← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

اجتمع فيه البياض والسواد يقال له: الأبلق (١)، ولا تطلق هذه الأسماء على غير هذه الخيل (٢)، ولو صح القياس لغة لصح إطلاق الأشهب على كل أبيض، وصح إطلاق الأدهم على كل أسود، وصح إطلاق الكميت على كل أحمر، وصح إطلاق الأبلق (٣) على كل ما اجتمع فيه البياض والسواد. وكذلك [لفظ] (٤) القارورة للزجاجة (٥) لأجل ما يستقر فيها من المائعات، ولا يقال ذلك لغيرها وإن استقرت فيه المائعات (٦). [فلو صح القياس لغة لصح إطلاق القارورة على كل ما يستقر فيه المائعات] (٧). واختار سيف الدين (٨) وغيره من المحققين (٩) القول [بمنع] (١٠) القياس في اللغة (١١).

стр. 2977

قوله: (الثالث: المشهور أنه لا يجوز إِجراء (١) القياس في الأسباب، كقياس اللواط على الزنا في وجوب الحد (٢) (٣)، لأنه لا يحسن أن يقال في طلوع الشمس إِنه موجب للعبادة كغروبها). ش: المشهور منع القياس في الأسباب (٤). حجة المنع: أنا إذا قسنا سببًا على سبب إنما نجمع بينهما بالحكمة، والحكمة غير منضبطة لاختلاف مقاديرها، والجمع بغير المنضبطة لا يجوز، ولأجل ذلك عدل عن الحكمة إلى التعليل بالوصف لانضباطه، وجدت حكمة (٥) أم لا، فلذلك يقطع السارق [و] (٦) إن وجد معه المال المسروق ولم يتلف، ويحد

стр. 2978

الزاني وإن لم يخلط نسبًا. فعلمنا أن الحكمة لا عبرة بها (١). حجة القول بالجواز من وجهين: أحدهما: أن السببية حكم شرعي، فجاز القياس فيها كسائر الأحكام. الوجه الثاني: أن السبب إنما يكون سببًا لأجل الحكمة التي اشتمل عليها فإذا وجدت تلك الحكمة [في] (٢) غيره (٣) وجب أن يكون سببًا، تكثيرًا لتلك (٤) [الحكمة] (٥) (٦). قوله: (لأنه لا يحسن أن يقال في طلوع الشمس: إِنه موجب للعبادة كغروبها)، فيه نظر؛ لأنه قياس بغير جامع، وهو ممنوع باتفاق، وليس محل النزاع (٧). قوله: (الرابع: اختلفوا في (٨) دخول القياس في العدم الأصلي. قال الإِمام: والحق أنه يدخله قياس الاستدلال بعدم خواص الشيء على

стр. 2979

عدمه دون قياس العلة (١)، وهذا بخلاف (٢) الإِعدام فإِنة حكم شرعي) (٣). ش: معنى (٤) العدم الأصلي (٥): هو البراءة الأصلية السابقة قبل الشرع (٦). اختلفوا في القياس بالعدم الأصلي على ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع، والثالث للإمام بالتفصيل: يجوز قياس الاستدلال [و] (٧) لا يجوز قياس العلة. ومثال العدم الأصلي: عدم (٨) وجوب صلاة (٩) سادسة، وعدم (١٠)

стр. 2980

وجوب شهر غير رمضان، وما أشبه ذلك. حجة الجواز مطلقًا: أنه يمكن أن يقال: إنما لم يجب الفعل الفلاني؛ لأن فيه مفسدة خالصة أو راجحة، وهذا فعل فيه مفسدة خالصة أو راجحة، فوجب ألا يجب قياسًا على الفعل الفلاني (١). حجة المنع مطلقًا: أن العدم الأصلي مستمر بذاته، وما هو مستمر بذاته يستحيل إثباته (٢) بالغير، فلا يمكن إثباته بالقياس (٣). وأجيب عن هذا بوجهين: أحدهما: أن الاستمرار بالغير، غير الاستمرار بالذات؛ لأن أحدهما عقلي والآخر شرعي، فأحدهما متفق عليه، والآخر مختلف فيه. الوجه الثاني: أن العلل أمارات ومعرفات، وإنما يلزم ذلك لو قلنا (٤): إنها مؤثرات، والأمر ليس كذلك (٥). حجة الإمام: أن العلل إنما تكون في المعاني الوجودية، والعدم الأصلي نفي محض، فلا تتصور فيه العلل (٦)، بخلاف الاستدلال بعدم خاصية الشيء (٧)، على عدمه (٨)، كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا الله

стр. 2981

لَفَسَدَتَا﴾ (١)، فيستدل بعدم الفساد على عدم تعدد الآلهة (٢). أجيب عن هذا: بأن العدم قد يعلل بالمفسدة، كقولنا: إنما لم يبح الله تعالى الخمر والزنا وشبههما (٣) لما في ذلك من مفسدة، وهذا الفعل مشتمل على المفسدة، فوجب ألا يباح (٤). قوله: (وهذا بخلاف الإِعدام فإِنه حكم شرعي)، معناه: والعدم الأصلي مخالف للإعدام؛ فإن الإعدام حكم شرعي، والعدم الأصلي هو حكم عقلي. مثال العدم الأصلي: عدم وجوب صلاة سادسة. ومثال الإعدام: كالخمر إذا تخلل، فيباح بالقياس على أصله قبل التخمير، فيستدل برفع الحكم (٥) على إباحته، ومعنى الإعدام هو رفع الحكم بعد ثبوته ورفع الثابت يحتاج إلى رافع، بخلاف العدم الأصلي، فإنه يرتفع بنفسه ولا يحتاج إلى رافع، لئلا يكون تحصيل الحاصل، وتحصيل الحاصل محال (٦). فظهر (٧) الفرق بين العدم والإعدام (٨).

стр. 2982

قوله: (الخامس: [قال] (١) الجبائي (٢) والكرخي: لا يجوز [إِثبات] (٣) أصول العبادات بالقياس (٤)). ش: وقال غيرهما (٥) بالجواز (٦). مثال ذلك: المريض العاجز عن كل أمر سوى نيته (٧)، هل يخاطب بالصلاة قياسًا على الإيمان أم لا؟ قال ابن الحاجب: فإن عجز عن كل أمر سوى نيته فلا نص، وعن الشافعي إيجاب القصد (٨)، وعن أبي حنيفة (٩) سقوط (١٠) ...........

стр. 2983

(١). قال ابن بشير: الاحتياط (٢) مذهب الشافعي، والرجوع إلى براءة الذمة مقتضى مذهب الحنفية (٣). حجة الجواز من وجهين: أحدهما: أن الأصول أحكام شرعية (٤)، فيجوز إثباتها بالقياس كسائر الأحكام الشرعية (٥). الوجه الثاني: أن أصل العبادة إذا وجب لنوع من المصلحة، ووجدنا تلك المصلحة في فعل آخر، وجب أن يكون ذلك الفعل واجبًا، تكثيرًا لتلك المصلحة (٦) / ٣٢١/. حجة المنع من وجهين (٧):

стр. 2984

أحدهما: [أن] (١) مقتضى الدليل ألا يعمل بالظن، خالفناه في إثبات فروع العبادات بالقياس، فبقي فيما عداه على مقتضى الدليل. الوجه الثاني: أن أصول العبادات أمر مهم (٢) في الدين، فلا يثبت إلا بنص (٣) الشارع لاهتمامه (٤) به، بخلاف الفروع، فإن الأصل ينبه على فرعه (٥)، فيكتفى فيه بالقياس. أجيب عن الأول: بأن الأدلة الدالة على نفي العمل بالظن محمولة على أصول العبادات، والأدلة الدالة على القياس عامة للأصول والفروع، فالجمع بين الدليلين أولى ما أمكن (٦). أجيب عن الثاني: بأن مصلحة الأصول إما أن تكون أعظم من مصلحة الفروع أو مثلها؛ لأن الفرع لا يكون أضعف من أصله (٧)، وعلى كل تقدير يصح القياس تحصيلًا لتلك المصلحة التي هي أعظم بطريق الأولى،

стр. 2985

والمصلحة (١) المساوية؛ لأن ما ثبت لأحد المثلين ثبت للآخر (٢). قوله: (السادس: يجوز عند ابن القصار (٣) والباجي (٤) والشافعي (٥) جريان القياس في المقدرات والحدود والكفارات (٦)، خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه (٧)؛ لأنها أحكام شرعية). ش: مثال المقدرات: كنصب الزكاة. ومثال الحدود: حد الزنا (٨). ومثال الكفارات: كفارة الظهار، [وكفارة اليمين] (٩)، وكفارة فدية

стр. 2986

الأذى. وهذا الخلاف الذي أشار إليه المؤلف هو سبب اختلاف العلماء في قياس حد الشرب على حد القذف، وكذلك قياس (١) النباش على حد السارق، وكذلك قياس كفارة الأكل على كفارة الجماع في الصيام. حجة الجواز من ثلاثة أوجه: أحدها: ما قال المؤلف وهو أن هذه الأشياء (٢) أحكام شرعية، فجاز فيها القياس كما جاز في غيرها من الأحكام الشرعية. الوجه الثاني: عملًا بالأدلة الدالة على كون القياس حجة (٣). الوجه الثالث: أن العلل الشرعية أمارات ومعرفات، فجاز نصبها في المقدرات كغيرها (٤). حجة المنع: [أن] (٥) المقدرات كنصب الزكاة، والحدود، والكفارات، أمور تعبديات لا يعقل معناها، وما لا يعقل معناه تعذر فيه [القياس] (٦)؛ لأنه لا بد من جامع، ولا جامع، فلا قياس (٧).

стр. 2987

أجيب عن هذا: بأنا لا نقول بالقياس إلا حيث ظفرنا بالمعنى الذي لأجله ثبت الحكم في الأصل، فلا ترد علينا مواطن التعبد (١). قوله: (خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه)، يرد على الحنفية (٢) أنهم ناقضوا أصلهم في تقديرهم مسح الرأس [بالربع] (٣)، وكذلك مسح الخف (٤)، وقاسوا كفارة الأكل في رمضان على (٥) كفارة الجماع (٦) (٧). قوله: (السابع: [يجوز القياس] (٨) عند الشافعي على الرخص، خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه) (٩). ش: وفي القياس على الرخص قولان في مذهب مالك (١٠). وقد خرجوا على هذا الخلاف في المذهب فروعًا كثيرة، منها: الخلاف في

стр. 2988

المسح على الجوربين (١) (٢)، والجرموقين (٣) (٤)، وغير ذلك. حجة الجواز من وجهين (٥): أحدهما: أنها أحكام شرعية فجاز القياس عليها كغيرها من الأحكام الشرعية. الوجه الثاني: الأدلة الدالة على كون القياس [حجة] (٦). حجة المنع: أن الرخص مخالفة للدليل، فالقياس عليها يؤدي إلى كثرة (٧) مخالفة الدليل، وذلك غير سائغ (٨) (٩) (١٠).

стр. 2989

أجيب عنه: بأن الدليل إنما يخالفه صاحب الشرع لمصلحة تزيد على مصلحة ذلك الدليل عملًا بالاستقراء، وتقديم الأرجح هو شأن صاحب الشرع، وهو مقتضى الدليل، فإذا وجدنا تلك المصلحة التي من أجلها (١) خولف الدليل في صورة أخرى، وجب أن يخالف (٢) الدليل بها عملًا برجحانها، فنحن على هذا إنما كثرنا موافقة الدليل لا مخالفة (٣) الدليل (٤). قوله: (الثامن (٥): لا يدخل القياس فيما طريقه الخلقة (٦) والعادة، كالحيض، و [لا] (٧) فيما [لا] (٨) يتعلق به عمل، كفتح مكة عنوة ونحوه). ش: الخلقة (٩): هي الطبيعة (١٠)، فلا تقاس (١١) طبيعة زيد [على] (١٢)

стр. 2990

طبيعة (١) عمرو مثلًا؛ لأن الطبائع تختلف، فرب طبيعة يغلب عليها معنى لا يغلب على طبيعة أخرى. قال المؤلف في الشرح: لا يمكن (٢) أن تقول: فلانة تحيض عشرة أيام وينقطع دمها، فوجب أن تقيس عليها غيرها (٣). واعترض هذا الذي قاله المؤلف بقياس المبتدأة على أيام لداتها؛ لأن ذلك روي عن مالك (٤) (٥). قوله: (كالحيض)، هذا مثال الخلقة (٦)، أي كالحيض بالنسبة إلى أقله وأكثره، [(٧) وكالطهر أيضًا بالنسبة إلى أقله وأكثره، [(٨) وكالنفاس بالنسبة إلى أقله وأكثره] (٧) (٨). فلا تقاس امرأة بامرأة في جميع ذلك، فكل طبيعة يحكم عليها (٩) بحكمها، ولا يحكم على طبيعة بحكم غيرها.

стр. 2991

قوله: (والعادة (١)) , أي لا يدخل القياس أيضًا فيما طريقه العادة والعرف (٢)؛ لأن العوائد تختلف باختلاف الأقاليم، فرب إقليم يغلب عليه معنى (٣) لا يغلب على غيره من الأقاليم. قوله: (ولا فيما [لا] (٤) يتعلق به عمل، كفتح مكة عنوة ونحوه). هذا قول الإمام في المحصول (٥). قال المؤلف في الشرح: فإن أراد أن مكة فتحت عنوة، فوجب أن يكون دمشق (٦) مثلًا مثلها، فهو صحيح؛ لأن العنوة تابعة لأسبابها، ولا يمكن إثبات عنوة ولا صلح (٧)، بالقياس. وإن أراد أن العنوة ليس فيها حكم شرعي، فليس الأمر كذلك؛ لأن العنوة تتعلق بها أحكام شرعية، كالحبس، والإجارة، والشفعة، والقسمة، والإرث، وغير ذلك.

стр. 2992

فقد قال مالك: إن أرض العنوة يمنع فيها ذلك كله (١) (٢). وقال الشافعي: يجوز فيها جميع ذلك (٣). فإذا تعلقت (٤) بها هذه الأحكام، أمكن التمسك في بعضها بالقياس إن وجد جامع يقتضيه، غير أن الإمام أطلق القول (٥) في ذلك، والحق هذا التفصيل (٦). / ٣٢٢/. ...

стр. 2993

الباب الثامن عشر في التعارض والترجيح وفيه خمسة فصول: الفصل الأول: هل يجوز تساوي الأمارتين .. إلخ. الفصل الثاني: في الترجيح. الفصل الثالث: في ترجيحات الأخبار الفصل الرابع: في ترجيح الأقيسة. الفصل الخامس: في ترجيح طرق العلة.

стр. 2994

الباب الثامن عشر في التعارض والترجيح (١) وفيه خمسة فصول: الفصل الأول (٢) اختلفوا: هل يجوز تساوي الأمارتين؟ (٣) (٤) فمنعه الكرخي (٥)، وجوزه

стр. 2995

الباقون، والمجوزون اختلفوا، فقال القاضي أبو بكر منا (١) وأبو علي وأبو هاشم (٢): يتخير (٣)، ويتساقطان [عند بعض الفقهاء] (٤). قال الإِمام ﵀: إِن وقع التعارض في فعل واحد باعتبار حكمين فهو (٥) متعذر، وإِن وقع في فعلين والحكم واحد، كالتوجه إِلى جهتين للكعبة فيتخير (٦). [و] (٧) قال الباجي في القسم الأول: إِذا تعارضا في الحظر والإِباحة يتخير (٨) (٩). وقال الأبهري: يتعين الحظر: بناء على أصله أن الأشياء على الحظر (١٠). وقال أبو الفرج: تتعين الإِباحة، بناء على أصله أن الأشياء على

стр. 2996

الإِباحة (١). فالثلاثة رجعوا إِلى حكم العقل (٢) على أصولهم). ش: [قوله] (٣): (يتخير)، هذا هو المشهور. قوله: (ويتساقطان)، وهو القول بالتوقف، وهو شاذ. مثال تعارضهما في فعل واحد: قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (٤). قوله (٥): (وبعولتهن)، يقتضي ثبوت الزوجية فيحل وطء الرجعية (٦). وقوله: (وأحق بردهن)، يقتضي زوال (٧) الزوجية (٨) فيحرم وطؤها، والجمع بين التحليل والتحريم في شيء واحد متعذر. حجة الكرخي القائل بمنع تساوي الأمارتين: أن الظنون تختلف ولا تنضبط؛ لأنها تابعة للعقول والطبائع، والعقول والطبائع مختلفة غير منضبطة، فتابع المختلف [مختلف] (٩) (١٠).

стр. 2997

فعلى قول الكرخي: لا بد أن تكون إحدى الأمارتين راجحة والأخرى مرجوحة، فيعمل عنده بالراجحة. حجة الجواز: أن الغيم الرطب (١) في زمان الشتاء قد يستوي العقلاء في موجَبه (٢) وما يقتضيه حاله، وكذلك الجدار المائل لا بد أن يجتمع اثنان على حكمه، وإن خالفهما (٣) الباقون، وذلك كاف في المطلوب؛ لأن المدعى الجواز لا الوجوب، والجواز يصدق بصورة [ما] (٤)، والممتنع لا يصدق بكل حال (٥). حجة القول بالتغيير: أن التساوي يمنع الترجيح، وإعمال الدليل الشرعي واجب بحسب الإمكان، فإذا خيرناه بينهما، فقد أعملنا الدليل الشرعي من حيث الجملة، بخلاف إذا قلنا بالتساقط، فإنه إلغاء للدليل الشرعي بالكلية (٦). حجة القول بالتساقط من وجهين: أحدهما: أن الحكم لا بد له من مستند، والمستند إما علم أو ظن، ومع التساوي لا علم ولا ظن، فلا حكم.

стр. 2998

الوجه الثاني: [أنَّا] (١) إذا خيرنا فقد رجحنا الإباحة، مع أنها مساوية (٢) للحظر، والرجحان مع التساوي محال. أجيب عن الأول: أن الظن المنفي إنما هو الظن الناشئ عن أحدهما عينًا، لا ظن التخيير الناشئ عن التساوي، فإنه لا نسلم أنه غير حاصل. وأجيب عن الثاني: أن التخيير إنما نشأ عن تساوي (٣) الأمارتين، لا عن أمارة الإباحة، فلا يلزم الترجيح (٤) من غير مرجح، فقد تشترك المختلفات في اللازم الواحد، كاشتراك الإنسان والفرس في الحيوانية (٥). قال المؤلف في شرحه (٦): وأما قول الإمام: هذا متعذر في [فعل] (٧) واحد باعتبار حكمين، فليس كما قال، فإن المتعذر هو ثبوت حكمين لفعل واحد من جهة واحدة، أما ثبوتهما له من جهتين مختلفتين فلا يمتنع ذلك، كالصلاة في الدار المغصوبة، هي حرام واجبة من جهتين مختلفتين (٨)، وتعارض الأمارتين ليس من ذلك، فإنا لا نقول بمقتضاهما الذي هو الوجوب والحظر مثلًا، بل نقول: إنهما اقتضيا حكمين متضادين، فلو امتنع ذلك لامتنع وجود المقتضي والمانع في جميع صور الشريعة، وليس كذلك، فلا

стр. 2999

محال حينئذ، انتهى نصه (١). انظر قول المؤلف: ولو امتنع ذلك لامتنع وجود المقتضي والمانع، فإن مذهب الإمام منع اجتماعهما، فهو استدلال بمحل (٢) النزاع، وقد تقدم شبهة الإمام في ذلك والرد عليه في باب القياس، في قول المؤلف: يجوز تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي، ولا يتوقف على وجود المقتضي عند الإمام، خلافًا لأكثرين (٣) في التوقف (٤). قوله: (كالتوجه إِلى جهتين للكعبة)، هذا مثال التعارض في حكم واحد في فعلين، وذلك أن تدل أمارة (٥) على أن القبلة في جهة، وتدل أمارة أخرى على [أن] (٦) القبلة في جهة أخرى مستدبرة للجهة الأولى، فالاستقبال والاستدبار فعلان، وحكمهما واحد، وهو وجوب التوجه، فيتخير في الجهتين كما قال الإمام (٧). قال ابن الحاجب في الفروع: فإن أغمي عليه، ففي تخييره، أو أربع

стр. 3000

صلوات، أو تقليده، ثلاثة أقوال (١). قوله: (وقال الباجي في القسم الأول)، وهو إذا وقع التعارض في فعل واحد بين حكمين، وهما الحظر والإباحة. مثاله: خنزير الماء، وذبيحة الكتابي (٢)، والجمع بين الأختين بوطء (٣) الملك. قال الباجي: بالتخيير، وقال الأبهري: يتعين الحظر، وقال أبو الفرج: تتعين الإباحة (٤). قوله: (فالثلاثة رجعوا إِلى حكم العقل على أصولهم)؛ لأن الأمارتين عندهم لما تعارضتا تساقطتا، [فلما تساقطتا] (٥) رجع كل واحد منهم إلى أصله في حكم الأشياء قبل ورود الشرائع (٦). قوله: (فالثلاثة رجعوا إِلى حكم العقل على أصولهم)، يقتضي أن مستندهم (٧) في ذلك هو العقل (٨)، وليس الأمر كذلك؛ لأن ذلك [هو] (٩)

стр. 3001

مستند أهل الاعتزال (١). وقد نبه المؤلف على هذا في شرحه في الحسن والقبح. فقال: تنبيه: قول من قال من الفقهاء بأن الأشياء قبل ورود الشرائع على الحظر أو الإباحة ليس موافقًا للمعتزلة، وإنما ذلك لمستند شرعي. أما الأبهري: فمستنده في الحظر: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أحِلَّ لَهُمْ﴾ (٢)، وقوله تعالى/ ٣٢٣/: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ [إلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ] (٣)﴾ (٤) [فإن] (٥) مفهوم (٦) هاتين الآيتين يقتضي أنها كانت قبل ذلك على الحظر. وأما أبو الفرج فمستنده [في] (٧) الإباحة: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم مَّا فِي الأَرْضِ [جَمِيعًا] (٨)﴾ (٩) وقوله تعالى: ﴿أَعْطَى كُل شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (١٠) فإن ذلك يدل على الإذن في الجميع. فهذه المدارك الشرعية تدل بعد ورودها على أن الأشياء قبل ورود الشرع إنما هي على الحظر أو على الإباحة، فلو لم ترد هذه النصوص لقال هؤلاء الفقهاء: لا علم لنا بحظر ولا

стр. 3002

بإباحة (١)، بخلاف المعتزلة فإنهم يقولون: المدارك عندنا العقل (٢)، فلا يضرنا عدم ورود الشرائع إلا فيما لا يمكن الاطلاع على حكمته (٣). فمن ها هنا افترق هؤلاء الفقهاء من (٤) المعتزلة، فاتفقوا في الحكم واختلفوا في المدرك (٥). فقول المؤلف ها هنا: رجعوا إلى حكم العقل، غير صحيح، بل رجعوا إلى حكم النص، كما تقدم. قال المؤلف في شرحه: ورجح سيف (٦) الدين الآمدي الحظر على الإباحة عند التعارض بثلاثة أوجه: أحدها: أن الحظر إنما يكون لتضمن المفاسد، وعناية الشرع والعقلاء بدرء المفاسد أعظم من عنايتهم بتحصيل المصالح، فيقدم الحظر عنده على المباح والواجب والمندوب. الوجه الثاني: أن الحظر موافق للأصل (٧)، وهو عدم الفعل، لأن عدم الفعل هو الأصل، بخلاف غيره، فإن مقتضاه الفعل، وهو (٨) خلاف الأصل.

стр. 3003

الوجه الثالث: [أن الحظر] (١) يخرج الإنسان عن عهدته بمجرد تركه وإن لم يشعر به، بخلاف الوجوب ونحوه (٢)، فإنه لا بد فيه من الشعور حتى يخرج من العهدة، فالحظر (٣) بهذا الاعتبار أقرب إلى الأصول (٤)، فهذه ترجيحات (٥) غير تلك الأصول المتقدمة (٦). قوله: (وإِذا نقل عن مجتهد قولان)، فإِن كانا في موضعين وعلم التاريخ، عد الثاني رجوعًا عن الأول. وإِن لم يعلم (٧) حكي عنه القولان، ولا يحكم عليه بالرجوع (٨). وإِن كانا في موضع واحد، بأن يقول: في المسألة قولان، فإِن أشار إِلى تقوية أحدهما فهو قوله، وإِن لم [يعلم] (٩) [فقيل] (١٠): يتخير السامع (١١) بينهما (١٢).

стр. 3004

ش: فإذا (١) علم التاريخ عد القول الثاني رجوعًا عن الأول (٢). قال المؤلف في شرحه: فلا يجوز الفتيا بالأول (٣)، ولا تقليده فيه، ولا يعد من الشريعة، بل هو كالنص المنسوخ من نصوص صاحب الشريعة (٤)، لأ [ن] (٥) نصوص المجتهد بالنسبة إلى المقلد كنصوص صاحب الشريعة بالنسبة إلى المجتهد، فإن المتأخر منها (٦) ناسخ للمتقدم. قال المؤلف في باب الاجتهاد في الفصل السابع في نقض الاجتهاد: أما (٧) المجتهد في نفسه، فلو تزوج امرأة علق (٨) طلاقها الثلاث (٩) قبل الملك بالاجتهاد فإن حكم به حاكم ثم تغير اجتهاده لم ينقض، وإن لم يحكم به الحاكم نقض، ولم يجز له إمساك المرأة.

стр. 3005

وأما العامي: فإذا فعل ذلك بقول المفتي ثم تغير اجتهاده، فالصحيح أنه تجب المفارقة، قاله الإمام، انتهى (١). قوله: فالصحيح: أنه تجب المفارقة، قال في الشرح: لأن الاجتهاد الأول منسوخ بالاجتهاد الثاني (٢). [و] (٣) قال: وقيل: لا تجب المفارقة (٤)؛ لأن الثاني هو اجتهاد أيضًا، وليس إبطال أحدهما بالآخر أولى من العكس، فلا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد إلا إذا قطع ببطلان الأول، فتجب المفارقة اتفاقًا. قوله: (وإِن لم يعلم، حكي عنه القولان (٥)، ولا يحكم عليه بالرجوع). أي: إذا لم يعلم التاريخ، فلا يحكم عليه بالرجوع (٦) عن أحدهما. قال المؤلف في الشرح: ولا يعمل بواحد منها؛ لحصول الجزم بأن (٧) أحدهما مرجوع [عنه، والمرجوع (٨) عنه] (٩) منسوخ، ولكن لا يعلم الناسخ

стр. 3006

من المنسوخ، فيحرم العمل بكل واحد منهما، بمنزلة اختلاط [الجائز بالممنوع، كاختلاط] (١) المذكاة بالميتة، والأجنبية بالأخت من الرضاع (٢). قوله: ([وإِن] (٣) كانا في موضع واحد)، بأن يقول: في المسألة قولان، فإن أشار إلى تقوية أحدهما فذلك قوله، أي: ويترك القول الآخر، وإن لم يعلم كونه مشيرًا إلى تقوية أحدهما، فقيل يتخير المقلد بين القولين، ووجه هذا التخيير قياسًا (٤) على تعارض الأمارتين؛ لأن المشهور في تعارض الأمارتين هو التخيير كما تقدم، فإن (٥) نصوص المجتهد بالنسبة إلى المقلد كنسبة نصوص صاحب الشريعة (٦) إلى المجتهد، وكذلك يحمل (٧) عام المجتهد على خاصة (٨) (٩)، ومطلقه على مقيده، وناسخه على منسوخه، وصريحه على محتمله، كما يعمل ذلك في نصوص صاحب الشرع (١٠). قال المؤلف في شرحه: كون المجتهد جازمًا بالقولين (١١) في مسألة واحدة

стр. 3007

محال ضرورة، وإنما معنى ذلك أنهما (١) قولان محتملان للعلماء، أي يمكن أن يقول (٢) بكل واحد منهما عالم، لتقاربهما من الحق (٣). ...

стр. 3008

الفصل الثاني في الترجيح ش: أي في ترجيح الأدلة بعضها على بعض. قوله: (والأكثرون اتفقوا على التمسك به، وأنكره بعضهم)، وقال: يلزم التخيير [أ] (١) والتوقف (٢). ش: حجة الجواز ثلاثة أوجه:

стр. 3009

أحدها: قوله ﵇: "نحن نحكم بالظاهر، والله متولي السرائر". الثاني: قوله ﵇: "عليكم بالسواد الأعظم"، فإنه يقتضي تغليب (١) الظاهر الراجح؛ لأن الظاهر كون الحق (٢) معهم. الثالث: بالقياس على الفتيا، والشهادة، وقيم المتلفات، وغير ذلك، فإن الظاهر فيها الصدق (٣)، والكذب مرجوح، وقد اعتبر فيها الراجح إجماعًا، فكذلك ها هنا (٤). حجة القول بمنع الترجيح: [أن] (٥) الدليلين (٦) إذا تعارضا ورجح أحدهما، ففي كل واحد منهما مقدار معارض بمثله، فيسقط المثلان/ ٣٢٤/ لتعارضهما ويبقى مجرد الرجحان، [ومجرد الرجحان] (٧) ليس بدليل، وما ليس بدليل لا يصح الاعتماد عليه، فتتخرج هذه المسألة على تساوي الأمارتين، وقد تقدم أن التخيير هو المشهور فيها (٨) (٩). والجواب عن هذا: أنا لا نسلم أن القول بالترجيح حكم بمجرد الرجحان، بل الحكم بالدليل الراجح، كالقضاء بأعدل البينتين، فإنه قضاء بالبينة

стр. 3010

الراجحة لا برجحانها، فكذلك ها هنا، فالحكم إنما هو بالدليل الراجح لا بالرجحان. وقولهم: إن المثلين يتساقطان، ويبقى (١) مجرد الرجحان، ممنوع (٢)؛ فإنا (٣) لا نقضي بمزيد العدالة دون أصلها، بل نقضي (٤) بأصل العدالة مع الرجحان (٥). قوله: (ويمتنع الترجيح في العقليات؛ لتعذر التفا [وت] (٦) بين القطعيين). ش: هذا قول الإمام (٧)، وقال غيره: لا يمتنع الترجيح في

стр. 3011

العقليات (١). حجة [القول] (٢) بعدم الترجيح في العلم وجهان (٣): أحدهما: أن التفاوت يؤدي إلى انقسام المعنى، وذلك محال، وذلك أنه لو دخل الترجيح في العقلي (٤) لدخله التفاوت، ولو دخله التفاوت لدخله التبعيض والانقسام، وانقسام المعنى محال، وما يؤدي إلى المحال فهو محال. الوجه [الثاني] (٥): أن القول بالتفاوت يلزم (٦) منه الجمع بين النقيضين، وذلك محال؛ لأن التفاوت إنما يكون بزيادة في أحد المحلين ونقصان في الآخر، ومحل النقصان لا بد أن يقوم به نقيضه، ونقيض العلم عدم العلم، فيلزم أن يكون المحل الواحد عالمًا غير عالم، وهو محال.

стр. 3012

حجة القول بالتفاوت (١) وجهان: المنقول، والمعقول. أما المنقول: فقوله (٢) تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٣)، والطمأنينة معناها: معرفة الشيء من جميع جهاته، وقال ﵇: "لم يفقكم أبو بكر بصلاة ولا بصوم، ولكن بما وقر في قلبه, لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان العالم لرجح" (٤)، وقال ﵇: "أنا أعرفكم بالله" (٥)، ...........................................................

стр. 3013

وقال ﵇: "أشهد (١) أني رسول (الله) (٢) حقًا" (٣)؛ وذلك لما يراه في نفسه من الأمور الدالة على نبوته، سوى ما شاركه فيه غيره من العلم به، وقد قيل له ﵇: كان عيسى ﵇ يمشي [على الماء] (٤)، فقال: "لو ازداد (٥) يقينًا لمشى على الهواء" (٦)، [أي على الريح] (٧)، وأشار بذلك إلى نفسه، حيث مشى فوق السموات وتخلف البراق (٨) ...........................

стр. 3014

(١)، وقد قال ﵇ لأصحابه ﵃: "أي (٢) المؤمنين أعظم إيمانًا؟ "، فقالوا: [الملائكة] (٣)، فقال: "ولم لا يكونون (٤) كذلك وهم يشاهدون الأمر؟ " فقالوا: الأنبياء، فقال: "ولم لا يكونون (٤) كذلك والوحي ينزل عليهم بالأمر؟ " فقالوا: نحن، فقال: "ولم لا تكونون كذلك وأنتم تشاهدون الأشياء، وأنا بين أظهركم؟ " فقال: "هم قوم يأتون آخر الزمان يسمعون الأشياء (٥) سماعًا، ويتهالكون عليها حبًا واشتياقًا، للعامل منهم أجر سبعين منكم" فقالوا: منهم، فقال: "بل (٦) منكم؛ لأنكم تجدون على الخير أعوانًا، وهم لا يجدون ذلك، وإني إليهم لمشتاق" (٧). وهذا كله يدل على جواز التفاوت والترجيح في القطعيات.

стр. 3015

ويدل عليه أيضًا قول الشاعر: ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي (١) الخمر ولا تسقني سرًا إذا أمكن الجهر (٢) وذلك أنه إذا شرب الخمر فقد علمها ضرورة وأدرك (٣) طعمها ولونها وريحها، وبقي له من الإدراكات السمع. فقال منبهًا على الإدراك السمعي: وقل لي: هي الخمر، فإن من علم الشيء من وجه، فلا يساوي من علمه من جميع (٤) الوجوه. وأما الدليل المعقول فهو: [أن] (٥) العلم الضروري أجلى (٦) من العلم النظري، فإن علمك [بأن] (٧) الواحد (٨) نصف (٩) الاثنين أجلى (١٠) من علمك بأن الواحد سدس عشر الستين (١١).
следующие страницы →