← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

التعارض والترجيح في الفصل الخامس منه، لأنه قال فيه: والمناسب الذي اعتبر نوعه في نوع الحكم مقدم على ما اعتبر جنسه في نوعه، ونوعه في جنسه؛ وجنسه في جنسه، لأن الأخص بالشيء أرجح وأولى به (١)، والثاني والثالث متعارضان (٢). فقوله: [و] (٣) الثاني والثالث متعارضان، يعني [أن] (٤) القسمين (٥) وهما: الجنس في النوع، والنوع في الجنس، متعارضان متساويان، لا مزية (٦) لأحدهما على الآخر، فيجب التوقف لعدم الترجيح؛ إذ ليس تقديم خصوص أحدهما على خصوص الآخر (٧) بأولى من العكس، لوجود الخصوص من وجه في كل واحد من النوعين، وذلك مناقض لما قال ها هنا؛ لأن كلامه ها هنا يقتضي تقديم أحد النوعين على الآخر، وكلامه في باب التعارض والترجيح يقتضي تساويها لتعارضهما، فلا يقدم (٨) واحد منهما على الآخر (٩).

стр. 2872

والمنقول (١) عن الأصوليين في هذين النوعين هو التعارض والتساوي، كما قال المؤلف في باب التعارض والترجيح (٢). ووجه التعارض [ظاهر] (٣)، وهو كون [كل] (٤) واحد من النوعين فيه خصوص من وجه واحد؛ إذ في أحد النوعين خصوص الوصف، وفي الآخر خصوص الحكم، فليس تقديم [خصوص] (٥) أحد النوعين على خصوص الآخر بأولى من العكس. ووجه (٦) ما قال المؤلف ها هنا في باب القياس: أن الوصف أصل للحكم؛ لأن الحكم إنما جيء (٧) به لأجل الوصف، والحكم فرع له، وإذا تعارض الأصل مع الفرع قدم الأصل، فخصوص الأصل أولى بالاعتبار (٨)

стр. 2873

[من] (١) خصوص الفرع (٢)، والله أعلم. قوله: (فتأثير النوع [في النوع] (٣) مقدم على تأثير النوع في الجنس)، إلى آخر [هـ] (٤). مثال تقديم النوع في النوع على النوع في الجنس: اختلافهم في نية الوضوء. قال مالك: عبادة بدنية، فتفتقر إلى نية أصله الصلاة (٥). قوله: عبادة بدنية، نوع الوصف. قوله: فتفتقر إلى نية، نوع الحكم. وقال الآخر (٦): طهارة مائية، فلا تفتقر [إلى نية] (٧)، أصله زوال النجاسة. قوله (٨): طهارة مائية، نوع الوصف.

стр. 2874

وقوله: فلا تفتقر إلى نية، جنس الحكم. هذا مثال قوله: فتأثير النوع في النوع مقدم على تأثير النوع في الجنس. ومثال تقديم النوع في الجنس على الجنس في النوع، اختلافهم فيمن دفع الصائل (١) من البهائم عن نفسه، هل يضمن أم لا؟ قال مالك ﵀: هذا دفع الصائل عن النفس، فلا يضمن، أصله الصائل الآدمي (٢). قوله: دفع الصائل عن النفس، نوع الوصف. وقوله: لا يضمن، جنس الحكم. وقال الآخر: هذا إتلاف مال الغير فيضمن، أصله أكل مال الغير في زمان المسغبة. قوله: إتلاف مال الغير، جنس الوصف. وقوله: يضمن، نوع الحكم. هذا مثال قوله: وتأثير النوع في الجنس مقدم على تأثير الجنس في النوع. ومثال تقديم الجنس في النوع على الجنس في الجنس، اختلافهم في

стр. 2875

السلس والدود والحصى، هل يوجب الوضوء أم لا؟ قال الشافعي: هذا حدث فيجب منه الوضوء، أصله الصحيح (١). قوله: حدث، جنس الوصف. وقوله: يجب منه الوضوء، نوع الحكم. ويقول المالكي: هذا مكلف يشق عليه الفعل فيسقط عنه الحكم، أصله لزوم المذي في الصلاة. قوله: (مكلف يشق عليه الفعل، جنس الوصف). وقوله: (يسقط (٢) عنه [الحكم] (٣)، جنس الحكم). هذا مثال (٤) قوله: وهو (٥) مقدم على تأثير الجنس في الجنس. والضمير في قوله: وهو [مقدم على تأثير الجنس في الجنس] (٦)، عائد على تأثير الجنس في النوع، تقديره: وتأثير الجنس في النوع مقدم على تأثير الجنس في الجنس، وسيأتي زيادة بيان لهذا (٧) في الفصل الخامس في ترجيح

стр. 2876

طرق العلل (١)، في الباب الثامن عشر [في التعارض والترجيح] (٢) (٣). قوله: (والملغى (٤)، نحو المنع من زراعة العنب خشية الخمر). ش: هذا [هو] (٥) القسم الثاني من أقسام الوصف المناسب، وهو [المناسب] (٦) الملغى (٧)، وهذا راجع إلى قوله: وهو ينقسم أيضًا إلى ما اعتبره الشرع، وإلى ما ألغاه، وإلى ما جهل حاله، فلما فرغ المؤلف من بيان المناسب المعتبر، شرع هنا في بيان المناسب الملغى. مثاله: المنع من زراعة العنب خشية الخمر. وكذلك مجاورة الرجال مع النساء [الأجنبيات في الدار الواحدة. فإن المناسبة تقتضي ألا يزرع العنب سدًا لذريعة الخمر. والمناسبة تقتضي ألا يسكن الرجال مع النساء] (٨) في الدار الواحدة سدًا لذريعة الزنا.

стр. 2877

ولكن [أجمع] (١) المسلمون على جواز زراعة العنب، وعلى جواز سكنى الرجال مع النساء في الدار الواحدة. فقد أجمعوا (٢) على إلغاء المناسب (٣) ها هنا (٤). قوله: (والذي جهل أمره، هو المصلحة المرسلة، التي نحن نقول [بها] (٥)، وعند التحقيق هي (٦) عامة في المذاهب) (٧). ش: هذا (٨) القسم الثالث من أقسام المناسب الثلاثة، وهو المعبر (٩) عنه بالمصلحة المرسلة (١٠)، وإنما سمي هذا بالمصلحة المرسلة لأن الشرع أهملها، لم يشهد لها باعتبارها ولا بإلغائها، بل سكت عنها جملة. [وهي] (١١) مأخوذة (١٢) من الإرسال الذي هو الإهمال.

стр. 2878

ومعنى المصلحة المرسلة، [أي] (١) المناسبة المهملة. وقال بها مالك ﵁، وأنكرها جمهور العلماء (٢). وسبب الخلاف تعارض أصلين (٣)، أحدهما: أن الأصل ألا يعتبر إلا ما اعتبره الشرع، والثاني: أن الأصل اعتبار المصلحة في الجملة (٤). فمن نظر إلى الأصل الأول، / ٣٠٨/ قال: لا تعتبر المصلحة المرسلة؛ لأن الشرع لم يعتبرها. ومن نظر إلى الأصل الثاني، قال باعتبار المصلحة المرسلة؛ لأن الشرع اعتبر المصلحة من حيث الجملة (٥).

стр. 2879

قال المؤلف في شرحه: والمنقول عن العلماء أن المصلحة المرسلة خاصة بمذهبنا، وليس الأمر كذلك، بل هي عامة (١) للمذاهب، فإنا إذا وجدناهم قاسوا أو جمعوا [أو] (٢) فرقوا، فلا يطلبون شاهدًا بالاعتبار، بل يعتمدون على مجرد المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة التي نقول بها، فهي إذًا عامة للمذاهب، فإن المصلحة المرسلة، أخص من مطلق المصلحة، لأن المرسلة مصلحة بقيد السكوت عنها، والمصلحة المطلقة (٣) أعم، لأنها تكون معتبرة وملغاة ومرسلة (٤) (٥)، فكل مرسلة مصلحة، وليس كل مصلحة مرسلة (٦). ويدل على اعتبار المصلحة المرسلة: قول عمر بن عبد العزيز ﵀: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور"، وفي رواية: "من الفجار (٧) " (٨) أي من ..........................................

стр. 2880

أعمال (١) الفجار على حذف المضاف في هذه الرواية، وكان عمر بن عبد العزيز يحلف الناس بلا خلطة (٢) (٣)، فقيل له في ذلك فقال: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور". وقال ابن أبي زيد في النوادر: كان سحنون يقبل الوكيل من الطالب ولا يقبله من المطلوب، فقيل له: لم فعلت ذلك [مع] (٤) أن مالكًا (٥) يقبل الوكيل من الطالب والمطلوب؟ فقال: قال عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور.

стр. 2881

وقد قيل لابن وضاح (١): كان عاصم (٢) يحلف الناس بالطلاق، فقال: أخذ ذلك من قول عمر بن عبد العزيز: يحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور (٣). ولأجل هذا قال التونسي: يجوز التحليف في المصحف إذا علم الارتداع به (٤).

стр. 2882

قال المؤلف في شرحه (١): والدليل على العمل بالمصلحة المرسلة: أن الصحابة رضوان الله عليهم عملوا أمورًا بمطلق [المصلحة] (٢)، نحو: كتابة القرآن في المصحف، كما فعله عثمان ﵁ (٣)، وكالعهد بالولاية، كما فعله أَبو بكر (٤) ﵁ (٥) (٦)، وكاتخاذ (٧) السكة للمسلمين (٨)، واتخاذ

стр. 2883

السجن (١)، كما فعله عمر ﵁، وكهدم الأوقاف لتوسعة المسجد، كما فعله عثمان بمسجد النبي ﵇ (٢)، وكجعل أذان الجمعة في السوق (٣) ثم

стр. 2884

نقله هشام (١) إلى المسجد، وغير ذلك. قوله: (الرابع الشبه، قال القاضي أَبو بكر: هو (٢) الوصف الذي لا يناسب [بذاته (٣) ويستلزم المناسب] (٤) لذاته، وقد شهد الشرع لتأثير جنسه القريب في جنس الحكم القريب. والشبه يقع في الحكم، كشبه (٥) العبد المقتول بالحر، [أ] (٦) وشبهه بسائر المملوكات، وعند ابن علية (٧) يقع الشبه في الصورة، كرد الجلسة الثانية إِلى (٨)

стр. 2885

الأولى في الحكم، وعند الإِمام التسوية، بين الأمرين إِذا غلب على الظن أنه مستلزم للحكم (١))، و [هو] (٢) ليس بحجة عند القاضي منا). ش: تكلم المؤلف ها هنا على الوصف الرابع من الأوصاف الثمانية الدالة على العلة وهو الشبه (٣). ذكر المؤلف حقيقته وأقسامه وحكمه. أما حقيقته: فهو (٤) الوصف الذي لا يناسب بذاته ويستلزم المناسب لذاته، كما قاله القاضي أَبو بكر (٥).

стр. 2886

مثال ذلك: قولنا: الخل مائع لا تبنى القنطرة على جنسه في العادة، وما لا تبنى القنطرة على جنسه فلا تزال به النجاسة، قياسًا على الدهن. فقولنا: لا تبنى القنطرة على جنسه، ليس بمناسب (١)، ولكن (٢) مستلزم للمناسب، وهو القلة، وذلك أن القنطرة لا تبنى على المائع القليل، وإنما تبنى على المائع الكثير كالأنهار، فالقلة (٣) مناسبة لعدم مشروعية الطهارة بالمائع المتصف بالقلة، فإن الطهارة شرع عام، [وما هو شرع عام] (٤) يقتضي أن تكون أسبابه عامة الوجود، فإن تكليف الجميع بما لا يجده [إلا] (٥) البعض بعيد عن القواعد (٦).

стр. 2887

قوله: (وقد شهد الشرع لتأثير جنسه القريب في جنس الحكم القريب). أي: وقد اعتبر الشرع أن قلة الماء يؤثر في عدم استعماله في الطهارة، إذا ألجأت الحاجة إلى الماء في السفر مثلاً، فإنه يرجع إلى التيمم، فكذلك تؤثر القلة في عدم استعمال الخل في الطهارة، فكما أن الماء القليل لا يستعمل في الطهارة إذا احتيج إليه، كذلك الخل لا يستعمل في الطهارة، والجامع بينهما القلة. قوله: (جنسه القريب)، أي جنس الوصف القريب من صورة النزاع (١)؛ لأن قلة الماء وصف قريب من الخل لاشتراكه مع الخل في القلة. قوله: (لتأثير (٢) جنسه القريب في جنس الحكم القريب)، فقد اعتبر الشرع في مثالنا [تأثير] (٣) قلة الماء في عدم استعمال الماء للطهارة، فجنس الحكم ها هنا هو عدم الاستعمال للطهارة.

стр. 2888

قوله: (والشبه يقع في الحكم)، هذا (١) بيان أقسام الشبه، وهو [على] (٢) قسمين: شبه في الصورة، وشبه في الحكم (٣). مثال الشبهين معًا (٤): العبد المقتول لأنه شبيه (٥) بالحر في كونه آدميًا، وشبيه بسائر المملوكات في كونه مملوكًا. ففيه إذًا شبهان، فمن غلب عليه الشبه الصوري، وهو كونه آدميًا أوجب فيه القيمة ما لم تزد (٦) على دية الحر، وهو أبو حنيفة، بل قال أَبو حنيفة: لا بد أن ينقص دينار من دية الحر إذا بلغتها قيمة (٧) العبد (٨). ومن غلب عليه الشبه الحكمي، وهو الشبه الشرعي، وهو كونه مملوكًا، أوجب فيه القيمة بالغة ما بلغت، وهو مالك والشافعي (٩).

стр. 2889

قوله: (والشبه يقع في الحكم)، أي وفي الصورة. قوله: (كشبه العبد المقتول بالحر)، هذا عند أبي (١) حنيفة، لأنه قال: العبد/ ٣٠٩/ آدمي، فالواجب في قتله القيمة ما لم تزد على دية الحر، قياسًا على الحر. قوله: (أو شبهه بسائر المملوكات)، هذا (٢) عند مالك والشافعي، لأنهما قالا: العبد مملوك (٣)، فالواجب في قتله القيمة ولو زادت على الدية، قياسًا على سائر المملوكات. قوله: (وعند ابن علية يقع الشبه في الصورة، كرد الجلسة الثانية إِلى الأولى في الحكم (٤)) , [أي] (٥) قال ابن علية: تقاس الجلسة الثانية على الجلسة الأولى فتكونان سنتين لمشابهتهما (٦) في الصورة. قوله: (وعند الإِمام للتسوية [بين] (٧) الأمرين (٨) إِذا غلب على الظن أنه مستلزم للحكم (٩)، وهو ليس بحجة عند القاضي منا) (١٠).

стр. 2890

هذا بيان حكم الشبه، وذلك أن العلماء اختلفوا في قياس الشبه، هل هو حجة أم [لا]؟ (١). على ثلاثة أقوال؛ قيل: حجة، وقيل: ليس بحجة، وقيل: قياس الحكم حجة دون قياس الصورة (٢). والمراد بالأمرين في قوله: التسوية بين الأمرين: الشبهان (٣)؛ الصوري والحكمي (٤) إذا غلب على الظن أن [الشبه] (٥) مستلزم للحكم، أي إذا غلب على الظن أن الشبه علة الحكم أو مستلزم لعلة الحكم، فإنه يجب كونه علة، سواء كان صورة، أو حكمًا، أو غير ذلك، عملاً بموجب الظن. حجة القول بأنه حجة: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٦)، والشبه نوع من الاعتبار، فوجب (٧) اندراجه في دليل الاعتبار.

стр. 2891

وقوله ﵇: "نحن نحكم بالظاهر والله متولي السرائر"، والشبه ظاهر لأنه يفيد الظن، فوجب (١) اندراجه في دليل الظاهر. وقول معاذ: أجتهد رأيي (٢)، والشبه من الاجتهاد، فوجب (١) اندراجه في دليل الاجتهاد. حجة القول بأنه ليس بحجة، كما قال القاضي: أن الأصل ألا يعمل بالظن (٣) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٤)، خالفناه في قياس المناسبة، فيبقى قياس الشبه (٥) على مقتضى الدليل (٦). حجة القول بأن قياس الشبه الشرعي حجة دون الصوري (٧): أن الشرعي (٨) أولى من غيره بالاعتبار. وهذا الخلاف كله [إنما هو] (٩) فيما إذا عدم قياس العلة (١٠)، وكذلك

стр. 2892

إذ [ا] (١) كان الفرع تجاذباه (٢) أصلان، وكان الفرع أقوى شبهًا بأحدهما، فإن الأقوى شبهًا يقدم على الآخر باتفاق، عملاً بالراجح. وإنما محل النزاع ما عدا هاتين الصورتين (٣) (٤). قوله: ([الخامس] (٥): الدوران، وهو عبارة عن اقتران ثبوت الحكم مع ثبوت الوصف، وعدمه مع عدمه، وفيه خلاف. والأكثرون (٦) من أصحابنا وغيرهم يقولون بكونه حجة). ش: هذا هو الوصف الخامس من الثمانية الدالة على العلة، وهو المعبر (٧) عنه بالدوران، ويعبر عنه أيضًا بالطرد والعكس (٨)، وبالاطراد (٩)

стр. 2893

والانعكاس (١) (٢). ومعناه: اقتران الوجود بالوجود، والعدم بالعدم، أي إذا وجد الوصف وجد الحكم، وإذا عدم عدم (٣). مثاله: الإسكار مع التحريم، فإن التحريم يدور مع الإسكار وجودًا وعدمًا، إذا وجد الإسكار وجد التحريم، وإذا عدم الإسكار عدم التحريم. فإن عصير العنب قبل الشدة [ليس بمسكر، فليس بحرام، فقد اقترن العدم بالعدم، وإذا صار مسكرًا صار حرامًا، فقد اقترن الوجود بالوجود، وإذا تخلل صار] (٤) ليس مسكرًا ولا حرامًا، فقد دار التحريم مع الإسكار وجودًا وعدمًا (٥). إلا أن الفقهاء ذكروا في الخمر إذا تخلل التفصيل بين أن يكون ذلك بغير معالجة فهو حلال باتفاق، وإن كان ذلك بمعالجة [ففيه] (٦) قولان (٧): قيل:

стр. 2894

حرام، وقيل: حلال (١). سببهما: انقلاب الأعيان، هل له تأثير في الأحكام أم لا؟ (٢) (٣). قوله: (اقتران ثبوت الحكم مع ثبوت الوصف، وعدمه مع عدمه)، قد يكون ذلك في صورة واحدة كما تقدم في عصير العنب، وقد يكون ذلك في صورتين (٤). مثاله: أن ندعي وجوب الزكاة في الحلي المتخذ للاستعمال المباح (٥)،

стр. 2895

فنقول: الموجب (١) لوجود (٢) الزكاة في النقدين كونهما أحد الحجرين؛ لأن وجوب الزكاة دار مع كونهما أحد الحجرين وجودًا وعدمًا. أما وجودًا: ففي صورة المسكوك، فإنه أحد الحجرين، فالزكاة واجبة فيه. وأما عدمًا: ففي صورة العقار، فإنه ليس أحد الحجرين، فلا تجب الزكاة فيه، إلا أنه في الصورة الواحدة أرجح منه في الصورتين؛ لأن انتفاء الحكم بعد ثبوته [في] (٣) الصورة (٤) الواحدة يقتضي أنه ليس معه ما يقتضيه في تلك الصورة وإلا لثبت فيها، وأما انتفاء الحكم من صورة أخرى فيمكن أن يقال: موجب الحكم في صورة الثبوت غير الوصف المدعى علة (٥)، وإن الوصف المدعى علة (٦) لو فرض انتفاؤه لثبت الحكم بوصف آخر، فلم يتعين ها هنا عدم اعتبار [غير] (٧) هـ، بخلاف الصورة الواحدة (٨). قوله: (وفيه خلاف (٩) والأكثرون من أصحابنا وغيرهم يقولون بكونه حجة). واختلف الأصوليون في الدوران على أربعة أقوال:

стр. 2896

قيل: يفيد العلة قطعًا (١)، وقيل: يفيدها ظنًا (٢). وقيل: إن تكرر كثيرًا أفادها قطعًا، وإلا أفادها ظنًا (٣). والقول الرابع: لا يفيدها مطلقًا؛ لا قطعًا ولا ظنًا (٤). حجة الأكثرين القائلين بأن الدوران حجة: أن اقتران الوجود بالوجود والعدم بالعدم يغلب على الظن أن المدار علة (٥) للدائر، بل يحصل القطع بذلك في بعض الصور. وذلك أن من ناديناه باسم فغضب، ثم سكتنا عنه فزال غضبه، ثم ناديناه بذلك الاسم فغضب، ثم سكتنا عنه فزال غضبه، ثم ناديناه [به] (٦) فغضب، ثم كذلك مرارًا كثيرة (٧)، حصل لنا الظن الغالب، [أو] (٨) القطع الجازم أن علة غضبه هو (٩) نداؤه بذلك الاسم (١٠)، ولذلك جزم الأطباء/ ٣١٠/ بكثير من

стр. 2897

الأدوية المسهلة والقابضة، والمبردات (١) والمسخنات، وغيرها، بسبب وجود تلك [الآثار عند وجود تلك] (٢) العقاقير (٣)، وعدمها [عند عدمها] (٤). فالدوران أصل كبير من أصول الدنيا والآخرة، [فإذا وجدناه بين الوصف] (٥) والحكم، جزمنا بعلة الوصف للحكم (٦). قال إمام الحرمين في البرهان: الدوران أقوى ما تثبت به العلة (٧). حجة القول بأن الدوران ليس بحجة: أن بعض الدورانات (٨) ليس بحجة، فوجب أن يكون الجميع ليس بحجة، وذلك كالجوهر مع العرض، وكحركات الأفلاك مع الكواكب، فإن كل واحد منهما يدور مع الآخر وليس أحدهما علة للآخر، فوجب أن يكون الجميع ليس بحجة إلا ما وقع الاتفاق عليه. أجيب عنه: بأن القول بكون الدوران حجة، مشروط بألا يجزم بعدم عليته (٩) والموصوف بهذه الصفة لم يوجد في صورة النقض، فلا يرد النقض (١٠).

стр. 2898

[قوله] (١): (السادس: السبر والتقسيم، وهو أن تقول (٢): إِما أن يكون الحكم معللاً بكذا أو بكذا [أو بكذا] (٣)، والكل (٤) باطل إِلا كذا فيتعين). ش: هذا هو الوصف السادس من الثمانية الدالة على العلة، وهو السبر والتقسيم (٥). والسبر في اللغة معناه: الاختبار، ومنه المسبار لما يختبر به الجرح طولاً وعرضًا، ومنه قول العرب: هذه القضية يسبر بها غور العقل (٦). قال المؤلف: والأولى أن يقال (٧): التقسيم والسبر، بتقديم التقسيم على السبر، لأنا نقسم أولاً، ثم نسبر تلك الأقسام ثانيًا (٨)، ولكن إنما قدموا (٩)

стр. 2899

السبر في اللفظ على التقسيم؛ لأن السبر هو القصد (١)، والتقسيم وسيلة إلى السبر، فالمقصد (٢) أهم من الوسيلة، فإن شأن العرب [تقديم] (٣) الأهم والأفضل (٤). وهذا الوصف الذي هو السبر والتقسيم (٥)، حجة [عند الأكثرين] (٦). والدليل على (٧) كونه حجة أصلان: أحدهما: أن الأصل في الأحكام التعليل، فمهما أمكن أن يكون الحكم معللاً فلا يجعل تعبدًا (٨). والأصل الثاني: أنه مهما أمكن إضافة الحكم إلى المناسب فلا يضاف إلى غيره، ولم نجد ها هنا مناسبًا (٩) إلا ما بقي بعد السبر، فوجب كونه علة عملاً بهذين الأصلين (١٠). حجة القول بأنه ليس بحجة: أن إبطال ما بطل من المعاني لا يلزم (١١) منه

стр. 2900

صحة (١) ما بقي، لاحتمال بطلانه في نفسه، أو تكون للحكم علة أخرى (٢). مثال ذلك: سارق الكفن [من القبر] (٣)، قال مالك: يقطع (٤)، وقال أَبو حنيفة: [لا يقطع] (٥) (٦). فيقول المالكي: سقوط القطع لا يخلو إما لعدم الملك، وإما لعدم الحرز، وإما لعدم الخصومة، فلا يصح أن يقال: لعدم الملك؛ لأن الملك ثابت إما للميت وإما للورثة، ولا يصح أن يقال: لعدم الحرز؛ لأن حقيقة الحرز ما لا يعد الواضع فيه [في العرف] (٧) مضيعًا للمال، فإن من كفن ميتًا ودفنه وسد قبره فلا ينسب إلى ضياعه في العرف، فإن القبر حرز للميت ولكفنه، ولا يصح أن يقال لعدم الخصومة فيه؛ لأن الخصومة فيه ثابتة إما للورثة وإما للإمام، فإذا انتفت أسباب السقوط تعين القطع. قوله: (السابع: الطرد، وهو عبارة عن اقتران الحكم بسائر (٨) صور الوصف، وليس (٩) مناسبًا ولا مستلزمًا (١٠) للمناسب، وفيه خلاف). ش: [هذا] (١١) هو الوصف السابع من الثمانية الدالة على العلة، وهو

стр. 2901

الطرد (١). ومعناه: اقتران الحكم بجميع صور الوصف، وهو اقتران الوجود بالوجود، وليس مناسبًا ولا مستلزمًا للمناسب؛ لأنه لو كان مناسبًا لكان هو المناسب المتقدم، ولو كان مستلزمًا [للمناسب] (٢) لكان هو الشبه المتقدم، ونحن إنما قصدنا [ها هنا] (٣) إثبات طريق آخر (٤) غير المناسب وغير الشبه، فاقتران الوجود بالوجود طريق مستقل في إثبات العلة (٥)، وفيه قولان: قيل (٦): يدل على العلة، وإليه ذهب القاضي ابن القصار (٧) وجماعة (٨).

стр. 2902

وقيل: لا يدل على العلة، وإليه ذهب [القاضي] (١) أَبو بكر (٢)، وأبو إسحاق الشيرازي (٣) (٤)، وأبو حامد الغزالي (٥)، وغيرهم (٦). مثال ذلك: كما (٧) لو قلنا [علة] (٨) وجوب الزكاة في الحلي من أحد النقدين كونه ذهبًا أو فضة، فإنه ليس بمناسب ولا هو مستلزم للمناسب الذي هو الغنى، فنقول بوجوب الزكاة في الحلي المباح إلحاقًا له بسائر الصور من المسكوك (٩) والمثبور (١٠)، ..............................................

стр. 2903

والغلة (١)، والصحاح (٢)، وغيرها. حجة القول بأنه حجة ودليل، وجهان: أحدهما: أن الأصل في الأحكام التعليل، وليس ها هنا غير هذا الوصف، فوجب كونه علة عملاً بهذا الأصل، نفيًا للتعبد بحسب الإمكان. والوجه الثاني: [أن] (٣) اقتران الحكم بجميع الصور مع انتفاء ما يصلح (٤) للتعليل غير هذا المقترن يغلب على الظن علية ذلك المقترن، والعمل بالراجح متعين (٥). حجة القول بأنه ليس بحجة، أربعة أوجه (٦): أحدها: أن الأصل في الشرائع اعتبار المصالح والمفاسد، فما لم يعلم (٧) فيه تحصيل مصلحة ولا درء مفسدة، وجب ألا يعتبر (٨). الوجه الثاني: أن الصحابة ﵃ إنما نقل عنهم العمل بالمناسب، وأما غير المناسب فلا، فوجب بقاؤه على الأصل في عدم الاعتبار (٩).

стр. 2904

الوجه الثالث: أن العلل الشرعية أمارات (١) نصبها الشرع على الأحكام، فلا تثبت إلا بدلالة (٢) السمع، فلا بد من إقامة الدليل على اعتبارها. الوجه الرابع: أن الطرد راجع إلى السلامة من النقص، ولا يلزم [من] (٣) انتفاء مفسدة خاصة انتفاء جميع المفسدات، وعلى تقدير انتفاء جميع المفسدات فلا يلزم ثبوت الصحة. قوله: (الثامن: تنقيح المناط، وهو إِلغاء الفارق، فيشتركان في الحكم). ش: هذا هو الوصف الثامن الباقي من الثمانية الدالة على العلة، وهو المعبر عنه بتنقيح المناط (٤). تقدم لنا الخلاف في معنى تنقيح المناط (٥)، هل هو إلغاء الفارق؟ قاله الغزالي، أو تعيين (٦) العلة من أوصاف مذكورة، قاله غيره. ومعنى قوله: فيشتركان في الحكم، أي يشترك الأصل والفرع في الحكم لعدم الفارق بينهما.

стр. 2905

والدليل على أن تنقيح المناط حجة على تفسيره بإلغاء الفارق (١): أن الأصل [في] (٢) كل مثلين/ ٣١١/ أن يكون (٣) حكمهما واحد [اً] (٤)، فإذا استوت صورتان ولم يوجد (٥) بينهما فارق، [فإن] (٦) الظن القوي (٧) القريب من القطع يقتضي أنهما متساويتان (٨) في الحكم (٩). مثال ذلك: قياس العبد على الأمة في تشطير الحد الوارد في الأمة [في] (١٠) قوله (١١) تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (١٢)؛ إذ لا فارق يصلح للتعليل بين العبد والأمة. وكذلك قياس الأمة على العبد في التقويم على معتق الشقص؛ لأن النص وارد بلفظ العبد، لقوله ﵇: "من أعتق شركًا له في عبد قوم

стр. 2906

عليه نصيب شريكه". وكذلك قياس بيع الصفة على بيع الرؤية؛ إذ لا فارق بينهما يصلح للتعليل. ***

стр. 2907

الفصل الرابع في الدال على عدم اعتبار العلة ش: هذا الفصل نقيض الفصل الذي قبله. قوله: (وهو خمسة). [ش] (١) جملتها: النقض، وعدم التأثير [والقلب] (٢)، والقول بالموجب (٣)، والفرق (٤)، وهي كلها ظنية.

стр. 2908

والقادح في العلة أعم من كونه (١) ظنيًا أو قطعيًا، فالقطع مخالفته للنص أو الإجماع (٢)، قال القاضي: وكذلك إذا لم يقم دليل (٣) على نصبها فإنه يقطع بفسادها (٤). وكذلك إثباتها بطريق العقل دون اعتبار مور [د] (٥) الشرع، كما يفعله المعتزلة فيما يحل ويحرم عقلاً، فيلحقون الفروع (٦) بالأصول على (٧) قطعية (٨) العقل (٩). قوله: (الأول (١٠): النقض، وهو وجود الوصف بدون الحكم) (١١).

стр. 2909

[ش] (١): قوله: (وجود الوصف بدون الحكم)، يعني في صورة أخرى. مثاله: تعليل وجوب الزكاة بالغنى، فإنه ينتقض بالعقار، فإن فيه الغنى مع عدم الزكاة، فقد وجدنا العلة بدون الحكم. وكما يرد النقض على العلة، فكذلك (٢) يرد على الأدلة والحدود، فإن وجود الدليل بدون المدلول، ووجود الحد بدون المحدود، [نقض عليه (٣). ولا خلاف في أنه قادح في الحد، واختلف في قدحه في العلة والدليل. فقيل: يقدح في العلل والأدلة كما يقدح في الحد (٤)،] (٥) وقيل: لا يقدح. قوله (٦): (وفيه أربعة مذاهب. ثالثها: إن وجد المانع في صورة النقض فلا يقدح، وإِلا قدح. ورابعها: إِن نص عليها لم يقدح، وإِلا قدح). ش: قيل: يقدح مطلقًا، [وقيل: لا يقدح مطلقًا] (٧) وقيل: يقدح إلا أن يوجد المانع في النقض، وقيل: يقدح إلا أن تكون العلة منصوصة (٨).

стр. 2910

ومعنى كون النقض قادحًا، أي يكون دليلاً على [عدم] (١) اعتبار العلة. ومعنى كونه لا يقدح، أي لا يكون دليلاً على عدم اعتبار العلة. مثال هذه الأقوال الأربعة: [أن] (٢) الأمير مثلاً إذا كان يعطي صدقة لكل فقير في كل يوم، وفيهم رجل (٣) لا يعطي له في بعض الأيام، فترك العطاء لهذا الرجل، نقض دال على [أن] (٤) الفقر ليس بعلة للعطاء (٥) فيقدح فيه، وقيل: لا يقدح فيه. والقول الثالث: إن وجد المانع من العطاء (٦) كقلة الأدب مع الأمير، أو كون ذلك الرجل مبتدعًا، فلا يقدح [النقض، وإن لم يوجد مانع فيقدح. والقول الرابع: إن نص الأمير على علة الإعطاء، كقوله: إنما أعطي لهم لأجل فقرهم، فلا يقدح] (٧) النقض في عدم تأثير الفقر، وإن لم ينص على
следующие страницы →