← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

[و] (١) هو جواب أهل السنة القائلين بأن الإرادة ليست علة للخبرية (٢). وبيان هذا: أن ما قال المعتزلة من كون الإرادة علة للخبرية (٣) محال، وبيان استحالته: أن هذه الخبرية المعللة بالإرادة لا تخلو، إما أن تقوم بمجموع حروف (٤) الخبر، وإما أن تقوم ببعض الحروف دون البعض، والكل باطل لأنه محال. فلا يصح قيامها بمجموع الحروف لعدم المجموع، لأن الكلام من المصادر السيالة كالماء يأتي بعض الحروف ويذهب بعضها، فلا يوجد منه أبدًا إلا حرف واحد فلا يمكن اجتماعها في حالة [واحدة] (٥) من النطق، والإرادة تكون في دفعة واحدة فلا يصح قيامها بالمجموع لعدم المجموع، إذ لو قلنا؛ قامت الخبرية بمجموع الحروف لأدى (٦) إلى قيام المعنى الوجودي بالأ [مر] (٧) العدمي وذلك محال. ولا يصح [أيضًا] (٨) قيامها (٩) ببعض الحروف خاصة دون البعض، لأنه

стр. 2557

يلزم [منه] (١) أن يكون ذلك البعض الذي قامت به خبرًا (٢) والبعض الآخر ليس بخبر، وذلك أيضًا محال، وهو خلاف الإجماع. قوله: (وإِلا كان خبرًا)، أي: وإن قامت الخبرية بالبعض كان ذلك البعض خبرًا وحده، وليس بخبر بإجماع (٣)، فليس قيام الخبرية به، وهو المطلوب. وقيل: معناه: فليس اشتراط الإرادة (٤) في الخبر بصحيح. قال المؤلف (٥) في الشرح: فكأن الإمام فهم عنهم أن تلك الخبرية أمر وجودي فلا يصح قيامها بمجموع الحروف ولا ببعضها. ...

стр. 2558

الفصل الثاني في التواتر (١) ش: شرع المؤلف (٢) في خبر التواتر؛ إذ الخبر على ثلاثة أقسام: خبر التواتر، وخبر الآحاد، وما ليس بتواتر ولا آحاد وهو خبر المنفرد (٣) إذا احتفت (٤) به قرائن تفيد العلم (٥). قال المؤلف: هذا (٦) القسم ما علمت له اسمًا في الاصطلاح، فليس بمتواتر (٧) لعدم العدد، وليس بآحاد (٨) لإفادته (٩) العلم (١٠).

стр. 2559

ذكر المؤلف في هذا الفصل سبع (١) مسائل. [المسألة] (٢) الأولى: حقيقة التواتر لغة. قوله: (وهو مأخوذ من مجيء الواحد بعد الواحد بفترة بينهما) (٣). ش: هذه (٤) حقيقته (٥) لغة (٦)، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ (٧)، أي واحدًا (٨) بعد واحد بفترة بينهم (٩). وقيل: مشتق من الوتر/ ٢٧٢/ وهو الفرد (١٠). وقال بعض اللغويين: من لحن العوام قولهم: تواترت عليّ كتبك، ومرادهم: "تواصلت عليّ كتبك" وهو لحن، ولا يقال ذلك إلا في عدم

стр. 2560

التواصل (١). قوله: (وفي الاصطلاح: خبر أقوام عن أمر محسوس يستحيل تواطؤهم (٢) على الكذب عادة). ش: هذه مسألة ثانية في حقيقته اصطلاحًا (٣). قوله: (خبر أقوام)، أي: جماعة، احترازًا من خبر واحد (٤). قوله: (عن أمر محسوس) وهو ما يدرك بالحواس الخمس، احترازًا من أمر عقلي كسائر النظريات، كما إذا أخبر الجمع العظيم بحدوث (٥) العالم،

стр. 2561

فإن (١) خبرهم لا يحصل العلم (٢). قال إمام الحرمين في البرهان: ويلحق بذلك ما كان ضروريًا بقرائن (٣) الأحوال كصفرة الوجل وحمرة الخجل فإنه ضروري عند المشاهدة (٤). قوله: (يستحيل تواطؤهم (٥) على الكذب)، احترازًا من خبر الآحاد (٦). قوله: (عادة)، احترازًا من العقل، فإن العلم الحاصل بالتواتر (٧) هو (٨) عادي لا عقلي؛ لأن العقل يجوز الكذب على كل عدد وإن كثروا، فالإحالة المذكورة في التواتر هي عادية لا عقلية (٩). قوله: خبر أقوام، يريد عقلاء عالمين بما أخبروا به. وقولنا: عقلاء، احترازًا من غير العقلاء كالمجانين (١٠) وغيرهم.

стр. 2562

وقوله: تواطؤهم (١)، معناه توافقهم، يقال: تواطأ القوم على الأمر، أي توافقوا عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ (٢) معناه (٣)، ليوافقوا عدة ما حرم الله (٤)، يقال: واطأتك على الأمر، أي: وافقتك عليه، [فالمواطأة هي الموافقة] (٥) (٦). ولا يشترط فيهم: الإسلام (٧)، ولا العدالة (٨)، ولا البلوغ، ولا الذكورية (٩)، ولا الحرية (١٠). وقولنا: عالمين بما أخبروا به، احترازًا مما إذا كانوا ظانين لذلك. قوله: (وأكثر (١١) العقلاء (١٢) على أنه مفيد للعلم (١٣) في الماضيات

стр. 2563

والحاضرات. والسمنية أنكروا العلم واعترفوا بالظن، ومنهم من اعترف به في الحاضرات فقط). ش: هذه مسألة ثالثة، هل يفيد العلم أم لا؟ ثالثها: يفيده في الحاضرات دون الماضيات. حجة الجمهور بأنه يفيده مطلقًا في الماضيات والحاضرات (١). أنا نقطع بوجود دولة الأكاسرة والأقاصرة والخلفاء الراشدين ومن بعدهم من بني أمية وبني العباس من الماضيات، وإن (٢) كنا لا نقطع بتفاصيل ذلك، ونقطع بوجود مكة والمدينة ودمشق (٣) وبغداد وخراسان وغير ذلك من الأمور الحاضرات (٤)، فقد حصل العلم بالتواتر من حيث الجملة (٥).

стр. 2564

حجة السمنية: وهي طائفة من أهل الهند (١) (٢): أنه كثيرًا (٣) ما يجزم (٤) بالشيء ثم ينكشف (٥) الأمر بخلافه، فلو كان التواتر يفيد العلم لما انكشف الأمر بخلافه (٦). وحجة ثانية: أن كل واحد من المخبرين يجوز عليه الكذب، فيجور على المجموع، فإن (٧) المجموع مركب من الآحاد، وخبر الآحاد مظنون، والمركب من المظنون مظنون، كما نقول (٨) في الزنج: لما كان كل واحد منهم أسود، كان

стр. 2565

مجموعهم أسود. أجيب عن الأول: أن تلك الصور التي ينكشف الأمر فيها بخلافه لم يحصل فيها العلم، والذي يحصل فيها هو الاعتقاد (١)، ولو حصل فيها العلم لما انكشف الأمر بخلافه، ونحن لا ندعي حصول العلم في جميع الصور بل ادعينا أنه قد يحصل وذلك لا ينافي عدم حصوله في كثير من الصور (٢). وأجيب عن الثاني: بأن من الأحكام ما لا يثبت إلا للمجموع دون الآحاد ومنها ما لا يثبت إلا للآحاد دون المجموع. فمثال (٣) الأول: إشباع مجموع (٤) اللقم من الطعام، وإرواء مجموع (٥)

стр. 2566

القطرات من الماء، وغلبة مجموع الجيش للعدو، [و] (١) ما أشبه ذلك من الأحكام الثابتة للمجموعات دون الآحاد. ومثال ما يثبت للآحاد دون المجموع: كالألوان، والطعوم، والروائح، فإنه يستحيل ثبوتها إلا للآحاد، وأما المجموعات فإنها أمور ذهنية، والأمور الذهنية لا يمكن أن تقوم بها كيفيات الألوان وغيرها (٢). ومحل النزاع ها هنا هو [من] (٣) القسم الأول الذي هو حصول الحكم للمجموع (٤)، وليس من القسم الثاني الذي هو حصول الحكم للآحاد، فإنه قد يوجد في المركبات ما ليس في المفردات. حجة الفرق بين الحاضرات والماضيات (٥): أن الماضيات غائبة عن الحس فيتطرق إليها احتمال الخطأ والنسيان؛ ولذلك أن الدول الماضية لم يبق عندنا شيء من أحوالها. وأما الحاضرات فمعضودة (٦) بالحس فبعد (٧) (٨) تطرق احتمال الخطأ

стр. 2567

والنسيان إليها (١). قال المؤلف: الجواب عنه: أن حصول الفرق (٢) لا يمنع من الاشتراك في الحكم، ويدل عليه ما قدمناه من حصول العلم بالدول (٣) الماضية والبلدان الغائبة فبطل ما تعلقوا به (٤). قوله: (والعلم الحاصل منه ضروري عند الجمهور (٥)، خلافًا لأبي الحسين البصري (٦) وإِمام الحرمين (٧) والغزالي) (٨) (٩) (١٠).

стр. 2568

ش: هذه مسألة رابعة. حجة الجمهور: أنا نجد العلم التواتري (١) يحصل (٢) للصبيان والنسوان (٣)، ومن ليس له أهلية النظر، فلو (٤) كان نظريًا لما حصل (٥) إلا لمن له أهلية النظر (٦). حجة القول بأنه نظري: أن السامع إذا توهم التهمة (٧) من المخبرين فيما أخبروا (٨) به لم يحصل له العلم، وإذا لم يتوهم ذلك حصل له العلم، وإذا علم أن المخبرين من أهل الديانة (٩) والصدق حصل له العلم بالعدد اليسير منهم، وإذا علم أن المخبرين من أهل الفسق والكذب لم يحصل [له] (١٠) العلم بإخبار العدد الكثير منهم، فإذا كان العلم يتوقف حصوله على ثبوت أسباب وشروط (١١) وانتفاء موانع (١٢)، فلا بد من النظر في تلك الأسباب والشروط،

стр. 2569

وانتفاء [تلك] (١) الموانع، وما توقف على النظر (٢) فهو نظري (٣) (٤). أجيب عن هذا: بأنه صحيح، ولكن تلك المقدمات حاصلة في أوائل الفكرة (٥) ولا يحتاج في العلم الحاصل عنها/ ٢٧٣/ إلى كبير تأمل ولا يقال في العلم إنه نظري إلا إذا كان لا يحصل إلا لمن له أهلية النظر، وقد بينا أن الأمر ليس كذلك (٦). قوله: (والأربعة لا تفيد العلم، قاله (٧) القاضي أبو بكر، وتوقف في الخمسة (٨)، قال (٩) فخر الدين: والحق أن عددهم غير محصور خلافًا لمن حصرهم في

стр. 2570

اثني (١) عشرة عدة (٢) نقباء موسى ﵇ (٣) أو عشرين (٤) عند أبي الهذيل لقوله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٥) أو أربعين لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦) وكانوا حينئذ أربعين، أو سبعين عدد المختارين (٧) من قوم موسى ﵇ (٨)، أو ثلاثمائة عدد أهل بدر، أو عشرة عدد [أهل] (٩) بيعة (١٠) الرضوان). ش: هذه مسألة خامسة: وهي هل عدد التواتر محصور أو غير محصور؟

стр. 2571

ذكر المؤلف فيه ها هنا ثمانية أقوال: أحدها: وهو أصحها أنه غير محصور (١). الثاني (٢): الزائد على الخمسة (٣)، الثالث: عشرة (٤)، الرابع (٥): اثنا (٦) عشر (٧)، الخامس: عشرون (٨)، السادس: أربعون (٩)، السابع: سبعون (١٠)، الثامن: ثلاثمائة (١١).

стр. 2572

قوله: نقباء موسى [﵇ وهم] (١) الذين أرسلهم موسى ﵇ ليستخبروا (٢) له (٣) بلاد الجبارين [بالشام] (٤) وهم اثنا عشر رجلاً (٥) عدد الأسباط، لأنه جعل على كل سبط نقيبًا (٦)، والنقيب (٧) معناه الأمين، [وسمي نقيبًا] (٨) لأنه ينقب على أحوال قومه (٩). وإنما جزم القاضي ﵀ بأن الأربعة لا تفيد العلم، لاحتياج تزكيتهم في الزنا، فلو كان (١٠) خبر الأربعة (١١) يفيد العلم لما احتاج الأربعة في الزنا إلى التزكية، وذلك خلاف الإجماع. وإنما توقف في الخمسة لاحتمال حصول العلم بخبرهم. وظاهر كلام القاضي ﵀ أن العدد بما هو عدد هو مدرك العلم، وفيه نظر، بل (١٢) الحق (١٣) أن القرائن لا بد منها مع الخبر فقد يمكن

стр. 2573

حصول القرائن مع الأربعة فيفيد خبرهم العلم (١). وهذه المذاهب المشترطة (٢) عددًا معينًا فمدركها أن تلك الرتبة (٣) من العدد وصفت بمنقبة حسنة، فجعل ذلك سببًا لأن تحصل لذلك العدد منقبة (٤) أخرى وهو حصول العلم بخبرهم. قال المؤلف في الشرح: وهذا غير لازم لأن الفضائل لا يلزم فيها التلازم، فقد يحصل العلم بقول الكفار أحيانًا، ولا يحصل بقول الأخيار أحيانًا، بل الضابط: حصول العلم، فإذا (٥) حصل العلم بعدد فذلك العدد هو عدد التواتر (٦). قوله: (وهو ينقسم إِلى اللفظي وهو أن تقع الشركة (٧) بين ذلك العدد في اللفظ المروي، والمعنوي وهو وقوع الاشتراك في معنى عام كشجاعة علي وسخاء (٨) حاتم). ش: هذه مسألة سادسة، وهي تقسيم (٩) الخبر المتواتر إلى اللفظي والمعنوي (١٠). ومعنى اللفظي: اشتراك المخبرين في اللفظ.

стр. 2574

ومعنى المعنوي: اشتراك المخبرين في المعنى (١). فمثال التواتر اللفظي: كما نقول (٢) في القرآن العظيم: إنه متواتر، [أي] (٣) كل لفظ منه اشترك فيها العدد الناقلون للقرآن (٤). وكذلك دمشق (٥) وبغداد، أي جميع المخبرين نطقوا بهذا اللفظ. ومثال التواتر المعنوي: كشجاعة علي وسخاء (٦) حاتم، فلم تقع الشركة في اللفظ وإنما وقعت في المعنى. كما يروى أن عليًا قتل ألفًا في الغزوة (٧) الفلانية، وقتل كذا وكذا في غزوة أخرى، وتروى قصص أخرى بألفاظ أخرى يدل مجموعها على شجاعته، وذلك بألفاظ (٨) مختلفة ولكن معنى جميعها واحد وهو الشجاعة. فشجاعة علي ﵁ ثابتة بالتواتر المعنوي.

стр. 2575

وكذلك سخاء حاتم، كما يروى (١) أنه أعطى مائة ناقة، وأعطى ألف دينار، وأعطى كذا وكذا، وأضاف كذا وكذا، [وذلك] (٢) بألفاظ مختلفة ولكن (٣) يدل مجموعها على معنى واحد وهو السخاء، فسخاء حاتم ثابت بالتواتر المعنوي. قوله: (وشرطه على الإِطلاق إِن (٤) كان الخبر لنا غير المباشر استواء الطرفين والواسطة، وإِن كان المباشر فيكون المخبر عنه محسوسًا، فإِن الإِخبار عن العقليات لا يحصل العلم). ش: هذه مسألة سابعة، وهي شرط التواتر. قال المؤلف في شرحه: التواتر له أربع حالات وهي: إما طرف واحد، وإما طرفان، وإما طرفان وواسطة، وإما طرفان ووسائط. فمعنى طرف واحد: إذا كان المخبر لنا هو المباشر لسماعه (٥) من رسول الله ﷺ .. ومعنى طرفان: إذا كان المخبر لنا ناقلاً عن المباشر. ومعنى طرفان وواسطة: إذا كان المخبر لنا ناقلاً عن الناقل المباشر،

стр. 2576

فهم ثلاث طوائف (١). ومعنى طرفان ووسائط: إذا تعددت الوسائط بيننا وبين الناقل عن رسول الله ﷺ ، كما نقول في القرآن العظيم، فإن سامعه من رسول الله ﷺ نقله عنه وسائط وقرون متعددة حتى انتهى إلينا (٢). قوله: (وشرطه على الإِطلاق)، أي كان لفظيًا أو معنويًا. قوله: (إِن كان الخبر لنا غير الباشر)، أي: غير مباشر السماع (٣) من رسول الله ﷺ . قوله: (استواء الطرفين (٤) والواسطة)، يعني استواءهم (٥) في الشرطين اللذين أشار إليهما المؤلف في حد التواتر، وهما (٦) أن يكون كل طائفة يستحيل تواطؤهم (٧) على الكذب عادة، [وأن يكون المخبر عنه أمرًا محسوسًا] (٨) (٩).

стр. 2577

قوله: (وإِن كان المباشر فيكون المخبر عنه محسوسًا)، أي [و] (١) إن كان المخبر لنا هو مباشر السماع (٢) من رسول الله ﷺ ، فيشترط فيه أن يكون المخبر عنه أمرًا محسوسًا. ظاهر هذا يوهم أن كونه محسوسًا خاص (٣) بخبر المباشر، وليس الأمر كذلك، بل هذا الشرط (٤) مشروط في جميع أنواع التواتر، وظاهره أيضًا [أنه] (٥) لا يشترط في المباشر/ ٢٧٤/ إلا هذا، وليس كذلك، بل يشترط فيه استحالة التواطئ على الكذب عادة (٦). قوله: (فإِن الإِخبار عن العقليات لا يحصل العلم)، كحدوث العالم؛ فإن المعتمد عليه في ذلك إنما هو الدليل العقلي لا الخبر (٧). ...

стр. 2578

الفصل الثالث في الطرق (١) المحصلة للعلم غير التواتر (٢) ش: يريد الأشياء المحصلة للعلم بالمخبر عنه، ولم يرد الأشياء المحصلة للعلم مطلقًا، لأن العلم قد يحصل بغير ما ذكر ها هنا كالتجريبيات والحدسيات. مثال التجريبيات: كحلاوة العسل ومرارة الحنظل وغير ذلك مما يعلم بالتجريب. ومثال الحدسيات: كجودة الفضة والذهب ورداءتهما، ونضج الفاكهة وعدم نضجها وغير ذلك بما يعلم بالحدس والتخمين، وذلك أن العلم سبعة أقسام (٣) وهي: الضروري، والنظري، والحسي، والتواتري، والتجريبي، والحدسي، والوجداني، وقد تقدم بيان ذلك في الباب الأول في الفصل الثاني عشر: في حكم العقل بأمر على أمر (٤).

стр. 2579

قوله: غير التواتر (١)، [لأن التواتر] (٢) قد تقدم أنه يفيد العلم ضرورة عند الجمهور. وذلك أن الخبر محصور في ثلاثة (٣): إما خبر عن واجب، وإما خبر عن مستحيل، وإما خبر عن جائز. فأما الخبر عن الواجب فلا يكون إلا صدقًا، وصدقه يعلم (٤) بالضرورة، وقد يعلم بالنظر (٥). مثال ما علم صدقه بالضرورة: كقولك: الواحد نصف الاثنين. ومثال ما علم صدقه بالنظر: كوجود الصانع وحدوث العالم. وأما الخبر عن المستحيل فلا يكون إلا كذبًا، وكذبه قد يعلم بالضرورة، وقد يعلم بالنظر (٦). مثال ما علم كذبه [بالضرورة] (٧): كقولك: الواحد نصف الثلاثة (٨) أو نصف العشرة. ومثال ما علم كذبه بالنظر: كقولك: العالم قديم.

стр. 2580

وأما الخبر عن الجائز فإما أن يكون المخبر معصومًا (١) فلا يكون إلا صدقًا (٢) كخبر الله تعالى، وخبر الرسول ﵇ (٣). وإن كان المخبر غير معصوم، فإما أن يكون تواترًا، أو آحادًا. فإن كان تواترًا فلا يكون إلا صدقًا (٤). وإن كان آحادًا، فإما أن تقترن به قرائن تفيد العلم أم لا، فإن اقترنت به فهو صدق، وإلا فمحتمل، وسيأتي بيانه في خبر الآحاد [إن شاء الله تعالى] (٥). قوله: (وهي سبعة، كون المخبر (٦) عنه معلومًا بالضرورة، أو بالاستدلال (٧) أو خبر (٨) الله سبحانه، أو خبر (٩) الرسول ﵇، أو خبر (١٠) مجموع الأمة، أو الجمع العظيم عن (١١) الوجدانيات في أنفسهم (١٢)،

стр. 2581

أو القرائن (١) عند إِمام الحرمين (٢) والغزالي (٣) والنظام (٤) خلافًا للباقين). ش: قوله: (كون المخبر (٥) [عنه] (٦) معلومًا بالضرورة) (٧)، كقولك: الواحد نصف الاثنين، والواحد ثلث الثلاثة (٨). قوله: (أو بالاستدلال) (٩)، كقولك: الواحد سدس عشر الستين لأنك تستدل عليه بالقياس المنظوم من مقدمتين قطعيتين، كقولك: الواحد سدس الستة، والستة عشر الستين [فينتج لك الواحد سدس عشر الستين] (١٠). وكذلك قولك: الواحد ربع عشر الأربعين، لأنك تستدل عليه بالمعلوم بالضرورة وهو القياس المنظوم من مقدمتين قطعيتين، كقولك (١١): والواحد

стр. 2582

ربع الأربعة، والأربعة عشر الأربعين، ينتج (١) لك: الواحد ربع عشر الأربعين. قوله: (أو خبر الله سبحانه) (٢)، فإن خبر الله تعالى صدق، لأن ضد (٣) الصدق كذب، والكذب نقص، والنقص في حق الله ﷻ محال. قوله: (أو خبر الرسول ﵇ (٤) فإن خبر الرسول ﵇ صدق؛ لأن المعجزات الظاهرة على يده تدل على صدقه قطعًا. قوله: (أو خبر مجموع الأمة) (٥)، لثبوت العصمة لمجموع الأمة، لقوله ﵇: "لا تجتمع أمتي على خطأ" كما تقدم في أدلة (٦) الإجماع. قوله: (أو لجمع العظيم عن الوجدانيات في أنفسهم) (٧) ومعنى الوجدانيات هي المشاهدات (٨) الباطنية التي يجدها الإنسان في نفسه،

стр. 2583

كالجوع، والعطش، واللذة، والألم، والفرح، والغضب، والنشاط، والكسل، وغير ذلك، مثال ذلك: أن يخبر كل واحد من الجمع العظيم على أنه وجد هذا الطعام شهيًا أو كريهًا، فإنا نقطع بأن ذلك الطعام كما أخبروا به؛ لأن متعلق أخبارهم واحد وهو كونه شهيًا أو كريهًا، وإن كنا لا نقطع بما في نفس كل واحد من تلك الشهوة (١)، أو تلك الكراهة؛ لأن كل واحد لم يخبر عما قام بغيره، وإنما أخبر عن شهوة نفسه أو كراهته (٢) القائمة به. ففي كل واحد منهم خبر واحد لا نقطع (٣) به، بخلاف متعلق تلك الشهوة أو الكراهة فإنا نقطع به، فإنه واحد كونه شهيًا أو كريهًا. قوله: (والقرائن) (٤) (٥). حجة القول: بأن القرائن تفيد العلم: أن الإنسان إذا أخبر عن مرضه مع اصفرار وجهه وسقم جسمه وغير ذلك من أحواله الموافقة لخبره (٦)، فإنا نقطع بصدقه حينئذ (٧).

стр. 2584

حجة القول بأن القرائن لا تفيد العلم: أنا نقطع بموت زيد، ثم ينكشف الأمر بخلاف (١) ذلك، وأنه فعل ذلك خوفًا من سلطان، أو فعل ذلك لغرض آخر (٢). أجيب عن هذا: بأنا لا نسلم أن الحاصل في هذه الصورة هو العلم، بل الحاصل فيها [هو] (٣) الاعتقاد الجازم (٤)، ونحن لا ندعي أن القرائن تفيد العلم في جميع الصور، بل يحصل العلم في بعضها، [ويحصل الظن في بعضها] (٥) ويحصل الاعتقاد في بعضها، ونقطع في بعض الصور بحصول العلم وأن الأمر لا ينكشف بخلافه، ومن أنصف (٦) وراجع نفسه وجد الأمر كذلك في كثير من الصور. نعم [و] (٧) في بعض الصور ليست كذلك، ولا نزاع فيه، وإنما النزاع هل يمكن أن يحصل العلم في صورة أم لا؟ فهم ينفونه على الإطلاق ونحن نثبته في بعض الصور، قاله المؤلف (٨)، [وبالله التوفيق بمنه] (٩)./ ٢٧٥/ ...

стр. 2585

الفصل الرابع في الدال على كذب الخبر ش: هذا الفصل هو على ضد [ما عليه] (١) الفصل الذي قبله. قوله: (وهو خمسة، منافاته (٢) لما علم بالضرورة، أو النظر، أو الدليل القاطع، أو ما شأنه (٣) أن يتواتر (٤) [ولم يتواتر] (٥) كسقوط المؤذن يوم الجمعة (٦) ولم يخبر به إِلا واحد، وكقواعد (٧) الشرع، أولهما جميعًا، كالمعجزات، أو طلب في صدور الرواة أو كتبهم بعد استقرار (٨) الأحاديث فلم يوجد). ش: قوله: (منافاته لما علم بالضرورة (٩)).

стр. 2586

مثال مخالفة الخبر لما علم بالضرورة كقولك: الواحد ليس نصف الاثنين (١). قوله: (أو النظر) (٢)، مثال مخالفة الخبر لما علم بالنظر والاستدلال: قولك: الواحد ليس سُدُس عشر الستين أو الواحد ليس [ربع] (٣) عشر الأربعين. [قوله: (والدليل القاطع)] (٤) (٥). مثال مخالفة الخبر لما علم بالدليل القاطع: قولك (٦): والشمس ليست بطالعة (٧)، ونحن نشاهدها طالعة، لأن الحس دليل قاطع. قوله: (أو ما شأنه أن يتواتر (٨) ولم يتواتر) (٩)، هذا رابع، وما

стр. 2587

موصولة، أو نكرة [موصوفة] (١)، تقديره على أنها موصولة: أو [كونه] (٢) الخبر الذي شأنه أن يتواتر ولم يتواتر (٣)، وتقديره على أنها نكرة موصوفة: أو كونه خبرًا شأنه أن يتواتر [ولم يتواتر] (٤). وهذا (٥) الذي شأنه أن يتواتر على ثلاثة أقسام: إما لغرابته (٦)، وإما لشرفه، وإما لهما معًا، أي لغرابته وشرفه (٧) جميعًا (٨). ومثال ما شأنه أن يكون متواترًا [لغرابته: سقوط المؤذن عن المنار يوم الجمعة (٩). ومثال ما شأنه أن يكون متواترًا] (١٠) لشرفه: قواعد الشرع، كوجوب الصلاة والزكاة، وتحريم الزنا والخمر، وغير (١١) ذلك من قواعد الدين (١٢).

стр. 2588

ومثال ما شأنه أن يكون متواترًا لغرابته وشرفه: معجزات الرسول ﵇، ففيها الغرابة، لأنها من خوارق العادات (١) وفيها الشرف لأنها أصل النبوة (٢)، فإذا لم يتواتر شيء من ذلك ولم ينقله إلا واحد فإنه يدل على كذب المخبر (٣)، ولكن بشرطين: أحدهما: أن يحضره جمع كبير. والثاني: ألا يقوم غيره مقامه في حصول المقصود منه. فقولنا: أن يحضره جمع (٤) كبير، احترازًا من انشقاق القمر (٥)

стр. 2589

فإنه (١) لم يحضره عدد التواتر لأنه وقع في الليل. وقولنا: ألا يقوم غيره مقامه، احترازًا من بقية معجزات الرسول ﵇، كتكثير القليل (٢)، ونطق العجماء (٣)، ونبع الماء من بين أصابعه (٤)

стр. 2590

وغير ذلك من معجزاته ﵇، فإنه حضر الجمع العظيم، إلا أن الأمة اكتفت بنقل القرآن وإعجازه عن (١) غيره من معجزاته ﵇، فلذلك لم تنقل بالتواتر فنقلت آحادًا مع أن شأنها أن تكون متواترة (٢). قوله: (أو لهما جميعًا)، هذا الضمير يعود على الغرابة والشرف، يدل على ذلك سياق الكلام (٣) وإن لم يتقدم لهما ذكر، كقوله تعالى: ﴿كُلّ مَن عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (٤) [أي على الأرض] (٥) وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (٦) يعني الشمس، تقدير كلام المؤلف: أو ما شأنه أن يتواتر لغرابته كسقوط المؤذن (٧) عن المنار (٨) يوم الجمعة، أو لشرفه كقواعد الشرع، أو لهما جميعًا كالمعجزات. قوله: (أو طلب في صدور الرواة أو كتبهم بعد استقرار الأحاديث فلم يوجد)، هذا خامس.

стр. 2591

تقديره: أو كونه طلب فلم (١) يوجد، يعني (٢): أن الأحاديث بعد (٣) استقرارها وتحصيلها في الصدور أو الكتب (٤)، إذا طلب حديث ولم يوجد عند الرواة ولا في شيء من كتب الحديث فإنه يدل على كذبه، ولكن بشرط استيعاب الاستقراء (٥) بحيث لا يبقى ديوان ولا راوٍ إلا وقد كشف أمره في جميع أقطار الأرض، وذلك متعذر أو متعسر (٦). وأما الكشف في البعض دون البعض فلا يقطع [بكذبه و] (٧) عدمه (٨)، لاحتمال أن يكون ذلك الحديث في البعض الباقي. وقد ذكر أبو حازم (٩) حديثًا في مجلس هارون الرشيد (١٠)

стр. 2592

بحضرة (١) ابن شهاب الزهري، فقال ابن شهاب: لا أعرف هذا الحديث، فقال له أبو حازم: أكل سنة رسول الله ﷺ عرفتها؟ فقال: لا، فقال (٢): أثلثها؟ فقال: لا، فقال [له] (٣): أنصفها؟ فسكت فقال له: اجعل هذا في النصف الذي لم تعرفه. فهذا (٤) ابن شهاب مع كثرة حفظه، فما ظنك بغيره؟ (٥).

стр. 2593

. . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2594

الفصل الخامس في خبر الواحد ش: شرع المؤلف ها هنا في خبر (١) الواحد، أي في حقيقته (٢)، والاحتجاج (٣) به، وشروطه. قد تقدم لنا أن الخبر عند المؤلف ثلاثة أقسام (٤): تواتر، وآحاد، وما ليس بتواتر ولا آحاد، وهو خبر (٥) الواحد إذا احتفت (٦) به القرائن حتى يفيد (٧) العلم، فإنه ليس بتواتر لعدم العدد، وليس بآحاد لإفادته العلم؛ إذ خبر الآحاد يفيد الظن ولا يفيد العلم (٨).

стр. 2595

مثاله: إذا أخبر (١) واحد بأن فلانًا (٢) المريض مات، وسمعت النياحة، قال المؤلف في شرحه (٣): هذا القسم الثالث لا أعلم له اسمًا في الاصطلاح (٤). قال بعضهم: هذا القسم الثالث الذي زاده المؤلف فيه نظر، لاندراجه في خبر الآحاد، لأن الأصوليين كلهم يقولون: الخبر على قسمين: تواتر، وآحاد. فالتواتر: خبر جماعة مفيد بنفسه العلم بصدقه. وخبر الآحاد: ما لم ينته إلى التواتر، كما قاله (٥) ابن الحاجب فيهما (٦). وقولنا: ما لم ينته إلى التواتر، يندرج فيه [خبر] (٧) الواحد المنفرد إذا احتفت (٨) به القرائن المفيدة للعلم. والصحيح أن الخبر على قسمين: تواتر، وآحاد خاصة، كما قاله غير واحد كابن الحاجب وغيره (٩)، وكون الخبر (١٠) المنفرد يفيد العلم بالقرائن لا
следующие страницы →