا يزول؛ لأن قوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ فيه حذف مضاف، تقديره: والله يريد دوام (١٠) الآخرة، ثم نقل العرض عند المتكلمين (١١) إلى: المعنى القائم بالذات. و (١٢) قوله: (العرفي الخاص) و (١٣) سمي خاصًا؛ لأجل اختصاصه

стр. 317

بطائفة من العلماء وهم أرباب علم الكلام، بخلاف العرف العام فإنه يعمهم (١) مع غيرهم؛ لأنه يشمل العلماء والعوام. قال المؤلف في الشرح: وبقي من الوضع (٢) قسم ثالث وهو ما يذكره (٣) جماعة من العلماء في قولهم: هل من شرط المجاز الوضع، أو ليس من شرطه؟ قولان. ويريدون بالوضع ها هنا مطلق الاستعمال ولو مرة يسمع من العرب استعمال (٤) ذلك النوع من المجاز فيحصل الشرط، فصار الوضع: جعل اللفظ دليلاً على المعنى أو غلبة (٥) الاستعمال، وأصل الاستعمال (٦). فأقسام الوضع على هذا التفصيل (٧) خمسة: لغوي، وشرعي، وعرفي عام، وعرفي خاص، ومطلق الاستعمال. انتهى نصه (٨). ومعنى كلامه: أن أهل الأصول اختلفوا في المجاز، هي يشترط سماعه عن (٩) العرب في كل صورة، أو يكتفى بظهور العلاقة المعتبرة في التجوز؟

стр. 318

قولان في ذلك (١): فمن اشترط الوضع قال: لا بد من النقل عن العرب. ومن لم يشترط قال: يكتفى بظهور القرينة (٢) المعتبرة، وهذا هو الراجح عندهم (٣). حجة من قال باشتراطه وجهان: أحدهما: أنه لو لم يشترط لجاز تسمية الطويل من الناس نخلة (٤) لوجود العلاقة بينهما [وهي الطول، ولجاز تسمية ثمرة الشجرة شجرة، لوجود الملابسة بينهما] (٥). ولجاز تسمية ظل (٦) الحائط (٧) حائطًا لوجود الملازمة بينهما وذلك كله (٨):

стр. 319

ممنوع. الوجه الثاني: أنه لو لم يشترط الوضع في المجاز بل ظهور العلاقة خاصة لكان ذلك إثبات اللغة بالقياس، وذلك: ممنوع. أجيب عن الأول: أن الأصل الجواز مع وجود العلاقة ما لم يمنع منه مانع، وهو منع أرباب اللغة من ذلك (١)؛ لأن الصور المذكورة منع أرباب اللغة من استعمال المجاز المذكور فيها، قاله سيف الدين (٢). أجيب عن الوجه الثاني: أنه لا نسلم أنه قياس في اللغة، بل هو استقراء عام فهم منه (٣) جواز الإطلاق كرفع الفاعل ونصب المفعول. قوله: (والاستعمال إِطلاق اللفظ وإِرادة عين (٤) مسماه بالحكم وهو: الحقيقة، أو غير مسماه لعلاقة بينهما وهو: المجاز). شرع المؤلف ها هنا في المطلب الثاني من المطالب الثلاثة التي احتوى عليها الفصل [وهو: حقيقة الاستعمال. فقوله: (والاستعمال)، السين والتاء للطلب، أي: طلب عمل اللفظ،

стр. 320

وعمل اللفظ] (١) هو: إفادة (٢) مدلوله. وقوله: (إِطلاق اللفظ)، أي ذكر اللفظ. وقوله: (وإِرادة عين مسماة بالحكم) [أي: مع إرادة عين مسماه] (٣). أي مع قصد ذات مسماه، أي ذكر اللفظ مع قصد الشيء الذي وضع له اللفظ، أي: لم يقصد بذلك اللفظ غير ما وضع له. وقوله: (عين مسماه) أي ذات مسماه. وقوله: (مسماه) يعني: مسماه في عرف التخاطب فتندرج (٤) فيه الحقائق الأربع التي هي: اللغوية، والشرعية، والعرفية العامة، والعرفية الخاصة. قوله (٥): (بالحكم) أي بالكلام، أي: بأنواع الكلام مطلقًا لا فرق بين الخبر والطلب، ولا فرق بين الثبوت والنفي (٦)، ولا فرق بين الاستفهام وغيره. مثال ذلك، قولك: رأيت أسدًا، فإن أردت بالرؤية (٧) الحيوان المفترس فذلك حقيقة، وإن أردت الرجل الشجاع فذلك مجاز، فالحكم في هذا المثال
следующие страницы →