← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

ويرد على الرابع، وهو حديث القضاء بالرأي (١): أنه رواية أسامة الليثي، وهو ضعيف (٢). ويرد على الخامس والسادس، وهما حديث القبلة، وحديث الدين: أن اجتهاد النبي ﵇ لا يلحق به غيره؛ لأنه لا ينطق [عن] (٣) الهوى (٤) (٥).

стр. 2802

وأما دليل الإجماع، فهو: أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على العمل بالقياس، وذلك يعلم من استقراء أحوالهم ومناظراتهم، وقد كتب عمر (١) ﵁ إلى أبي موسى الأشعري "اعرف الأشباه (٢) والنظائر، وما اختلج (٣) في صدرك فألحقه بما هو أشبه بالحق" (٤)، وهذا عين القياس (٥). أجيب عن هذا: بأن الإجماع لم ينقل (٦) عن جميعهم، إذ لا ينسب قول إلى ساكت (٧)، وأيضًا لو انعقد عليه إجماع الصحابة لما وقع فيه خلاف (٨) بين

стр. 2803

التابعين. وأجيب عن رسالة عمر: بأنها جاءت من طريق عبد الله بن أبي هاشم، وهو مجهول (١). وأما حجة أهل الظاهر القائلين بمنع (٢) القياس فالكتاب، والسنة، وأخبار الصحابة. أما الكتاب فمن أوجه: أحدها: قوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِّكُل شَيْءٍ﴾ (٤)، وهذا يدل على أن في القرآن [بيان] (٥) جميع الحوادث، فيبطل حينئذ القياس. الوجه (٦) الثاني: قوله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ﴾ (٧). [و] (٨) قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ

стр. 2804

الْكَافِرُونَ﴾ (١). و (٢) ﴿الْظَّالِمُونَ﴾ (٣)، و (٤) ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (٦). الوجه الثالث: قوله تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٧). وقوله تعالى: ﴿[إِن] (٨) نَّظُنّ (٩) إلا ظَنًّا﴾ (١٠). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ (١١) الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (١٢)، لأن القياس إنما يفيد الظن. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (١٣). وقوله تعالى: ﴿وَأَن تَقولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١٤)، وهذا كله يقتضي

стр. 2805

منع القياس (١). أجيب عن الأول، وهو قوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ (٢)، وما في معناه: أنه لو كانت الأحكام في جميع الحوادث مستفادة من القرآن لكان تحريم القياس موجودًا فيه كما زعمتم. أجيب (٣) عن الثاني، وهو قوله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ﴾ (٤)، وما في معناه: بأن (٥) الحاكم بالقياس هو حاكم بما أنزل الله، لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٦)، وقد جاءنا بالقياس فقال: ﴿فَاعْتَبِروا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ (٧). أجيب (٨) عن الثالث، وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ (٩)، وما في معناه: بأن الشرع أقام الظن مقام العلم في أشياء كثيرة، كالشهادة وخبر الواحد، فالحاكم بالظن حاكم بالعلم، وما ورد من المنع بمقتضى (١٠) الظن إنما

стр. 2806

ذلك في الظن الذي لا مستند له/ ٢٩٩/ كظن الكفار ونحوه (١). وأما دليل السنة، فمنه قوله ﵇: "إن الله [تعالى] (٢) لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" (٣). ومنه قوله ﵇: "تعمل هذه الأمة (٤) برهة بالكتاب، وبرهة بالسنة، وبرهة بالقياس، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا" (٥).

стр. 2807

أجيب عن ذلك: بأن المراد (١) محمول على القياس الفاسد الوضع (٢)، المخالف للنص؛ إذ من شرط القياس ألا يخالف النص الصريح جمعًا بين الأدلة (٣). وأما أخبار الصحابة: فلأن الصحابة يذمون القياس، فمن ذلك قول أبي بكر الصديق ﵁: "أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إن (٤) قلت في القرآن برأيي" (٥). وقال عمر ﵁: "إياكم وأصحاب (٦) الرأي فإنهم أعداء السنن (٧)،

стр. 2808

أعيتهم الأحاديث [أن يحصوها] (١) فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا" (٢). وقال علي ﵁: "لو كان الدين يؤخذ بالقياس، لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره" (٣)، وهذا يدل على منع القياس. أجيب عن هذا: أن ذم الصحابة القياس محمول على القياس الفاسد المخالف للشرع، جمعًا بين الأدلة (٤). قوله: (وهو مقدم على خبر الواحد عند مالك، [لأن الخبر إِنما يرد (٥) لتحصيل الحكم، والقياس متضمن للحكمة، فيقدم على الخبر] (٦)) (٧).

стр. 2809

ش: ذكر القاضي عياض في التنبيهات، وابن رشد في المقدمات (١)، قولين في مذهب مالك في تقديم القياس على خبر الواحد (٢). حجة تقديم القياس: أنه متضمن لتحصيل المصالح ودرء المفاسد (٣) بخلاف الخبر، فما تضمن المصلحة أو درًا المفسدة (٤) موافق للقواعد، [و] (٥) ما لم يتضمن ذلك فهو مخالف للقواعد، فالقياس مقدم لموافقته القواعد، والخبر المخالف له مخالف للقواعد (٦)، فيقدم (٧) القياس عليه (٨). حجة المنع: أن القياس فرع النصوص، والفرع لا يقدم على

стр. 2810

أصله (١)، وإنما قلنا: إن القياس فرع النصوص، لأنه لم يكن حجة إلا بالنصوص الدالة على كونه حجة، فالقياس فرع النصوص، وأيضًا فالمقيس عليه لا بد أن يكون منصوصًا عليه، فصار القياس فرع النصوص من هذين الوجهين (٢). أما قولنا: إن الفرع لا يقدم على أصله، فلأنه (٣) لو قدم على أصله لبطل أصله، ولو بطل أصله لبطل هو في نفسه. أجيب عن هذه: بأن النصوص التي هي أصل القياس، غير النص الذي قدم عليه القياس، فلا تناقض، ولم يقدم الفرع على أصله، بل قدم على غير أصله (٤). قوله: (وهو حجة في الدنيويات اتفاقًا) (٥). ش: مثاله: مداواة الأمراض، فإذا رأينا شيئًا صلح لمرض (٦) (٧)، فإنا نقيس عليه مرضًا آخر، فإن الطب مبني على القياس والتجريب. فإنهم (٨) يقولون: من قواعد الطب: مقابلة الضد بالضد، فإن الضد يمنع

стр. 2811

ضده، وهذه قاعدة (١) يعتمد عليها في الطب (٢). مثاله: إذا كان المرض من الحرارة فيكون شفاؤه التبريد، وإن كان المرض من البرد [فيكون] (٣) شفاؤه (٤) التسخين، وإن كان المرض من الرطوبة فيكون شفاؤه التيبيس (٥)، وإن كان المرض من اليبوسة [فيكون] (٦) شفاؤه (٧) الترطيب (٨) (٩). قوله: (وهو إِن كان بإِلغاء الفارق فهو (١٠) تنقيح المناط عند الغزالي، أو باستخراج الجامع من الأصل ثم تحقيقه في الفرع، فالأول (١١) تخريج المناط، والثاني تحقيقه). ش: ذكر المؤلف ها هنا ثلاثة أشياء، وهي: تنقيح المناط، وتخريج المناط، وتحقيق المناط.

стр. 2812

قال المؤلف في شرحه (١): المناط: اسم مكان الإناطة، [والإناطة] (٢): هي (٣) التعليق والإلصاق (٤). قال (٥) حسان بن ثابت ﵁ فيمن هجاه: وأنت زنيم نيط في آل هاشم كما نيط خلف الراكب القدح الفرد (٦) الزنيم: هو الملاصق (٧) للقوم (٨)، ومنه قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ (٩) ومنه قول حبيب (١٠) الطائي (١١) أيضًا:

стр. 2813

بلاد بها نيطت علي تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها (١) أي: علقت علي الحروز فيها. وسميت العلة مناطًا (٢) على وجه الاستعارة والتشبيه؛ لأن الحكم علق عليها (٣) ونيط بها. قوله: (إِن كان بإِلغاء الفارق (٤))، أي إن كان القياس واقعًا بإلغاء الفارق، فيسمى (٥) تنقيح المناط عند الغزالي (٦). فنقول على هذا: تنقيح المناط هو إلغاء الفارق، أي ترك الفارق بين المقيس والمقيس عليه.

стр. 2814

مثاله: قياس العبد على الأمة في تشطير (١) الحد، [لأنه ورد النص بالتشطير في الأمة في قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِن الْعَذَابِ﴾ (٢)، فيقاس على الأمة في ذلك] (٣)؛ إذ لا فارق بينهما إلا الذكورية، وهو وصف لا يصلح (٤) للتعليل، فيسوى (٥) في الحكم بينهما لعدم الفارق (٦). ومثاله أيضًا: [قياس] (٧) بيع الصفة على بيع الرؤية في الجواز؛ إذ لا فارق بينهما إلا الرؤية، وهي لا يصح (٨) أن تكون (٩) فارقًا بينهما في أغراض (١٠) المبيع، فيسوى بينهما في الحكم (١١).

стр. 2815

ومثاله أيضًا: قياس الأمة على العبد في وجوب التقويم (١) على معتق (٢) الشقص، كما في قوله ﵇: "من أعتق شركًا له في عبد (٣) قوم عليه نصيب شريكه" (٤)، فتقاس الأمة على العبد في ذلك التقويم (٥)؛ إذ لا فارق بينهما إلا الذكورية، وهي لا يصح (٦) أن تكون فارقًا (٧) بينهما في ذلك الحكم، فهذا معنى تنقيح المناط عند الغزالي (٨). قوله: (أو باستخراج الجامع (٩))، أي إن كان القياس واقعًا باستخراج الجامع من الأصل، أي باستخراج العلة الجامعة بين الفرع المقيس والأصل المقيس عليه من الأصل المقيس عليه (١٠). مثاله: وجوب الكفارة على كل مفطر هتك (١١) حرمة رمضان، قياسًا على الأعرابي/ ٣٠٠/ الذي جاء الرسول (١٢) ﷺ يضرب صدره

стр. 2816

وينتف (١) شعره، فقال: هلكت [هلكت] (٢) واقعت (٣) أهلي في نهار رمضان، فأوجب (٤) النبي ﵇ الكفارة عليه. فذكر (٥) في الحديث كونه أعرابيًا، وكونه يضرب صدره، وكونه ينتف شعره، وهذه الأوصاف كلها لا تصلح للتعليل لعدم (٦) مناسبتها، وكونه مفسد [اً] (٧) للصوم هو (٨) المناسب للكفارة، فقد استخرجت علة (٩) الحكم من الأصل (١٠). ومثاله أيضًا: قياس الأرز مثلًا على البر في تحريم الربا إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد، [لأنه ورد النهي عن بيع البر (١١) بالبر إلا مثلًا بمثل يدًا بيد] (١٢)، ولم

стр. 2817

يذكر العلة، ولا أوصافًا تشتمل على العلة. فاختلف في العلة، هل الطعم أو القوت أو الكيل أو المالية؟ كما هو المعروف في الفقه، فهذا أيضًا استخراج العلة من الأصل، بخلاف القسم [الثاني] (١) الذي هو إلغاء الفارق. فإن القسم الأول يسمى عند الغزالي تنقيح المناط، وهذا القسم الثاني يسمى عند الغزالي تخريج المناط (٢). قوله: (عند الغزالي)، راجع إلى القسمين تنقيح المناط وتخريج المناط. ونبه بقوله: عند الغزالي، على أن معناهما عند غيره مخالف لمعناهما عند الغزالي. وذلك أن معنى تنقيح المناط عند غير الغزالي: استخراج العلة من أوصاف مذكورة. [ومعنى تخريج المناط: استخراج العلة من أوصاف غير مذكورة] (٣) (٤). مثال استخراجها من أوصاف مذكورة: حديث الأعرابي المذكور. ومثال (٥) استخراجها من أوصاف غير مذكورة: قياس الأرز على البر

стр. 2818

في حديث بيع الربا المتقدم. فتحصل مما ذكرنا (١): أن [معنى] (٢) تنقيح المناط فيه قولان، و [معنى] (٣) تخريج المناط أيضًا فيه قولان: فتنقيح المناط قال الغزالي: معناه إلغاء الفارق (٤). وقال غيره: معناه استخراج العلة من أوصاف مذكورة. وأما تخريج المناط فقال الغزالي: معناه استخراج العلة مطلقًا، من أوصاف مذكورة، ومن (٥) أوصاف غير مذكورة (٦).

стр. 2819

وقال غيره: معناه استخراج العلة من أوصاف غير مذكورة. والاصطلاحان المذكوران في تنقيح المناط كلاهما مناسب؛ لأن التنقيح معناه: التصفية والإصلاح والإزالة (١)، وهو إزالة ما لا يصلح عما يصلح (٢). قوله: (ثم تحقيقه في الفرع) هذا هو اللفظ الثالث من الألفاظ الثلاثة، وهو تحقيق المناط. ومعنى تحقيق المناط: عبارة عن تحقيق العلة في الفرع بعد الاتفاق عليها (٣). مثال (٤) [ذلك] (٥): أن يتفق على أن علة الربا هي القوت الغالب، ثم يختلف بعد ذلك [في الربا] (٦) في التين. فقيل فيه بالربا (٧) بناء على أنه يقتات غالبًا بالأندلوس (٨).

стр. 2820

وقيل فيه بعدم الربا بناء على أنه لا يقتات غالبًا بالحجاز (١) وغيرها. فهذا معنى تحقيق المناط وهو أن ينظر في المناط، هل هو محقق في الفرع أم لا؟ [أي] (٢) هل هو موجود في الفرع أم لا؟ بعد الاتفاق على كونه علة للحكم في الأصل. فقد تبين (٣) لك الفرق بين هذه الحقائق الثلاث، وهي: تنقيح المناط، وتخريج المناط، وتحقيق المناط، وكلها اصطلاحات لفظية (٤). ...

стр. 2821

الفصل الثالث في الدال على العلة ش: أي فيما يدل (١) على [العلة] (٢) الجامعة بين الأصل والفرع، لأن كل علة لا بد لها من دليل يدل عليها، كما أن كل حكم لا بد له من دليل يدل عليه. قوله: (وهو ثمانية: النص، والإِيماء، والمناسبة، والشبه، والدوران (٣)، والسبر، والطرد، وتنقيح المناط). ش: زاد بعضهم تاسعًا وهو الإجماع (٤).

стр. 2822

قوله: (فالنص (١) على العلة (٢) ظاهر) (٣). ش: نحو قول (٤) الشارع (٥): العلة كذا، أو إنما (٦) فعلته لأجل كذا. ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٧). ومنه قوله ﵇: "إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة التي دفت عليكم". ومنه قوله ﵇: "إنما جعل الاستئذان من أجل (٨) البصر" (٩). قوله: (و (١٠) الإِيماء (١١) خمسة).

стр. 2823

ش: الإيماء ضد الصراحة، وهو الإشارة إلى العلة (١). وهو محصور في خمسة أشياء: قوله: (الفاء (٢)، نحو قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ (٣)). ش: لأن الزنا علة الجلد. ومثاله (٤): قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٥)، لأن السرقة علة القطع. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (٦)،

стр. 2824

فإن قتل العمد علة لتغليظ العذاب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (١)، فإن (٢) قتل الخطأ علة لتحرير الرقبة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ (٣) (٤) مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٥). واعلم أن الفاء تارة تدخل على المعلول (٦) مثل (٧) هذه المثول (٨) المذكورة،

стр. 2825

فإن الزنا علة الجلد، فالجلد معلول الزنا، وكذلك ما ذكر معه من الأمثلة، وقد تدخل الفاء تارة على العلة (١)، كقوله ﵇ في المحرم الذي وقصت (٢) به ناقته (٣): "لا تمسوه بطيب فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا"، فإن الإحرام علة المنع من الطيب. قوله: (وترتيب الحكم على الوصف، نحو ترتيب الكفارة على قوله: واقعت (٤) أهلي في نهار (٥) رمضان. قال الإمام: سواء كان مناسبًا أو لم يكن (٦)). ش: يعني: أن الحكم إذا رتب على وصف، فإن ذلك الوصف علة لذلك

стр. 2826

الحكم (١)، لأن ترتيب الحكم على الوصف يؤذن بأن ذلك الوصف علة/ ٣٠١/ لذلك الحكم، سواء كان ذلك الوصف مناسبًا لذلك الحكم أم لا (٢). مثال المناسب للحكم المرتب عليه، قولك: أكرم العلماء وأهن الجهال، فإن الإكرام مناسب للعلم، والإهانة مناسب للجهل. ومثال غير المناسب [قولك] (٣): أكرم الجهال (٤) وأهن العلماء، فإن الإكرام غير مناسب (٥) للجهل، والإهانة غير مناسب للعلم. وقول الإمام: سواء كان مناسبًا أو لم يكن، هو إشارة إلى أن ترتيب الحكم على الوصف مستقل بالدلالة على العلية (٦) وإن عري عن المناسبة، فإن القائل إذا قال: أكرم الجهال وأهن العلماء، فإن السامعين ينكرون ذلك ويعيبونه ويستقبحونه، ومدرك الاستقباح أنهم فهموا أن القائل جعل الجهل (٧) علة الإكرام، وجعل العلم علة الإهانة، ولا مستند لهم في اعتقاد هذا التعليل إلا ترتيب (٨) الحكم على الوصف لا المناسبة (٩).

стр. 2827

فإن المناسبة ها هنا مفقودة، فدل ذلك على أن ترتيب الحكم على الوصف يدل على العلية وإن فقدت المناسبة. قوله: (نحو ترتيب الكفارة على قوله: واقعت (١) أهلي في نهار رمضان) يفهم (٢) منه أن الجماع علة الكفارة. [و] (٣) مثاله أيضًا: قوله ﵇: "خمس فويسقات يقتلن في الحل والحرم" (٤) (٥). قوله: (وسؤاله ﵇ عن وصف المحكوم عليه (٦)، نحو قوله عليه

стр. 2828

السلام: "أينقص الرطب (١) إِذا جف؟ "). ش: لم يكن سؤاله ﵇ لعدم علمه بنقصان الرطب إذا جف، لأن (٢) كل أحد (٣) يعلم ذلك، وإنما سؤاله لتنبيه السامع على علة المنع، فيكون السامع مستحضرًا لعلة الحكم حالة وروده عليه، فيكون ذلك أقرب لقبوله للحكم، بخلاف إذا غابت العلة عن السامع، وربما صعب (٤) عليه تلقي الحكم، واحتاج لنفسه من المجاهدة ما لا يحتاجه إذا علم العلة. قوله: (وتفريق (٥) الشارع بين شيئين في الحكم (٦)، نحو قوله ﵇: "القاتل [عمدًا] (٧) لا يرث" (٨)).

стр. 2829

[ش: وذلك أن قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ (١)، يقتضي توريث جميع الأولاد، وقوله ﵇: "القاتل لا يرث"] (٢) يقتضي تفريق الحكم في الأولاد، فيقتضي ذلك أن القتل هو علة المنع من الميراث لأن التفريق بين شيئين في الحكم يؤذن (٣) بالعلة، و [في] (٤) هذا أيضًا ترتيب الحكم على الوصف. ومثاله أيضًا: تفريقه ﵇ بين الفارس والراجل في الإسهام، فقال: "للفارس سهمان وللراجل سهم" (٥)، فالتفريق بينهما يؤذن بالعلة.

стр. 2830

قوله: (وورود (١) النهي عن (٢) فعل [يمنع] (٣) ما تقدم وجوبه) (٤). ش: مثاله: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٥) [الآية] (٦)، فهذا يدل على وجوب السعي إلى الجمعة، فقوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَذَروا الْبَيْعَ﴾، يقتضي منع البيع؛ لأن البيع يمنع السعي الواجب وفعل الجمعة، فيكون ذلك من باب الإيماء إلى العلة، وأن تحريم البيع علته التشاغل عن (٧) فعل الجمعة، فيدخل في ذلك النهي كل ما يشغله عن الجمعة من الأكل والشرب والكلام وغير ذلك، كما بينه (٨)

стр. 2831

ابن أبي زيد في قوله: ويحرم حينئذ البيع (١) وكل ما يشغل عن السعي (٢). قوله: (والمناسب: (٣) ما تضمن [تحصيل] (٤) مصلحة أو درء مفسدة. فالأول: كالغنى، علة في وجوب (٥) الزكاة (٦). والثاني: كالإِسكار، علة في تحريم (٧) الخمر). ش: هذا هو الثالث من الأشياء الثمانية الدالة على العلة، وهو المناسب (٨). ومعنى قولهم: المناسب، أي المناسب لأن يترتب عليه الحكم، فسر المؤلف الوصف المناسب، بالوصف المتضمن لتحصيل مصلحة أو لدرء مفسدة. وإنما كانت المناسبة تدل على العلة؛ لأن الأصل في ورود الشرائع إنما هو لتحصيل المصالح ودرء (٩) المفاسد.

стр. 2832

مثل المؤلف الوصف المتضمن للمصلحة بالغنى، [فإنه] (١) علة لوجوب الزكاة؛ لأن الغنى مناسب لوجوب الزكاة لما فيه من المواساة للفقراء، فالمصلحة على هذا هي المواساة. وقيل (٢): المصلحة ها هنا [هي] (٣) تطهير (٤) النفس من رذيلة البخل؛ لأن المال محبوب بالطبع فلا يبذله لله تعالى إلا من غلبت عليه محبة الله تعالى وخلص (٥) إيمانه، ولهذا قال ﵇: "الصدقة برهان" (٦)، أي دليل على صدق الإيمان وخلوصه (٧). ومثل المؤلف (٨) الوصف المتضمن للمفسدة بالإسكار، فإنه علة لتحريم (٩) الخمر؛ لأن الإسكار مناسب للتحريم لما فيه من خلل العقل (١٠). قوله: ([و] (١١) المناسب ينقسم إِلى ما هو في محل الضرورات، وإِلى ما

стр. 2833

هو في محل الحاجات، وإِلى ما هو في محل التتمات، فيقدم الأول على الثاني، والثاني على الثالث عند التعارف). ش: قسم المؤلف الوصف المناسب للحكم ها هنا ثلاثة أقسام: ضروري، وحاجي، وتتمي (١). فالضروري: هو الذي لا يستغنى عنه أصلًا، ولا بد [منه] (٢) لكل أحد (٣)، على كل حال. والحاجي: هو الذي يحتاج إليه في بعض الأحوال. والتتمي: هو الذي يستغنى عنه ولا يحتاج إليه، ولكن هو من تتماته وتكميلاته وتحسيناته وتزييناته. وفائدة هذا التقسيم تظهر في تعارض الأقيسة، فيقدم (٤) الضروري على الحاجي، ويقدم الحاجي على التتمي (٥). قوله: (فالأول نحو الكليات الخمس، وهي حفظ النفوس، والأديان،

стр. 2834

والأنساب/ ٣٠٢/ والعقول، والأموال، وقيل: والأعراض). ش: قال المؤلف: اختلف العلماء في عدد هذه [الكليات] (١) فبعضهم يذكر الأديان، ولا يذكر الأعراض. وبعضهم يذكر الأعراض، ولا يذكر الأديان. وفي التحقيق: أن الجميع محرم (٢) باتفاق، وقد حكى الغزالي وغيره إجماع الملل على [اعتبار] (٣) هذه الكليات، وأن الله تعالى لم يبح (٤) شيئًا من هذه الكليات في ملة من الملل (٥) (٦) من لدن خلق (٧) [الله] (٨) آدم إلى الآن. بل أمر الله تعالى بحفظ هذه الكليات كلها. فإنه أمر بحفظ النفوس من القتل وقطع الأعضاء. وأمر بحفظ الأديان من الكفر. وأمر بحفظ الأنساب من الزنا. وأمر بحفظ العقول من المسكرات.

стр. 2835

وأمر بحفظ الأموال من الغصب والسرقة. وأمر بحفظ الأعراض من القذف والسب وما في معنى ذلك (١). قال المؤلف: لم يبح الله ﵎ شيئًا من هذه الكليات في ملة من الملل (٢) بالإجماع، إلا في المقدار الذي لا يسكر من المسكرات، ففيه خلاف في ملتنا (٣)، وهو مباح في الملل المتقدمة قبل الإسلام، وأما المقدار الذي يسكر فهو حرام بإجماع الملل (٤). قال المسطاسي: فإن قيل هذا الإجماع المذكور يشكل بما يذكرونه من إباحة الخمر في أول الإسلام، فكيف يحرم الخمر في جميع الملل المتقدمة، ويباح في هذه الملة (٥) التي هي أفضل الملل وأتمها في استيفاء المصالح ودرء المفاسد؟ (٦).

стр. 2836

الجواب عنه: أن ما ذكروه من الإباحة، معناه: أنه مسكوت (١) عن تحريمه، وأن تصرفهم فيه إنما هو بالبراءة (٢) الأصلية، لا [أ] (٣) ن الشرع أذن لهم في شربه. قال: وأما احتجاجهم على إباحة الخمر في أول الإسلام بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ (٤)، في الكلام (٥) حذف، تقديره: شيء تتخذون منه سكرًا ورزقًا حسنًا، أن تتخذوا (٦) منه ما يسكر وما لا يسكر، فذكر المسكر في سياق الامتنان يدل على الإباحة؛ إذ لا يمتن إلا بمباح ولا يمتن بالمحرم. قال (٧): الجواب عنه [من] (٨) وجهين (٩): أحدهما: [أن] (١٠) السكر (١١) المذكور في الآية المراد به الخل، كما قاله جماعة من المفسرين (١٢)؛ لأن أصل السكر لغة هو ......................

стр. 2837

المنع (١). ومنه قوله تعالى: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ (٢) (٣)، أي منعت من الإبصار (٤). [و] (٥) سمي الخل سكرًا، لأنه يمنع من الأدواء الصفراوية وغيرها. والوجه الثاني: سلمنا أن المراد به المسكر (٦)، ولكن إنما وقع الامتنان [به] (٧) من حيث إنه لم يحرمه عليهم، وعدم تحريمه أعم من كونه مأذونًا فيه أو

стр. 2838

مسكوتًا (١) عنه، والدال على الأعم غير دال على الأخص، فيسقط الاستدلال بالآية (٢) على إباحة الخمر (٣). قوله: (وهي حفظ النفوس والأديان والأنساب والعقول والأموال، وقيل: والأعراض). قال المسطاسي: ومما يستدل به على اعتبار هذه الكليات في شريعتنا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤). فقوله: ﴿الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾، يدل على حفظ الأنساب، فالظاهر منها كذوات الرايات (٥)، والباطن [منها] (٦) كذوات الأخدان (٧).

стр. 2839

وقوله: ﴿وَالْإِثْمَ﴾، قيل: المراد به الخمر (١)، ومنه قول الشاعر: شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول (٢) يدل على حفظ العقول. وقوله: ﴿وَالْبَغْيَ﴾، وهو الظلم (٣)، يدل على حفظ النفوس والأموال والأعراض. [و] (٤) قوله: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾، يدل على حفظ الأديان. وقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، إشارة إلى ما كانوا يحرمونه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام (٥) (٦)، المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ (٧).

стр. 2840

وقد كثر اختلاف المفسرين في معنى هذه الأشياء الأربعة. وأقربها ما قال محمد بن إسحاق (١) قال: البحيرة بنت السائبة، والسائبة هي (٢) الناقة [إذا] (٣) تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ذكر، فإنها لم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها (٤)، ولم يشرب لبنها إلا ضيف (٥)، فكلما نتجت بعد ذلك من أنثى فهي البحيرة، فإنها تشق أذنها ويخلى (٦) سبيلها، ويفعل بها ما يفعل بأمها (٧).
следующие страницы →