← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

فإن كان مقطوع الدلالة قدم الخبر. وإن كان مظنون الدلالة تساقطا لحصول المساواة. فإن كان آحادًا، فإما أن يكون مقطوع الدلالة أم لا. فإن كان مقطوع الدلالة قدم الخبر على المشهور. وإن كان مظنون الدلالة قدم الكتاب للقطع بطريقه. فهذا تلخيص هذا الموضع، وبالله التوفيق. قوله: (ولا كون مذهبه على خلاف (١) روايته، وهو مذهب أكثر أصحابنا (٢)، وفيه أربعة مذاهب: قال الحنفي (٣): إِن خصصه رجع إِلى مذهب الراوي؛ لأنه أعلم (٤). وقال الكرخي: ظاهر الخبر أولى (٥). وقال الشافعي: إِن خالف ظاهر الحديث رجع إِلى الحديث، وإِن كان أحد الاحتمالين رجع إِليه (٦). وقال القاضي عبد الجبار: إِن كان تأويله على خلاف الضرورة ترك، وإِلا

стр. 2697

وجب النظر في ذلك) (١). ش: قال المؤلف في شرحه: ينبغي أن تكون هذه المسألة مخصوصة بالراوي المباشر للنقل عن النبي ﵇، لأنه هو الذي يحسن أن يقال فيه: هو أعلم بمراد (٢) المتكلم، وأما غيره كمالك (٣) في مخالفته لحديث بيع الخيار الذي رواه، وغيره من الأحاديث التي رواها وخالفها، فلا يصح ذلك فيه ولا يندرج ذلك في هذه المسألة، فلا يكون مذهبه دليلاً حتى يخصص (٤) كلام صاحب الشرع؛ إذ لا يحسن أن يقال فيه: لعله شاهد من رسول الله ﷺ قرائن [تقتضي مخالفة الحديث (٥). وهذه المسألة قد نبه عليها المؤلف في باب العموم في قوله: ومذهب الراوي لا يخصص عند مالك والشافعي، خلافًا لبعض أصحابنا وبعض أصحاب الشافعي (٦). وقال المؤلف في شرحه هنالك،/ ٢٨٨/ والذي أعتقده أنه مخصوص بما إذا كان الراوي صحابيًا؛ لأنه هو الذي يحسن أن يشاهد من رسول الله ﷺ

стр. 2698

قوائن] (١) تدل على تخصيص ذلك العام، وأنه ﵇ أطلق العام لإرادة (٢) الخاص، وأما إذا كان الراوي مالكًا وغيره ممن لم (٣) يشاهد الرسول (٤) ﷺ فلا يتأتى ذلك فيه، ومذهبه ليس دليلاً حتى يخصص به كلام صاحب الشرع، والتخصيص بغير دليل لا يجوز إجماعًا. انتهى كلامه (٥). فقد نص المؤلف على أن المسألة مخصوصة بالصحابي في هذا الباب وفي باب العموم. فذكر فيها ها هنا أربعة مذاهب. أحدها، وهو مذهب الجمهور: أن الحديث أولى من المذهب (٦) مطلقًا (٧). حجته: أن الحجة في لفظ صاحب الشرع لا في مذهب الراوي؛ لاحتمال أن يكون ذلك اجتهادًا منه واجتهاده لا يكون حجة على غيره (٨). القول الثاني: أن مذهب الراوي أولى من الحديث، وهو مذهب الحنفية. حجته: أن المباشر يحصل له من القرائن الحالية والمقالية ما يقتضي خلاف

стр. 2699

الحديث فيرجع إلى مذهبه كما يرجع إليه في أصل الحديث (١). القول الثالث، وهو مذهب الشافعي: أن الحديث إن كان له ظاهر فالحديث أولى. مثاله: اللفظ العام، قال الشافعي: كيف آخذ بقول من لو عاصرته لحججته، وأترك قول رسول الله ﷺ (٢). وإن كان المذهب تفسيرًا للمجمل فالتفسير أولى. حجته: أن الحديث إن كان له ظاهر، فالحجة في ظاهر الشريعة لا في مذهب الراوي، وإن لم يكن له [ظاهر] (٣) وكانت الاحتمالات متساوية فلا حجة فيه لإجماله، وحينئذ يرجع إلى تفسير الراوي لأنه أعلم بحال المتكلم (٤). مثاله: اللفظ المشترك، كما إذا قال ﵇: "اعتدي بالأقراء" فحمله الراوي على الأطهار، فيتعين مذهب الراوي. القول الرابع، وهو قول عبد الجبار: التفصيل بين أن يكون مذهب الراوي مخالفًا للضرورة، وبين أن يكون موافقًا للضرورة. ولكن قول عبد الجبار موافق من وجه مخالف من وجه.

стр. 2700

فإذا كان مذهب الراوي مخالفًا للضرورة، فإنه يترك ويرجع إلى الحديث، وهذا (١) لا يخالف فيه أحد؛ إذ لا يمكن مخالفة الضرورة، وهو من هذا الوجه موافق للجماعة (٢). وأما إن كان مذهب الراوي على وفق الضرورة، فهو مخالف لمن جزم بتقديم الخبر مطلقًا، وهو مخالف أيضًا لمن جزم بتقديم المذهب مطلقًا؛ لأنه قال: وجب النظر في ذلك، فإنه ينظر في نص الحديث وفي مذهب الراوي بالمدارك المرجحة إما من نص أو ظاهر أو قياس أو أمارة، فإن وجد شيء من المرجحات في الحديث أو المذهب فإنه يقدم على الآخر، وإن تساوت الاحتمالات وجب التوقف؛ لأن الترجيح من غير مرجح محال (٣). قوله: (وإِذا ورد الخبر في مسألة علمية، وليس في الأدلة القطعية ما يعضده (٤) رد؛ لأن الظن لا يكفي في القطعيات، وإِلا قبل (٥)).

стр. 2701

ش: المسائل العلمية هي أصول الدين، فإن المقصود (١) فيها (٢) إنما هو العلم لا الظن، والمراد بالأدلة القطعية: العقلية والنقلية: [وهي] (٣) الكتاب والسنة المتواترة والإجماع. فإذا ورد في المسألة العلمية خبر يفيد الظن، فإما أن يكون في الدلالة القطعية ما يقتضي ذلك الذي اقتضى الخبر أم لا. فإن لم يكن ذلك فإن الخبر يُردُّ لعدم الفائدة فيه، لأن ما ورد فيه لا يعتبر فيه، والذي يعتبر فيه لم يرد فيه. وإن كان في الدلالة القطعية ما يقتضيه حصل المقصود بالدليل العقلي،

стр. 2702

ويصير الخبر مؤكدًا له ومؤنسًا، ويكون أقوى مما ليس فيه إلا العقل وحده، فإن اليقين بما ورد فيه السمع والعقل أقوى مما ليس فيه إلا العقل وحده (١)، وهذا بناء (٢) على القول بحصول التفاوت في العقليات، وهي مسألة الخلاف، والصحيح حصوله (٣). لقوله تعالى في قصة إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٤) وهذا يدل على حصول التفاوت في العقليات (٥). وأيضًا نحن (٦) ندرك بالضرورة حصول التفاوت بين النظريات والحسيات والبديهيات مع حصول القطع في جميع ذلك. وسيأتي بيان ذلك في باب التعارض والترجيح في الفصل الثاني منه في قول (٧) [المؤلف] (٨): ويمتنع الترجيح في العقليات لتعذر التفاوت بين القطعيين (٩) (١٠).

стр. 2703

وقوله: (وإِن اقتضى عملاً تعم به البلوى عند المالكية والشافعية، خلافًا للحنفية. لنا حديث عائشة ﵂ المتقدم في [التقاء] (١) الختانين). ش: يعني أن خبر الواحد إذا ورد في عمل تعم به البلوى، أي تمس إليه الحاجة في عموم الأحوال، فإنه مقبول عند المالكية (٢) والشافعية (٣) (٤)، خلافًا للحنفية (٥)، وابن خويز منداد من المالكية (٦). مثاله: قول عائشة ﵂: "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل أنزل أو لم ينزل فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا" (٧). وكذلك خبر ابن مسعود (٨): ..........................................

стр. 2704

"من مس ذكره فليتوضأ" (١). وكذلك خبر أبي هريرة في غسل اليدين عند القيام من النوم [قال:] (٢) قال رسول الله ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه؛ فإن أحدكم لا يدري أين (٣) باتت (٤) يده" (٥) [وكذلك خبر أبي هريرة في رفع اليدين عند الركوع، قال: كان يرفع يديه في الصلاة كلما خفض ورفع] (٦) .........................................................

стр. 2705

(١) وغير ذلك من الأخبار التي تعم بها (٢) البلوى. مذهب الجمهور أنه مقبول، ومذهب الحنفية وجماعة قليلة أنه غير مقبول. حجة الحنفية القائلين بعدم قبوله: وجهان: أحدهما: أن ما تعم به البلوى شأنه أن يكون معلومًا عند الكل لعموم سببه، فيحتاج كل أحد (٣) أن يعلم حكمه، فلو كان فيه حكم لعلمه الكل، فإذا لم يعلموه دل ذلك على كذبه (٤). الوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٥) فإن

стр. 2706

مقتضى [هذا] (١) الدليل ألا يعمل بالظن، خالفناه فيما لا تعم به البلوى، فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل (٢). أجيب/ ٢٨٩/ عن الأول: بأنه لو صح ما ذكرتم للزم أن يثبت كل ما تعم به البلوى بالتواتر، وليس كذلك؛ لأن فيه ما ثبت بالتواتر، وفيه ما ثبت بالآحاد (٣). وأجيب عن الثاني: بأنه معارض بقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٤) مفهومه: إن جاءكم غير فاسق بنبأ فاقبلوا (٥)، فإن مقتضاه الجزم بالعمل عند عدم الفسق كان فيما تعم به البلوى أم لا (٦). وأيضًا يرد على الحنفية: أنهم نقضوا أصلهم، فإنهم أوجبوا الوضوء من القهقهة، والحجامة، والفصادة، والرعاف، والقيء، وغيرها (٧)، وهي كلها أخبار آحاد تعم بها البلوى (٨). قال المسطاسي: إطلاق القول بقبول خبر الواحد فيما تعم به البلوى أو

стр. 2707

رده مطلقًا لا يتجه، والصحيح والصواب أن ذلك يختلف باختلاف القرائن والأحوال، فلا بد للمجتهد من النظر في كل صورة (١). قوله: (وإِن اقتضى عملاً تعم به البلوى)، احترازًا مما لا تعم به البلوى، فإنه يقبل بأولى وأحرى كقوله ﵇ في أخذ الجزية من المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" رواه عبد الرحمن بن عوف ﵁. ومذهب مالك وجمهور العلماء: أن خبر الواحد مقبول كان مما تعم به البلوى أم لا (٢)، دليلهم: الكتاب والسنة. فالكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٣) دليل الخطاب (٤) أن غير الفاسق مقبول. والسنة: قوله ﵇: "نحن نحكم بالظاهر والله متولي السرائر" والظن ظاهر فيحكم به. وقول عائشة ﵂: "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل". وخبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان: "الاستئذان ثلاث، فإن أذن

стр. 2708

لك فادخل وإلا فارجع". وخبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، وغير ذلك من الأدلة. ***

стр. 2709

الفصل التاسع في كيفية الرواية [ش] (١): أي في صفة الرواية، ولا يخلو الراوي إما أن يكون صحابيًا أو غيره. فإن كان صحابيًا فذكر فيه المؤلف سبع مراتب. وإن كان الراوي غير صحابي فذكر فيه ثماني مراتب (٢). قوله: (إِذا قال الصحابي: سمعت رسول (٣) الله ﷺ ، أو أخبرني، أو شافهني، فهذا أعلى المراتب). ش: يريد وكذلك إذا قال: حدثني ﵇ بكذا (٤).

стр. 2710

[وهذه] (١) المرتبة هي أعلى المراتب، ولا خلاف أنه (٢) [كلام] (٣) النبي ﵇؛ لأنه لا يحتمل الواسطة بل هو محمول على المشافهة (٤). وأما المراتب الست (٥) الباقية فهي محل الخلاف لما فيها من الاحتمال. قوله: (وثانيها: أن يقول: قال ﵇. ش: إنما (٦) جعل المؤلف هذه المرتبة أخفض من الأولى، لأن الأولى لا تحتمل إلا المشافهة، وأما "قال": فيحتمل المشافهة [و] (٧) يحتمل الواسطة، كما (٨) يقول أحدنا اليوم: قال رسول الله ﷺ وإن كان لم يسمعه ولا شافهه، ولا شك أن اللفظ الدال على المشافهة أنص في المقصود وأبعد عن الخلل المتوقع من الوسائط (٩).

стр. 2711

قوله: (ثانيها وثالثها ورابعها ...) إلى آخرها، إنما أتى بها على صورة التذكير لأنه اعتبر الأقسام ولم يعتبر المراتب؛ لأن المراتب هي في المعنى أقسام. قوله: (وثالثها: [أن يقول] (١) أمر (٢) بكذا [أ] (٣) ونهي عن كذا). ش: يعني أمر أو نهى بالبسط من غير ذكر الفاعل. قال المؤلف في شرحه: يريد: وكذلك إذا قال: أمرنا أو نهانا (٤). قوله: (وهذا كله محمول عند المالكية على أمر (٥) النبي ﵇ خلافًا لقوم). ش: هذا الكلام راجع إلى المرتبة الثالثة خاصة، وهي قوله: أمر أو نهى.

стр. 2712

قال المؤلف في الشرح: [و] (١) قولي: إنه محمول عند المالكية على أمر النبي ﵇، أريد إذا لم يذكر النبي ﵇ في الأمر، بل يقول الراوي: أمر بكذا، أو أمرنا بكذا، فإن اللفظ يحتمل أن يكون فاعل هذا الأمر هو النبي ﵇ أو غيره. انتهى (٢). وإنما جعل هذه المرتبة أخفض من التي قبلها؛ لأن التي قبلها لا تحتمل إلا احتمالاً واحدًا، وهو احتمال الوسيطة (٣)، وأما هذه المرتبة الثالثة فتحتمل احتمالات كثيرة، أي: هل أمر ﵇ أو أمر غيره؟ ثم هل المراد بالأمر الطلب أم لا؟ ثم الطلب، هل المراد به الجازم أو لا؟ ثم الجازم، هل المراد به الفور أو التراخي؟ ثم الفور، هل المراد به التكرار أو المرة الواحدة؟ وهل المراد به الكل أو البعض؟ (٤). حجة المالكية أن هذا محمول على أمره ﵇ [أ] (٥) ونهيه: أن من له

стр. 2713

رئيس معظم إذا قال: أمر بكذا، أو أمرنا بكذا، إنما يريد أمر رئيسه، ولا يفهم عنه إلا ذلك، ورسول الله ﷺ هو رئيس الأمة وعظيمها ومرجعهم، وهو المشار إليه في أقوالهم وأفعالهم، فتنصرف إطلاقاتهم في ذلك إليه ﷺ (١). قوله: (خلافًا لقوم)، حجة المخالف: أن الفاعل إذا حذف احتمل النبي ﵇ أو غيره، فيكون المعنى: أمر الكتاب، أو أمر (٢) بعض الأمة، والاحتمال شك، ولا يثبت الشرع بالشك. أجيب عنه: بأن شاهد الحال صارف للنبي ﵇ كما تقدم تقريره من [أن] (٣) الفعل المطلق ينسب إلى الرئيس، والعمل بالراجح متعين (٤). قوله: (وثالثها: أن يقول: أمر بكذا أو نهى عن كذا) ببسط الفعل فيهما (٥)، سكت المؤلف عن مرتبة أخرى، وهي: إذا صرح بالفاعل فقال: أمر النبي ﵇ (٦) أو نهى ﵇ عن كذا (٧)، ففيها الخلاف أيضًا (٨)،

стр. 2714

وحكمها عند المالكية (١) حكم المرتبة التي هي: أمر أو نهى من غير ذكر النبي ﵇، إلا أن هذه المرتبة [التي] (٢) فيها التصريح بذكر النبي ﵇ أقوى من المرتبة التي لم يذكر فيها النبي ﵇؛ / ٢٩٠/ لأنه إذا ذكر النبي ﵇ ارتفع منه احتمال واحد، وهو إرادة غيره (٣) ﵇، وبقي سائر الاحتمالات (٤). قوله: (ورابعها: أن يقول: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، فعندنا (٥) وعند الشافعية (٦)، يحمل (٧) على أمره (٨) ﵇ (٩) خلافًا للكرخي (١٠)).

стр. 2715

ش: اعترض [على] (١) المؤلف في جعل هذه مرتبة أخرى؛ إذ لا فرق بين بسط الفعل وتركيبه فيما إذا حذف الفاعل، فالأولى (٢) أن يجعل هذه المرتبة مع التي قبلها مرتبة واحدة لاتحادهما في الحكم والاحتجاج (٣). قوله: (وخامسها: أن يقول: السنة كذا، فعندنا يحمل (٤) على سنته ﵇ (٥)، خلافًا لقوم) (٦). ش: سبب الخلاف: النظر إلى اللغة، أو النظر إلى العرف. من نظر إلى اللغة قال: لفظ السنة مجمل؛ لأن معنى السنة في اللغة هو الطريقة، ومنه قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ (٧) أي: طريقتهم (٨)، فقول الراوي: من السنة كذا، [أي من الطريقة كذا] (٩)، ولا يدرى هل طريقة النبي ﵇ أو طريقة غيره من أصحابه؟ وذلك مجمل.

стр. 2716

ومن نظر إلى العرف قال: تعين أن المراد بذلك طريقة النبي ﵇، لأن السنة في العرف هي طريقة النبي ﵇ في الشريعة (١). فإذا قلنا: المراد بالسنة طريقة النبي ﵇ وهو المعنى العرفي، [انظر] (٢) ما معنى السنة في اصطلاح أهل الشرع (٣). فقيل السنة: هي المندوب، ولأجل ذلك تذكر السنة في مقابلة الفرض، فيقال (٤): فروض (٥) الصلاة وسننها كذا وكذا (٦). وقيل: السنة ما ثبت من قِبَلَه ﵇ من قول أو فعل غير القرآن كان

стр. 2717

مندوبًا أو واجبًا (١)، ولذلك قال الشافعي (٢): الختان سنة، وهو عنده واجب، أي ثابت بالسنة (٣). وقيل: السنة ما فعله (٤) ﵇ [وداوم عليه] (٥) واقترن به ما يدل على أنه غير واجب (٦). وقيل: ما فعله ﵇ في جماعة، وداوم (٧) عليه، واقترن به ما يدل على (٨) أنه غير واجب (٩). وتظهر ثمرة (١٠) الخلاف بين هذين القولين في ركعتي الفجر، هل هي من السنن أو من الرغائب؟ من اشترط الجماعة، قال: من الرغائب، ومن أسقط (١١) الجماعة من الحد (١٢)، قال: من السنن (١٣).

стр. 2718

قوله: (وسادسها: أن يقول عن النبي ﵇، قيل (١): يحمل على سماعه هو (٢)، وقيل: [لا] (٣) (٤)). ش: هذا اللفظ يحتمل المباشرة ويحتمل الواسطة، وذلك أن قول الراوي: عن النبي ﵇ يحتمل أن يكون متعلق هذا الجار رويت أو نقلت أو أخذت عن النبي ﵇، فيكون الراوي مباشرًا للسماع. ويحتمل أن يكون متعلق هذا الجار روي أو نقل [أو أخذ] (٥) عن النبي ﵇ بتركيب الفعل المتعلق، فلا يلزم أن يكون الراوي مباشرًا لسماعه من النبي ﵇. فمن غلّب (٦) حال الصحابي حمله على المباشرة؛ لأن غالب حال (٧) الصحابي مباشرة السماع من النبي ﵇. ومن غلب ظاهر اللفظ قال بالاحتمال؛ لاحتمال المباشرة والواسطة؛ لأن

стр. 2719

اللفظ محتمل فلا يحمل (١) على المباشرة إلا بدليل (٢) لإجماله، فيتعين التوقف. قوله: (وسابعها: [أن يقول] (٣): كنا نفعل كذا (٤)، وهو يقتضي (٥) كونه شرعًا). ش: يريد وكذلك إذا قال: [كانوا] (٦) يفعلون كذا (٧) (٨). والضمير (٩) في قوله: (وهو)، يعود على قول الراوي. والضمير في قوله: (كونه)، يعود على الفعل المكنى [عنه] (١٠) بكذا (١١) , أي: يدل قول الراوي: كنا، أو كانوا، على أن ذلك الفعل مشروع (١٢)،

стр. 2720

خلافًا (١) لبعض الحنفية (٢). حجة المشهور: أن مقصود الصحابي أن يخبرنا بما كان شرعًا؛ لأن الغالب اطلاع النبي ﵇ على ذلك الفعل وإقراره عليه، وذلك يقتضي كونه شرعًا لأنه ﵇ لا يقر على باطل، ولأن الصحابة رضوان الله عليهم لا يقرون بين أظهرهم إلا ما كان شرعًا، فيكون ذلك الفعل شرعًا (٣). حجة المخالف: أنهم كانوا يفعلون في زمانه ﵇ ما لا يكون مسندًا (٤) إليه، كما قال بعضهم حين اختلفوا في الغسل من التقاء الختانين: "كنا نجامع على (٥) عهد رسول الله ﷺ ولا نغتسل" (٦). وقال جابر (٧): ...................................................

стр. 2721

كنا نبيع أمهات الأولاد على (١) عهد النبي ﵇ (٢) (٣). أجيب عن هذا: بأن محل النزاع إنما هو فيما الغالب عليه اطلاعه ﵇، وأما مثل هذه الأفعال مما يمكن إخفاؤه عنه ﵇ فليس بمحل (٤) النزاع (٥). قوله: (وأما غير الصحابي فأعلى مراتبه (٦) أن يقول: حدثني، أو أخبرني، أو سمعته، وللسامع منه أن يقول: حدثني، [أ] (٧) وأخبرني، [أ] (٨) وسمعته يحدث عن فلان، إِن قصد إِسماعه خاصة (٩)، أو في جماعة، وإِلا فيقول: سمعته يحدث). ش: هذا مقابل (١٠) قوله أولاً: إذا قال الصحابي، فلما تكلم على كيفية

стр. 2722

رواية الصحابي، شرع ها هنا في كيفية رواية غير الصحابي، فذكر فيها ثماني مراتب (١): المرتبة الأولى، وهي أعلاها: قراءة الشيخ لما يرويه الراوي عنه (٢)، وهو معنى قول المؤلف: "أن يقول: حدثني، أو: أخبرني".

стр. 2723

يعني: أن يقول الشيخ: حدثني فلان بكذا، أو أخبرني (١)، أو سمعت (٢) فلانًا يقول كذا، أو سمعته يحدث عن فلان. فلا يخلو الشيخ إما أن يكون قصد إسماع السامع منه بالقراءة سواء كان السامع وحده أو كان مع غيره، أو لم يقصد إسماع السامع منه. فإن قصد إسماعه خاصة، أو قصد إسماع جماعة هو فيهم، فذلك أعلى المراتب في الرواية؛ إذ لا خلاف في قبول روايته بقراءة الشيخ؛ لأنه إذا قصد الشيخ إسماعه خاصة، أو قصد إسماع جماعة [هو] (٣) فيهم، صدق لغة أن يقول السامع منه: حدثني، أو أخبرني، أو سمعته يحدث عن فلان (٤). وأما إذا لم يقصد الشيخ إسماع السامع خاصًا، ولا قصد إسماع جماعة هو فيهم، فلا يصدق أنه حدثه ولا أخبره (٥) وإنما يصدق أنه سمعه فقط، ولأجل هذا لا (٦) يقول السامع منه إلا سمعته فقط، فإن سماعه لا

стр. 2724

يتوقف/ ٢٩١/ على قصد إسماع الشيخ (١). قوله: (عن فلان)، تعلق بالثلاثة، وكذلك قوله: (إِن قصد إِسماعه). قوله: (وثانيها: أن يقول (٢) له: أسمعت (٣) هذا من فلان؟ فيقول: نعم، أو يقول بعد الفراغ: الأمر كما (٤) قرأت (٥)، فالحكم (٦) مثل الأول في وجوب العمل ورواية السامع). ش: هذه المرتبة الثانية هي قراءة الراوي أو غيره على الشيخ، وهي (٧) أن يقول الراوي للشيخ بعد الفراغ من القراءة: هل سمعت هذا الحديث من فلان؟ فيقول الشيخ: نعم، أو يقول الشيخ بعد الفراغ من القراءة عليه: الأمر كما قرأت علي، أو كما قرأ (٨)، فإن العمل بالحديث لازم للسامع، وللسامع

стр. 2725

أيضًا أن يقول: حدثني، أو أخبرني، أو سمعته (١)، وإلى هذا أشار بقوله: فالحكم مثل الأول في وجوب العمل ورواية السامع، تقديره: فالحكم في وجوب العمل، و [في] (٢) رواية السامع في هذا القسم الثاني مثل الأول، أي مثل القسم الأول، وهو قوله: فأعلى مراتبه أن يقول: حدثني، أو أخبرني، أو سمعته ... إلى آخره، وذلك أنه إذا قيل (٣) له: أسمعت هذا من فلان؟ فيقول: نعم، فإن لفظة نعم في اللغة تقتضي إعادة الكلام الأول بعينه، فإذا قلت لغيرك: أقام زيد؟ فيقول: نعم، تقديره: نعم قام زيد، فإذا قيل لشيخ (٤): أسمعت هذا؟ فيقول: نعم، [تقديره: نعم] (٥) سمعته. قوله: (الأمر كما قرأت)، عبر بالأمر ها هنا عما سمعه وضبطه (٦).

стр. 2726

تقديره: الذي سمعته وضبطته كما قرأت، [أي مثل الذي قرأت] (١)، لأن اللفظ إذا أعيد بعينه كان الثاني مثل الأول، لأنها أمثال تتكرر وتتوالى، فإذا أعاد الإنسان (٢) قراءة الفاتحة كانت أصواته الثانية مثل أصواته الأولى لا أنها عينها بل هي أصوات تتكرر وتتوالى (٣). قوله: فالحكم مثل الأول في وجوب العمل ورواية (٤) السامع. أما كون هذا القسم مثل القسم الأول في وجوب العمل فهو أمر متفق عليه (٥). وأما كونه مثل الأول في رواية السامع فهو مختلف فيه، فجرى كلام المؤلف على قول إذ فيه للمحدثين ثلاثة أقوال: قيل: قراءة الشيخ على الطالب أصح، وهو مذهب الجمهور (٦)، وقيل: قراءة الطالب على الشيخ أصح، على عكس القول الأول، وهو

стр. 2727

مذهب مالك ﵁ (١). وقيل: هما سواء، وهو مذهب أهل المدينة قديمًا وحديثًا (٢). حجة القول بأن قراءة الشيخ على الطالب أقوى: أن الشيخ ربما يغفل ويذهل إذا كان الطالب هو الذي يقرأ، لأنه قد يخطئ الطالب في القراءة والشيخ غافل ذاهل لا يشعر بالخطأ. حجة القول بأن قراءة الطالب (٣) على الشيخ (٤) [هي] (٥) أقوى كما قال مالك: أن الطالب إذا أخطأ في القراءة فإن الشيخ يرد عليه لعلمه بخطأ الطالب، لأن تصديه للنقل عنه يبعد (٦) عنه الذهول والغفول (٧)، وأما إذا كان

стр. 2728

الشيخ هو القارئ فإذا أخطأ فلا يرد عليه الطالب إما لجهله بالخطأ، وإما لمهابة الشيخ وتوقيره (١) (٢). حجة القول بأنهما سواء: تعارض (٣) الأدلة، لجواز الذهول على الشيخ إذا كان الطالب يقرأ (٤)، ولجواز الجهل على الطالب إذا كان الشيخ هو القارئ (٥)، وروي عن علي وابن عباس ﵄ أنهما قالا: قراءتك على العالم كقراءة العالم عليك (٦). وهذه الأقوال الثلاثة [المذكورة] (٧) ذكرها ابن رشد في أول الجزء الثاني

стр. 2729

من جامع البيان (١). قوله: (وثالثها: أن يكتب إِلى غيره بسماعه (٢)، فللمكتوب إِليه أن يعمل بكتابه إِذا تحققه أو ظنه، ولا يقول: سمعته (٣) ولا حدثني، ويقول: أخبرني). ش: قد تقدم لنا في الفصل السادس من هذا الباب (٤): أن الاعتماد على الخط في الرواية جوزه جمهور العلماء، وقد جوزه كثير ممن منعه في الشهادة لأن الداعية إلى التزوير في الرواية ضعيفة بخلاف الشهادة، فإن التزوير فيها قوية (٥). لأن الشهادة مظنة العداوة، وأنها تكون في الأموال النفيسة والأمور العظيمة، فتقوى داعية التزوير فيها على ما تقتضيه الطباع البشرية بخلاف الرواية. قوله: (أن يكتب إِليه (٦) بسماعه)، أي يكتب الشيخ إلى الطالب شيئًا من حديثه، وذلك نوعان:

стр. 2730

أحدهما: مجرد عن الإجازة. والثاني: مقرون بالإجازة (١). ومعنى المجرد عن الإجازة: أن يكتب إليه فيقول له: هذا الذي كتبته إليك هو سماعي. ومعنى المقرون بالإجازة: أن يكتب إليه فيقول له: هذا الذي كتبته إليك هو سماعي، وأجزتك بأن تروي عني ما كتبت إليك، وهذه الكتابة المقرونة بالإجازة شبيهة بالمناولة [المقرونة] (٢) بالإجازة في الصحة والقوة (٣). وأما الكتابة المجردة عن الإجازة فقد منع قوم الرواية بها (٤)، وأجازها قوم (٥)، وهي كالمناولة المجردة عن (٦) الإجازة. قوله: (ولا يقول: سمعته ولا حدثني)؛ لأن الكتابة ليست مما يسمع ولا هي من الحديث.

стр. 2731

قوله: (ويقول: أخبرني) (١)؛ لأن إطلاق الإخبار على الكتابة حقيقة عرفية مجاز لغوي؛ لأن الإخبار في اللغة إنما يكون باللفظ، وسميت الكتابة إخبارًا لأنها تدل على اللفظ؛ لأن الحروف الكتابية موضوعة للدلالة على الحروف اللسانية، فسميت الكتابة إخبارًا أو خبرًا من باب تسمية الدال (٢) باسم المدلول، ولأن الإعلام يقع بالكتابة كما يقع باللفظ، فقولهم في الكتابة: أخبرني، معناه: أعلمني (٣). قوله: (ورابعها: أن يقال له: هل سمعت هذا؟ (٤)، فيشير برأسه أو بإِصبعه (٥) فيجب العمل (٦) ولا يقول المشار إِليه: أخبرني، ولا حدثني، ولا سمعته (٧)).

стр. 2732

ش: وإنما قال ها هنا يجب العمل بمقتضى [الإشارة] (١)؛ لأن الإشارة في اللغة والعرف تقوم مقام "نعم" فتفيد غلبة الظن، والعمل بالظن في هذا الباب واجب (٢). قوله: (ولا يقول المشار إِليه: أخبرني، ولا حدثني، ولا سمعته) (٣)؛ لأن الإشارة ليست خبرًا حقيقة، ولا حديثًا، ولا هي مسموعة، لأنها من المبصرات لا من المسموعات. وهذه المعاني/ ٢٩٢/ موجودة أيضًا في الكتابة، فيحتاج أن يقال في الإشارة أخبرني، كما يقال ذلك في الكتابة. قال المؤلف في شرحه: الفرق بين الكتابة والإشارة من وجهين: أحدهما: أن الكتابة أمَسُّ بالإخبار لكثرة استعمالها وتداولها بين الناس، ولذلك (٤) ملئت الخزائن بالكتب والدواوين بخلاف الإشارة. الوجه الثاني: أن الكتابة [فيها] (٥) وضع اصطلاحي بخلاف

стр. 2733

الإشارة (١). قوله: (وخامسها: أن يقرأ عليه ولا (٢) ينكر (٣) بإِشارة ولا عبارة ولا يعترف، فإِن غلب على الظن اعترافه لزم العمل (٤) وعامة الفقهاء جوزوا روايته، وأنكرها المتكلمون، وقال بعض المحدثين ليس له أن يقول إِلا: أخبرني قراءة عليه، وكذلك الخلاف لو قال القارئ للراوي بعد قراءة الحديث: أأرويه (٥) عنك؟ قال: نعم، وهو السادس: وفي مثل هذا اصطلاح المحدثين (٦) وهو من مجاز التشبيه شبه (٧) السكوت بالإِخبار). ش: يعني إذا قرأ الطالب على الشيخ: حدثك فلان بهذا، فسكت الشيخ ولا ينكر بإشارة ولا عبارة، ولا يعترف أيضًا بصحة ما قرئ عليه لا بإشارة ولا عبارة. وفي هذه المسألة ثلاثة فروع: أحدها: هل يجب العمل بهذا أم لا؟ الثاني: هل تجوز الرواية بهذا أم لا؟

стр. 2734

الثالث: ما كيفية الرواية ها هنا؟ أما الأول، وهو هل يجب العمل أم لا؟ فقد بينه المؤلف بقوله: فإن غلب على الظن اعترافه لزم العمل (١)، يعني: وإن غلب على الظن عدم اعترافه حرم العمل (٢). قال المؤلف في الشرح: إذا غلب على الظن اعترافه لزم العمل؛ لأن العمل بالظن واجب في هذا الباب. غير أن ها هنا إشكالاً، وهو أن مطلق الظن كيف كان لم يعتبر [هـ] (٣) صاحب الشرع، وإنما اعتبر ظنًا خاصًا عند سبب خاص، فإن قلنا: يكفي (٤) ها هنا مطلق الظن كان على خلاف القواعد، وإن قلنا: المطلوب ها هنا ظن خاص فما ضبطه، فإن ضبطه صعب، فلزم (٥) الإشكال. انتهى (٦). وإن لم يكن إلا مجرد السكوت، فمذهب الجمهور وجوب العمل (٧)، وذهب [بعض] (٨) أهل الظاهر إلى أنه لا بد من التصريح بالتقرير، وإلا حرم العمل (٩).

стр. 2735

حجة الجمهور: أن سكوته مع عدالته وثقته يتنزل منزلة التقرير؛ لأنه لو سكت غير مقرر مع علمه بأن الذي قرئ عليه يؤثر عنه لكان ذلك قدحًا في عدالته (١). [حجة القول الآخر: أن السكوت محتمل، والاحتمال شك، والشرع لا يثبت بالشك (٢)] (٣). وأما الفرع الثاني وهو هل تجوز الرواية بهذا أم لا؟ فقد بينه المؤلف بقوله: وعامة الفقهاء جوزوا روايته (٤)، وأنكرها المتكلمون (٥). حجة الفقهاء القائلين بالجواز من وجهين: أحدهما: قياس الرواية على العمل؛ لأن المانع (٦) في الرواية وافق على وجوب العمل.
следующие страницы →