← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

عليه نصيب شريكه". وكذلك قياس بيع الصفة على بيع الرؤية؛ إذ لا فارق بينهما يصلح للتعليل. ***

стр. 2907

الفصل الرابع في الدال على عدم اعتبار العلة ش: هذا الفصل نقيض الفصل الذي قبله. قوله: (وهو خمسة). [ش] (١) جملتها: النقض، وعدم التأثير [والقلب] (٢)، والقول بالموجب (٣)، والفرق (٤)، وهي كلها ظنية.

стр. 2908

والقادح في العلة أعم من كونه (١) ظنيًا أو قطعيًا، فالقطع مخالفته للنص أو الإجماع (٢)، قال القاضي: وكذلك إذا لم يقم دليل (٣) على نصبها فإنه يقطع بفسادها (٤). وكذلك إثباتها بطريق العقل دون اعتبار مور [د] (٥) الشرع، كما يفعله المعتزلة فيما يحل ويحرم عقلاً، فيلحقون الفروع (٦) بالأصول على (٧) قطعية (٨) العقل (٩). قوله: (الأول (١٠): النقض، وهو وجود الوصف بدون الحكم) (١١).

стр. 2909

[ش] (١): قوله: (وجود الوصف بدون الحكم)، يعني في صورة أخرى. مثاله: تعليل وجوب الزكاة بالغنى، فإنه ينتقض بالعقار، فإن فيه الغنى مع عدم الزكاة، فقد وجدنا العلة بدون الحكم. وكما يرد النقض على العلة، فكذلك (٢) يرد على الأدلة والحدود، فإن وجود الدليل بدون المدلول، ووجود الحد بدون المحدود، [نقض عليه (٣). ولا خلاف في أنه قادح في الحد، واختلف في قدحه في العلة والدليل. فقيل: يقدح في العلل والأدلة كما يقدح في الحد (٤)،] (٥) وقيل: لا يقدح. قوله (٦): (وفيه أربعة مذاهب. ثالثها: إن وجد المانع في صورة النقض فلا يقدح، وإِلا قدح. ورابعها: إِن نص عليها لم يقدح، وإِلا قدح). ش: قيل: يقدح مطلقًا، [وقيل: لا يقدح مطلقًا] (٧) وقيل: يقدح إلا أن يوجد المانع في النقض، وقيل: يقدح إلا أن تكون العلة منصوصة (٨).

стр. 2910

ومعنى كون النقض قادحًا، أي يكون دليلاً على [عدم] (١) اعتبار العلة. ومعنى كونه لا يقدح، أي لا يكون دليلاً على عدم اعتبار العلة. مثال هذه الأقوال الأربعة: [أن] (٢) الأمير مثلاً إذا كان يعطي صدقة لكل فقير في كل يوم، وفيهم رجل (٣) لا يعطي له في بعض الأيام، فترك العطاء لهذا الرجل، نقض دال على [أن] (٤) الفقر ليس بعلة للعطاء (٥) فيقدح فيه، وقيل: لا يقدح فيه. والقول الثالث: إن وجد المانع من العطاء (٦) كقلة الأدب مع الأمير، أو كون ذلك الرجل مبتدعًا، فلا يقدح [النقض، وإن لم يوجد مانع فيقدح. والقول الرابع: إن نص الأمير على علة الإعطاء، كقوله: إنما أعطي لهم لأجل فقرهم، فلا يقدح] (٧) النقض في عدم تأثير الفقر، وإن لم ينص على

стр. 2911

ذلك [قدح] (١). حجة القول بأن النقض (٢) يقدح في العلة مطلقًا، أي يمنع من اعتبار العلة: أن الوصف إما أن يكون علة أو مستلزمًا لها، أو لا يكون علة ولا مستلزمًا لها، فلو كان علة أو مستلزمًا لها لثبت الحكم معه في جميع صوره، وإن لم يكن الوصف علة ولا مستلزمًا لها لكان الوصف وحده (٣) ليس بعلة، حتى ينضاف (٤) إليه غيره، والمقدر أنه علة، هذا خلف (٥). حجة القول بأن النقض (٦) لا يقدح، أي لا يمنع من اعتبار العلة مطلقًا وجهان: أحدهما (٧): أن الموجب (٨) لعلية الوصف هو (٩) المناسبة، والمناسبة تقتضي أن يثبت الحكم معها حيثما وجدت، [وقد وجدت] (١٠) فيما عدا صورة النقض، فوجب أن يثبت الحكم معها و [إن] (١١) لم يوجد معها في صورة

стр. 2912

النقض (١). الوجه الثاني: أن العلة أمارة على الحكم، فجاز تخصيصها، بمنزلة العام، وتكون العلة كالعام المخصوص إذا خرجت منه بعض الصور، فإنه يبقى حجة فيما عدا صورة التخصيص، سواء علم موجب التخصيص أم لا. ولأجل هذا قال كثير من الأصوليين: النقض تخصيص للعلة (٢). قال المؤلف: وهذا هو المذهب المشهور (٣). حجة القول بالفرق بين وجود المانع من الحكم في صورة النقض وعدم المانع: أن الفرق إذا وجد في صورة النقض كان ذلك الفارق مانعًا من ثبوت الحكم مع العلة في صورة النقض، أما إذا لم يوجد فارق (٤) كان عدم الحكم في صورة [النقض] (٥) منافيًا لعدم علية الوصف [لا] (٦) لقيام (٧) المانع فلا يكون الوصف علة (٨). حجة القول بالفرق بين التنصيص على العلة وعدم التنصيص: أن

стр. 2913

الوصف إذا نص على كونه علة تعين الانقياد لنص صاحب الشرع، وهو أعلم بالمصالح فلا عبرة بالنقض مع نص صاحب الشرع بل النص مقدم، أما إذا لم يوجد نص فإنه يتعين أن الوصف ليس بعلة، لأنه لو كان علة لثبت الحكم معه في جميع صوره، وليس فليس (١). قوله: (وجواب النقض (٢) إِما بمنع (٣) وجود الوصف في صورة النقض أو بالتزام الحكم فيها). ش: لما كان النقض مركبًا من شيئين: أحدهما: وجود الوصف في صورة النقض، والثاني: عدم الحكم فيها، كان انتفاء أحدهما مانعًا من النقض؛ لأن الماهية المركبة من شيئين تنتفي بانتفاء أحدهما، فإذا عدم الوصف من صورة النقض، أو وجد الحكم فيها،/ ٣١٢/ لم يرد النقض (٤). مثال عدم الوصف من صورة النقض: أن يختلف في الوقف هل يفتقر (٥) إلى القبول أم لا؟ فنقول (٦): الوقف عقد (٧) ينقل [ا] (٨) لملك، فوجب أن يفتقر إلى القبول

стр. 2914

قياسًا على البيع. فيقول المعترض (١): هذا منقوض بالعتق، لأنه عقد ينقل [ا] (٢) لملك، مع أنه لا يفتقر إلى القبول باتفاق. فيقول المجيب: لا نسلم أن العتق نقل، بل هو إسقاط كالطلاق، والإسقاط لا يفتقر إلى القبول، بخلاف النقل والتمليك. وسيأتي الفرق بين النقل والإسقاط في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى في قول المؤلف: الفصل الثاني في تصرفات المكلفين في الأعيان، وهي: إما نقل، أو إسقاط، أو قبض أو إقباض، إلى آخر كلامه هنالك (٣). ومثال آخر لعدم الوصف من صورة النقض: أن يختلف في الوضوء، هل يفتقر إلى نية أم لا؟ فيقول المستدل: الوضوء طهارة من حدث، فيفتقر إلى نية، قياسًا على التيمم. فيقول المعترض: هذا ينتقض بإزالة النجاسة، لأنه وجد فيه الوصف، وهو الطهارة، مع أنه لا يفتقر إلى نية. ويقول المجيب: لا نسلم وجود الوصف في زوال النجاسة؛ لأن الوصف

стр. 2915

المعلل به في الوضوء هو (١) الطهارة من الحدث لا الطهارة المطلقة، فما به الاشتراك غير ما به الامتياز، لأن زوال النجاسة طهارة الخبث، والوضوء طهارة الحدث. ومثال وجود الحكم في صورة النقض: أن يختلف في وجوب الزكاة فيما توالد بين الغنم والظباء، وفي ذلك في مذهبنا ثلاثة أقوال، أشار إليها ابن الحاجب فقال في كتاب الزكاة: وفي المتولد منها ومن الوحش، ثالثها: إن كانت الأمهات من النعم (٢)، وجبت (٣). فيقول المستدل: هذا حيوان توالد بين حيوانين لا زكاة في أحدهما فلا تجب فيه الزكاة. فيقول المعترض: هذا ينتقض بما توالد بين السائمة والمعلوفة، لأنه حيوان توالد بين حيوانين لا تجب الزكاة في أحدهما، وهي المعلوفة. فيقول المجيب: لا نسلم أن المعلوفة لا تجب فيها (٤) الزكاة بخلاف الظباء. قوله: (الثاني: عدم التأثير، وهو أن يكون الحكم موجودًا مع وصف، ثم يعدم ذلك الوصف ويبقى الحكم، فيقدح، بخلاف العكس، وهو وجود الحكم بدون الوصف في صورة أخرى، فلا يقدح؛ لأن العلل الشرعية يخلف

стр. 2916

بعضها بعضا). ش: ذكر المؤلف ها هنا عدم التأثير (١)، ثم أدرج في (٢) [هذا] (٣) دالاً آخر، وهو المعبر عنه بالعكس (٤). مثال عدم التأثير: تعليل تحريم الخمر بغليانه في دنه (٥)، أو بلون خاص، ثم زال غليانه، [أ] (٦) وتغير لونه المعلل به إلى لون آخر، مع كون تحريمه باقيًا، فهذا عدم التأثير، وهو وجود الحكم بدون الوصف في صورة واحدة، فإن ذلك يدل على عدم تأثير ذلك الوصف لذلك التحريم؛ إذ لو كان ذلك الوصف علة لذلك الحكم، لكان ذلك الحكم معدومًا عند عدم ذلك (٧) الوصف.

стр. 2917

قوله: (بخلاف العكس)، هذا هو دال آخر، وهو في المعنى رابع، وإن جعله المؤلف ثالثًا في اللفظ (١)، وهو وجود الحكم بدون الوصف في صورة أخرى، وهو عكس النقض الذي تقدم أولاً؛ لأن النقض معناه: وجود الوصف بدون الحكم في صورة أخرى. وأما العكس فمعناه: وجود الحكم بدون الوصف في صورة أخرى. وأما عدم التأثير فمعناه: وجود الحكم بدون الوصف في صورة واحدة. مثال النقض: تعليل الزكاة بالغنى، ثم يعترض عليه بالعقار كما تقدم. ومثال عدم التأثير: تعليل الخمر بلون خاص، ثم يزول ذلك اللون ويبقى التحريم، كما تقدم [أيضًا] (٢). ومثال العكس، وهو وجود الحكم بدون الوصف في صورة أخرى: تعليل الحد بالقذف؛ لأنه يعترض عليه بحد الزنا وحد الشرب، فهذا الاعتراض لا يرد؛ لأن العلل الشرعية يخلف بعضها بعضًا. ومثال العكس أيضًا: تعليل وجوب الغسل بالإنزال، فيعترض عليه بوجوب الغسل من الإيلاج والحيض، فلا يرد هذا الاعتراض؛ لأن العلل

стр. 2918

الشرعية يخلف بعضها بعضًا. قال المؤلف في شرحه: قال سيف الدين الآمدي: يرد سؤال النقض ولا يرد سؤال العكس، إلا أن يتفق المتناظران (١) على اتحاد (٢) العلة في النقض والعكس (٣). قال المؤلف: وكثيرًا ما يغلط طلبة العلم في إيراد العكس، فإنهم يوردونه كما يوردون النقض، وهو غلط؛ لأن (٤) العلل الشرعية يخلف بعضها بعضًا. فقد ظهر الفرق (٥) بين النقض والعكس وعدم التأثير. انتهى نصه (٦). فالنقض وعكسه (٧) في صورتين، وعدم التأثير في صورة واحدة، [اعلم ذلك] (٨). قوله: (الثالث: القلب، وهو إِثبات نقيض الحكم بعين العلة، كقولنا في

стр. 2919

الاعتكاف: لبث في مكان مخصوص، فلا يستقل بنفسه، [قياسًا على] (١) الوقوف (٢) بعرفة، فيكون الصوم شرطًا فيه (٣). فيقول السائل: لبث في مكان مخصوص، فلا يكون الصوم شرطًا [فيه] (٤)، كالوقوف بعرفة. وهو إِما [أن] (٥) يقصد به (٦) إِثبات مذهب السائل، [أ] (٧) وإِبطال مذهب المستدل (٨)، فالأول كما سبق، والثاني كما يقول الحنفي: [مسح الرأس] (٩) ركن من أركان الوضوء، فلا يكفي فيه أقل ما يمكن،

стр. 2920

أصله (١) الوجه (٢). ويقول (٣) الشافعي: ركن من أركان الوضوء، فلا يقدر بالربع، أصله (٤) الوجه). ش: تكلم المؤلف ها هنا على الثالث من مبطلات العلة، وهو القلب (٥) , أي قلب العلة إلى حكم آخر، فقسمه المؤلف إلى قسمين: أحدهما: يقصد به إثبات مذهب السائل.

стр. 2921

والآخر: يقصد به إبطال مذهب المستدل (١). فالأول: قياس الاعتكاف على الوقوف بعرفة، لأن فيه إثبات مذهب السائل، وهو القالب (٢). والثاني: وهو ما يقصد به إبطال مذهب المستدل: أن الحنفي يقول: مسح الرأس ركن من أركان الوضوء فلا يكفي فيه أقل ما يسمى مسحًا، كما قاله الشافعي،/ ٣١٣/ قياسًا على الوجه. فقول الحنفي: لا يكفي (٣) فيه أقل ما يسمى مسحًا، فيه إبطال مذهب المستدل، و [هو] (٤) الشافعي، وليس فيه ما يثبت (٥) مذهب الحنفي القائل بإيجاب مسح الربع؛ لأن قوله: لا يكفي (٦) [فيه] (٧) أقل ما يمكن، أعم من إيجاب الربع، كما قاله الحنفي، ومن إيجاب مسح الجميع، كما قاله مالك ﵀، والدال على الأعم غير دال على الأخص. وكذلك قول الشافعي: مسح الرأس ركن من أركان الوضوء فلا يقدر بالربع، أصله الوجه، فيه [أيضًا] (٨) إبطال مذهب الحنفي القائل بإيجاب

стр. 2922

الربع، وليس فيه إثبات مذهب الشافعي القائل بأقل ما يسمى مسحًا، لأن قوله: لا يقدر بالربع أعم من إيجاب أقل المسح، كما قاله الشافعي، ومن إيجاب جميع (١) [الرأس] (٢)، كما قاله مالك ﵃ (٣) [جميعًا] (٤)، والدال على الأعم غير دال على الأخص. والمراد بالسائل في كلام المؤلف هو القالب، وإنما جعل القلب مبطلاً للعلة؛ لأن القالب إذا أثبت (٥) نقيض الحكم في صورة النزاع كان ذلك مبطلاً للعلة، وإلا للزم (٦) اجتماع النقيضين في صورة النزاع (٧). قوله: (الرابع: القول بالموجب (٨)، وهو تسليم ما ادعاه المستدل موجب علته، مع بقاء الخلاف في صورة النزاع). [ش:] (٩) تكلم المؤلف ها هنا على الرابع من مبطلات العلة، وهو القول بالموجب (١٠)، والموجب هو بفتح الجيم، وهو اسم مفعول، وهو ما توجبه

стр. 2923

العلة، أي الحكم الذي أوجبته العلة أو الدليل (١). وإنما جعل المؤلف القول بالموجب مبطلاً للعلة، باعتبار صورة النزاع خاصة، وإلا فالعلة صحيحة مسلمة، وحكمها صحيح مسلم أيضًا، وإنما بطلانها باعتبار صورة النزاع خاصة، وذلك أن المستدل بها أراد أن يثبت الشيء المتنازع فيه، فإذا هو قد أثبت غيره، بمنزلة الرامي إذا رمى فأخطأ الغرض، فإن ذلك لا يقدح، فكذلك ها هنا، الاستدلال صحيح، وإنما فسد من جهة كونه حاد (٢) عن محل النزاع (٣). مثال القول بالموجب: القاتل في الحرم، يقول المستدل: هذا شخص انصدر (٤) منه القتال فوجب عليه القصاص، قياسًا على الحل.

стр. 2924

فيقول المعترض: سلمنا في وجوب القصاص عليه، لكن لا نسلم في الاقتصاص [منه في الحرم حتى يخرج إلى الحل (١). فالذي ادعاه المستدل من وجوب القصاص عليه مسلم فيه، وصورة النزاع باقية] (٢). ومثاله أيضًا قول المستدل: المحرم لا يُغَسل ولا يُطَيب، لقوله ﵇ في محرم وقصت (٣) به ناقته: "لا تمسوه بطيب فإنه يبعث يوم (٤) القيامة ملبيًا" (٥) (٦). فيقول المعترض: ليس النزاع في ذلك المحرم الذي ورد فيه النص، وإنما

стр. 2925

النزاع في غيره؛ لأن ذلك النص ليس فيه عموم يتناول غيره، فلا يضرنا ذلك. ومثاله أيضًا: استدلال الشافعي على وجوب العمرة بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١)، فإن الأمر للوجوب (٢). ويقول (٣) مالك: سلمنا أنها واجبة في إتمامها، وإنما النزاع في إنشائها، ودليل مالك على عدم وجوبها: قوله ﵇: "بني الإسلام على خمس" (٤) فذكر الحج ولم يذكر العمرة. [و] (٥) مثاله أيضًا: قول القائل: تجب الزكاة في الخيل؛ لأنه حيوان يسابق عليه، فتجب الزكاة فيه كالإبل. فيقول المعترض: أقول بموجب هذه العلة، ولكن تجب الزكاة فيها إذا كانت للتجارة، وإنما محل النزاع هل تجب الزكاة في رقابها من حيث هي

стр. 2926

خيل (١)؟ (٢). قوله: (الخامس: الفرق، وهو إِبداء معنى مناسب للحكم في إِحدى (٣) الصورتين مفقود في الأخرى (٤)، وقدحه مبني على أن الحكم لا يعلل بعلتين، لاحتمال أن يكون الفارق إِحداهما، فلا يلزم من عدمه عدم الحكم لاستقلال الحكم بإِحدى العلتين). ش: هذا هو الخامس من مبطلات العلة، وهو الفرق بين الأصل والفرع (٥). قوله: (مناسب للحكم)، يريد الحكم المدعى، احترازًا من غير المناسب

стр. 2927

أصلاً، ومن المناسب لغير الحكم المدعى (١)، فهذا المعنى الذي يقع به الفرق إذًا ثلاثة أقسام: أحدها: غير مناسب. والثاني: مناسب للحكم المدعى. والثالث: مناسب لغير الحكم المدعى (٢). مثال الفرق بالمعنى الذي هو غير مناسب أصلاً: قياس الأرز على البر في منع التفاضل بجامع الطعم أو القوت. ثم يقول المعترض: الفرق بينهما أن الأرز أشد بياضًا وأيسر تقشيرًا من سنبله من البر، فهذا الفرق لا عبرة به لعدم المناسبة فيه. ومثال الفرق بالمعنى المناسب للحكم المدعى: قياس الهبة على البيع في منع الغرر، فإن المستدل يقول: عقد ينقل الملك فلا يجوز فيه الغرر قياسًا على البيع (٣). فيقول المعترض: الفرق بينهما أن البيع عقد معاوضة والمعاوضة مكايسة (٤) يخل بها الغرر، بخلاف الهبة فإنها عقد مكارمة وإحسان محض، فلا يخل بها

стр. 2928

الغرر، ولأن الموهوب (١) له إذا لم يحصل له شيء فلا يتضرر به، بخلاف المشتري، وهذا هو الفرق المعتبر. ومثال الفرق بالمعنى المناسب لحكم آخر خلاف (٢) الحكم المدعى: قياس المساقاة على القراض في جواز المعاملة على جزء مجهول. فيقول المعترض: الفرق بينهما أن الشجر إذا ترك العمل فيها هلكت، بخلاف النقدين، فهذا ليس بمناسب للحكم المدعى، وهو جواز المساقاة، وإنما هو مناسب للزوم عقد المساقاة لا لجوازه، فإن القول (٣) بجواز عقد المساقاة يؤدي إلى جواز رده بعد مدة من غير عمل فتهلك الشجر. أما باعتبار الغرر فلا مدخل لمناسبة هذا الفرق فيه. قوله: (وقدحه مبني على أن الحكم لا يعلل بعلتين ..) إلى آخره، يعني أن تأثير الفرق في بطلان (٤) العلة إنما ذلك على القول بأن الحكم الواحد لا يعلل بعلتين. أما إذا قلنا بأن الحكم في الأصل المقيس عليه معلل (٥) بعلتين، فوجدت إحداهما في الفرع دون الأخرى، فإن عدم العلة الأخرى [من] (٦) الفرع (٧) لا

стр. 2929

يضر (١). مثال ذلك: إذا عللنا إجبار الأب/ ٣١٤/ [بالصغر] (٢) والبكارة. فإذا انفردت البكارة في المعنسة ثبت الجبر، أو انفرد الصغر في الثيب الصغيرة ثبت الجبر. فإذا أورد (٣) المعترض الفرق بوجود أحد الوصفين في الأصل دون الفرع لم يرد، لأنه علة أخرى في الأصل، ولا يضر عدمها من الفرع لاشتراكهما (٤) في العلة الأخرى، فإن عدم إحداهما لا يمنع ترتب الحكم على الأخرى. فلأجل هذا قال الإمام: وقدحه مبني على أن الحكم الواحد (٥) لا يعلل بعلتين؛ لاحتمال أن يكون الفارق إحداهما (٦) (٧). قال المؤلف في الشرح: وعليه إشكال؛ لأن الجمهور على جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين، والجمهور أيضًا على سماع الفرق، فكيف هذا البناء؟

стр. 2930

لأن ذلك يقتضي بطلان قوله: سماع [الفرق] (١) ينافي تعليل الحكم بعلتين. والجواب: أن الفرق قد يستقل بالعلة كالصغر مع البكارة، وقد لا يستقل كما نفرق بزيادة (٢) المشقة وزيادة الغرر من باب صفة الصفة التي لا تصلح للتعليل المستقل. فما (٣) لا يصلح للاستقلال يمكن أن يسمع مع جواز التعليل بعلتين، فاتجه ما قاله الإمام. وذلك أن ما يصلح (٤) للاستقلال لا يمكن إيراده (٥) إذا جوزنا التعليل بعلتين، وبالله التوفيق (٦) (٧). ...

стр. 2931

الفصل الخامس في تعدد العلل (١) يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين منصوصتين، خلافًا لبعضهم، كوجوب (٢) الوضوء على من بال ولا مس. ولا يجوز بمستنبطتين، لأن الأصل عدم الاستقلال فيجعلان علة واحدة. ش: ذكر المؤلف قولين في جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين منصوصتين (٣).

стр. 2932

حجة القول بالجواز، وهو المشهور: أن العلل الشرعية أمارات (١) على الأحكام ومعرفات لها (٢)، فيجوز للشارع (٣) أن يربط الحكم الشرعي (٤) بعلة واحدة، أو بعلتين، أو بأكثر (٥)، أو بغير علة، يفعل ما يشاء ويحكم ما

стр. 2933

يريد (١). مثال ذلك: وجوب الوضوء على من بال ولامس. وكذلك: الصغر والبكارة، كل واحد منهما علة في إجبار الأب على النكاح. وكذلك القتل (٢) والزنا والردة، كل واحد منها علة لوجوب القتل. وكذلك: الحيض والصوم والإحرام، كل واحد منها علة لتحريم الوطء (٣)، وغير ذلك، وهو كثير، وهذا كله استدلال بالوقوع. حجة القول بالمنع وجهان: أحدهما: أن تعليل الحكم الواحد بعلتين يلزم منه نقض (٤) العلة، وذلك خلاف الأصل (٥). بيانه: أنه إذا وجدت إحدى العلتين ترتب الحكم عليها، فإذا وجدت العلة الأخرى لم يترتب عليها شيء، فيلزم وجود العلة بدون مقتضاها، وذلك نقض [على] (٦) العلة، والنقض على العلة يبطلها كما تقدم في مبطلات العلة. الوجه الثاني: أن تعليل الحكم الواحد بعلتين يلزم منه اجتماع مؤثرين على أثر واحد، وهو محال، لأنه يؤدي إلى الجمع بين النقيضين، وذلك

стр. 2934

[أن] (١) الوقوع بأحدهما سبب في عدم الوقوع بالآخر، فلو وقع بهما للزم ألا يقع بهما، وذلك جمع بين النقيضين، وهو محال (٢). والجواب عن الأول: أن النقض لقيام المانع لا يقدح في العلة (٣). والجواب عن الثاني: أن العلل الشرعية معرفات لا مؤثرات؛ لأن العلل الشرعية علامات وأمارات ودلالات على الأحكام ومعرفات لها وليس بمؤثرات، واجتماع معرفين أو معرفات على معرف واحد جائز، كما يعرف الله ﵎ بكل جزء من أجزاء العالم (٤)، والمحال الذي ذكروه (٥) إنما يلزم في العلل العقليات لأنها مؤثرات، وهذا من الوجوه الخمسة التي تخالف بها العلة العقلية العلة (٦) الشرعية (٧). أحدها هذا، وهو أن الحكم العقلي لا يعلل بعلتين. الثاني: أن العقلية توجب حكمها لذاتها، ولا يصح وجودها بدون حكمها (٨). الثالث: أن العقلية لا توجب حكمها لغير محلها.

стр. 2935

الرابع: أن العقلية لا تكون (١) إلا وجودًا، وأما الشرعية فتكون وجودًا وعدمًا. الخامس: أن العقلية لا تتوقف على شرط في اقتضائها حكمها، بخلاف العلة (٢) الشرعية فإنه تفتقر إلى الشرط (٣) في اقتضاء حكمها (٤)، كالطعم علة في الربا لكن بشرط اتحاد الجنس. فإن قيل: أليس [العلم] (٥) من شرطه الحياة، والعلم علة (٦) عقلية؟ فالجواب: أن الحياة شرط في وجود العلم، لا في اقتضائه [حكمه] (٧). قوله: (ولا يجوز بمستنبطتين). قال المؤلف: إنما لا يجوز في المستنبطتين؛ لأن الشرع إذا ورد بحكم مع أوصاف مناسبة وجب جعل كل واحد منها جزء علة لا علة مستقلة، لأن الأصل عدم الاستقلال حتى ينص صاحب (٨) الشرع على استقلالها أو أحدها فيستقل (٩). قوله: (يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين منصوصتين خلافًا لبعضهم)، ذكر المؤلف الخلاف في تعدد العلة للحكم الواحد، وسكت عن الخلاف في

стр. 2936

تعدد الحكم للعلة الواحدة. والمشهور جوازه؛ لأن العلل الشرعية معرفات وأمارات على الأحكام، فكما تكون العلة الواحدة أمارة على حكم واحد، فكذلك تكون أمارة على حكمين فأكثر (١)؛ إذ لا مانع من ذلك (٢). مثال ذلك: الإحرام، علة لتحريم (٣) الوطء والطيب ولبس المخيط وغير ذلك. * * *

стр. 2937

الفصل السادس في أنواعها وهي أحد (١) عشر نوعًا. الأول: التعليل بالمحل، وفيه خلاف، قال الإِمام (٢): إِن جوزنا أن تكون العلة قاصرة جوزناه (٣)، كتعليل (٤) الخمر بكونه خمرًا، أو البر يحرم الربا فيه لكونه برًا (٥). ش: ذكر المؤلف في جواز التعليل بالمحل، أي محل النص

стр. 2938

خلافًا (١)، كتحريم الخمر بعلة كونه خمرًا، وتحريم الربا [في البر] (٢) بعلة كونه برًا. / ٣١٥/. ذكر سيف الدين الآمدي في جواز [هـ] (٣) ثلاثة أقوال: ثالثها: يجوز في الجزء ولا يجوز في الكل (٤) (٥)، والقول بالمنع مطلقًا هو قول الأكثرين (٦). حجة الجواز مطلقًا: أن العلل الشرعية أمارات على الأحكام، فكما يجوز أن يكون الوصف أمارة على الحكم، فكذلك يجوز أن يكون المحل أمارة على الحكم (٧). حجة المنع مطلقًا: أن العلة (٨) فائدتها التعدية للفرع، والمحل قاصر، فلا يصح أن يكون علة (٩)، ولأجل هذا خرج الإمام الخلاف في التعليل بالمحل على التعليل بالعلة القاصرة، فالمحل والعلة القاصرة شيئان لا شيء

стр. 2939

واحد (١)، فلو كانا شيئًا واحدًا (٢) لما حسن التخريج. والفرق بين المحل والعلة القاصرة: أن المحل ما وضع (٣) اللفظ [له] (٤) كوصف البرية، والعلة القاصرة هي وصف اشتمل عليه محل النص ولم يوضع اللفظ له، كاشتمال البر على نوع من الحرارة والرطوبة، وهو ملائم لمزاج الإنسان ملاءمة (٥) لا تحصل (٦) بين الإنسان والأرز، فإن الأرز [حار] (٧) يابس يبسًا شديدًا منافيًا لمزاج الإنسان، فيحرم الربا في البر لأجل هذه الملائمة الخاصة التي لا توجد في غير البر، فهذه علة قاصرة لا محل، وأما وصف البرية بما هو (٨) برية فهو (٩) المحل (١٠). حجة من جوز التعليل في الجزء دون الكل: أن الجزء قد يتعد [ى] (١١) بخلاف (١٢) الكل، أي كل المحل (١٣).

стр. 2940

قوله: (قال الإِمام: إِن جوزنا أن تكون العلة قاصرة جوزناه). يقتضي: أن كل من قال بجواز التعليل بالعلة القاصرة، قال به في المحل، وليس كذلك، فإن الأكثر على جواز التعليل بالعلة القاصرة، والأكثر على منع التعليل بالمحل. قوله: (الثاني: الوصف إِن لم يكن منضبطًا جاز التعليل بالحكمة، وفيه خلاف، والحكمة هي (١) التي لأجلها صار الوصف علة، كذهاب العقل الموجب لجعل (٢) الإِسكار علة) (٣). ش: ذكر المؤلف ها هنا الخلاف في جواز التعليل بالحكمة (٤). قيل بالجواز، وقيل بالمنع، وهو (٥) قول الأكثرين، ثالثها: يجوز إذا كانت الحكمة ظاهرة منضبطة، وإلا فلا يجوز (٦).

стр. 2941

والفرق بين الوصف والحكمة: أن الوصف عبارة عما شرع الحكم عنده للحكمة، والحكمة عبارة عما شرع الحكم لأجله. مثال ذلك: اختلاط الأنساب، فإنه الحكمة في جعل [وصف] (١) الزنا سببًا لوجوب الحد، وكذلك ضياع المال، فهو الحكمة في جعل وصف السرقة سبب القطع، وكذلك ذهاب العقل هو الحكمة في جعل الإسكار علة لوجوب الحد، وغير ذلك. حجة القول بجواز التعليل بالحكمة وجهان: أحدهما: أن الحكمة هي أصل للوصف (٢)، [فإذا جاز التعليل بالوصف] (٣) فأولى وأحرى (٤) أن يجوز التعليل بالحكمة، لأنها أصله (٥). الوجه الثاني: أن الحكمة هي نفس المصلحة والمفسدة، وهي سبب ورود الشرائع، فالاعتماد عليها أولى من الاعتماد على فرعها (٦). حجة القول بمنع التعليل بالحكمة وجهان: أحدهما: أنه لو جاز التعليل بالحكمة لامتنع (٧) بالوصف؛ لأن الأصل لا يعدل عنه إلا عند تعذره، والحكمة ليست متعذرة، فيجب التعليل بها، فإذا

стр. 2942

علل بها امتنع التعليل بالوصف (١)، لكن المنع من التعليل بالوصف خلاف إجماع أرباب القياس (٢). الوجه الثاني: أنه لو جاز التعليل بالحكمة للزم النقض، وهو تخلف الحكم عن علته، وذلك خلاف الأصل، لأن النقض من مبطلات العلة، كما تقدم في بيان النقض (٣). وبيان ذلك مثلًا: أن وصف الرضاع (٤) سبب التحريم، وحكمته أن جزء المرأة وهو لبنها صار جزءًا من الرضيع، لأنه قد صار لحمًا للرضيع، فأشبه لبنها منيها الذي صار جزءًا للرضيع، فكما أن ولد الصلب (٥) حرام، فكذلك ولد الرضاع، وهو سر قوله ﵇: "الرضاع لحمة كلحمة النسب" (٦)، إشارة إلى الجزئية، فإذا كانت هذه هي الحكمة، فلو أكل رضيع

стр. 2943

قطعة من لحم امرأة فقد (١) صار (٢) جزؤها جزءه، فكان يلزم التحريم، ولم يقل به أحد، فقد وجدت العلة (٣) وتخلف حكمها، فانبطلت (٤) العلة.

стр. 2944

وكذلك وصف الزنا حكمته اختلاط الأنساب، فإذا أخذ رجل صبيانًا صغارًا (١) وغيبهم عن آبائهم حتى صاروا رجالًا ولم يعرفهم آباؤهم فاختلطت أنسابهم، فكان ينبغي أن يجب عليه الحد أي حد الزنا، لوجود حكمة وصف الزنا، لكنه خلاف الإجماع، فقد وجدت العلة ها هنا أيضًا وتخلف حكمها فبطلت العلة. فلو جاز التعليل بالحكمة للزم النقض بهذه (٢) الصور، فلا يجوز التعليل بها إذًا، وهو المطلوب (٣). حجة القول بالتفصيل: أنه إذا جاز التعليل بالوصف لانضباطه وإن لم يكن هو المقصود، فأولى وأحرى أن يجوز التعليل بالحكمة إذا كانت منضبطة؛ لأن الحكمة هي المقصودة، وإنما جيء بالوصف من أجل الحكمة ليكون الوصف معرفًا لها ودليلًا عليها (٤). قوله: (الثالث (٥)، يجوز التعليل بالعدم، خلافًا لبعض الفقهاء، فإِن عدم العلة علة لعدم المعلول) (٦). ش: مثال التعليل بالعدم: قولنا: لا علة تتقى في العصير فيباح

стр. 2945

كاللبن (١) (٢). وقولك: لا علة تتقى في العصير فلا يحرم كاللبن، فالمثال الأول تعليل الحكم الثابت (٣) بالمعدوم (٤). والمثال الثاني: تعليل الحكم المعدوم بالمعدوم (٥).
следующие страницы →