← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

العقليات (١). حجة [القول] (٢) بعدم الترجيح في العلم وجهان (٣): أحدهما: أن التفاوت يؤدي إلى انقسام المعنى، وذلك محال، وذلك أنه لو دخل الترجيح في العقلي (٤) لدخله التفاوت، ولو دخله التفاوت لدخله التبعيض والانقسام، وانقسام المعنى محال، وما يؤدي إلى المحال فهو محال. الوجه [الثاني] (٥): أن القول بالتفاوت يلزم (٦) منه الجمع بين النقيضين، وذلك محال؛ لأن التفاوت إنما يكون بزيادة في أحد المحلين ونقصان في الآخر، ومحل النقصان لا بد أن يقوم به نقيضه، ونقيض العلم عدم العلم، فيلزم أن يكون المحل الواحد عالمًا غير عالم، وهو محال.

стр. 3012

حجة القول بالتفاوت (١) وجهان: المنقول، والمعقول. أما المنقول: فقوله (٢) تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٣)، والطمأنينة معناها: معرفة الشيء من جميع جهاته، وقال ﵇: "لم يفقكم أبو بكر بصلاة ولا بصوم، ولكن بما وقر في قلبه, لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان العالم لرجح" (٤)، وقال ﵇: "أنا أعرفكم بالله" (٥)، ...........................................................

стр. 3013

وقال ﵇: "أشهد (١) أني رسول (الله) (٢) حقًا" (٣)؛ وذلك لما يراه في نفسه من الأمور الدالة على نبوته، سوى ما شاركه فيه غيره من العلم به، وقد قيل له ﵇: كان عيسى ﵇ يمشي [على الماء] (٤)، فقال: "لو ازداد (٥) يقينًا لمشى على الهواء" (٦)، [أي على الريح] (٧)، وأشار بذلك إلى نفسه، حيث مشى فوق السموات وتخلف البراق (٨) ...........................

стр. 3014

(١)، وقد قال ﵇ لأصحابه ﵃: "أي (٢) المؤمنين أعظم إيمانًا؟ "، فقالوا: [الملائكة] (٣)، فقال: "ولم لا يكونون (٤) كذلك وهم يشاهدون الأمر؟ " فقالوا: الأنبياء، فقال: "ولم لا يكونون (٤) كذلك والوحي ينزل عليهم بالأمر؟ " فقالوا: نحن، فقال: "ولم لا تكونون كذلك وأنتم تشاهدون الأشياء، وأنا بين أظهركم؟ " فقال: "هم قوم يأتون آخر الزمان يسمعون الأشياء (٥) سماعًا، ويتهالكون عليها حبًا واشتياقًا، للعامل منهم أجر سبعين منكم" فقالوا: منهم، فقال: "بل (٦) منكم؛ لأنكم تجدون على الخير أعوانًا، وهم لا يجدون ذلك، وإني إليهم لمشتاق" (٧). وهذا كله يدل على جواز التفاوت والترجيح في القطعيات.

стр. 3015

ويدل عليه أيضًا قول الشاعر: ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي (١) الخمر ولا تسقني سرًا إذا أمكن الجهر (٢) وذلك أنه إذا شرب الخمر فقد علمها ضرورة وأدرك (٣) طعمها ولونها وريحها، وبقي له من الإدراكات السمع. فقال منبهًا على الإدراك السمعي: وقل لي: هي الخمر، فإن من علم الشيء من وجه، فلا يساوي من علمه من جميع (٤) الوجوه. وأما الدليل المعقول فهو: [أن] (٥) العلم الضروري أجلى (٦) من العلم النظري، فإن علمك [بأن] (٧) الواحد (٨) نصف (٩) الاثنين أجلى (١٠) من علمك بأن الواحد سدس عشر الستين (١١).

стр. 3016

قوله: (ويمتنع الترجيح (١)) هو أحد القولين المذكورين. وهذه القاعدة [هي] (٢) سبب الخلاف في الإيمان القلبي، هل يزيد وينقص (٣) أم لا؟ قوله: (ومذهبنا ومذهب الشافعي الترجيح بكثرة الأدلة، خلافًا لقوم) (٤). [ش] (٥): حجة الجواز: أن كثرة الأدلة تزيد ظنًا بالمدلول، والظن مرجح، والعمل بالراجح متعين (٦). حجة [المنع] (٧): القياس على منع الترجيح بالعدد في الشهادة، فإن المشهور المنع منه، بخلاف الترجيح بمزيد العدالة (٨).

стр. 3017

والجواب: أن الترجيح بالعدد إنما منع في الشهادة سدًا لباب الخصومات، وحسمًا لمادة النزاع بين الخصمين، فلو فتح هذا الباب لأدى إلى أن يأتي كل واحد من الخصمين بأكثر من عدد شهود صاحبه، ولا يزال كل واحد منهما يتحيل في ذلك، فلا تكاد تنفصل خصومة، بخلاف الترجيح بمزيد العدالة؛ إذ ليس في قدرة الخصم أن يُصَيّر بينته أعدل من بينة خصمه، والترجيح بكثرة الأدلة من هذا القبيل، فليس في قدرته أن يصير دليلًا مرجوحًا راجحًا، ولا أن يصير قليل الأدلة كثيرها؛ لأن الأدلة قد استقرت من جهة صاحب الشرع فلا قدرة على الزيادة (١) فيها، بخلاف غيره، فالترجيح (٢) بكثرة الأدلة كالترجيح بمزيد العدالة لا كالترجيح بالعدد، فظهر الفرق [بينهما] (٣). قوله: (وإِذا تعارض دليلان فالعمل بكل واحد منهما [من وجه] (٤) أولى من العمل باحدهما دون الآخر، وهما إِن كانا عامين (٥) معلومين والتاريخ [معلوم] (٦) نسخ [المتأخر المتقدم (٧)، وإِن كان مجهولًا (٨) سقطا، وإِن علمت المقارنة (٩) خير بينهما، وإِن كانا مظنونين

стр. 3018

فإِن علم المتأخر نسخ] (١) المتقدم، وإِلا رجع (٢) إِلى الترجيح، وإِن كان أحدهما معلومًا (٣) والآخر مظنونًا (٤) والمتأخر المعلوم نسخ، [أ] (٥) والمظنون لم ينسخ، وإِن جهل الحال تعين المعلوم، وإِن كانا خاصين فحكمهما حكم العامين، وإِن كان أحدهما عامًا والآخر خاصًا (٦) قدم (٧) الخاص (٨) على العام، لأنه لا يقتضي إِلغاء (٩) أحدهما بخلاف العكس، وإِن كان أحدهما عامًا من وجه، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ (١٠) / ٣٢٥/ مع قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١١) وجب الترجيح إِن كانا مظنونين). ش: هذا (١٢) التقسيم الذي ذكره المؤلف هو للإمام (١٣) فخر الدين في المحصول (١٤)، وحصر ذلك: أن الدليلين إذا تعارضا، فإما أن يمكن الجمع

стр. 3019

بينهما أولا، فإن لم يمكن الجمع بينهما ففيه أربعة أقسام وهي: إما أن يكونا عامين، وإما أن يكونا خاصين، وإما أن يكون أحدهما عامًا والآخر خاصًا، وإما أن يكون أحدهما عامًا من وجه وخاصًا من وجه، والآخر كذلك. فهذه (١) أربعة أقسام، وكل واحد من هذه الأقسام الأربعة: إما أن يكونا معلومين، وإما أن يكونا مظنونين، وإما أن يكون أحدهما معلومًا والآخر مظنونًا، فثلاثة في أربعة باثني عشر قسمًا، وفي كل واحد من هذه الأقسام إما معلوم التاريخ، وإما مجهول (٢) التاريخ بينهما، فهذه أربعة وعشرون قسمًا (٣). قوله: (فالعمل بكل واحد منهما [من] (٤) وجه (٥) أولى من العمل بأحدهما دون الآخر). قال المؤلف: إنما رجح العمل بكل واحد منهما من وجه؛ لأن كل واحد منهما (٦) يجوز إطلاقه بدون إرادة ذلك الوجه الذي ترك العمل به، ولا يجوز إطلاقه بدون جميع ما دل عليه، فإن ذلك يُصَيّر اللفظ باطلًا بالكلية (٧)، وأما التقدير الأول فهو أولى؛ لأن فيه الجمع بين الدليلين، فهو أولى من اطّراح (٨)

стр. 3020

أحدهما (١). مثال ذلك: قوله ﵇: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" (٢) مع قوله ﵇: "من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" (٣)، فيحمل الأول على الندب، ويحمل الثاني على نفي الحرج. وكذلك نهيه ﵇ عن الشرب (٤) قائمًا، ثم روي عنه أنه شرب قائمًا فيحمل الأول على الكراهة، و [يحمل] (٥) الثاني على نفي الحرج. وقوله ﵇: "لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها لبول ولا غائط" (٦). وروي عنه أنه فعل ذلك في بيته، فيحمل الأول على الأفضية، ويحمل الثاني على الأبنية.

стр. 3021

وكذلك قوله ﵇: "خير الشهداء من شهد قبل أن يستشهد" (١) مع قوله ﵇: "شر الشهداء من شهد [قبل أن] (٢) يستشهد" (٣) (٤)، فيحمل الأول على حقوق الله تعالى، ويحمل الثاني على حقوق الآدميين. ومثاله أيضًا: إذا شهدت بينة أن الدار لزيد، وشهدت أخرى أنها لعمرو، فإنها تكون لهما معًا (٥)؛ جمعًا بين الدليلين. قوله: (وهما إن كان عامين معلومين والتاريخ معلوم نسخ المتأخر

стр. 3022

المتقدم) لأنه إذا لم يمكن الجمع بينهما تعين النسخ (١)؛ لأنه يشترط في النسخ أن يكون المتأخر مساويًا (٢) أو أقوى (٣)، وهو ها هنا مساوٍ (٤)، فيتعين النسخ. مثاله: قوله تعالى: ﴿وَالَّذينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ (٥) إلى قوله: ﴿الْحَوْلِ﴾ (٦) (٧) مع قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَوْنَ مِنكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿[أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ] (٨) وَعَشْرًا﴾ (٩). قوله: (وإِن كان مجهولًا سقطا). مثاله: [قوله تعالى] (١٠): ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية (١١)، ظاهره تعذيب القاتل وإن تاب. وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ الآية (١٢) ظاهره عدم تعذيب القاتل التائب (١٣). فالدليلان عامان مقطوعان مع جهل التاريخ؛ لأنه إذا جهل التاريخ وجب

стр. 3023

الوقف؛ إذ ليس نسخ أحدهما للآخر بأولى من العكس فيسقطان، فإذا (١) سقطا رجع إلى الأصل، وهو عدم الحكم، فيجب الوقف حتى يدل الدليل (٢). قوله: (وإِن علمت المقارنة خير بينهما)، أي: ولا نسخ؛ لأن من شرط النسخ التراخي، ولا تراخي مع المقارنة، فلا نسخ، وكل واحد منهما [حجة قطعًا، فيتعين (٣) التخيير بينهما؛ لئلا يتهافت الخطاب (٤). قوله: (وإِن كانا مظنونين فإِن علم المتأخر نسخ المتقدم لحصول المساواة بينهما في الظن) (٥). مثالهما: قوله ﵇: "إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة التي ترد عليكم، وأما الآن فكلوا وتصدقوا وادخروا" (٦). قوله: (وإِلا رجع إِلى الترجيح)، أي: وإن لم يعلم المتأخر منهما] (٧) رجع إلى الترجيح، ولا سبيل ها هنا إلى التساقط، بخلاف المعلومين، لتعذر التفاوت بين المعلومين.

стр. 3024

مثاله: قوله ﵇: "وهل هو إلا بضعة منك؟ " (١) مع قوله ﵇: "من مس ذكره فليتوضأ" (٢) هذا أرجح؛ لأنه رواه عدد كثير، بخلاف الأول؛ لأنه رواه عدد قليل. ولو علمت المقارنة ها هنا في المظنونين خير بينهما، كما يخير (٣) في المعلومين. قوله: (وإِن كان أحدهما معلومًا والآخر مظنونًا، والمتأخر المعلوم نسخ، أو المظنون لم ينسخ). مثال المتأخر المعلوم: قوله: صلى بنا رسول الله ﷺ في اليوم الأول المغرب عند الغروب، وصلاها بنا في اليوم الثاني عند الشفق (٤)، نسخه قوله

стр. 3025

عليه السلام: "صلى به جبريل ﵇ صلاة المغرب في اليومين عند الغروب" (١) هذا معلوم، والأول مظنون (٢). وذلك [أنه] (٣) يشترط في الناسخ [أن يكون] (٤) مساويًا [أ] (٥) وأقوى. فإن [كان] (٦) المعلوم هو المتأخر نسخ لأنه أقوى (٧). وإن كان المظنون هو المتأخر لم ينسخ لأنه أضعف (٨). مثاله: حديث أهل قباء، وخالف فيه الباجي وأهل الظاهر، كما تقدم في باب النسخ، في الفصل الثالث في الناسخ والمنسوخ، في قول المؤلف: وأما

стр. 3026

جواز نسخ الكتاب بالآحاد فجائز عقلًا غير واقع سمعًا، خلافًا لأهل الظاهر والباجي منا، مستدلًا بتحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة (١). قوله: (وإِن جهل الحال تعين المعلوم)، لأجل رجحانه فإن العمل (٢) بالراجح متعين (٣) (٤). مثاله: قوله ﵇: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن [فهي خداج] " (٥) (٦) هذا معلوم، وقوله: "كل ركعة [لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج] " (٧) (٨) مظنون، ..................................................

стр. 3027

وإنما قلنا [بأن] (١) الأول (٢) معلوم؛ لأن الرواة اتفقوا على مرفوعه (٣) إليه ﵇، بخلاف كل ركعة. قوله: (وإِن كانا خاصين فحكمهما حكم العامين، الحكم كالحكم، والتقسيم كالتقسيم، وإِن كانا معلومين والتاريخ معلوم نسخ المتأخر المتقدم (٤)). مثاله:/ ٢٢٦/ قوله تعالى: ﴿عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مائَتَينِ﴾ الآية (٥). هذا خاص، وقوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكمْ﴾ (٦) الآية (٧) هذا خاص أيضًا. وإن جهل التاريخ، سقطا ووجب الوقف. وإن علمت المقارنة، خير بينهما. [وإن كانا مظنونين، فإن علم التاريخ، نسخ المتأخر المتقدم. وإن جهل التاريخ، رجع إلى الترجيح.

стр. 3028

وإن علمت المقارنة، خير بينهما] (١). وإن كان أحدهما معلومًا والآخر مظنونًا، فإن كان المتأخر المعلوم نسخ، وإلا فلا، على ما تقدم. فإن كان أحدهما عامًا والآخر خاصًا [قدم الخاص] (٢)، نحو قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣)، مع قوله ﵇: "لا تقتلوا النساء والصبيان". وإنما يقدم الخاص على العام من وجهين (٤): أحدهما: ما ذكر [هـ] (٥) المؤلف، وهو أنه لا يقتضي إلغاء أحدهما بخلاف العكس؛ لأنا إذا قدمنا الحديث [بقيت] (٦) الآية مستقلة (٧) فيما عدا الصبيان، ولو قدمنا عموم الآية لبطل الحديث بالكلية. الوجه الثاني: أن دلالة (٨) الخاص على ما دل عليه أقوى من دلالة (٨) العام عليه، فإن العام يصح إطلاقه بدون ذلك الخاص، ولا يصح إطلاق الخاص بدون إرادة الصبيان؛ لأنهم جميع مدلوله. قوله: (وإِن كان أحدهما عامًا من وجه ما) في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ

стр. 3029

تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (١) مع قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢) [وجب الترجيح إن كانا مظنونين (٣) ووجه العموم فيها: أن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ يتناول الحرتين والمملوكتين [خاص بالأخوات دون غيرهن] (٤)، وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾] (٥) يتناول الأختين والأجنبيتين [خاص بالمملوكات] (٦). فصار أحد العمومين يقتضي تحريم الجمع بينهما، أي بين الأختين المملوكتين، والعموم الآخر يقتضي حلية الجمع بينهما، وليس تخصيص عموم أحدهما بأولى من العكس، فلا بد من مرجح، وإلا وجب الوقف. وقد اختلف أرباب العلم في الوطء [في] (٧) الملك (٨) في الأختين على ثلاثة أقوال: التحريم، والإباحة، والوقف (٩).

стр. 3030

والمشهور التحريم ترجيحًا لآية التحريم على آية التحليل. لأن آية التحليل مخصوصة بموطوءات الآباء إجماعًا، وآية التحريم اختلف فيها، هل دخلها التخصيص أم لا؟ وما اختلف في تخصيصه أقوى مما خُصِّص إجماعًا، والعمل بالراجح متعين، فتقدم آية [التحريم] (١) لرجحانها؛ ولأنهما قد تعارضا، والتحريم في نظر الشرع أغلب؛ لاشتماله على المفسدة (٢). وأما من قال بالإباحة: فلأنهما لما تعارضا تساقطا، والأصل براءة الذمة (٣). وأما الوقف: فلأنهما لما تعارضا فلا أولوية، فوجب [الوقف] (٤) والإلزام الترجيح من غير مرجح، وهو محال (٥). وجوابه: أن المرجح حاصل. وقد تقدم بيانه، وبالله التوفيق بمنه. ومثاله أيضًا قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ اْلْبَحْرِ﴾ (٦) هو (٧) عام للحي (٨) والميت خاص بالبحر، وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ [عَلَيْكُمُ] (٩) الْمَيْتَةُ﴾ (١٠) عام

стр. 3031

للبر، والبحر خاص (١) بالميتة دون الحي. قوله: (إِن كانا مظنونين)، كقوله ﵇: "لا صلاة نافلة بعد الفجر ... " الحديث [هذا] (٢) خاص بالزمان عام بالمكان، وقوله: "من دخل المسجد على وضوء" عكسه، فهذا أرجح؛ لأن الأول ضعيف، لأنه خص (٣) بالحزب، [وبالوتر] (٤)، وبركعتي الفجر (٥). ...

стр. 3032

الفصل الثالث في ترجيح (١) الأخبار وهو (٢) إِما في الإِسناد، أو [في] (٣) المتن (٤). فالأول: قال الباجي: يترجح بأنه في قصة (٥) مشهورة، والآخر ليس كذلك، أو راويه (٦) أحفظ، أو أكثر، أو مسموع منه ﵇، والآخر مكتوب به، أو متفق على رفعه إِليه ﵇، أو تتفق (٧) رواته عند (٨) إِثبات الحكم به، أو راويه (٩) صاحب القضية، أو إِجماع (١٠) أهل المدينة على العمل به، أو روايته (١١) أحسن نسقًا، أو سالم من الاضطراب، أو موافق

стр. 3033

لظاهر الكتاب، والآخر ليس كذلك (١). ش: واعلم أن الترجيح يكون في الأخبار، ويكون في الأقيسة، ويكون في طرق العلل. وقد عقد المؤلف لكل واحد من هذه الثلاثة فصلًا (٢) يخصه، فقدم الكلام ها هنا على ترجيح الأخبار. والترجيح في الأخبار على قسمين: إما في أسانيدها (٣)، وإما في متنها. ومعنى إسنادها: أي إسناد الحديث إلى رواته (٤). ومعنى متنها: أي لفظ الحديث [نفسه] (٥). قوله: (فالأول)، أي فالقسم الأول الذي هو الترجيح في الإسناد. (قال الباجي: يترجح أحد الخبرين بأنه في قصة مشهورة، والآخر ليس كذلك) (٦) (٧).

стр. 3034

مثاله: الخلاف (١) بين العلماء في جواز النكاح من غير إشهاد، قال مالك: بجوازه (٢)، وقال غيره: بمنعه (٣). واستدل مالك بحديث أنس بن مالك، أنه ﵇ تزوج صفية (٤) في غزوة خيبر (٥)، فأولم بتمر وأقط ولم يشهد؛ ولذلك شك الصحابة، هل اتخذها زوجة أو أم ولد، حتى حجبها فعلموا أنها زوجة (٦)، وهذه قصة مشهورة (٧). واستدل الشافعي بحديث ابن عباس ﵁، [وهو] (٨) قوله عليه

стр. 3035

السلام: "لا نكاح إلا بولي، وصداق، وشاهدين (١) عدلين" (٢) (٣) وليس هذا الحديث في قصة مشهورة. فحديث مالك أولى لشهرته، فالإشهاد عند مالك من شروط الكمال، وعند الشافعي من شروط الصحة. قوله: (أو رواية أحفظ (٤)). مثاله: اختلافهم في استسعاء العبد في خلاص نفسه، إذا لم يكن الشريك المقوم عليه مليًا. قال مالك: لا يستسعى العبد (٥)، وقال الحنفي: يستسعى (٦).

стр. 3036

واستدل مالك بحديث ابن عمر ﵁، وهو قوله ﵇: "من أعتق شركًا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة العدل وأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق منه ما عتق". واستدل الحنفي بحديث سعيد بن أبي عروبة (١) وهو قوله ﵇: / ٣٢٧/ "من أعتق نصيبًا له في مملوك فعليه إخلاصه من ماله إن كان له مال، وإن لم يكن له مال استسعى العبد في قيمته غير مشقوق عليه"، وحديث مالك أولى؛ لأن ابن عمر أحفظ من الآخر (٢).

стр. 3037

قوله: (أو أكثر) (١)، مثاله: قوله ﵇: "من مس ذكره فليتوضأ" رواه عدد كثير من الرجال والنساء، وهو دليل مالك (٢). وعارضه الحنفي بقوله ﵇: "وهل هو إلا بضعة منك" (٣) رواه عدد قليل. قوله: (أو مسموع منه ﵇، والآخر مكتوب به) (٤). مثاله: اختلافهم في جلود الميتة، هل يطهرها الدباغ أم لا؟ فقال مالك: لا يطهرها الدباغ (٥)، وقال غيره: يطهرها (٦).

стр. 3038

واستدل الغير: بقوله ﵇: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" [وهذا الخبر] (١) مسموع منه ﵇. واستدل مالك بحديث عبد الله بن عكيم (٢) قال: كتب إلينا رسول الله ﷺ قبل موته بشهر: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" (٣)، حديث السماع أولى من حديث الكتابة؛ لأن المكتوب يحتمل التزوير (٤) والتصحيف والغلط. ولكن في هذا نظر؛ لأن التزوير (٥) والتصحيف والغلط على كتابه ﵇ في مثل هذا بعيد. قوله: (أو متفق [على رفعه] (٦) إِليه ﵇، أي والآخر مختلف

стр. 3039

في رفعه إليه (١). مثاله: اختلافهم في فرضية أم القرآن، هل هي فرض في جملة الصلاة أو هي فرض [في] (٢) كل ركعة؟. استدل القائل بفرضها (٣) في جملة [الصلاة] (٤) بقوله ﵇: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج"، وهذا الحديث مرفوع إليه ﵇. واستدل (٥) [القائل بفرضها في كل ركعة] (٦) بقوله ﵇: "كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن ... " إلى آخره، وهذا موقوف على جابر (٧) (٨) (٩)، فالمرفوع أولى من الموقوف؛ لأن المرفوع إليه حجة إجماعًا، وأما الموقوف على الراوي فهو محتمل؛ لأنه يحتمل أن يكون سمعه فيكون حجة، ويحتمل أن يكون اجتهادًا منه، فيخرج على الخلاف في قول .........................

стр. 3040

الصحابي هل هو حجة أم لا؟ (١). قوله: (أو تتفق رواته عند إِثبات الحكم به) (٢) (٣). مثاله: اختلافهم في جواز النافلة بعد العصر. قال مالك: يمنع ذلك (٤)، واستدل برواية [عمر] (٥) ﵁، وهو قوله ﵇: "لا صلاة نافلة بعد العصر حتى تغرب [الشمس] (٦) ". وقال أهل الظاهر بجوازه (٧)، استدلالاً (٨) بحديث عائشة ﵂ [قالت:] (٩) "ما دخل علي رسول الله ﷺ بعد العصر إلا صلى ركعتين" (١٠).

стр. 3041

فخبرنا أولى؛ لأنه لم يرو عن عمر غيره، وأما عائشة فقد روي عنها مثل ما ذكر عمر (١)، وإنما كان (٢) أولى؛ لأن اتفاق رواته عند إثبات الحكم به دليل على قوة الخبر، فإن رواة [الخبر] (٣) عن عمر متفقون، والرواة عن عائشة مختلفون. قوله: (أو راويه صاحب القضية) (٤). مثاله: اختلافهم في [نكاح] (٥) المحرم، جوزه الشافعي (٦)، ومنعه

стр. 3042

مالك (١). استدل الشافعي: بحديث ابن عباس ﵁ قال: "تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهما محرمان" (٢). واستدل مالك: بحديث ميمونة، قالت: "تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان" (٣)، وهي صاحب القضية، وصاحب القضية أعلم بحال القضية من غيره. قوله: ([أ] (٤) وإِجماع أهل المدينة على العمل به) (٥) مثاله: اختلافهم في تربيع (٦) الأذان (٧).

стр. 3043

فقال مالك: بتربيع (١) التشهد، وتثنية التكبير. وقال غيره: بالعكس، وهو تربيع (١) التكبير، وتثنية التشهد. فالأول مذهب مالك، وعليه عمل أهل المدينة. وسبب الخلاف: اختلاف الأحاديث. وعمل أهل المدينة أولى؛ لأنها مهبط الوحي، ومعدن الرسالة، ومن عندهم (٢) خرج العلم إلى غيرهم، فإذا لم يوجد الخبر بين أظهرهم، دل ذلك على كذبه أو نسخه (٣). قوله: (أو روايته (٤) أحسن نسقًا) (٥).

стр. 3044

مثاله: اختلافهم في الأفضل من صفة الحج، هل الإفراد؟ قاله مالك (١)، أو القران؟ قاله أبو حنيفة (٢). [واستدل مالك بحديث جابر، واستدل أبو حنيفة] (٣) بحديث أنس. فحديث جابر أولى؛ لأنه وصف فيه حجه ﵇ من أوله إلى آخره، لأنه قال: أفرد رسول الله ﷺ بالحج، ثم فعل كذا ثم فعل كذا (٤) (٥)، فأتى به على أحسن نسق، وأما أنس فإنه قال: "قرن رسول الله ﷺ " (٦).

стр. 3045

فحديث جابر أولى؛ لأنه وصفه من بدايته (١) إلى نهايته (٢)، وذلك يدل على حفظه وضبطه، وعلمه بظاهر الأمر وباطنه، بخلاف الذي لم ينقل إلا بلفظة واحدة. فإنه يجوز ألا يعلم سببها (٣). قال المؤلف: وإنما كان الأحسن نسقًا أولى؛ لأنه أنسب للفظ (٤) النبوة، فإنه ﵇ أفصح العرب، فإضافة الأفصح إليه أنسب من ضده (٥). فسر المؤلف في شرحه حسن النسق بالفصاحة، فأضاف ها هنا الفصاحة إلى السند، وأضاف (٦) الفصاحة إلى المتن في قوله [بعد] (٧)، أو يكون فصيح اللفظ يعني الخبر (٨). قوله: (أو سالم من الاضطراب) (٩).

стр. 3046

قال المؤلف: الاضطراب: هو اختلاف ألفاظ الرواة (١). مثاله: حديث أنس ﵁: كنا نسافر مع رسول الله ﷺ ، فمنا (٢) الصائم ومنا المفطر، ومنا المقصر، [ومنا المتم] (٣)، وهذا الحديث لم يضطرب فيه راويه، وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: فرضت الصلاة مثنى مثنى، وروي عنها أيضًا أنها قالت: فرضت الصلاة أربعًا [أربعًا] (٤) (٥) (٦)، فحديث أنس أولى لعدم (٧) اضطراب راويه في لفظه، وهو يقتضي عدم وجوب القصر، وحديث عائشة يقتضي وجوب القصر؛ لقولها (٨): وأقرت (٩) صلاة الحضر (١٠).

стр. 3047

قوله: (أو موافق لظاهر الكتاب) (١). مثاله: اختلافهم في الزكاة/ ٣٢٨/ في مال الصبي. فقال مالك: تجب فيه الزكاة (٢)؛ لقوله ﵇: "أمرت أن آخذ الصدقة (٣) من أغنيائهم وأردها على فقرائهم" (٤)، هذا (٥) موافق لظاهر الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (٦). [و] (٧) قال أبو حنيفة: لا تجب الزكاة في مال الصبي (٨)؛ لقوله

стр. 3048

عليه السلام: "رفع القلم عن الصبي [حتى] (١) يبلغ" فالحديث المعضود بالكتاب أقوى في الظن مما ليس له عاضد. [قوله] (٢): (قال الإِمام: أو يكون راويه (٣) فقيهًا، أو عالمًا بالعربية، أو عرفت عدالته بالاختبار، أو علمت بالعدد الكثير، أو ذكر سبب عدالته، أو لم يختلط عقله في بعض الأوقات، أو كونه من أكابر الصحابة، أو له اسم واحد، أو لم تعرف له رواية في زمان الصبا والآخر ليس كذلك، أو يكون مدنيًا والآخر [مكيًا] (٤)، أو راويه متأخر الإِسلام (٥)). ش: قوله: (أو يكون راويه فقيهًا) (٦)؛ لأن العلم بالفقه يبعد معه الخطأ في النقل، فإن اشتركا في الفقه وكان أحدهما أفقه. فقال القاضي عبد الوهاب: إن (٧) كان النقل باللفظ فلا ترجيح، وإن نقل

стр. 3049

بالمعنى، فالأفقه أولى. انظر هل يلزم مثله في الفقيه وغير الفقيه، أو يفرق بينهما، وأن (١) الفقيه أولى من غيره مطلقًا؟ لأن مالكًا اشترط الفقه في الراوي بخلاف الأفقه، إلا أن يقال: إنما اشترط مالك الفقه حيث يكون النقل بالمعنى. قوله: (أو عالمًا بالعربية) (٢)، مثاله: اختلافهم في المعتقة تحت الحر، هل تخير أم لا؟ (٣). قال مالك: لا تخير (٤)، استدل بحديث نافع، وهو قوله: عتقت بريرة (٥) تحت عبد فخيرها رسول الله ﷺ (٦)، ونافع عالم بالعربية.

стр. 3050

وقال أبو حنيفة: تخير (١)، استدل بحديث رجل جاهل بالعربية، وهو قوله: عتقت بريرة (٢) تحت حر فخيرها رسول الله ﷺ (٣)؛ لأن العلم بالعربية يبعد معه الخطأ في النقل، والكلام في اشتراط العربية كالكلام الذي تقدم في الفقه (٤). قوله: (أو عرفت عدالته بالاختبار) (٥)، أي: عدالة الخلطة، أولى وأقوى
следующие страницы →