← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

الجواب عنه: أن ما ذكروه من الإباحة، معناه: أنه مسكوت (١) عن تحريمه، وأن تصرفهم فيه إنما هو بالبراءة (٢) الأصلية، لا [أ] (٣) ن الشرع أذن لهم في شربه. قال: وأما احتجاجهم على إباحة الخمر في أول الإسلام بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ (٤)، في الكلام (٥) حذف، تقديره: شيء تتخذون منه سكرًا ورزقًا حسنًا، أن تتخذوا (٦) منه ما يسكر وما لا يسكر، فذكر المسكر في سياق الامتنان يدل على الإباحة؛ إذ لا يمتن إلا بمباح ولا يمتن بالمحرم. قال (٧): الجواب عنه [من] (٨) وجهين (٩): أحدهما: [أن] (١٠) السكر (١١) المذكور في الآية المراد به الخل، كما قاله جماعة من المفسرين (١٢)؛ لأن أصل السكر لغة هو ......................

стр. 2837

المنع (١). ومنه قوله تعالى: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ (٢) (٣)، أي منعت من الإبصار (٤). [و] (٥) سمي الخل سكرًا، لأنه يمنع من الأدواء الصفراوية وغيرها. والوجه الثاني: سلمنا أن المراد به المسكر (٦)، ولكن إنما وقع الامتنان [به] (٧) من حيث إنه لم يحرمه عليهم، وعدم تحريمه أعم من كونه مأذونًا فيه أو

стр. 2838

مسكوتًا (١) عنه، والدال على الأعم غير دال على الأخص، فيسقط الاستدلال بالآية (٢) على إباحة الخمر (٣). قوله: (وهي حفظ النفوس والأديان والأنساب والعقول والأموال، وقيل: والأعراض). قال المسطاسي: ومما يستدل به على اعتبار هذه الكليات في شريعتنا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤). فقوله: ﴿الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾، يدل على حفظ الأنساب، فالظاهر منها كذوات الرايات (٥)، والباطن [منها] (٦) كذوات الأخدان (٧).

стр. 2839

وقوله: ﴿وَالْإِثْمَ﴾، قيل: المراد به الخمر (١)، ومنه قول الشاعر: شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول (٢) يدل على حفظ العقول. وقوله: ﴿وَالْبَغْيَ﴾، وهو الظلم (٣)، يدل على حفظ النفوس والأموال والأعراض. [و] (٤) قوله: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾، يدل على حفظ الأديان. وقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، إشارة إلى ما كانوا يحرمونه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام (٥) (٦)، المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ (٧).

стр. 2840

وقد كثر اختلاف المفسرين في معنى هذه الأشياء الأربعة. وأقربها ما قال محمد بن إسحاق (١) قال: البحيرة بنت السائبة، والسائبة هي (٢) الناقة [إذا] (٣) تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ذكر، فإنها لم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها (٤)، ولم يشرب لبنها إلا ضيف (٥)، فكلما نتجت بعد ذلك من أنثى فهي البحيرة، فإنها تشق أذنها ويخلى (٦) سبيلها، ويفعل بها ما يفعل بأمها (٧).

стр. 2841

فهي البحيرة (١) بنت السائبة، [يقال: بحرت أذن الناقة، إذا شققتها، فالبحيرة، معناها: مبحورة الأذن، أي مشقوقة الأذن] (٢). ومعنى الوصيلة: هي الشاة إذا أتأمت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس بينهن ذكر، فهي (٣) وصيلة، فما ولدت بعد ذلك فهو لذكورهم دون إناثهم، إلا أن يموت منها شيء فيشترك في [أكله] (٤) الذكور والإناث (٥). ومعنى الحام: هو الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكر، فيقال: حمى ظهره، فلا يركب ولا يجز وبره (٦)، ويخلى سبيله، ولا ينتفع منه إلا بالضراب في الإبل (٧).

стр. 2842

قوله: (وقيل: [والأعراض] (١))، الأعراض (٢) جمع عِرْضٍ. اختلف (٣) في عرض الرجل، قيل: ذاته ونفسه (٤)، دليله قوله ﵇ في أهل الجنة: "لا يبولون (٥) ولا يتغوطون (٦)، وإنما هو عرق يجري من أعراضهم مثل ريح المسك" (٧)، [و] (٨) قوله ﵇: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته". [قال ابن العربي (٩) في أحكام القرآن: يحل عرضه، بأن

стр. 2843

يقول: مطلني، ويحل عقوبته بأن يحبس (١) له حتى ينصفه] (٢) (٣). وقيل: عرض الرجل، حسبه وشرفه (٤)، دليله قول الشاعر: رب مهزول سمين عرضه ... وسمين الجسم مهزول الحسب قوله (٥): (فالأول نحو الكليات الخمس ..) المسألة، أي فمثال الأول الذي هو الوصف الكائن في محل الضرورة: هو الكليات الخمس، التي هي حفظ النفوس والأديان والأنساب والعقول والأموال والأعراض. وبيان ذلك في حفظ النفوس: أن القتل وصف مناسب للقصاص / ٣٠٣/ فترتيب القصاص عليه فيه مصلحة، وهي حفظ النفوس. وبيانه في حفظ الأديان: أن الشرك وصف مناسب للحرابة، فترتيب الحرابة عليه لما فيه من مصلحة، وهي حفظ الأديان. وبيانه في حفظ الأنساب: أن الزنا وصف مناسب للحد، فترتيب

стр. 2844

[الحد] (١) عليه لما فيه من مصلحة، وهي حفظ الأنساب من الاختلاط. وبيانه في حفظ العقول: أن شرب الخمر وصف مناسب للحد، فترتيب الحد عليه لما فيه من مصلحة، وهي حفظ العقول. وبيانه في حفظ الأموال: أن السرقة مثلاً وصف مناسب للقطع، فترتيب القطع عليها لما فيه من مصلحة، وهي حفظ الأموال. وبيانه [في] (٢) حفظ الأعراض: أن القذف مثلاً وصف مناسب للحد، [فترتيب الحد] (٣) عليه لما فيه من مصلحة، وهي حفظ الأعراض. قوله: (والثاني مثل تزويج الولي الصغيرة، فإِن النكاح غير ضروري، لكن الحاجة تدعو إِليه في تحصيل الكفء (٤) لئلا يفوت (٥) (٦)). ش: هذا مثال للوصف (٧) الذي في محل الحاجات. فالكفء، وهو المثل (٨) وصف مناسب لتزويج الولي الصغيرة، وتزويج الولي الصغيرة حكم مرتب على هذا الوصف، لما فيه من مصلحة، [وهي] (٩)

стр. 2845

مخافة (١) التفويت. قوله: ([و] (٢) الثالث: ما كان حثًا على مكارم الأخلاق كتحريم تناول القاذورات وسلب أهلية (٣) الشهادة (٤) عن الأرقاء (٥)، ونحو (٦) الكتابات، ونفقات القرابات) (٧) (٨). ش: هذا مثال (٩) الوصف الذي في محل التتمات، وذلك أن القاذورات وهي النجاسات وصف مناسب لتحريم تناولها، فترتيب (١٠) التحريم على هذا الوصف لمصلحة، وهي مكارم الأخلاق (١١)، [و] (١٢) هي من التتمات، وليس من الضرورات ولا من الحاجات. وكذلك سلب أهلية الشهادة عن العبيد (١٣)، وذلك [أن] (١٤)

стр. 2846

الخسة (١) التي هي وصف العبد، وصف مناسب لسلب أهلية الشهادة، فترتب (٢) منع شهادته على هذا الوصف الذي هو الخسة لمصلحة هي (٣) مكارم الأخلاق؛ لأن الشهادة منصب شريف فلا يناسبه العبد لخسته. وليس سلب ذلك عن العبد (٤) بضروري ولا بحاجي (٥)، وإنما هو من مكارم الأخلاق (٦). وكذلك الكتابات، وذلك أن توهم المال في العبد وصف مناسب للكتابة، وكتابته حكم مرتب على هذا الوصف لما فيه من مصلحة، وهي العتق، لأنه من مكارم الأخلاق. وإنما قلنا الكتابة من مكارم الأخلاق، لأنها عون على حصول العتق وإزالة الرق عن الصورة البشرية المكرمة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (٧)، فالكتابة من مكارم الأخلاق وتتمات المصالح. وكذلك نفقات القرابات كالأبوين (٨) والأولاد، فهي من مكارم الأخلاق

стр. 2847

وتتمات المصالح (١). وذلك أن القرابة وصف مناسب لوجوب (٢) النفقة، فوجوب النفقة حكم مرتب على هذا الوصف لمصلحة، وهي مكارم الأخلاق (٣). قوله: (وتقع أوصاف مترددة بين هذه المراتب، كقطع الأيدي باليد (٤) الواحدة (٥)، فإِن شرعيته (٦) ضرورية صونًا للأعضاء (٧). وأمكن (٨) أن يقال: ليس منه، لأنه يحتاج (٩) الجاني (١٠) فيه إلى الاستعانة (١١) بالغير، وقد يتعذر). ش: لما ذكر [المؤلف] (١٢) أن الوصف قد يقطع بأنه في محل الضرورات،

стр. 2848

أو في محل الحاجات، أو في محل التتمات، ذكر ها هنا أن الوصف قد [لا] (١) يقطع فيه بشيء (٢) (٣)، فيكون مترددًا، أي محتملاً (٤). مثال الوصف الذي لا يقطع عليه بشيء (٥) من ذلك بل هو محتمل: قطع الأيدي باليد الواحدة، [فإن قطع الأيدي باليد الواحدة] (٦) وصف متردد بين الضروري والحاجي، فإنه يمكن أن يقال: قطع الأيد [ي] (٧) باليد الواحدة (٨) حكم مرتب على قطع اليد الواحدة (٨)، حكم ضروري لما فيه من مصلحة، وهي حفظ الأعضاء، كما نقول في قطع اليد الواحدة (٩) باليد الواحدة (٩)؛ إذ لو قلنا بعدم قطع الأيدي (١٠) باليد الواحدة لأدى ذلك إلى عدم صيانة الأعضاء، ولكان كل من أراد قطع عضو إنسان استعان بغيره، فينتفي القصاص. ويمكن أن يقال (١١): قطع الأيدي [باليد] (١٢) الواحدة (١٣) ليس بضروري؛

стр. 2849

لأن الغير قد يساعد الجاني [على الإعانة] (١)، وقد لا يساعده (٢) فيتعذر (٣). فمن اعتبر الصيانة قال بأن القطع (٤) ضروري. ومن اعتبر عدم تحقق الاستعانة قال: ليس بضروري. وقطع الأيدي المتعددة باليد الواحدة حكم مرتب على قطع اليد الواحدة، وهو (٥) ضروري لمصلحة، وهي حفظ الأعضاء. وأمكن أن يقال: ليس من الضروري، بل هو من الحاجي؛ لأنه يحتاج الجاني فيه إلى الاستعانة بغيره، والضروري لا يحتاج [الجاني] (٦) فيه إلى الاستعانة بالغير، وقد يتعذر الاستعانة بالغير. قوله: (ومثال (٧) اجتماعها كلها في وصف واحد: أن نفقة النفس ضرورية والزوجات حاجية (٨)، والأقارب (٩) تتمة) (١٠). ش: وذلك أن الجوع وصف مناسب لوجوب النفقة، كانت النفقة

стр. 2850

[ضرورية كالنفقة] (١) على نفسه، أو كانت (٢) حاجية كالنفقة على الزوجة، أو كانت تتمة (٣) كالنفقة (٤) على الأبوين، فقد اجتمعت الضرورة والحاجة والتتمة في شيء واحد، [وهو وجوب النفقة] (٥). قوله: (واشتراط العدالة في الشهادة ضروري صونًا للنفوس والأموال، وفي الإِمامة (٦) على الخلاف حاجية (٧) لأنها شفاعة والحاجة داعية (٨) [إِلى] (٩) إِصلاح (١٠) الشفيع، وفي النكاح تتمة لأن الولي قريب يزعه (١١) طبعه عن الوقوع في العار والسعي في الإِضرار، وقيل: حاجية (١٢) على الخلاف. ولا يشترط / ٣٠٤/ في الإِقرار لقوة الوازع الطبعي (١٣)). ش: هذا مثال [آخر] (١٤) لاجتماع المراتب الثلاث (١٥)، وهي: الضرورة،

стр. 2851

والحاجة، والتتمة. وذلك أن اشتراط العدالة، قد يكون ضروريًا، وقد يكون حاجيًا، وقد يكون تتميًا. مثال كونه ضروريًا: اشتراط العدالة في الشهادة، لأن الشهادة وصف مناسب لاشتراط العدالة، فاشتراط العدالة حكم مرتب على الشهادة لما فيه من مصلحة، وهي صون النفوس والأموال. ومثال كون اشتراط العدالة حاجيًا: اشتراط العدالة في إمامة الصلاة، على القول باشتراط العدالة فيها، وهو قول مالك (١)، وذلك أن الإمامة وصف مناسب لاشتراط العدالة فيها (٢)، فاشتراط العدالة حكم مرتب على الإمامة لما فيه من المصلحة، وهي الشفاعة، والحاجة داعية إلى إصلاح الشفيع. ومراد المؤلف بالإمامة: الإمامة الصغرى، وهي إمامة الصلاة، يدل عليه قوله: لأنها شفاعة. وأما الإمامة (٣) الكبرى فاشتراط العدالة فيها ضروري، صونًا للنفوس

стр. 2852

والأموال (١). ومثال كون اشتراط العدالة تتمة: اشتراط العدالة في ولي النكاح، وذلك أن الولاية وصف مناسب لاشتراط العدالة، فاشتراط (٢) العدالة حكم مرتب على الولاية لما فيه من مصلحة، وهي دفع العار (٣) عن الولي، فاشتراط العدالة في هذه الولاية تتمة، وقيل حاجية؛ لأن الحاجة داعية إلى إصلاح الولي. قوله: (على الخلاف)، أي على القول باشتراط العدالة في ولي النكاح، وفي مذهب مالك قولان في اشتراط العدالة في ولي النكاح، المشهور عدم اشتراطها اكتفاء بالوازع الطبعي عن العدالة (٤). قوله: (ولا يشترط في الإِقرار)، (٥) أي ولا يشترط اشتراط (٦)

стр. 2853

العدالة في الإقرار، لأن الوازع الطبعي يمنع (١) الإنسان من الإضرار بنفسه بغير موجب (٢) فلا يقر (٣) الإنسان إلا بما هو حق عليه، فيقبل (٤) إقراره (٥) سواء كان برًا أو فاجرًا (٦)، مؤمنًا أو كافرًا، ولا خلاف (٧) بين الأمة في ذلك (٨). فتبين بهذه الأمثلة أن الضرورة والحاجة والتتمة قد اجتمعت في شيء واحد، وهو العدالة. قوله: (ودفع المشقة عن النفوس مصلحة، ولو أفضت إِلى مخالفة (٩) القواعد، وهي ضرورية (١٠) مؤثرة في الترخيص، كالبلد الذي يتعذر فيه العدول. قال: ابن أبي زيد في النوادر: تقبل شهادة أمثلهم (١١) حالاً لأنها (١٢) ضرورة.

стр. 2854

وكذلك يلزم في القضاة وولاة (١) الأمور، وحاجية (٢) في الأوصياء (٣) على الخلاف (٤) في عدم اشتراط العدالة، وتمامية (٥) في السلم والمساقاة (٦) وبيع الغائب، فإِن [في] (٧) منعها مشقة على الناس، وهي من تتمات معايشهم (٨)). ش: هذا مثال آخر لاجتماع المراتب الثلاث، وهي: الضرورة، والحاجة، والتتمة. وذلك أن دفع المشقة باعتبار تأثيرها في الترخيص، قد يكون ضروريًا، وقد يكون حاجيًا، وقد يكون تتميًا (٩). مثال كونه ضروريًا: البلد الذي ليس فيه عدول بل عمه الفسق، فإن عموم الفسق للبلد وصف مناسب [لجواز] (١٠) قبول (١١) شهادة غير العدل (١٢)، وقبول شهادة غير العدل (١٢) حكم مرتب على الفسق (١٣)، لما فيه من مصلحة،

стр. 2855

وهي صون النفوس والأموال، فقبلت شهادة الفاسق هنا لهذه المصلحة، وإن كان ذلك مخالفًا لقاعدة الشهادة التي هي العدالة، لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١)، وقال أيضًا: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢). وذلك أنه لو كلف شهادة (٣) العدول في البلد (٤) الذي تعذر فيه العدول، لكان ذلك مشقة على النفوس، فقبلت شهادة غير العدول للضرورة، دفعًا لهذه المشقة. وقد نص ابن أبي زيد [﵁ على هذا] (٥) في [كتابه] (٦) النوادر قال (٧): تقبل شهادة أمثلهم حالاً، أي أحسنهم حالاً، وفي بعض تواليفه (٨) قال: [قال] (٩) سحنون: من (١٠) غلب خيره على شره جازت شهادته، سيأتي على الناس زمان لا يوجد فيه عدل رضا. قوله: (وكذلك يلزم [في] (١١) القضاة وولاة (١٢) الأمور)، .............

стр. 2856

هذا (١) مثال آخر للضروري أيضًا، وذلك أن البلد الذي ليس فيه عدل يستحق القضاء، أو يستحق ولاية الأمر، بل عم الفسق أهل البلد كلهم، فإنه يلزم أن يستقضي أحسنهم حالاً، وكذلك يلزم أن يتولى أمرهم أحسنهم (٢) حالاً، فإن عموم الفسق وصف مناسب لجواز استقضاء غير العدل، فاستقضاء غير العدل [حكم] (٣) مرتب على عموم الفسق، لمصلحة، وهي حفظ النفوس والأموال، وكذلك تولية غير العدل. وذلك من باب تغليب أحد الضررين (٤) على الآخر، وذلك أن الضررين (٤) إذا تعارضا فإنه يقدم أقواهما، لأن العمل بالراجح متعين، وذلك أن الضرر الحاصل من عدم قبول الشهادة وعدم نصب القضاء والإمامة لعدم العدالة، أعظم من الضرر الحاصل من قبول الشهادة ونصب القضاة والولاة لعدم العدالة (٥). قوله: (وحاجية في الأوصياء على الخلاف في عدم اشتراط العدالة)، هذا معطوف (٦) على قوله: وهي ضرورية (٧) هذا مثال كون المشقة (٨) حاجية، وذلك أن عموم الفسق وصف مناسب لاستيصاء غير العدل، واستيصاء غير العدل حكم مرتب على عموم الفسق، لمصلحة، وهي دفع (٩) المشقة عن

стр. 2857

النفوس. قال المؤلف في الشرح: قولي: حاجية في الأوصياء، معناه: أن الناس يحتاجون (١) أن يوصوا لغير العدول، وفي منعهم من ذلك مشقة عليهم، وفيه خلاف، ومذهب مالك إنه إنما يشترط (٢) فيه أن يكون مستور الحال فقط (٣). وعلى القول بعدم اشتراط العدالة مع أنها ولاية، والولاية لا بد فيها من العدالة، لكن خولفت هذه القاعدة في عدم/ ٣٠٥/، اشتراط العدالة في الأوصياء، دفعًا للمشقة الناشئة من الحيلولة بين الإنسان [و] (٤) بين من يريد أن يعتمد (٥) عليه (٦).

стр. 2858

قوله: (وتمامية (١)، في السلم (٢) والمساقاة (٣) (٤) وبيع الغائب)، هذا مثال كون المشقة تتمة. وبيان (٥) ذلك في السلم: أن العجز وصف مناسب لبيع ما ليس عندك، وبيع ما ليس عندك حكم مرتب على هذا الوصف لمصلحة، وهي دفع المشقة عن النفوس. ونقول في المساقاة أيضًا: إن العجز وصف مناسب لجواز إجارة مجهولة، فجواز الإجارة المجهولة حكم مرتب على هذا الوصف لمصلحة، وهي دفع المشقة. [وكذلك نقول في بيع الغائب: فإن العجز وصف مناسب لجواز بيع الغائب، وجواز بيع الغائب حكم مرتب على هذا الوصف لمصلحة، وهي دفع المشقة] (٦) عن النفوس.

стр. 2859

قال المؤلف في الشرح: وكذلك خولفت القواعد في السلم، والمساقاة، وبيع الغائب، والجعالة، والمغارسة (١)، وغير ذلك، لما (٢) فيه [من] (٣) جهالة (٤) وغرر (٥) (٦). وكذلك الصيد لاشتماله على الفضلات، وعدم تسهيل الموت على الحيوانات، فقد خولفت القواعد في هذه الأشياء لتتمة المعاش (٧)، فإن من الناس (٨) من يحتاج في معاشه إلى هذه الأمور، وذلك شرع عام في الكل لعدم الانضباط في مقادير الحاجات (٩). فتقرر بما قررناه: أن الوصف الذي هو المشقة اجتمع فيه أيضًا الثلاثة الأشياء: الضرورة، والحاجة، والتتمة. قوله: (و [هو] (١٠) ينقسم أيضًا (١١) إِلى ما اعتبره الشرع، وإِلى ما ألغاه، وإِلى ما جهل حاله.

стр. 2860

فالأول (١) ينقسم إِلى ما اعتبر (٢) نوعه في نوع الحكم، كاعتبار نوع الإِسكار في نوع التحريم، وإِلى ما اعتبر جنسه [في جنسه] (٣)، كالتعليل بمطلق (٤) المصلحة، كإِقامة الشرب (٥) مقام القذف لأنه مظنته. وإِلى ما اعتبر نوعه في جنسه، كاعتبار الأخوة في التقديم في الميراث، فيقدم (٦) في النكاح، وإِلى ما اعتبر جنسه في نوع الحكم، كإِسقاط الصلاة عن الحائض بالمشقة، فإِن المشقة جنس، وهو (٧) نوع من الرخص. فتأثير النوع في النوع، مقدم على تاثير النوع في الجنس، وتأثير النوع في الجنس مقدم على تأثير الجنس في النوع، وهو مقدم على تأثير الجنس في الجنس. والملغى، نحو المنع من زراعة العنب خشية الخمر. والذي جهل أمره، هو (٨) المصلحة المرسلة، التي نحن (٩) نقول بها، وعند التحقيق هي عامة في المذاهب (١٠)).

стр. 2861

ش: قوله: (وهو ينقسم أيضًا)، يعني المناسب. وذلك أن المؤلف قسم المناسب أولاً باعتبار الضرورة والحاجة والتمام، ثم قسمه ها هنا بالنسبة إلى الاعتبار والإلغاء والإهمال. وذلك أن (١) الوصف المناسب للحكم الشرعي، تارة يعتبره الشرع، وتارة لا يعتبره بل يلغيه ويتركه، وتارة يسكت (٢) عنه ولم يعتبره ولم يلغه (٣)، وسيأتي بيان جميعها. قوله: (فالأول ينقسم إِلى ما اعتبر نوعه في نوع الحكم)، قسم المؤلف الأول من (٤) الأقسام الثلاثة، وهو المناسب المعتبر إلى أربعة أقسام، وهي: النوع في النوع، والجنس في الجنس، والنوع في الجنس، والجنس في

стр. 2862

النوع (١). ولا بد ها هنا من مقدمة بها يفهم كلام المؤلف رحمه الله تعالى، وهي: أن تعلم (٢) أحوال الوصف وأحوال الحكم باعتبار الجنسية والنوعية. فنقول: الوصف من حيث هو وصف هو جنس عال، وتحته مناسب وغير مناسب، ثم المناسب تحته معتبر وغير معتبر، ثم المعتبر تحته مصلحة ومفسدة، ثم المصلحة [أ] (٣) والمفسدة تحتها ضرورة أو حاجة أو تتمة (٤)، فهذه أحوال الوصف. وأما أحوال الحكم فنقول: الحكم من حيث هو حكم هو جنس عال، وتحته طلب وتخيير، ثم الطلب تحته طلب فعل و (٥) طلب ترك، ثم طلب الفعل تحته طلب واجب وطلب مندوب، ثم الواجب [تحته] (٦) عبادي وعادي. ونقول أيضًا في طلب الترك (٧): تحته ترك محرم وترك مكروه، فهذه

стр. 2863

أحوال الحكم (١). وبهذا الطريق تظهر الأجناس العالية والمتوسطة، والأنواع السافلة في الأحكام والأوصاف. وبيان هذا أن نقول: الوصف أعم أحواله كونه وصفًا، وأخص منه كونه مناسبًا، وأخص منه كونه معتبرًا، وأخص منه كونه مصلحة أو مفسدة، وأخص منه كونه مصلحة كذا أو مفسدة كذا، وأخص منه كون المصلحة أو المفسدة من باب الضرورة أو الحاجة أو التتمة. وأما الحكم فأعم أحواله كونه حكمًا، وأخص منه [كونه] (٢) طلبًا أو تخييرًا، وأخص منه كونه إيجابًا أو تحريمًا، وأخص منه كونه إيجاب كذا أو تحريم كذا. فإذا تحققت هذه المقدمة (٣) سهل عليك فهم كلام المؤلف. قوله: (فالأول ينقسم إِلى ما اعتبر نوعه في نوع الحكم (٤) كاعتبار نوع الإِسكار في نوع التحريم)، هذا مثال تأثير النوع في النوع (٥)، اعتبر نوع

стр. 2864

الوصف (١) الذي هو الإسكار، في نوع الحكم الذي [هو] (٢) التحريم. وإنما قلنا: الإسكار نوع، لأنه تحت المفسدة، وهو نوع من أنواع المفسدة؛ لأن المفسدة جنس تحتوي على الإسكار وغيره من [سائر] (٣) أنواع المفسدة (٤). وإنما قلنا: التحريم نوع، لأنه تحت الطلب، لأن الطلب جنس يحتوي على التحريم وغيره من أنواع الطلب. فقد اعتبر ها هنا النوع في النوع. قوله: (وإِلى ما اعتبر جنسه في جنسه كالتعليل بمطلق المصلحة، كإِقامة الشرب مقام القذف لأنه مظنته (٥))، هذا مثال تأثير الجنس في الجنس (٦)، معناه: كالتعليل/ ٣٠٦/ بمطلق المصلحة في مطلق الحكم، أي كالتعليل بجنس المصلحة في جنس الحكم. وذلك أن شرب الخمر جنس الوصف، والحد جنس الحكم.

стр. 2865

وذلك أن علي بن أبي طالب ﵁ سئل عن [حد] (١) شارب الخمر، فقال: أراه إذا شرب سكر، وإذا سكر [هذى] (٢)، وإذا هذى افترى، فأرى عليه حد المفتري، فأخذ ﵁ مطلق المناسبة والمظنة، لأن الشرب مظنة القذف. قوله: (وإِلى ما اعتبر نوعه في جنسه، كاعتبار الأخوة في التقديم في الميراث فيقدم في النكاح)، هذا مثال تأثير النوع في الجنس (٣). وذلك أن الأخوة نوع من الأوصاف، لأن النسب جنس للأخوة، والتقديم جنس من الأحكام، لأنه يحتوي على التقديم في الميراث، وعلى التقديم في النكاح، وعلى التقديم في صلاة (٤) الجنازة. فيقدم الإخوة مطلقًا في الأبواب الثلاثة قياسًا للنكاح والجنازة على الميراث. قوله: (وإِلى ما اعتبر جنسه في نوع الحكم، كإِسقاط الصلاة عن (٥) الحائض بالمشقة، فإِن المشقة جنس، وهو نوع من الرخص). هذا مثال تأثير الجنس في النوع (٦)، وذلك أن المشقة جنس؛ لأنها متنوعة

стр. 2866

إلى مشقة الصلاة وإلى مشقة الصيام و [إلى] (١) غير ذلك من أنواع المشاق، فمطلق المشقة جنس، وإسقاط الصلاة عن (٢) الحائض نوع من الأحكام والإسقاطات والرخص (٣). قوله: (فتأثير النوع في النوع مقدم على تأثير النوع في الجنس)، لما ذكر أقسام المناسب الأربعة أراد [ها] (٤) هنا أن يبين أحكام تلك الأقسام فيما إذا تعارضت. فذكر ها هنا أولاً أن تأثير النوع في النوع مقدم على الجميع، أي مقدم على الأقسام الثلاثة (٥)، وهي: تأثير النوع في الجنس، وتأثير الجنس في النوع، وتأثير الجنس في الجنس (٦). وإنما قدم تأثير النوع في النوع على الجميع لوجود الخصوصين فيه، أعني خصوص الوصف، وخصوص الحكم، بخلاف غيره من الأقسام الثلاثة الباقية إذ ليس في قسمين منها (٧) إلا خصوص واحد، وهما النوع في الجنس؛ والجنس (٨) في النوع، وليس في القسم الثالث خصوص أصلاً، وهو الجنس في

стр. 2867

الجنس، فلأجل هذا قدم النوع في النوع على الجميع لوجود (١) الخصوصين فيه؛ إذ الأخص بالشيء مقدم على غيره أبدًا (٢). ولأجل هذه القاعدة قدمت البنوة في الميراث على الأخوة، وقدمت الأخوة على (٣) العمومة. ولذلك قدم النجس على الحرير [في الصلاة] (٤) من حيث المنع؛ لأن النجس أخص بالصلاة من الحرير، فإن منع الحرير لا يختص بالصلاة، فكان (٥) تحريم النجس (٦) أقوى من تحريم الحرير؛ لاختصاص منع النجس بالصلاة على الخلاف فيه. وكذلك المحرم إذا لم يجد إلا ميتة وصيدًا، فإنه يأكل الميتة دون الصيد (٧)،

стр. 2868

لأن تحريم الصيد خاص بالإحرام، بخلاف تحريم الميتة فإنه عام للإحرام وغيره. فالقاعدة (١) أن الأخص أبدًا مقدم على الأعم (٢). ومعنى قولنا: يقدم الصيد على الميتة، أي يقدم عليه في المنع والترك، أي يقدم تحريم الصيد على تحريم الميتة، أي فيترك الصيد. وكذلك قولنا: يقدم النجس على الحرير في الصلاة، أي يترك النجس ويصلى بالحرير؛ لأن ضرورة (٣) الأخص أشد وأقوى من ضرورة (٣) الأعم. قوله: (فتأثير النوع في النوع مقدم على تأثير النوع في الجنس) يعني إذا تعارضا، أي [إذا] (٤) تعارض التأثيران. مثاله: إذا لم يجد العريان إلا ثوب الحرير وثوب النجس، فإنه يترك النجس ويصلي بالحرير، وإنما يقدم تحريم النجس (٥) ها هنا على تحريم الحرير؛ لأن تحريم النجس فيه تأثير النوع في النوع، بخلاف تحريم الحرير فهو تأثير النوع في الجنس. وبيان ذلك أن لبس (٦) الثوب النجس نوع من الوصف؛ لأن لبس الثوب أعم من النجس والطاهر، فلبس (٧) النجس إذًا أخص من ذلك، ثم تحريم

стр. 2869

لباسه في الصلاة نوع من الحكم؛ لأن لبس النجس أعم من كونه في داخل الصلاة أو في خارجها، فصار تحريم [لبس] (١) النجس في الصلاة إذًا أخص من تحريمه (٢) مطلقًا في الصلاة وفي خارجها. فقد ظهر لك بهذا (٣) التقرير أن لبس النجس في الصلاة فيه تأثير النوع في النوع. ونقول في الحرير: إن لبس الحرير نوع من الوصف؛ لأن لبس الثوب أعم من الحرير وغيره، فصار لبس الحرير إذًا أخص من ذلك. ثم تحريم لباسه أعم من كونه في الصلاة أو [في] (٤) غيرها. فقد ظهر لك بهذا [التقرير] (٥) أن لبس (٦) الحرير فيه تأثير النوع في الجنس، فلبس الحرير وصف مناسب لتحريمه مطلقًا في الصلاة وفي غيرها، ولبس النجس وصف مناسب لتحريمه في الصلاة خاصة، فيقدم النجس في الترك (٧) ويصلى بالحرير؛ لأن مفسدة النجس خاص بالصلاة ومفسدة الحرير عامة للصلاة وغيرها؛ إذ لا تعلق لها (٨) بخصوص الصلاة، فإن النهي الخاص يقدم

стр. 2870

على النهي العام. هذا هو توجيه القول المشهور بتقديم الحرير في الفعل على النجس، وهو قول ابن القاسم. وقال أصبغ: يصلي بالنجس، ووجهه أن النجس يجوز لباسه في غير الصلاة، فهو أخف من هذا الوجه من الحرير؛ لأن الحرير لا يجوز لباسه في الصلاة (١) ولا في غيرها. قال ابن الحاجب في الفروع: ويستتر العريان بالنجس وبالحرير، على المشهور، ونص ابن القاسم وأشهب في الحرير: يصلي عريانًا، فإن اجتمعا، فالمشهور ابن (٢) القاسم (٣) بالحرير، وأصبغ بالنجس، وخرج في الجميع قولان (٤)، والمذهب: يعيد في الوقت، ولو صلى بالحرير مختارًا عصى، وثالثها: تصح إن كان (٥) ساتر (٦) غيره. انتهى (٧) (٨). قوله: (وتأثير النوع/ ٣٠٧/ في الجنس مقدم على ثأثير الجنس في النوع). ش: اعترض كلام المؤلف ها هنا بكلامه في الباب الثامن عشر في

стр. 2871

التعارض والترجيح في الفصل الخامس منه، لأنه قال فيه: والمناسب الذي اعتبر نوعه في نوع الحكم مقدم على ما اعتبر جنسه في نوعه، ونوعه في جنسه؛ وجنسه في جنسه، لأن الأخص بالشيء أرجح وأولى به (١)، والثاني والثالث متعارضان (٢). فقوله: [و] (٣) الثاني والثالث متعارضان، يعني [أن] (٤) القسمين (٥) وهما: الجنس في النوع، والنوع في الجنس، متعارضان متساويان، لا مزية (٦) لأحدهما على الآخر، فيجب التوقف لعدم الترجيح؛ إذ ليس تقديم خصوص أحدهما على خصوص الآخر (٧) بأولى من العكس، لوجود الخصوص من وجه في كل واحد من النوعين، وذلك مناقض لما قال ها هنا؛ لأن كلامه ها هنا يقتضي تقديم أحد النوعين على الآخر، وكلامه في باب التعارض والترجيح يقتضي تساويها لتعارضهما، فلا يقدم (٨) واحد منهما على الآخر (٩).

стр. 2872

والمنقول (١) عن الأصوليين في هذين النوعين هو التعارض والتساوي، كما قال المؤلف في باب التعارض والترجيح (٢). ووجه التعارض [ظاهر] (٣)، وهو كون [كل] (٤) واحد من النوعين فيه خصوص من وجه واحد؛ إذ في أحد النوعين خصوص الوصف، وفي الآخر خصوص الحكم، فليس تقديم [خصوص] (٥) أحد النوعين على خصوص الآخر بأولى من العكس. ووجه (٦) ما قال المؤلف ها هنا في باب القياس: أن الوصف أصل للحكم؛ لأن الحكم إنما جيء (٧) به لأجل الوصف، والحكم فرع له، وإذا تعارض الأصل مع الفرع قدم الأصل، فخصوص الأصل أولى بالاعتبار (٨)

стр. 2873

[من] (١) خصوص الفرع (٢)، والله أعلم. قوله: (فتأثير النوع [في النوع] (٣) مقدم على تأثير النوع في الجنس)، إلى آخر [هـ] (٤). مثال تقديم النوع في النوع على النوع في الجنس: اختلافهم في نية الوضوء. قال مالك: عبادة بدنية، فتفتقر إلى نية أصله الصلاة (٥). قوله: عبادة بدنية، نوع الوصف. قوله: فتفتقر إلى نية، نوع الحكم. وقال الآخر (٦): طهارة مائية، فلا تفتقر [إلى نية] (٧)، أصله زوال النجاسة. قوله (٨): طهارة مائية، نوع الوصف.

стр. 2874

وقوله: فلا تفتقر إلى نية، جنس الحكم. هذا مثال قوله: فتأثير النوع في النوع مقدم على تأثير النوع في الجنس. ومثال تقديم النوع في الجنس على الجنس في النوع، اختلافهم فيمن دفع الصائل (١) من البهائم عن نفسه، هل يضمن أم لا؟ قال مالك ﵀: هذا دفع الصائل عن النفس، فلا يضمن، أصله الصائل الآدمي (٢). قوله: دفع الصائل عن النفس، نوع الوصف. وقوله: لا يضمن، جنس الحكم. وقال الآخر: هذا إتلاف مال الغير فيضمن، أصله أكل مال الغير في زمان المسغبة. قوله: إتلاف مال الغير، جنس الوصف. وقوله: يضمن، نوع الحكم. هذا مثال قوله: وتأثير النوع في الجنس مقدم على تأثير الجنس في النوع. ومثال تقديم الجنس في النوع على الجنس في الجنس، اختلافهم في

стр. 2875

السلس والدود والحصى، هل يوجب الوضوء أم لا؟ قال الشافعي: هذا حدث فيجب منه الوضوء، أصله الصحيح (١). قوله: حدث، جنس الوصف. وقوله: يجب منه الوضوء، نوع الحكم. ويقول المالكي: هذا مكلف يشق عليه الفعل فيسقط عنه الحكم، أصله لزوم المذي في الصلاة. قوله: (مكلف يشق عليه الفعل، جنس الوصف). وقوله: (يسقط (٢) عنه [الحكم] (٣)، جنس الحكم). هذا مثال (٤) قوله: وهو (٥) مقدم على تأثير الجنس في الجنس. والضمير في قوله: وهو [مقدم على تأثير الجنس في الجنس] (٦)، عائد على تأثير الجنس في النوع، تقديره: وتأثير الجنس في النوع مقدم على تأثير الجنس في الجنس، وسيأتي زيادة بيان لهذا (٧) في الفصل الخامس في ترجيح
следующие страницы →