← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

تقديره: أو كونه طلب فلم (١) يوجد، يعني (٢): أن الأحاديث بعد (٣) استقرارها وتحصيلها في الصدور أو الكتب (٤)، إذا طلب حديث ولم يوجد عند الرواة ولا في شيء من كتب الحديث فإنه يدل على كذبه، ولكن بشرط استيعاب الاستقراء (٥) بحيث لا يبقى ديوان ولا راوٍ إلا وقد كشف أمره في جميع أقطار الأرض، وذلك متعذر أو متعسر (٦). وأما الكشف في البعض دون البعض فلا يقطع [بكذبه و] (٧) عدمه (٨)، لاحتمال أن يكون ذلك الحديث في البعض الباقي. وقد ذكر أبو حازم (٩) حديثًا في مجلس هارون الرشيد (١٠)

стр. 2592

بحضرة (١) ابن شهاب الزهري، فقال ابن شهاب: لا أعرف هذا الحديث، فقال له أبو حازم: أكل سنة رسول الله ﷺ عرفتها؟ فقال: لا، فقال (٢): أثلثها؟ فقال: لا، فقال [له] (٣): أنصفها؟ فسكت فقال له: اجعل هذا في النصف الذي لم تعرفه. فهذا (٤) ابن شهاب مع كثرة حفظه، فما ظنك بغيره؟ (٥).

стр. 2593

. . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2594

الفصل الخامس في خبر الواحد ش: شرع المؤلف ها هنا في خبر (١) الواحد، أي في حقيقته (٢)، والاحتجاج (٣) به، وشروطه. قد تقدم لنا أن الخبر عند المؤلف ثلاثة أقسام (٤): تواتر، وآحاد، وما ليس بتواتر ولا آحاد، وهو خبر (٥) الواحد إذا احتفت (٦) به القرائن حتى يفيد (٧) العلم، فإنه ليس بتواتر لعدم العدد، وليس بآحاد لإفادته العلم؛ إذ خبر الآحاد يفيد الظن ولا يفيد العلم (٨).

стр. 2595

مثاله: إذا أخبر (١) واحد بأن فلانًا (٢) المريض مات، وسمعت النياحة، قال المؤلف في شرحه (٣): هذا القسم الثالث لا أعلم له اسمًا في الاصطلاح (٤). قال بعضهم: هذا القسم الثالث الذي زاده المؤلف فيه نظر، لاندراجه في خبر الآحاد، لأن الأصوليين كلهم يقولون: الخبر على قسمين: تواتر، وآحاد. فالتواتر: خبر جماعة مفيد بنفسه العلم بصدقه. وخبر الآحاد: ما لم ينته إلى التواتر، كما قاله (٥) ابن الحاجب فيهما (٦). وقولنا: ما لم ينته إلى التواتر، يندرج فيه [خبر] (٧) الواحد المنفرد إذا احتفت (٨) به القرائن المفيدة للعلم. والصحيح أن الخبر على قسمين: تواتر، وآحاد خاصة، كما قاله غير واحد كابن الحاجب وغيره (٩)، وكون الخبر (١٠) المنفرد يفيد العلم بالقرائن لا

стр. 2596

يخرجه ذلك عن خبر الآحاد (١)، لأن مورد التقسيم إنما هو الخبر من حيث هو خبر، أي باعتبار نفسه لا باعتبار القرائن. ومنهم من زاد قسمًا رابعًا وهو الخبر/ ٢٧٦/ المستفيض وهو: ما زادت نقلته على ثلاثة، قاله ابن الحاجب (٢) (٣).

стр. 2597

قوله: (وهو (١) خبر العدل (٢) أو العدول المفيد للظن). ش (٣): احترز بالعدل من الفاسق (٤). قوله: (أو العدول) ليندرج (٥) خبر الجماعة المفيد للظن (٦). قوله: (المفيد للظن) راجع إلى العدل والعدول، احترازًا من خبر العدل المفيد للعلم بالقرائن، فإنه ليس بخبر الواحد عند المؤلف كما تقدم (٧). واحترز بقوله: المفيد للظن أيضًا، من خبر العدول المفيد للعلم (٨) فإنه من التواتر لا من الآحاد (٩). قوله: المفيد للظن، احترازًا من خبر العدل [أو العدول] (١٠) المفيد للشك فلا عبرة بالشك (١١).

стр. 2598

قال المؤلف في شرحه: كون خبر الجماعة إذا أفاد الظن يسمى (١) خبر الواحد، هو اصطلاح (٢) لا لغة، انتهى [نصه] (٣) (٤). وذلك أن خبر الواحد في اللغة إنما هو خبر إنسان واحد أعم من أن يكون عدلاً أو فاسقًا، وهو أعم من أن يفيد علمًا أو ظنًا أو شكًا (٥). قوله: (وهو عند مالك ﵀ وعند أصحابه حجة. [واتفقوا على جواز العمل به في الدنيويات، والفتوى، والشهادات. والخلاف إِنما هو في كونه حجة] (٦) في حق المجتهدين، فالأكثرون على أنه حجة لمبادرة الصحابة ﵃ إِلى العمل به). ش: اختلف العلماء: هل يجوز التعبد بخبر الواحد عقلاً أو لا يجوز؟ ومذهب الجمهور جوازه، فإذا قلنا بمنعه، فقيل: يمتنع عقلاً، وقيل: يمتنع سمعًا، فإذا قلنا بجوازه، هل (٧) يجب (٨) العمل به أو لا يجب؟ (٨). مذهب (٩) الجمهور وجوبه، فإذا قلنا بوجوب العمل به، فاختلفوا هل

стр. 2599

يجب العمل به مطلقًا أو لا بد من زيادة؟ ومذهب (١) الجمهور وجوب العمل به مطلقًا من غير زيادة. فإذا قلنا بالزيادة، فاختلفوا، فقيل: لا بد أن يكون هنالك ما يقويه، وقيل: لا بد أن يرويه اثنان (٢)، وقيل: لا بد أن يرويه اثنان إلا فيما يتعلق بالزنا فلا بد أن يرويه أربعة، قاله عبد الجبار من المعتزلة (٣)، وقيل: لا بد أن يرويه أربعة في كل شيء، قاله غيره من المعتزلة (٤). قوله: (وهو عند مالك ﵀ وعند أصحابه حجة). قال المؤلف في شرحه: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن خبر الواحد حجة (٥)، ......

стр. 2600

وهو مذهب مالك (١)، والشافعي (٢)، وأبو حنيفة (٣)، وأحمد بن حنبل (٤) وغيرهم (٥). وقال القاضي عبد الوهاب في الملخص: وبه قال الفقهاء والأصوليون خلافًا لبعض المتكلمين (٦). قال الباجي: خالف في ذلك القاساني (٧) (٨) وغيره من المعتزلة (٩).

стр. 2601

حجة الجمهور على وجوب العمل به: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس (١). فالكتاب قوله تعالى: ﴿إِن جَاءَكمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٢) فأوجب التبين (٣) عند الفسق، وعند عدمه يجب العمل وهو المطلب. وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٤). فأوجب الحذر بقول الطائفة الخارجة من الفرقة (٥)، والفرقة تصدق على ثلاثة والخارج منها يكون أقل منها وهو واحد أو اثنان، فإذا وجب الحذر عند قولهم كان قولهم حجة وهو المطلوب (٦). وأما السنة: فقوله ﵇: "نحن نحكم بالظاهر والله يتولى (٧)

стр. 2602

السرائر". وأما الإجماع فهو ما أشار إليه المؤلف بقوله لمبادرة الصحابة ﵃ إلى العمل [به] (١). مثل (٢) ما روي عن عائشة ﵂ في (٣) التقاء الختانين لأنهم رجعوا إلى خبرها بعد اختلافهم فيه. وكذلك رجوعهم إلى خبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس، وهو قوله ﵇: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (٤). وكذلك رجوعهم إلى خبر حمل (٥) بن مالك في الغرة قال: ضربت امرأة

стр. 2603

امرأة أخرى فألقت جنينًا ميتًا فقضى فيه رسول الله ﷺ بالغرة (١)، فقال عمر ﵁: لو (٢) لم نسمع هذا لقضينا فيه برأينا (٣)، وغير ذلك من أخبار كثيرة لا تعد ولا تحصى. وأما القياس: فبالقياس على الفتوى والشهادة، لأن كل واحد منهما خبر واحد. حجة القول بعدم جواز التعبد به عقلاً (٤): أن التكاليف تعتمد تحصيل المصالح ودرء المفاسد، وذلك يقتضي أن تكون المصلحة والمفسدة معلومة، وخبر الواحد إنما يفيد الظن، والظن يجوز (٥) خطؤه فيقع المكلف في الجهل والفساد (٦) وهو غير سائغ (٧).

стр. 2604

أجيب عن هذا بوجهين: أحدهما: أن هذا مبني على قاعدة التحسين والتقبيح، نحن نمنعها. الوجه الثاني: أن الظن إصابته غالبة، وخطؤه نادر، والقواعد (١) تقتضي ألا تترك المصلحة الغالبة للمفسدة النادرة، ولذلك أقام [الشرع] (٢) الظن مقام العلم في أمور كثيرة لغلبة صوابه وندرة (٣) خطئه (٤). حجة القول بمنع التعبد به سمعًا (٥): قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ (٦) مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ﴾ (٧)، وخبر الواحد لا يفيد علمًا، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٨) (٩). وجوابه: أن ذلك مخصوص بأصول الديانات وقواعد العبادات، ويدل على ذلك قوله ﵇: "نحن نحكم بالظاهر والله متولي السرائر"،

стр. 2605

وكذلك غيره من الأدلة المذكورة الدالة على قبوله، إذ الجمع بين الأدلة أولى من اطراح أحدها (١). حجة القول بأنه لا بد مما يقويه (٢): قوله ﵇: "إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه وإلا فاتركوه" (٣). حجة القول بأنه لا بد من اثنين (٤): أنه ﵇ أنكر خبر ذي اليدين حتى أخبره (٥) غيره. وكذلك أنكر أبو بكر خبر المغيرة (٦) في ميراث الجدة

стр. 2606

السدس حتى رواه محمد بن مسلمة (١) (٢). وكذلك أنكر عمر خبر أبي موسى الأشعري (٣) في الاستئذان حتى رواه أبو سعيد الخدري (٤) [وهو قوله ﵇: "الاستئذان ثلاثًا فإن أذن لك فادخل وإلا فارجع"] (٥) (٦). وكذلك أنكر عمر أيضًا خبر فاطمة بنت قيس في السكنى وقال (٧): لا ندع كتاب ربنا

стр. 2607

وسنة نبينا ﵇ بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت. حتى رواه غيرها. / ٢٧٧/ وكذلك أنكرت عائشة ﵂ خبر ابن عمر ﵁ في تعذيب الميت ببكاء أهله [عليه] (١) حتى رواه غيره (٢). أجيب: عن حديث ذي اليدين: أنها واقعة عظيمة وقعت بمجمع (٣) عظيم، فلو لم يخبر بها غيره لكانت ريبة توجب الرد (٤). [و] (٥) أجيب عن خبر أبي موسى في الاستئذان بأنه مما يتكرر وتعم به البلوى، فلو لم يعرفه إلا (٦) واحد لكان ريبة توجب الرد (٧). وكذلك الجواب عن (٨) خبر المغيرة في ميراث الجدة، وخبر فاطمة بنت قيس في السكنى. وأما خبر ابن عمر ﵁ في تعذيب الميت ببكاء أهله [عليه] (٩)

стр. 2608

فإنما (١) أنكرته عائشة ﵂ لأنه مخالف للقاعدة وهي: أن الإنسان لا يؤخذ بذنب غيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢)، وقد ثبت في الأحاديث الصحاح أن النبي ﵇ قال: "إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه" أثبته مالك في الموطأ (٣) وغيره (٤) من العلماء (٥). واختلف في الجواب عن هذا الحديث فقيل: هذا [إذا] (٦) أوصى الميت بالبكاء والنياحة عليه (٧) كما قال الشاعر وهو طرفة العبدي (٨) من الشعراء الستة (٩).

стр. 2609

إذا (١) مت فانعني (٢) بما أنا أهله وشقي علي الجيب (٣) يا ابنة (٤) معبدي (٥) فعلى هذا إنما يعذب الميت بفعله، وهو إيصاؤه بالبكاء والنياحة عليه. وقيل: هذا إذا كان مع البكاء والنياحة ألفاظ تدل على الافتخار (٦)

стр. 2610

بالمنكرات، كسفك الدماء، والغصب (١)، والفسوق، كما هو عادة العرب (٢)، فإطلاق البكاء على هذه الأفعال مجاز، والعلاقة بين البكاء وهذه الأفعال المحرمات (٣) هي الملازمة، لأن البكاء يلازم هذا اللفظ، واللفظ يلازم مدلوله، فتقدير الكلام: إن الميت يعذب بلازم لازم البكاء، فعلى هذا أيضًا إنما يعذب الميت بفعله لا بفعل غيره. وقيل: المراد بالعذاب المذكور في [هذا] (٤) الحديث هو التشويش، وليس المراد به عذاب الآخرة المتوعد به شرعًا. [فرع: الأموات يعلمون أحوال الأحياء من الشدة والرخاء والفقر والغنى] (٥). وقد روي أن امرأة في العراق (٦) مات لها ولد فحزنت عليه حزنًا شديدًا، وبكت [عليه] (٧) بكاءً عظيمًا، وصارت تخرج (٨) كل عيد إلى المقابر تبكي (٩) وتنوح عليه، ورحلت (١٠) من ذلك البلد إلى بلد آخر فلما حضر (١١) العيد

стр. 2611

فخرجت إلى مقابر ذلك البلد [الذي] (١) حلت [به] (٢) فأكثرت البكاء والعويل (٣) فيها ثم نامت، فرأت أهل تلك المقابر قد هاجوا يسأل بعضهم بعضًا هل لهذه المرأة ولد عندنا؟ قالوا (٤): لا، فقال بعضهم لبعض كيف جاءت عندنا تؤذينا ببكائها وعويلها من غير أن يكون لها عندنا ولد، ثم ذهبوا إليها فضربوها ضربًا وجيعًا، فاستيقظت فوجدت ألمًا عظيمًا من ذلك (٥) الضرب (٦). وذلك يقتضي أن الأرواح تتألم بالمؤلمات وتفرح باللذات في البرزخ كما كانت في الدنيا. وقد ورد أن الأرواح (٧) تتألم بالمؤلمات وبعدم الزيارات، وتفتخر بالزيارات وتفرح باللذات، وأن الأموات يعلمون أحوال الأحياء (٨) من الشدة والرخاء والفقر والاستغناء وغير ذلك، انظر القواعد السنية في الفرق الحادي والمائة بين قاعدة: فعل غير المكلف لا يعذب به، وقاعدة: البكاء على

стр. 2612

الميت يعذب الميت به (١). وأما حجة القول بأربعة في الخبر المتعلق بالزنا، فذلك بقياس الرواية على الشهادة (٢). وحجة القول بأربعة في جميع الأخبار: فإن ذلك احتياطًا بأعلى مراتب الشهادات (٣) (٤). وأجيب عن هذين: بما قدمناه أولًا من الأدلة الدالة على قبول خبر الواحد من كتاب وسنة وإجماع وقياس. قوله: ([واتفقوا] (٥) على جواز العمل به في الدنيويات (٦) والفتوى والشهادات، والخلاف إِنما هو في كونه حجة في حق المجتهدين). ذكر المؤلف ها هنا محل الاتفاق ومحل الخلاف، فذكر أن محل الاتفاق ثلاث (٧) مسائل، وهي: الأمور الدنيوية، والفتاوى، والشهادات (٨). ومعنى الأمور الدنيوية: كما إذا أخبر عدل بالأمن أو الخوف (٩) في الطريق

стр. 2613

فإن خبره يعتمد عليه، وكذلك إذا أخبر طبيب بأن المريض ينفعه هذا الطعام أو هذا الشراب أو يضره هذا الطعام أو هذا الشراب فإن خبره يعتمد عليه. ومعنى الفتوى: إذا أفتى المفتي فإنه يجب الاعتماد على قوله، وإن كان قوله لا يفيد إلا الظن عند المستفتي. ومعنى الشهادات: أن قول الشاهد العدل يجب على الحاكم قبول شهادته، وإن كان قوله لا يفيد إلا الظن عند الحاكم (١). قوله: (والخلاف إِنما هو في كونه حجة في حق المجتهدين)، [أي: وإنما الخلاف في الأحكام المتعلقة بالفتاوى، هل يجوز للمجتهد الاعتماد على ذلك أم لا؟ على الخلاف المتقدم] (٢) (٣). قوله: (ويشترط في المخبر العقل والتكليف وإِن كان تحمل (٤) الصبي صحيحًا (٥)، والإِسلام (٦)، واختلف في المبتدعة إِذا كفرناهم فعند القاضي أبي بكر منا [وعند] (٧) القاضي عبد الجبار لا تقبل روايتهم، وفَصَّل (٨) فخر

стр. 2614

الدين وأبو الحسين (١) بين من يبيح الكذب وغيره، [والعدالة] (٢)، والصحابة ﵃ عدول إِلا عند قيام المعارض). ش: ذكر المؤلف أن المخبر يشترط فيه أربعة شروط: العقل، والبلوغ، والإسلام، والعدالة، وزاد الباجي في الفصول شرطًا خامسًا، وهو: ألا يكون كثير الخطأ والنسيان (٣). أما (٤) اشتراط العقل: فلأن العقل أصل الضبط (٥)، والضبط لا يمكن من غير العاقل (٦) كالمجنون والصبي غير المميز (٧)، فلا تقبل رواية غير العاقل من غير خلاف (٨). وأما اشتراط التكليف، وهو البلوغ: فاحترز به من الصبي المميز (٩)، وإنما لا تقبل إذ ليس معه وازع يمنعه من الكذب، والوازع من الكذب هو الخوف من

стр. 2615

عذاب الله، وليس معه هذا المانع (١) لأنه غير مكلف فهو آمن من عذاب الله في كذبه لعدم تكليفه، فلا يؤمن عليه الكذب في روايته، فلا تقبل روايته (٢)، بخلاف تحمله الرواية /٢٧٨/ فإن تحمله مقبول، إذ لا (٣) يشترط في تحمله إلا الضبط والميز (٤). ونقل عن الشافعي ﵁ قول بجواز رواية الصبي (٥)، وهو منكر من حيث النظر والقواعد، وذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ليس معه وازع يمنعه من الكذب كما قدمناه. الوجه الثاني: أنه إذا لم تقبل رواية (٦) الفاسق مع وجود الوازع في حقه، فالصبي أولى لعدم الوازع في حقه. الوجه الثالث: أن إقراره على نفسه لا يقبل، فأولى وأحرى ألا يقبل قوله

стр. 2616

على الشريعة (١). قوله: (وإِن كان تحمل الصبي صحيحًا)، هذا تأكيد وإغياء (٢) راجع إلى التكليف الذي هو البلوغ، كأنه يقول: لا تقبل رواية الصبي ولو صح تحمله للرواية في حالة الصبا إلا تأديتها بعد بلوغه (٣)، والدليل على صحة تحمل الصبي للرواية إجماع الصحابة والتابعين ﵃ على قبول رواية الصبيان إذا أدوا بعد البلوغ (٤) ما تحملوه في حالة الصبا، كابن عباس (٥)، وابن الزبير (٦)، والحسن بن علي (٧)، والنعمان بن بشير (٨)، وأنس بن

стр. 2617

مالك (١)، ومحمود (٢) بن الربيع (٣) وغيرهم، ﵃، فإن المعتبر عندهم إنما هو حالة الأداء لا حالة التحمل لأنهم يقبلون ما تحمله (٤) الكافر (٥) أو الفاسق أو الصبي بعد زوال الكفر والفسوق والصبا، فإن المعتبر في الرواية (٦) وقت التأدية لا وقت [التحمل] (٧) بمنزلة الشهادة (٨). قال ابن الحاجب في الأصول في باب الخبر: والرواية بعده، والسماع قبله مقبولة (٩) كالشهادة (١٠)، الضمير (١١) في قوله: بعده وقبله (١٢) يعود على البلوغ. قوله: (والإِسلام) (١٣)، أما اشتراط الإسلام فاحترز به من الكافر،

стр. 2618

والكافر على ضربين: كافر من غير أهل القبلة كاليهود (١) والنصارى، وكافر من أهل القبلة كالمبتدعة. فأما الكافر من غير أهل القبلة كاليهود والنصارى فلا تقبل روايته باتفاق لعدم الوازع معه (٢)، وإن كان أبو حنيفة ﵁ قبل شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر، واستدل بقوله تعالى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ (٣) لأنه يقول: أو آخران من غير أهل دينكم، والجمهور يقولون: أو آخران من غير تلك القبيلة (٤) (٥).

стр. 2619

وأما الكافر من أهل القبلة، وهو المبتدع فقد بينه المؤلف بقوله: (واختلف في المبتدعة إِذا كفرناهم، فعند القاضي أبي بكر منا وعند القاضي عبد الجبار لا تقبل روايتهم، وفصّل فخر الدين وأبو الحسين بين من يبيح الكذب وغيره). ش: ففي قبول رواية المبتدعة ثلاثة أقوال، ثالثها: التفصيل بين من يبيح الكذب فلا تقبل روايته، و (١) من لا يبيحه فتقبل روايته. حجة القول بالمنع مطلقًا، وهو مذهب مالك ﵀ (٢): [فإنهم إما

стр. 2620

كفار وإما فساق، وأيًا ما كان فلا تقبل روايتهم (١). حجة القبول مطلقًا:] (٢) (٣) أنهم (٤) من أهل القبلة، وأن أحكام الإسلام تجري عليهم [لأنهم] (٥) يُورّثُوْن (٦) ويُورَثُونْ (٧). حجة [القول] (٨) بتجويز رواية من منع الكذب دون من جوزه (٩)، وهو مذهب الشافعي، كما قاله المؤلف (١٠) في قوله (١١): قبل الشافعي رواية أرباب الأهواء (١٢) (١٣): أن من منع الكذب معه الوازع يمنعه من الإقدام على الكذب، لعلمه (١٤) بتحريم الكذب. ورد هذا الجواب: بأنه ينتقض عليه بالفاسق (١٥) فإن روايته لا تجوز مع

стр. 2621

علمه بتحريم الكذب (١). وكذلك ينتقض عليه بالكافر فإن منهم من لا يجيز (٢) الكذب مع أن روايتهم (٣) لا تجوز باتفاق (٤). فحصل (٥) مما ذكرنا أن الخلاف في المبتدعة مطلقًا، سواء قلنا بتكفيرهم أم لا، فقول المؤلف: إذا كفرناهم، يقتضي أن الخلاف مخصوص بالقول بتكفيرهم، وليس الأمر كذلك، بل الخلاف عام، ولأجل هذا قال بعضهم: صوابه أن يقول: واختلف (٦) في المبتدعة وإن كفرناهم، بزيادة الواو على وجه التأكيد (٧). قوله: (والعدالة) (٨)، أما اشتراط العدالة، فاحترز بذلك من الفاسق،

стр. 2622

فلا تقبل روايته باتفاق (١). والدليل على ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: قياس روايته على شهادته؛ لأن الفاسق لا تجوز شهادته، فإذا كانت شهادته لا تجوز في أمر جزئي، فأولى وأحرى ألا تجوز روايته التي تثبت حكمًا عامًا على الخلق إلى يوم القيامة. [و] (٢) الوجه الثاني: قوله (٣) تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٤) فإنه يقتضي أن الفسق مانع من القبول. والوجه الثالث: أن مقتضى الدليل ألا يعمل [بالظن] (٥)، خالفناه في العدل، فيبقى ما عداه على مقتضى الدليل (٦). قوله: (والصحابة رضوان الله عليهم عدول إِلا عند قيام المعارض). ش: الأصل في الصحابة العدالة حتى يدل الدليل على خلافه، والأصل في غيرهم عدم العدالة حتى يدل الدليل على خلافه، عملًا بالغالب في الفريقين (٧).

стр. 2623

قوله: (إِلا عند قيام المعارض)، مثل: زنا ماعز مع الغامدية (١) (٢). قوله: (والصحابة رضوان الله عليهم عدول). هذا هو الذي عليه أكثر السلف، وجمهور (٣) الخلف (٤). وقيل: حكمهم كحكم غيرهم في لزوم البحث عن عدالتهم (٥). وقيل: هم عدول إلا الداخلين في الفتنة (٦) الواقعة بينهم، فإن (٧) أحد الفريقين ظالم، [وهو] (٨) غير معين، فيجب البحث عن (٩) العدالة (١٠). وقالت المعتزلة: هم عدول إلا من قاتَل عليًا ﵁ (١١). حجة الجمهور: الكتاب والسنة.

стр. 2624

أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٢) أي: عدولًا. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ [رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ] (٤)﴾ الآية (٥)، وغير ذلك من الآيات الدالة على فضل الصحابة ﵃. ومن السنة: قوله ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (٦)؛ لأن الاهتداء من غير عدالة محال.

стр. 2625

وقوله ﵇: "والذي (١) نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل جبل أحد ذهبًا /٢٧٩/ ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" (٢). وقوله ﵇: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" (٣). قوله ﵇: "إن الله تعالى اختار لي أصحابًا وأصهارًا وأنصارًا" (٤).

стр. 2626

وأنصار الله تعالى لا يكونون غير عدول، وغير ذلك من الأحاديث. وأما المعقول: فهو ما تواتر واشتهر من جدهم واجتهادهم (١) في امتثال أوامر الله تعالى، واجتناب مناهيه، وذلك (٢) دليل على عدالتهم ﵃، فهذا هو القول الواضح. وأما الأقوال الثلاثة (٣) فهي كلها جرأة على السلف الصالح ﵃. لأن من قال: حكمهم (٤) كحكم غيرهم، فأين (٥) من مدحه الله تعالى ومدحه رسوله ﷺ من غيره (٦). ومن قال: إلا من دخل الفتن (٧) التي وقعت بينهم؛ لأن (٨) أحد الفريقين ظالم، وهو غير معين، فيجب البحث على (٩) العدالة، لا يصح ذلك؛ لأن ما وقع بينهم إنما هو بالتأويل والاجتهاد، فكلهم (١٠) على الحق، سواء قلنا، كل مجتهد مصيب، أو قلنا: المصيب واحد من غير تعيين؛ لأنه إن قلنا: كل

стр. 2627

مجتهد مصيب، فكل واحد منهم على الحق لإصابته، فلا كلام. وإن قلنا أيضًا: المصيب واحد، فقد اتفق الأصوليون على أن كل مجتهد يجب عليه ما أداه إليه اجتهاده، فكل واحد منهم على الحق؛ لأن كل واحد منهم عمل [ما عمل] (١) بمقتضى اجتهاده، وبالله التوفيق بمنه (٢) (٣). فإذا ثبت أن الصحابة عدول فما معنى الصحابي؟ فاختلف العلماء في الصحابي من هو؟ على ثمانية أقوال: فقيل: من ولد في زمانه ﵇ (٤). وقيل: من ولد في زمانه، وبلغ في زمانه. وقيل: من رآه، ولو مرة واحدة (٥). وقيل: من روى عنه، ولو حديثًا واحدًا. وقيل: من رآه وطالت صحبته معه (٦).

стр. 2628

[وقيل: من رآه وروى عنه وطالت صحبته معه] (١) (٢). وقيل: من غزا معه غزوة أو غزوتين أو قعد معه سنة أو سنتين، قاله سعيد ابن المسيب [رضي الله] (٣) عنه (٤). وقال شهاب الدين القرافي: أصحابه ﵇ [هم الملازمون له] (٥) (٦) المهتدون بهديه، حتى فاضت عليهم أنواره، وظهرت عليهم بركته (٧) وأسراره ﷺ (٨). قال ابن الحاجب في الأصول: مسألة: الصحابي (٩): من رآه ﷺ وإن لم يرو ولم تطل (١٠)، وقيل: إن طالت صحبته، وقيل: إن اجتمعا (١١)، فذكر

стр. 2629

ثلاثة أقوال من الأقوال المتقدمة. وقوله: إن اجتمعا يعني: الرواية والطول. قوله: (والعدالة اجتناب الكبائر وبعض الصغائر والإِصرار عليها والمباحات القادحة في المروءة) (١). ش: لما ذكر [المؤلف] (٢) أن العدالة شرط أخذ [ها هنا] (٣) بذكر (٤) حقيقتها، فذكر أن الذنوب فيها كبائر وصغائر، وهذا مذهب أرباب السنة وذهبت (٥) طائفة من المعتزلة إلى أن الذنوب كلها كبائر بالنسبة إلى من يعصى بها، وهو الله (٦).

стр. 2630

وذهبت (١) طائفة أخرى من المعتزلة أيضًا إلى أن الذنوب كلها صغائر بالنسبة إلى الإيمان فقالوا (٢): لا كبيرة مع الإيمان كما لا حسنة مع الكفر (٣)، والصحيح مذهب أهل السنة. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلا اللَّمَمَ﴾ (٥) واللمم [هي] (٦) صغائر الذنوب. وقوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ (٧) فالفسوق (٨) هو الكبائر، والعصيان هو الصغائر.
следующие страницы →