← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

سمع (١) لفظ الدابة عند أهل المغرب (٢) فلا يفهم عندهم إلا أحد هذه الثلاث (٣) دون غيرها إلا بقرينة. وقوله (٤): (والعرفي الخاص (٥) نحو: الجوهر والعرض عند المتكلمين)، أي: الحقيقة الثالثة (٦) وهي العرفية الخاصة، مثلها المؤلف بالجوهر والعرض عند المتكلمين؛ وذلك أن لفظ الجوهر في اللغة موضوع للنفيس من كل شيء ثم نقل في عرف المتكلمين إلى الشيء الذي لا يقبل القسمة، والعرض في اللغة موضوع لكل ما يؤول إلى الفناء وإن دام ما دام (٧)، ومنه قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (٨)، أي: تريدون (٩) ما يزول والله يريد ما لا يزول؛ لأن قوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ فيه حذف مضاف، تقديره: والله يريد دوام (١٠) الآخرة، ثم نقل العرض عند المتكلمين (١١) إلى: المعنى القائم بالذات. و (١٢) قوله: (العرفي الخاص) و (١٣) سمي خاصًا؛ لأجل اختصاصه

стр. 317

بطائفة من العلماء وهم أرباب علم الكلام، بخلاف العرف العام فإنه يعمهم (١) مع غيرهم؛ لأنه يشمل العلماء والعوام. قال المؤلف في الشرح: وبقي من الوضع (٢) قسم ثالث وهو ما يذكره (٣) جماعة من العلماء في قولهم: هل من شرط المجاز الوضع، أو ليس من شرطه؟ قولان. ويريدون بالوضع ها هنا مطلق الاستعمال ولو مرة يسمع من العرب استعمال (٤) ذلك النوع من المجاز فيحصل الشرط، فصار الوضع: جعل اللفظ دليلاً على المعنى أو غلبة (٥) الاستعمال، وأصل الاستعمال (٦). فأقسام الوضع على هذا التفصيل (٧) خمسة: لغوي، وشرعي، وعرفي عام، وعرفي خاص، ومطلق الاستعمال. انتهى نصه (٨). ومعنى كلامه: أن أهل الأصول اختلفوا في المجاز، هي يشترط سماعه عن (٩) العرب في كل صورة، أو يكتفى بظهور العلاقة المعتبرة في التجوز؟

стр. 318

قولان في ذلك (١): فمن اشترط الوضع قال: لا بد من النقل عن العرب. ومن لم يشترط قال: يكتفى بظهور القرينة (٢) المعتبرة، وهذا هو الراجح عندهم (٣). حجة من قال باشتراطه وجهان: أحدهما: أنه لو لم يشترط لجاز تسمية الطويل من الناس نخلة (٤) لوجود العلاقة بينهما [وهي الطول، ولجاز تسمية ثمرة الشجرة شجرة، لوجود الملابسة بينهما] (٥). ولجاز تسمية ظل (٦) الحائط (٧) حائطًا لوجود الملازمة بينهما وذلك كله (٨):

стр. 319

ممنوع. الوجه الثاني: أنه لو لم يشترط الوضع في المجاز بل ظهور العلاقة خاصة لكان ذلك إثبات اللغة بالقياس، وذلك: ممنوع. أجيب عن الأول: أن الأصل الجواز مع وجود العلاقة ما لم يمنع منه مانع، وهو منع أرباب اللغة من ذلك (١)؛ لأن الصور المذكورة منع أرباب اللغة من استعمال المجاز المذكور فيها، قاله سيف الدين (٢). أجيب عن الوجه الثاني: أنه لا نسلم أنه قياس في اللغة، بل هو استقراء عام فهم منه (٣) جواز الإطلاق كرفع الفاعل ونصب المفعول. قوله: (والاستعمال إِطلاق اللفظ وإِرادة عين (٤) مسماه بالحكم وهو: الحقيقة، أو غير مسماه لعلاقة بينهما وهو: المجاز). شرع المؤلف ها هنا في المطلب الثاني من المطالب الثلاثة التي احتوى عليها الفصل [وهو: حقيقة الاستعمال. فقوله: (والاستعمال)، السين والتاء للطلب، أي: طلب عمل اللفظ،

стр. 320

وعمل اللفظ] (١) هو: إفادة (٢) مدلوله. وقوله: (إِطلاق اللفظ)، أي ذكر اللفظ. وقوله: (وإِرادة عين مسماة بالحكم) [أي: مع إرادة عين مسماه] (٣). أي مع قصد ذات مسماه، أي ذكر اللفظ مع قصد الشيء الذي وضع له اللفظ، أي: لم يقصد بذلك اللفظ غير ما وضع له. وقوله: (عين مسماه) أي ذات مسماه. وقوله: (مسماه) يعني: مسماه في عرف التخاطب فتندرج (٤) فيه الحقائق الأربع التي هي: اللغوية، والشرعية، والعرفية العامة، والعرفية الخاصة. قوله (٥): (بالحكم) أي بالكلام، أي: بأنواع الكلام مطلقًا لا فرق بين الخبر والطلب، ولا فرق بين الثبوت والنفي (٦)، ولا فرق بين الاستفهام وغيره. مثال ذلك، قولك: رأيت أسدًا، فإن أردت بالرؤية (٧) الحيوان المفترس فذلك حقيقة، وإن أردت الرجل الشجاع فذلك مجاز، فالحكم في هذا المثال

стр. 321

وهو (١) الرؤية: خبر، وكذلك إذا (٢) قلت: ما رأيت أسدًا، وإذا قلت: اضرب الأسد، أو لا تضرب الأسد، فالحكم في هذين المثالين: طلب، وإذا قلت: هل رأيت الأسد؟ فالحكم في هذا المثال: استفهام، وغير ذلك من أنواع الكلام. وقوله: (أو غير مسماه لعلاقة بينهما وهو: المجاز). هذا هو المعنى الثاني من معنيي الاستعمال وهو: استعمال اللفظ في غير مسماه. [قوله: أو غير مسماه، معطوف على قوله: عين مسماه، أي: إرادة عين مسماه، أو إرادة غير مسماه] (٣). قوله (٤): (أو غير مسماه) يعني في عرف التخاطب، فيندرج فيه (٥) المجازات الأربعة (٦). وقوله: (لعلاقة بينهما وهو: المجاز) أي: لأجل مشابهة بينهما، أي (٧): بين عين المسمى (٨) وغير المسمى، وإنما شرط العلاقة في المجاز: احترازًا من النقل وهو: استعمال اللفظ في غير ما وضع له من غير علاقة بينهما، كاستعمال

стр. 322

لفظ (١) جعفر في الولد، لأن لفظ (٢) جعفر في عرف اللغة اسم للنهر (٣) الصغير (٤) ثم نقل إلى تسمية الولد من غير علاقة بين النهر الصغير والولد. قوله (٥): (العلاقة)، يعني: معتبرة، فحذف (٦) الصفة؛ إذ ليس كل علاقة تعتبر في المجاز كما سيأتي بيانه في الفصل السابع (٧) في الفرق بين الحقيقة والمجاز إن شاء الله (٨). وقوله: (لعلاقة بينهما) يقتضي أن الاستعمال له ثلاثة معان: أحدها: استعمال اللفظ في الحقيقة. الثاني: استعماله في المجاز. الثالث: استعماله في غيرهما وهو: النقل (٩). قوله: [(والاستعمال إِطلاق اللفظ على مسماه فهو: الحقيقة، أو على غير مسماه لعلاقة بينهما (١٠) فهو: المجاز)] (١١).

стр. 323

يؤخذ منه أن اللفظ بعد الوضع وقبل الاستعمال (١): ليس بحقيقة ولا مجاز؛ لأنه لا يعلم أنه حقيقة أو مجاز إلا بعد استعماله، فإن استعمل في موضوعه (٢) فهو: الحقيقة، وإن استعمل في غير ذلك فهو: المجاز. قوله: (والحمل اعتقاد (٣) السامع مراد المتكلم من لفظه، أو ما اشتمل (٤) على مراده (٥)). هذا بيان المطلب الثالث من المطالب الثلاثة التي احتوى عليها الفصل، وهو: حقيقة الحمل في اصطلاحهم، ومعنى كلامه: أن حقيقة الحمل: أن يعتقد سامع لفظ المتكلم أن مراده بلفظه كذا، هذا معنى قوله (٦): (اعتقاد السامع مراد المتكلم من لفظه، أو يعتقد منه ما اشتمل على مراده (٧)). وأتى المؤلف في هذا الحد (٨) بـ "أو" مع أنه لفظ مشترك، ولكن تعين ها هنا أن يكون (٩) للتنويع، كقولك: العدد إما زوج أو فرد، وإنما أتى بقوله: (أو ما اشتمل على مراده) ليندرج (١٠) مذهب الشافعي (١١) تحت الحد.

стр. 324

قوله: (فالمراد كاعتقاد المالكي أن الله سبحانه (١) أراد بالقرء: الطهر والحنفي يقول: إِن الله سبحانه (٢) أراد (٣) الحيض). وذلك أن قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٤)، اختلف مالك، وأبو حنيفة في مراد (٥) الله تعالى (٦) بالقرء. قال مالك: مراده بها الأطهار. و (٧) قال أبو حنيفة: مراده بها الحيض. وإنما اختلفوا في القرء؛ لأنه لفظ مشترك بين الطهر والحيض. ودليل كل واحد منهما (٨) سيأتي في الباب الثاني في معاني الحروف إن شاء الله تعالى (٩) (١٠). قوله (١١): (فالمراد كاعتقاد المالكي ... إِلى آخره) أي: فمثال اعتقاد

стр. 325

السامع (١) مراد المتكلم من لفظه كاعتقاد المالكي أن المراد بالقرء: الطهر، وكاعتقاد الحنفي أن المراد به: الحيض. قال أبو زكريا المسطاسي (٢): اختلف في القرء على خمسة أقوال: قيل: حقيقة في الطهر مجاز في الحيض. [وقيل: بالعكس] (٣). وقيل: حقيقة فيهما فيكون مشتركًا. وقيل: موضوع للقدر المشترك بينهما فيكون متواطئًا. وقيل: موضوع لمجموعهما، كلفظ العجين؛ لأنه (٤) موضوع لمجموع الدقيق والماء، وكلفظ الخبز، فإنه موضوع لمجموع الدقيق والماء والطبخ (٥) (٦). وكلفظ المداد، لمجموع العفص والزاج والماء. ولأجل هذا القول الخامس، قال الزهري (٧): القرء: طهر

стр. 326

وحيض (١) معًا - والزهري (٢) هو من أكابر العلماء و (٣) من العرب الفصحاء - فالقرء على هذا (٤) اسم لمجموعهما (٥). قوله: (والمشتمل (٦) نحو: حمل الشافعي ﵁ اللفظ المشترك على جملة معانيه عند تجرده عن القرائن؛ لاشتماله على مراد المتكلم احتياطًا). معناه: ومثال اعتقاد السامع ما اشتمل على مراد المتكلم وإن (٧) علم أنه لم يرد جميعها: حمل الشافعي اللفظ المشترك على جميع (٨) معانيه إذا لم يكن هناك قرينة تدل على مراد المتكلم، وإنما حمله الشافعي على جميع معانيه

стр. 327

احتياطًا لمراد المتكلم؛ لأنه إذا حمل على جميع (١) معانيه فلا يشك أنه مشتمل على مراد المتكلم. والضمير في قوله: (لاشتماله) يعود على الحمل تقديره: وإنما حمله على جميع معانيه لاشتمال حمله على جميع معانيه على مراد المتكلم. مثال ذلك إذا قال المتكلم: انظر إلى (٢) العين، فإن العين لفظ مشترك (٣) يطلق على المقلة، وعين الركبة، وعين الركية، وعين الميزان، وعين الشمس، ونفس الشيء، وخيار الشيء، وعين الرحى، وغير ذلك (٤). فإذا قال المتكلم: انظر إلى العين فلا يعرف مراده؛ لأن (٥) اللفظ مجمل: فقال الجمهور من العلماء (٦): يجب التوقف حتى يرد البيان فلا يتصرف فيه إلا بدليل يعين أحد مسمياته. وقال الشافعي: يجب حمله على جميع معانيه (٧)، فإنه في المثال المذكور

стр. 328

إذا نظر إلى جميع المعاني التي يطلق عليها اللفظ المشترك فقد حصل (١) مراد المتكلم بلا شك. وقال الجمهور من العلماء: دليل الشافعي الذي هو الاحتياط للمراد ضعيف؛ لأنه قد يحصل أيضًا غير المراد؛ لأنه (٢) إذا قال له مثلاً (٣): انظر إلى العين، فنظر إلى عين زوجته أو إلى ذهبه فربما لا يريد النظر إلى ذلك؛ لأنه قد يسوؤه ذلك ويحزنه. فإن الشافعي (٤) ﵁ راعى جهة من الاحتياط ولم يراعِ (٥) جهة أخرى من الاحتياط، بل الاحتياط التوقف حتى يرد البيان. فالحاصل مما ذكرنا: أن الوضع: سابق، والحمل: لاحق، والاستعمال:

стр. 329

متوسط بينهما (١). قال بعض الشراح: هذا الفصل انفرد المؤلف بتلخيصه [ولم يقع] (٢) في شيء من كتب الأصوليين (٣). وقال بعض الشراح: ليس في هذا الفصل معنى مستقل بنفسه (٤)؛ لأن الوضع والاستعمال من [عوارض الحقيقة] (٥) والمجاز، ولهما فصل خاص بهما، وهو الفصل السابع من الباب الأول. وأما الحمل الذي هو اعتقاد السامع مراد المتكلم من لفظه على مذهب مالك وأبي حنيفة فهو: من باب التأويل، وله باب يذكر فيه وهو الباب الثاني عشر في المجمل والمبين؛ لأنه ذكر هنالك المؤول. وأما الحمل الذي هو اعتقاد السامع ما اشتمل على مراد المتكلم على مذهب الشافعي في اللفظ المشترك، هو: من باب العموم وموضعه باب العموم، فالصواب: الاستغناء عن هذا الفصل، والله أعلم وبالله حسن التوفيق (٦). ...

стр. 330

الفصل الرابع في الدلالة وأقسامها (١) الدلالة بكسر الدال وفتحها، معناها في اللغة: الإرشاد؛ لأنك (٢) تقول: دل فلان فلانًا على كذا إذا أرشده إليه (٣). ومعنى الدلالة في الاصطلاح هي: الإرشاد إلى علم ما لم يعلم من الأحكام (٤). واعلم أن الدلالة على أربعة أقسام (٥):

стр. 331

عقلية، وطبيعية (١)، وعادية، ووضعية. فمثال العقلية: دلالة (٢) اللفظ على وجود اللافظ وإن لم يشاهد، كما إذا سمعت كلامًا من وراء الجدار فإنك تعلم بعقلك أن اللافظ هنالك؛ لاستحالة وجود الفعل بدون الفاعل. ومثال العقلية أيضًا: دلالة البرهان على النتيجة (٣)، كقولنا: العالم متعير، وكل متغير حادث، فالنتيجة: العالم حادث. ومثال الطبيعية (٤): دلالة "أح" بالحاء المهملة على الوجع، وكذلك (٥) "أخ" بالخاء المعجمة على داء الصدر. ومثال العادية: دلالة الصياح على الخوف. ومثال الوضعية: دلالة اللفظ على مسماه، كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق، وكدلالة الأسد على الحيوان الذي يفترس، وكدلالة الفرس على الحيوان الذي يصهل، وغير ذلك من دلالة الأسماء على مسمياتها. وهذه الدلالات (٦) الأربع المذكورات لم يتعرض المؤلف منها إلا للدلالة (٧) الوضعية خاصة، وهي: دلالة اللفظ على مسماه.

стр. 332

و (١) قوله: (في الدلالة) فيه حذف الصفة، تقديره: في الدلالة الوضعية، أي: في بيان أو حقيقة الدلالة الوضعية. و (٢) قوله: (وأقسامها)، يعنى تجميلاً وتفصيلاً؛ لأن المؤلف قسم الدلالة بالنسبة إلى التجميل إلى قسمين: أحدهما: دلالة اللفظ. والثاني: هو الدلالة باللفظ. وقسم أيضًا الدلالة بالنسبة إلى التفصيل إلى (٣): خمسة أقسام. لأنه قسم دلالة اللفظ إلى ثلاثة أقسام (٤) وهي: المطابقة، والتضمن، والالتزام. وقسم الدلالة باللفظ إلى قسمين وهما: الحقيقة، والمجاز. كما سيأتي بيان (٥) جميع ذلك مع حروف الكتاب [إن شاء الله تعالى (٦)] (٧). فإذا تقرر (٨) هذا فاعلم أن هذا الفصل يحتوي على ثلاثة مطالب:

стр. 333

الأول: في دلالة اللفظ. والثاني: في الدلالة باللفظ. والثالث: في الفرق (١) بين الدلالتين. فقوله: (فدلالة (٢) اللفظ: فهم السامع من كلام المتكلم كمال المسمى، أو جزءه أو لازمه). هذا حقيقة دلالة اللفظ الذي هو المطلب الأول، يعني أن معنى دلالة اللفظ: أن يفهم السامع من اللفظ جميع المعنى الذي وضع له ذلك اللفظ، أو يفهم من اللفظ جزءًا من أجزاء (٣) المعنى الذي وضع (٤) له ذلك (٥) اللفظ، أو يفهم من اللفظ معنى آخر لازمًا للمعنى الذي وضع له ذلك اللفظ. قوله: (كمال المسمى أو جزءه أو لازمه). تقديره: فهم السامع من كلام المتكلم جميع أجزاء المسمى، أو فهم السامع (٦) جزءًا من أجزاء المسمى، أو فهم السامع من كلام المتكلم أمرًا خارجًا من (٧) المسمى لازمًا للمسمى، فهذه ثلاثة (٨) مفهومات.

стр. 334

و (١) مثال ذلك: لفظ (٢) الإنسان، فإذا فهم منه مجموع الحياة والنطق فهو: كمال مسماه، وإذا فهم منه الحياة دون النطق أو فهم منه النطق دون الحياة فهو: جزء مسماه، وإذا فهم منه قبوله للكتابة، أو قبوله للضحك فهو: لازم مسماه. ومثال ذلك أيضًا: لفظ الأسد، إذا فهم منه مجموع الحياة والافتراس فهو: كمال مسماه، وإن (٣) فهم منه أحدهما خاصة فهو: جزء مسماه، وإن فهم منه الشجاعة فهو: لازم مسماه. ومثال ذلك أيضًا: لفظ الفرس، فإن فهم منه (٤) مجموع الحياة والصهولية (٥) فهو: كمال المسمى، وإن فهم منه أحدهما خاصة فهو: جزء مسماه، وإن فهم منه سرعة الجري فهو: لازم مسماه. قوله: (فدلالة اللفظ فهم السامع من كلام المتكلم كمال المسمى أو جزءه أو لازمه). هذا حقيقة دلالة اللفظ على قول.

стр. 335

وقيل: حقيقتها كون اللفظ بحيث (١) إذا أطلق دل. وهذان القولان ذكرهما ابن سيناء (٢). حجة القول الأول: أن اللفظ (٣) إذا حصل منه فهم السامع قيل: هو لفظ دال، وإن لم يحصل منه فهم السامع قيل: هو لفظ لم يدل، فدار إطلاق لفظ الدلالة مع الفهم وجودًا وعدمًا، فيقتضي ذلك: أن الفهم هو: مسمى الدلالة، كدوران لفظ الإنسان مع الحيوان الناطق، وسائر الأسماء مع مسمياتها (٤). وحجة القول الثاني: أن الدلالة صفة للفظ؛ لأنك تقول: لفظ دال،

стр. 336

والفهم: هو صفة للسامع (١) لا للفظ، فيقتضي ذلك: ألا تفسر الدلالة بفهم السامع (٢). واعترض كل واحد من القولين: أما الأول: فقد اعترض عليه بأن قيل: الدلالة صفة للفظ؛ لأنك تقول: لفظ دال، والفهم صفة للسامع (٣)، فأين أحدهما من الآخر؟ وأما القول الثاني: فقد اعترض عليه بأن قيل: فيه تسمية الشيء بما هو قابل له، وذلك مجاز، والحقيقة أولى من المجاز. وذكر (٤) المؤلف في الشرح هذين القولين، وذكر الاعتراضين (٥)، فلما تخيل له الاعتراض عليهما (٦) رجع إلى قول آخر، فقال: والذي أختاره أن دلالة اللفظ إفهام السامع لا فهم (٧) السامع، فيسلم من المجاز، ومن كون صفة الشيء في غيره. انتهى (٨). واعترض بعضهم هذا القول الثالث الذي اختاره المؤلف بأن قال: قوله: (دلالة اللفظ إِفهام السامع لا فهم السامع)، يقتضي ذلك: أنه لا فرق بين دلالة اللفظ والدلالة باللفظ؛ لأن إفهام السامع هو صفة للمتكلم كما كان ذلك في حقيقة الدلالة باللفظ (٩).

стр. 337

قال بعضهم: الأولى من هذه الأقوال الثلاثة المذكورة في حقيقة دلالة اللفظ: هو القول الأول الذي هو: فهم السامع ... إلى آخره. والجواب عن الاعتراض عليه بتفسيره بصفة الشيء في غيره: أن صفة (١) الشيء في غيره لا يضره ذلك، والدليل على ذلك: أن الدلالة بمنزلة الصناعة كالنجارة، والخياطة، والصياغة، ونحوها، بجامع الفعالة بكسر الفاء، فكما يقال للناجر: ناجر، مع أن النجارة في الخشب، ويقالَ للخائط (٢): خائط، مع أن الخياطة في الثوب، ويقال للصائغ: صائغ، مع أن الصياغة في المصوغ، فكذلك يقال للفظ: دال، مع أن (٣) الدلالة في السامع (٤). وقال بعضهم: لا يصح أن يكون هذا صفة الشيء في غيره؛ وذلك أن فهم السامع هو أثر الصفة، لا أنه نفس الصفة، فالدلالة صفة للفظ، ولكن أثرها في السامع، كما أن النجارة، والخياطة، والصياغة في الفاعل الذي هو: الناجر (٥)، أو الخائط (٦)، أو الصائغ (٧)، ولكن أثر هذه المعاني ظاهر في المفعول الذي هو: الخشب أو الثوب أو المصوغ (٨). وأما هذه المعاني التي هي النجارة، والخياطة، والصياغة، فهي أعراض

стр. 338

فانية من ساعتها؛ لأن (١) العرض لا يبقى زمانين، والذي تراه في المفعول هو أثرها لا عينها (٢). قوله: (ولها ثلاثة أنواع: دلالة المطابقة وهي: فهم السامع من كلام المتكلم كمال المسمى، ودلالة التضمن وهي: فهم السامع من كلام المتكلم جزء المسمى، ودلالة الالتزام وهي: فهم السامع من كلام المتكلم لازم المسمى البين، وهو: اللازم في (٣) الذهن). ش: ذكر في هذا الكلام انقسام دلالة اللفظ إلى ثلاثة أقسام. وهي التي ذكرها بالتجميل (٤) في حدها، وأتى بهذا (٥) الكلام ليبين فيه (٦) أسماء تلك الأقسام، فسمي فهم كمال (٧) المسمى: بدلالة المطابقة، لمطابقة (٨) اللفظ معناه وسمي فهم الجزء من المسمى: بدلالة التضمن؛ لأن فهم الجزء يتضمن (٩) فهم الكل (١٠)، وسمي فهم اللازم: بدلالة الالتزام؛ لأن اللازم

стр. 339

يستلزمه الملزوم (١). قوله: (ولها ثلاثة أنواع). ش: والدليل على حصر دلالة اللفظ في هذه الثلاثة: أن مدلول اللفظ إن كان نفس ما وضع له كان مدلولاً عليه بالمطابقة، وإن كان جزءًا مما (٢) وضع له كان مدلولاً عليه بالتضمن، وإن (٣) كان أمرًا لازمًا لما وضع له كان مدلولاً عليه بالالتزام. واعلم أن دلالة المطابقة هي وضعية باتفاق. وأما دلالة التضمن ودلالة الالتزام ففيهما ثلاثة أقوال: قيل: هما وضعيتان. وقيل: هما عقليتان. وقيل: دلالة التضمن وضعية، ودلالة الالتزام عقلية (٤). وإنما كانت دلالة المطابقة وضعية باتفاق؛ لأنها لم تتوقف (٥) إلا على مقدمة واحدة وضعية، وهي قولنا: كلما أطلق اللفظ فهم مسماه.

стр. 340

وإنما وقع الخلاف في دلالتي (١) التضمن والالتزام؛ لأن كل واحدة (٢) منهما متوقفة على مقدمتين (٣): وضعية، وعقلية. فالوضعية: قولنا (٤): كلما أطلق اللفظ: فهم مسماه. والعقلية: هي قولنا: وكلما فهم المسمى (٥): فهم لازمه (٦). فمن غلب المقدمة الأولى في الدلالتين قال: هما وضعيتان. ومن غلب فيهما (٧) المقدمة الثانية قال: هما عقليتان. ومن قال: دلالة التضمن وضعية، ودلالة الالتزام عقلية قال: لأن الدلالة على جزء الشيء كالدلالة على الشيء؛ لأن الجزء داخل في المسمى، بخلاف اللازم فإنه خارج عن المسمى. وقال بعضهم: حجة القول بأنهما وضعيتان: لأنهما (٨) تفهمان بواسطة اللفظ.

стр. 341

وحجة القول بأنهما عقليتان: لأن (١) اللفظ لم يوضع لهما. وحجة القول بالتفصيل: لأن (٢) جزء المسمى داخل في المسمى، ولازم المسمى خارج عن المسمى (٣). قوله: (في دلالة الالتزام لازم المسمى: البين). قوله (٤): (البين) نعت (للازم) (٥) أي: اللازم البين (٦) أي: القريب للفهم وهو اللازم الذي لا يحصل ملزومه في الذهن إلا وهو حاصل معه. وسبب اشتراط اللزوم في الذهن: أن اللفظ إذا استلزم مسماه (لازمه) (٧) في الذهن كان حضور ذلك اللازم في الذهن منسوبًا لذلك اللفظ، فيقال: اللفظ دل عليه (٨) بالالتزام، وأما إذا لم يستلزم (٩) مسمى اللفظ ذلك اللازم في الذهن كان حضور ذلك اللازم منسوبًا لسبب (١٠) آخر [لا للفظ، فلا

стр. 342

يقال] (١): دل عليه اللفظ. [وقوله: (اللازم البين)] (٢) فسره المؤلف بقوله: و (٣) هو اللازم في الذهن، بالذال المعجمة هو العقل: احترازًا من اللازم غير البين، وهو اللازم في الخارج دون الذهن. ويظهر لك بالمثال (٤) الذي ذكره المؤلف: وذلك أن (٥) المؤلف ذكر في الشرح أن الحقائق بالنسبة إلى الملازمة (٦) على أربعة أقسام. أحدها (٧): المتلازمان في الذهن والخارج (٨)، كالسرير مع الارتفاع؛ لأنه لا يتصور السرير في الذهن، ولا يوجد أيضًا في الخارج، إلا مع الارتفاع. والثاني: غير المتلازمين في الذهن والخارج، كالسرير مع زيد، فإن السرير يتصور في الذهن دون تصور زيد؛ وكذلك في الخارج؛ لأنه يوجد السرير بدون زيد، إذ لا ملازمة بينهما.

стр. 343

والثالث: المتلازمان في الذهن دون الخارج (١)، كالسرير مع زيد (٢) بقيد (٣) كونه نجار السرير. الرابع (٤): المتلازمان في الخارج دون الذهن، كالسرير مع المكان، فإن السرير لا يوجد في الخارج إلا مع المكان، وأما في الذهن فلا يلزمه؛ لأنه قد يتصور السرير ويذهل (٥) عن المكان (٦). فقوله (٧): (اللازم في الذهن) يندرج فيه قسمان، ويخرج عنه قسمان: فالمندرجان: هما المتلازمان ذهنًا وخاراجًا، والمتلازمان ذهنًا دون خارج. والخارجان: غير المتلازمين ذهنًا وخارخًا، والمتلازمان خارجًا دون ذهن، فالمعتبر إذًا هو: اللازم ذهنًا وافقه الخارج أم لا. قوله: (فالأول: كفهم مجموع الخمستين هن لفظ العشرة، والثاني:

стр. 344

كفهم الخمسة وحدها من اللفظ، والثالث: كفهم الزوجية (١) من اللفظ). ش: قوله: (فالأول) (٢)، أي: النوع الأول، وهو دلالة المطابقة. مثاله: فهم السامع من لفظ العشرة مجموع خمسة وخمسة؛ لأن مجموعهما موضوع العشرة (٣). وقوله: (والثاني) أي: ومثال النوع الثاني، وهو: دلالة التضمن: فهم السامع من لفظ العشرة خمسة واحدة؛ لأن الخمسة الواحدة جزء العشرة (٤). وقوله: (والثالث)، أي: ومثال النوع الثالث، وهو دلالة الالتزام: فهم السامع من لفظ العشرة الزوجية؛ لأن الزوجية أمر لازم للعشرة. واعترض قوله: (الخمستين) بأن قيل: هذه التثنية لحن؛ لأنه لا يثنى من أسماء (٥) العدد إلا المائة والألف. أجيب: بأن المؤلف لم يقصد بالخمستين التعبير عن لفظ العشرة الزوجية (٦) وإنما مقصوده أن خمسة وخمسة (٧) جزءان تركب (٨) منهما مسمى العشرة، كما تركب مسمى الإنسان من الحيوان والناطق، ففهم مجموع

стр. 345

خمسة وخمسة من لفظ العشرة كفهم مجموع الحيوان والناطق (١) من لفظ الإنسان، ولما اتفق جزءا العشرة اللذان (٢) هما خمسة وخمسة في اللفظ والمعنى: ثناهما المؤلف ﵀. والدليل على ذلك قول المؤلف ﵀ (٣) - في الشرح: الجزء ما تركب منه ومن غيره كل كالخمسة مع العشرة (٤). ولو أراد المؤلف التعبير بذلك عن لفظ العشرة (٥) لقال: خمسة وخمسة كما قال الشاعر: أقمت بها يومًا ويومًا وثالثًا ... ويومًا له يوم الترحل خامس (٦) قوله: (فالأول كفهم مجموع الخمستين من لفظ العشرة) إلى آخره. مثل المؤلف ﵀ (٧) الدلالات (٨) الثلاث ها هنا بلفظ العشرة.

стр. 346

ومثاله أيضًا: لفظ السقف، فإنه (١) موضوع للجسم الكثيف المركب من الخشب والقصب والتراب، فدلالة (٢) السقف على مجموع الخشب والقصب والتراب: دلالة مطابقة، ودلالته على بعضها: دلالة تضمن، ودلالته على الارتفاع (٣) عن الأرض: دلالة التزام (٤)، وكذلك دلالة السقف على الجدار هي (٥): دلالة التزام (٦)؛ لأن ذلك أمر لازم للسقف (٧) (٨). [قوله: (ولها ثلاثة أنواع: المطابقة، والتضمن، والالتزام). حصر المؤلف دلالة اللفظ الوضعية في هذه الثلاثة، مع أن هناك دلالة رابعة وليست بواحدة من هذه الثلاثة، وهي: دلالة العموم على فرد (٩) من أفراده، كدلالة المشركين (١٠) على زيد الكافر، فإنه يدل عليه اللفظ بالوضع وليس (١١) بالمطابقة؛ لأن زيدًا ليس كمال المسمى، وليست بالتضمن؛ لأن

стр. 347

زيدًا ليس جزء المسمى؛ لأن الجزء إنما يقابله الكل ومسمى العموم كلية لا كل، والذي يقابل الكلية هو: الجزئية (١) وليست أيضًا بالالتزام؛ لأن هذا الفرد الذي هو زيد إن كان لازمًا لزم أن يكون كل فرد لازمًا (٢)، فأين (٣) المسمى الذي هو الملزوم حينئذ؟ فبطلت (٤) الدلالات (٥) الثلاث (٦) مع أن الصيغة (٧) تدل بالوضع فما انحصرت دلالات الوضع في الثلاث، هكذا في شرح المؤلف (٨). وهو الظاهر، فلم تنحصر دلالة اللفظ إذن في الثلاثة المذكورة. قال المؤلف في الشرح: هذا سؤال صعب وقد أوردته في شرح المحصول، وأجبت عنه بشيء (٩)، وفي النفس منه شيء (١٠). والجواب المشار إليه أن لفظ العموم هو (١١): موضوع للقدر المشترك بقيد تتبعه في جميع الأفراد، وقيد التتبع في الكل جزء (١٢) التتبع في البعض،

стр. 348

والتضمن أيضًا إنما هو باعتبار جزء هذا الجزء لا باعتبار جزء المسمى (١)] (٢). قوله: (والدلالة باللفظ هي (٣): استعمال اللفظ إِما (٤) في موضوعه (٥) وهو (٦): الحقيقة، أو في غير موضوعه لعلاقة بينهما (٧) وهو: المجاز). ش: هذا هو المطلب الثاني من المطالب الثلاثة (٨) التي اشتمل هذا الفصل عليها، وهو: بيان الدلالة باللفظ. قوله: (والدلالة باللفظ): قال المؤلف في الشرح: الباء في قوله: (باللفظ) للاستعانة؛ لأن المتكلم يستعين بنطقه على إفهام السامع ما في نفسه، كالباء في: كتبت بالقلم، ونجرت بالقدّوم، انتهى (٩). [يعني: أن معنى الدلالة باللفظ هو: أن يدلك المخاطب باللفظ الذي تكلم به على أنه استعمله في حقيقته أو مجازه، ولما لم يكن له طريق إلى تعريفك مراده إلا بواسطة اللفظ، كانت الباء في قوله باللفظ للاستعانة] (١٠).

стр. 349

تقدير كلامه: وحقيقة الدلالة باللفظ هي (١): استعمال اللفظ إما في موضوعه، أي: في مسماه الذي وضع له في اللغة، وهو: الحقيقة، أي (٢): وهو الاستعمال الحقيقي. وأما استعماله في غير مسماه الذي وضع له في اللغة وهو المجاز، بشرط ثبوت العلاقة بين الموضوع الأول وغيره، وهو الاستعمال المجازي. قال المؤلف في الشرح: قولي: أو في غير موضوعه وهو المجاز، يتعين أن يزاد فيه: لعلاقة بينهما، فإن بدونها لا (٣) مجاز يعني: إن (٤) لم تكن علاقة فهو نقل لا مجاز. انتهى (٥). [قوله: (لعلاقة بينهما)، أي لمشابهة بين المعنيين، وفي كلامه حذف صفة تقديره: لعلاقة معتبرة؛ إذ ليس كل علاقة معتبرة، كما سيأتي بيانه في الفصل السابع في الفرق بين الحقيقة والمجاز (٦). قوله] (٧): [(استعمال اللفظ ...) إلى آخره. مثال ذلك: لفظ الأسد فإن أريد به الحيوان المفترس فذلك: حقيقة وضعه، وإن أريد به الرجل الشجاع فذلك: مجاز، والعلاقة بينهما ظاهرة

стр. 350

وهي: الشجاعة] (١). قوله: (والدلالة باللفظ هي: استعمال اللفظ إِما في موضوعه، وهو: الحقيقة، أو في غير موضوعه لعلاقة بينهما وهو: المجاز). هذا التعريف الذي عرف به الدلالة باللفظ: [هو بعينه التعريف الذي عرف به الاستعمال في الفصل الثالث؛ لأنه قال فيه: والاستعمال: إطلاق اللفظ وإرادة عين مسماه بالحكم، وهو: الحقيقة، أو غير مسماه لعلاقة بينهما وهو: المجاز (٢) فاقتضى ذلك أن الدلالة باللفظ] (٣) والاستعمال: حقيقة واحدة. قوله: (والفرق بينهما: أن هذه صفة (٤) للمتكلم (٥)، وألفاظ قائمة باللسان وقصبة الرئة، وتلك صفة للسامع (٦)، وعلم أو ظن قائم بالقلب (٧)، ولهذه نوعان وهما: الحقيقة، والمجاز (٨)، لا يعرضان لتلك، وأنواع تلك الدلالة (٩) ثلاثة لا تعرض لهذه). ش: هذا هو المطلب الثالث وهو بيان الفرق بين دلالة اللفظ والدلالة

стр. 351

باللفظ. فذكر المؤلف في الفرق بينهما (١) ثلاثة فروق: أحدها: أن هذه - يعني الدلالة باللفظ -: صفة للمتكلم؛ لأنها استعمال المتكلم اللفظ (٢)، وأما دلالة اللفظ فهو (٣): صفة للسامع؛ لأنها فهم السامع من كلام المتكلم. وإلى هذا الفرق أشار المؤلف بقوله: إن هذه صفة للمتكلم وتلك صفة للسامع. الفرق (٤) الثاني: أن الدلالة باللفظ هي: ألفاظ قائمة باللسان وقصبة الرئة، أي: عروق الرئة؛ لأنها استعمال اللسان. وأما دلالة اللفظ فهي (٥): علم أو ظن قائم بالقلب، فالدلالة باللفظ لفظية، ودلالة اللفظ اعتقادية. وإلى هذا الفرق (٦) أشار المؤلف بقوله: وألفاظ قائمة باللسان وقصبة الرئة، وعلم أو ظن قائم بالقلب.

стр. 352

وقوله: (وعلم أو ظن) (١) أي: وشك (٢)، وإنما قال: وعلم (٣) أو ظن؛ لأن الإنسان إذا سمع شيئًا فقد يقطع به وقد يظنه. و (٤) قوله: (وألفاظ قائمة باللسان، وقصبة الرئة) هذا إشارة إلى أن النطق أصله الرئة مع اللسان؛ لأن الصوت يحدث من الرئة ثم يقطعه اللسان في المخارج فتحدث (٥) الحروف (٦). قال بعض العلماء: كل حيوان له رئة يصوت برئته، وكل حيوان له جناح يصوت بجناحه بتحريك الهواء بسرعة وخفة، كالنحل والجراد والزنبور، وكل حيوان لا رئة له ولا جناح فهو: أخرس كالسمك ونحوه. قال علي بن أبي طالب (٧) ﵁: الدماغ محل العقل، والكبد محل الضحك، والطحال محل الرحمة، والرئة محل الصوت (٨). [وقد روي عن المؤلف ﵁ أنه أخبره من يوثق به أنه سمع هنا

стр. 353

من رخام أحمر يتكلم ويقول في كلامه: هاتان مدينتان (١) لشداد بن عاد، وقد صار إلى التراب، من ذا (٢) يبقي على الحدثان، وذلك أن ذلك الصنم مغطى كله في الرمال (٣) إلى (٤) رأسه، وفي رأسه (٥) ووسطه ثقب (٦)، فيخرج منها الريح خروجًا شديدًا، فإذا سدت تلك الثقبة بالإصبع انحصر فيها (٧) الريح حتى يمتلئ جوفه بالريح، فإذا رفع الإصبع عن (٨) الثقبة فجعل الريح يخرج وجعل الصنم يقول: هاتان مدينتان ... إلخ فطول في الحدثان (٩) حتى أفرغ (١٠) الريح من جوف الصنم فسكت] (١١). الفرق الثالث: أن أنواع كل واحدة من الدلالتين تختص بها ولا توجد في الدلالة الأخرى، وذلك أن أنواع الدلالة باللفظ وهي الحقيقة والمجاز لا توجد في دلالة اللفظ؛ إذ لا توصف دلالة اللفظ بالحقيقة ولا بالمجاز؛ لأن

стр. 354

معناها عبارة عن كون اللفظ إذا سمع فهم معناه؛ إذ من شرط الحقيقة والمجاز إرادة الاستعمال في موضوعه، أو في غير موضوعه لعلاقة بينهما وذلك منتف في دلالة اللفظ، فلا توصف بالحقيقة ولا بالمجاز، وأنواع دلالة اللفظ التي هي المطابقة والتضمن والالتزام لا توجد أيضًا في الدلالة باللفظ. وإلى هذا الفرق الثالث أشار (١) المؤلف بقوله: ولهذه (٢) نوعان: وهما الحقيقة والمجاز ... إلى آخره. و (٣) قوله: (لا يعرضان)، بكسر (٤) الراء في المستقبل وفتحها في الماضي، نحو ضرب يضرب. قال الهروي: يقال: عرض لي الشيء (٥) وأعرض وتعرض واعترض بمعنى واحد (٦). قال المؤلف في الشرح: و (٧) الفرق بين الدلالة باللفظ ودلالة اللفظ من مهمات مباحث الألفاظ، وقد بينت ها هنا الفرق بينهما من ثلاثة أوجه،

стр. 355

وذكرت في شرح المحصول خمسة عشر وجهًا (١)، وهذه الثلاثة تكفي في هذا المختصر. انتهى (٢). قال (٣) بعضهم: بل ذكر المؤلف ها هنا أربعة فروق وهي: هذه الفروق الثلاثة المذكورة ها هنا، والفرق الرابع هو: الفرق بينهما بالحقيقة؛ لأن حقيقة كل واحدة من الدلالتين مخالفة لحقيقة الأخرى؛ لأن المؤلف بين حقيقة كل (٤) واحدة منهما (٥). قوله: (والفرق بينهما: أن هذه صفة للمتكلم وألفاظ قائمة باللسان وقصبة الرئة، وتلك: صفة للسامع وعلم أو ظن قائم بالقلب). ش: استعمل المؤلف ﵀ في هذه الجملة المقابلة، وهي من أنواع (٦) البديع، وهي من الفصاحة اللفظية. قال صاحب المصباح (٧): ومعنى المقابلة: أن تأتي في الكلام
следующие страницы →