← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الهمزة، وهل، وأم المنقطعة، وأم المتصلة، ومن، وما، وأي (١)، وكيف، ومتى، وأين، وأيان، وأنى. فأما الهمزة - وهي (٢) الأصل في هذا (٣) الباب - فيستفهم بها عن التصور وعن (٤) التصديق. وأما هل فيستفهم بها عن التصديق خاصة، وكذلك أم المنقطعة. وأما المتصلة فيستفهم بها عن التصور خاصة، وكذلك ما بقي من الحروف. مثال الهمزة في التصور: ألَبن في الإناء أم عسل؟ فالمسئول عنه (٥) في هذا المثال هو: المظروف. ومثاله أيضًا قولك (٦): أعسل في الخابية أم في الزق؟ فالمسئول عنه (٧) في هذا المثال هو: الظرف. ومثاله أيضًا (٨) قولك: أضربت زيدًا؟ فالمسئول عنه في هذا المثال هو: الفعل.

стр. 492

ومثاله أيضًا قولك: أأنت ضربت زيدًا؟ فالمسئول عنه في هذا المثال (١) هو: الفاعل. ومثاله أيضًا: أزيدًا ضربته (٢) فالمسئول عنه في هذا المثال هو: المفعول. و (٣) مثال الهمزة في التصديق قولك: أزيد قائم (٤)؟، ومثاله أيضًا: أقام زيد (٥)؟ ومثال هل في التصديق قولك: هل قام زيد؟ ومثاله أيضًا: هل زيد قائم؟ ومثاله أيضًا (٦): هل عمرو قاعد؟ ولا يستعمل هل في التصور، فلا يجوز أن تقول: هل زيد قام أم عمرو. وأما "ما" فيسأل بها عن شرح الاسم، أو عن (٧) شرح المسمى، أي يسأل بها عن شرح الاسم لمن هو عارف بالمسمى، إلا أنه جاهل بدلالة الاسم عليه، كمن علم حقيقة الإنسان وسمع لفظ البشر، ولم يعلم موضوعه (٨)، فإذا قال: ما (٩) البشر؟ أي ما المراد بالبشر؟

стр. 493

فيقال له: الإنسان، أو الحيوان الناطق، هذا بيان شرح الاسم. وأما شرح المسمى فهو لمن هو عارف بدلالة الاسم عليه، إلا أنه جاهل بالمسمى. وأما "من" فيسأل بها عن الشخص، كقولك: من في الدار؟ وأما "أي" فيسأل بها عما يميز أحد المتشاركين في أمر يعمهما، كقولك: أي ما هو الإنسان من أنواع الحيوان؟ فيقال: الناطق [ومنه قوله تعالى: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ (١) أي أنحن أم أصحاب محمد ﷺ ؟] (٢). وأما "كم" فيسأل بها عن العدد، كقولك: كم عبدًا عندك؟، ومنه قوله تعالى: ﴿كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ (٣). وأما "كيف" فيسأل بها عن الحال، كقولك: كيف حال زيد؟ وأما "أين" فيسأل بها عن المكان [كقولك: أين دارك؟] (٤). وأما متى فيسأل بها عن الزمان كقولك: متى سفرك؟ وأما "أيان" فيسأل بها (٥) عن الزمان المستقبل كقولك: أيان يخرج السلطان؟، ومنه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ (٦).

стр. 494

وأما "أنى": فتارة تكون بمعنى كيف، نحو قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١) أي كيف شئتم. وتارة تكون بمعنى "أين"، كقوله تعالى: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ (٢)، أي: من أين لك هذا؟ قوله (٣): (والخبر (٤) هو: اللفظ (٥) الموضوع للفظين فأكثر، أسند مسمى أحدهما إِلى مسمى (٦) الآخر إِسنادًا يقبل الصدق والكذب (٧) لذاته، نحو: زيد قائم). ش: واعلم أن الخبر (٨) لغة يطلق على: الإشارة، ويطلق على: كلام الحال، ويطلق على: كلام النفس، ويطلق على: كلام اللسان. مثال إطلاقه على الإشارة: أخبرتني (٩) عيناك بكذا، ومنه قول الشاعر:

стр. 495

تخبرك العينان ما القلب كاتمه ومثال إطلاقه على (١) كلام الحال قول النابغة (٢): زعم الغداف بأن رحلتنا غدًا ... وبذاك خبرنا الغداف الأسود (٣)

стр. 496

ومعنى الغداف: هو الغراب السابغ الريش، ومنه قولهم: أغدفت المرأة القناع، إذا أرخته على وجهها (١). ومنه أيضًا (٢) قول الكميت (٣) يمدح رجلاً: أخبرت عن فعاله الأرض ... واستنطق منها اليباب والمعمور (٤) أراد أنه حفر فيها الأنهار وغرس الأشجار وأثّر الآثار، فلما تبينت للأبصار صارت (٥) كذات الأخبار. ومثال إطلاقه على كلام النفس قولك (٦): أخبرتني نفسي بكذا. ومثال إطلاقه على كلام اللسان: قوله تعالى: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ (٧)، وقولك: أخبرني فلان بكذا.

стр. 497

فهذه أربعة معان يطلق عليها (١) الخبر وهي الإشارة وكلام الحال، وكلام النفس وكلام اللسان (٢)، أما الأولان وهما الإشارة، وكلام الحال، فإطلاق الخبر عليهما مجاز. وأما الآخران (٣) وهما النفس وكلام اللسان، فاختلف العلماء في إطلاق الخبر عليهما على ثلاثة أقوال: قيل: هو حقيقة في اللساني والنفساني معًا (٤)، فهو لفظ مشترك بينهما. قال المؤلف في الشرح: و (٥) هذا القول هو المشهور، وقاله إمام الحرمين والإمام فخر الدين (٦) لوروده فيهما معًا، والأصل الحقيقة. وقيل: هو حقيقة في اللساني، مجاز في النفساني (٧)؛ لأن اللسان هو المتبادر إلى الذهن في العرف، والتبادر (٨) إلى الفهم دليل الحقيقة. وقيل: هو حقيقة في النفساني، مجاز في اللساني، وإليه ذهب (٩) الشيخ

стр. 498

أبو الحسن الأشعري (١)، دليله (٢) قول الأخطل (٣): إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلًا (٤)

стр. 499

. . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 500

لأن (١) الخبر (٢) كلام؛ لأنه من أنواع الكلام. وهذا الخلاف المذكور هو (٣) جار في الكلام وفي جميع أنواعه؛ لأنهم اختلفوا في الكلام وأنواعه، هل هو حقيقة في اللساني والنفساني؟ أو هو (٤) حقيقة في اللساني مجاز في النفساني؟ أو هو (٥) حقيقة في النفساني مجاز في اللساني؟ ثلاثة أقوال تقدمت. قوله: (هو اللفظ) أخرج به الإشارة، وكلام الحال، وكلام النفس؛ لأن ذلك ليس بلفظ بناء على القول: بأنه حقيقة في اللساني مجاز في غيره. أو تقول (٦): هذا على القول: بأنه حقيقة في اللساني والنفساني معًا؛ ليأتي كلامه على المشهور.

стр. 501

وحد المؤلف أحد معنيي اللفظ المشترك، وسكت عن المعنى الآخر، ولا يضره ذلك. وقوله: (الموضوع) أخرج به اللفظ المهمل. وقوله: (اللفظين) (١)، كقول: زيد قائم، أو زيد مسافر. و (٢) قوله: (فأكثر)، كقول: زيد قائم راكب مسافر؛ وذلك أن أقل مراتب الخبر لفظان، وأكثره غير محدود، ولذلك ذكر المؤلف أقله، وهو قوله: (للفظين)، ولم يذكر أكثره، لأنه غير محدود؛ لأن الخبر قد يكون بألفاظ كثيرة، كقولك مثلاً: ضربت ضربًا اليوم أمامك زيدًا أدبًا (٣) له (٤) والسارية، هذا الكلام كله خبر واحد، وقد جمعت فيه المفاعيل الستة، وهي: المفعول المطلق والمفعول فيه زمانًا، والمفعول فيه مكانًا، والمفعول به، والمفعول له، والمفعول معه. و (٥) قوله: (أسند مسمى أحدهما إِلى مسمى الآخر). الإسناد معناه: ضم أحد اللفظين إلى الآخر على جهة الاستقلال بالفائدة. فالمسمى الأول في كلام المؤلف يصدق على الاسم والفعل.

стр. 502

وأما المسمى الآخر فلا يصدق إلا على الاسم، ولا يصدق على الفعل. ويبان ذلك أن الاسم يسند ويسند إليه، وأما الفعل فإنه يسند ولا يسند إليه. مثال إسناد الاسم إلى الاسم: زيد قائم كما مثله المؤلف. ومثال إسناد الفعل إلى الاسم: قام زيد. وقوله: (أسند مسمى أحدهما إِلى مسمى الآخر) احترازًا من لفظين أو أكثر إذا لم يسند أحدهما إلى الآخر (١)، كقولك: زيد عمرو؛ إذ لا ربط (٢) بينهما، وقولك (٣): زيد عمرو بكر. و (٤) قوله: (إِسنادًا يقبل الصدق والكذب) احترازًا من الإسناد الذي لا يقبلهما وهو الإسناد بالإضافة أو بالصفة. مثال الإسناد بالإضافة: غلام زيد. ومثال الإسناد بالصف: رجل صالح (٥). وقوله: (الصدق والكذب)، وها هنا أربعة ألفاظ وهي: الصدق، والكذب، والتصديق، والتكذيب. قال المؤلف في الشرح في باب الخبر: الصدق عبارة عن مطابقة الخبر

стр. 503

للمخبر عنه، و (١) الكذب عبارة عن مخالفة الخبر للمخبر عنه، والتصديق عبارة عن الإخبار عن كون الخبر صدقًا، والتكذيب عبارة عن الإخبار عن كون الخبر كذبًا، فالصدق والكذب نسبتان بين الخبر ومتعلقه، وهما عديمتان لا وجود لهما في الأعيان، وإنما وجودهما في الأذهان. والتصديق والتكذيب خبران وجوديان في الأعيان مسموعان (٢). فظهر الفرق بين الصدق والتصديق، وبين الكذب والتكذيب. قوله: (لذاته) أي: لأجل ذات الإسناد أي لنفس الإسناد، فالضمير (٣) في قوله: (لذاته) عائد على الإسناد، ويحتمل أن يعود على الخبر، وهما واحد في المعنى، يعني أن الخبر يقبل الصدق والكذب، لذاته لا (٤) لعارض (٥)؛ لأن الخبر من حيث هو خبر يقبل الصدق والكذب مع قطع النظر عما يعرض له من جهة المخبر به، أو من جهة المخبر عنه، وذلك أن خبر المعصوم كخبر الله، وخبر الرسول ﷺ (٦)، وخبر مجموع الأمة لا يقبل إلا الصدق، ولا يقبل الكذب، وكذلك (٧) الخبر على وفق الضرورة لا يقبل إلا الصدق، ولا يقبل الكذب. كقولك: الواحد نصف الاثنين، ولكن ذلك بالنظر إلى جهة المخبر؛ لأنه

стр. 504

إنما جاء امتناع القبول للكذب (١) في هذه الأمثلة من جهة المخبر والمخبر عنه. وقولك: الواحد نصف العشرة لا يقبل إلا الكذب؛ لأنه خبر على خلاف الضرورة، فلا يقبل الصدق، ولكن ذلك من جهة المخبر عنه، لا من جهة الخبر (٢) بنفسه (٣)، وذلك أن جهة المخبر والمخبر عنه أمر عارض للخبر، وليس بوصف ذاتي له، ولا تنافي بين اقتضاء الشيء بالذات، وبين تخلفه (٤) لعارض، كالعالم فإنه من حيث ذاته جائز، ومن حيث تعلق علم الله تعالى وإرادته بإيجاده واجب. قوله: (والخبر هو اللفظ الموضوع ...) إلى آخره. اعترض هذا الحد بأن قيل: الصدق والكذب ضدان لا يجتمعان في محل واحد، فكيف يجتمع قبولهما في الخبر؟ فالأولى (٥) أن (٦) يأتي بأو، فيقول: يقبل (٧) الصدق أو الكذب. أجيب عن هذا بأن قيل: لا يلزم من التنافي بين المقبولين التنافي بين القبولين، وذلك أن كل جسم قابل جميع الأضداد، فاجتمعت له القبولات كلها، ولا تجتمع له المقبولات (٨)، وانما تتعاقب عليه على سبيل البدل. مثال ذلك: العَالَم ممكن قابل للوجود والعدم لذاته، مع أن الوجود

стр. 505

والعدم نقيضان متنافيان، ولا يتصور الإمكان إلا باجتماع القبولين، [وإن امتنع اجتماع المقبولين] (١) فيتعين العطف بالواو لا بأو. تنبيه: قال المؤلف في القواعد: اعتقد جماعة من الفقهاء: أن الخبر يحتمل الصدق والكذب بالوضع، وليس كذلك؛ لأن العرب لم تضع إلا الصدق، واحتمال الكذب إنما جاء من جهة الاستعمال. والدليل على ذلك: إطباق أرباب اللسان على أن من قال: قام زيد، إنما أراد أن القيام صدر من زيد. وفي هذا نظر؛ لإطباق أرباب اللسان على (٢) أن العرب كما وضعت صيغًا (٣) لإثبات الخبر، كذلك وضعت أيضًا صيغًا (٤) لنفي الخبر. والدليل على ذلك: أن "لَمْ" وضعوه لنفي قول من قال: قام زيد وتكذيبه (٥) ووضعوا "لِمَا" لنفي قول من قال: قد (٦) قام زيد وتكذيبه، فلو صدق القيام من زيد في هذا الخبر لما صح نفيه ولا وضع له ما ينفيه، والله أعلم [وبالله التوفيق] (٧). ...

стр. 506

الفصل السابع في (١) الفرق بين الحقيقة والمجاز وأقسامهما (٢) تعرض المؤلف ﵀ في هذا الفصل لبيان الحقيقة والمجاز (٣) وفي هذا الفصل سبعة مطالب: الأول: في حقيقة الحقيقة. الثاني: في أقسامها. الثالث: في حقية المجاز. الرابع: في أقسامه. الخامس: في الفرق بين النقل والمجاز الراجح. السادس: في الشيء الذي يوجبه المعنى القائم بالمحل (٤). السابع: في الاشتقاق الذي يعرف به الحقيقة والمجاز. قوله: (في (٥) الفرق بين الحقيقة والمجاز)، قال بعضهم: ترجم

стр. 507

المؤلف للفرق بينهما ولم يأت به، فالأولى أن لو قال: الفصل السابع في تفسير الحقيقة والمجاز، ولكن هذا لا نسلمه؛ لأن المؤلف فرق بين الحقيقة والمجاز بذكر حقيقتهما فقد فرق بينهما بالحقيقة؛ لأنه ذكر حقيقة كل واحد منهما. قوله: [(وأقسامهما)، أي] (١) وذكر أقسام الحقيقة وأقسام المجاز. قوله: (فالحقيقة استعمال اللفظ (٢) فيما (٣) وضع له (٤) في العرف الذي وقع به التخاطب). ش: هذا هو المطلب الأول: وهو حقيقة الحقيقة فيها (٥) أربعة أبحاث: الأول: في اشتقاقها. والثاني: في وزنها. والثالث: في معنى التاء اللاحقة [بها] (٦). والرابع: في إطلاقها على معناها عرفًا هل هو حقيقة أو مجاز. أما اشتقاق الحقيقة: فهي مشتقة من الحق وهو الثابت (٧) الموجود؛ لأنه يقابل به الباطل المعدوم فالثابت مرادف للموجود (٨).

стр. 508

وأما وزنها: فهو فعيلة، إما بمعنى اسم الفاعل، فيكون معناها ثابتة، وإما معنى (١) اسم المفعول فيكون معناها مثبتة (٢) لأن فعيلًا في كلام العرب تارة يكون بمعنى اسم الفاعل نحو: قدير وعليم، أي: قادر وعالم، وتارة يكون بمعنى اسم المفعول نحو: قتيل وجريح، أي مقتول ومجروح (٣). وأما التاء اللاحقة لهذه الكلمة: فهي لنقل اللفظ من الوصفية إلى الإسمية أي (٤) لغلبة الإسمية على الوصفية. واعلم أن فعيلًا إذا وصف به مؤنث فإن صرح بموصوفه حذفت منه التاء اكتفاء [بتأنيث] (٥) الموصوف نحو امرأة قتيل، وشاة نطيح، وكف خضيب (٦)، وعين كحيل، ولحية دهين [هذا في الغالب] (٧)، وقد تثبت (٨) فيه التاء قليلًا نحو: خصلة حميدة وصفة ذميمة، وإن حذفوا (٩) الموصوف أثبتوا التاء لنفي اللبس نحو: رأيت قتيلة بني فلان، ورأيت نطيحة بني فلان. وأما إطلاق الحقيقة على معناها في العرف هل هو حقيقة أو مجاز فهو

стр. 509

حقيقة عرفية، مجاز لغوي. قوله: (فالحقيقة استعمال اللفظ) أي فحقيقة (١) الحقيقة (٢) استعمال اللفظ فيما وضع له؛ أي هي إطلاق اللفظ في المسمى (٣) الذي وضع له ذلك اللفظ احترازًا من استعمال اللفظ في غير ما وضع له، وهو المجاز إن كانت فيه (٤) علاقة، أو النقل إن لم تكن فيه علاقة كما سيأتي في بيان الفرق بين المجاز والنقل (٥). وقوله (٦): (في العرف الذي وقع به التخاطب) أي: في الاصطلاح (٧) الذي وقع به التخاطب بين أربابه. والعرف المذكور ها هنا يندرج فيه الأعراف الأربعة (٨) وهي الحقائق الأربع؛ لأن كل واحد من الأعراف الأربعة يقع به التخاطب بين أربابه؛ لأن العرف اللغوي يحصل به التخاطب بين أهل الشرع، والعرف العام يحصل به التخاطب بين أهله، والعرف الخاص يحصل به التخاطب بين أهله.

стр. 510

قال المؤلف في الشرح: قولي في العرف الذي وقع به التخاطب، يشمل الحقائق الأربع: اللغوية، والشرعية، والعرفية العامة، والعرفية الخاصة، ولو اقتصرت على قول استعمال اللفظ فيما وضع له لكان الحد لا يتناول إلا الحقيقة اللغوية خاصة (١). وقال غيره: الحقيقة هي اللفظ المستعمل (٢) في موضوعه (٣) الأول (٤). فعلى (٥) هذا القول تكون: الأسماء الشرعية كالصلاة والزكاة، والأسماء (٦) العرفية العامة (٧) كالدابة للحمار، والأسماء (٨) الخاصة كالجوهر للمتحيز [الذي لا يقبل القسمة] (٩): مجازات راجحة لا حقائق، وأما على قول المؤلف فتكون حقائق (١٠). قوله: (استعمال اللفظ) صوابه: المستعمل (١١)؛ لأن الحقيقة (١٢) هي الموصوفة باللفظ المستعمل، فالمحكوم عليه بأنه حقيقة أو مجاز هو اللفظ

стр. 511

الموصوف بالاستعمال (١) لا نفس الاستعمال، قاله (٢) المؤلف (٣). وهذه الحقيقة التي حدها المؤلف هي أحد معنيي الحقيقة في العرف؛ لأنها (٤) تطلق الحقيقة على ذات الشيء، وعلى اللفظ المستعمل في موضوعه، فحد المؤلف المعنى المقابل للمجاز؛ إذ (٥) كلامه في هذا الفصل في الحقيقة المقابلة للمجاز. قوله: (وهي أربعة: لغوية كاستعمال لفظ (٦) الإِنسان في الحيوان الناطق، وشرعية كاستعمال لفظ الصلاة في الأفعال المخصوصة، وعرفية عامة كاستعمال لفظ الدابة في الحمار، وخاصة (٧) كا (٨) ستعمال [لفظ] (٩) الجوهر في المتحيز الذي لا يقبل القسمة). ش: هذا هو المطلب الثاني (١٠) في أقسام الحقيقة. قوله: (وهي (١١) أربعة) أي (١٢) و (١٣) الحقيقة المذكورة أربعة أقسام،

стр. 512

[و] (١) هذه الحقائق الأربع هي تفسير للعرف الذي (٢) وقع به التخاطب. وبيان انحصار العرف المذكور في هذه الأربع: أن الواضع إما أن يتعين أو لا يتعين، فإن تعين (٣) فإن كان واضع اللغة: فهي حقيقة لغوية، وإن كان واضع الشرع: فهي حقيقة شرعية، وإن لم يتعين الواضع: فهي عرفية عامة أو خاصة. قوله (٤): (وهي أربعة) أي وأقسام العرف المذكور أربعة. وقوله: (لغوية) أي أحد الأقسام حقيقة لغوية، أو نقول أي (٥) من الأقسام الأربعة حقيقة لغوية مثلها بقوله: كاستعمال الإنسان (٦) في الحيوان الناطق (٧)؛ لأنه موضوعه لغة (٨). ومثاله أيضًا: استعمال لفظ الفرس في: الحيوان الصاهل, واستعمال لفظ الحمار في: الحيوان الناهق، واستعمال لفظ الكلب في: الحيوان النابح, وغير ذلك من سائر الأسماء المستعملة في مسمياتها اللغوية. قوله: (وشرعية) كاستعمال لفظ الصلاة في الأفعال المخصوصة (٩).

стр. 513

وذلك أن لفظ الصلاة لغة (١): موضوع للدعاء، ثم (٢) استعمله الشارع في ذات الركوع والسجود، وهي العبادة المعروفة (٣) المحتوية على القيام والقعود والركوع والسجود وما معها من الأذكار الجميلة. ومثالها أيضًا: لفظ الزكاة والصيام (٤) ولفظ الحج ولفظ الجهاد، فإن لفظ الزكاة لغة موضوع للزيادة، ثم استعمل في الشرع لأخذ جزء معلوم (٥) من مال معلوم، ولفظ الصيام لغة موضوع (٦) لمطلق الإمساك، ثم استعمل في الشرع لإمساك مخصوص على وجه مخصوص. ولفظ الحج لغة (٧) موضوع لمطلق القصد، ثم استعمل في الشرع لقصد مكان مخصوص على وجه مخصوص. ولفظ الجهاد لغة موضوع لمطلق التعب، ثم استعمل في الشرع في إتعاب نفس في وجه مخصوص، وغير ذلك من سائر الألفاظ و (٨) الحقائق الشرعية.

стр. 514

قوله: (شرعية) (١) هل معناه أن صاحب الشرع وضع هذه الألفاظ لهذه العبادات؟، أو معناه أن حملة الشرع غلب استعمالهم للفظ الصلاة (٢) في الأفعال المخصوصة حتى لا يفهم منه إلا هذه العبادة (٣) المخصوصة؟ كلامه محتمل. وذلك أن العلماء اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: أحدها: وهو مذهب القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني: أن صاحب (٤) الشرع لم يضع شيئًا وإنما استعمل الألفاظ في موضوعاتها اللغوية، ودلت الأدلة الشرعية على أن تلك المسميات اللغوية لا بد لها من قيود زائدة حتى تصير شرعية. القول الثاني للمعتزلة: أن صاحب (٥) الشرع وضع هذه الألفاظ لهذه العبادات وجدد الوضع لهذه العبادات كمولود جديد يتجدد فلا بد له من لفظ يدل عليه (٦). القول الثالث: وهو مذهب فخر الدين وجمهور الفقهاء، أن صاحب (٧) الشرع استعمل الألفاظ في هذه العبادات على سبيل المجاز لاشتمالها على (٨)

стр. 515

المسمى اللغوي؛ لأن الدعاء الذي هو الصلاة لغة موجود في الفاتحة (١)، والإمساك مثلًا موجود في الصوم، والنماء موجود في الزكاة، والقصد موجود في الحج، والتعب موجود في الجهاد، إلى غير ذلك، فهذا (٢) من باب تسمية الشيء بما اشتمل عليه فغلب استعمال الناس لهذه الألفاظ في هذه (٣) العبادات المخصوصة حتى صار مجازًا راجحًا. فهذه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الشرع أبقاها. وثانيها: أنه نقلها. وثالثها: أنه تجوز بها أي (٤) أبقاها في موضوعها (٥) ولا نقلها عنه ولكن تجوز بها. وقال القاضي أبو بكر: فتح هذا الباب وهو كون الشرع نقل هذه الألفاظ يحصل (٦) غرض الشيعة من الطعن في الصحابة ﵃، فإنهم يكفرون الصحابة ويقولون: كفروا، فإذا قيل لهم: قد آمنوا والله تعالى وعد المؤمنين بالجنة، فيقولون: الإيمان الذي هو التصديق صدر منهم ولكن الشرع نقل هذا اللفظ إلى فعل الطاعة (٧) وهم صدقوا وما أطاعوا في أمر

стр. 516

الخلافة (١). فإذا قلنا: إن الشرع [لم ينقل] (٢) انسد هذا الباب الرديء. والدليل على (٣) أن الشرع لم ينقل هذه الألفاظ: وجودها في القرآن, والقرآن كله عربي (٤) فلو كانت هذه الألفاظ منقولة عن مسمياتها (٥) لغة لما كان (٦) القرآن كله (٧) عربيًا. واختلف هل في القرآن لغة عجمية (٨)، [أم لا؟ قولان. حجة] (٩) من قال بوجودها في القرآن: المشكاة (١٠)، والسندس (١١)،

стр. 517

والإستبرق (١)، والسجين (٢)؛ لأنها ألفاظ أعجمية، وكذلك بعض أسماء الملائكة (٣) نحو جبريل وميكائيل، وكذلك أسماء بعض الأنبياء نحو إبراهيم وإسماعيل، وكذلك أسماء (٤) بعض الفراعنة (٥) نحو فرعون وهامان وقارون. حجة (٦) من قال بعدم وجودها (٧): قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٨)، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٩)، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا ...﴾ الآية (١٠) وقوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ ...﴾ (١١) الآية (١٢)، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١٣) الآية (١٤) ,

стр. 518

وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (١). وقال بعضهم: هذا الخلاف هو اختلاف حال (٢)؛ وذلك أن (٣) من قال بأن (٤) القرآن كله عربي: يعني باعتبار التركيب، ومن قال بأن (٥) بعضه أعجمي (٦): يعني باعتبار المفردات. وقوله (٧): (وعرفية عامة كاستعمال لفظ الدابة في الحمار). ش: أي وثالث الأقسام الأربعة حقيقة عرفية عامة، وسميت عامة؛ لأنها عمت العامة والخاصة من أهل لغتها (٨). مثلها المؤلف: باستعمال لفظ الدابة في الحمار يعني في إقليم مصر، وذلك أن لفظ الدابة لغة موضوع لجنس ما دب في الأرض، ثم غلب استعمال الناس له في مصر على خصوص الحمار حتى لا يفهم من هذا اللفظ عندهم إلا الحمار. [ومثاله أيضًا: لفظ الدابة في خصوص الفرس عند أهل العراق] (٩).

стр. 519

ومثاله أيضًا: لفظ الدابة في خصوص الخيل (١) والبغال والحمير عند أهل المغرب (٢)، فإن لفظ الدابة في إقليم المغرب قدر مشترك بين هذه الأجناس الثلاثة فلا يفهم عندهم من لفظ الدابة غير هذه الثلاثة. ومثالها (٣) أيضًا لفظ العذرة (٤): فإنه موضوع لغة لفناء الدار الذي تقضى فيه حاجة الإنسان، ثم غلب عليه (٥) الاستعمال (٦) في الفضلة المستقذرة. وكذلك لفظ الغائط، هو (٧) موضوع لغة: للمكان المنخفض من الأرض، ثم غلب عليه (٨) الاستعمال في الفضلة المستقذرة (٩). وكذلك لفظ الراوية فإنه موضوع لغة: للجمل، ثم غلب عليه (١٠) الاستعمال (١١) في المزادة (١٢). وهذا النقل المذكور على قسمين: تارة يكون النقل لبعض أفراد الحقيقة

стр. 520

اللغوية كالدابة (١)، فهذا (٢) قصر العام على بعض مسمياته (٣)، وتارة يكون النقل لأجنبي (٤) عن الحقيقة اللغوية كالراوية والنجو (٥). وقوله (٦): (كاستعمال لفظ الجوهر في المتحيز الذي لا يقبل القسمة). ش: أي ورابع الأقسام حقيقة عرفية خاصة، وسميت خاصة لاختصاصها ببعض الطوائف. مثلها المؤلف: بلفظ الجوهر؛ وذلك أن لفظ الجوهر لغة موضوع للنفيس من كلما شيء, ثم نقل في عرف أرباب علم الكلام إلى الشيء الذي لا يقبل القسمة, كرأس الشعرة مثلًا. ومثاله أيضًا: لفظ العرض (٧) فإنه موضوع لغة لكل ما يؤول إلى الفناء، ومنه قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (٨) أي تريدون ما يفنى والله يريد ما لا يفنى؛ لأن قوله: والله يريد الآخرة فيه حذف مضاف

стр. 521

تقديره: والله يريد دائم الآخرة. ثم نقل في عرف المتكلمين إلى المعنى القائم بالجوهر كالعلم والجهل والحياء والصبر، وغير (١) ذلك من سائر المعاني. ومثال العرفية الخاصة ببعض الطوائف أيضًا: الجمع (٢) والفرق (٣) والنقض والكسر عند الفقهاء، وكذلك الفاعل والمفعول عند النحاة، وكذلك الموضوع والمحمول (٤) عند المنطقيين، وكذلك السبب والوتد عند العروضيين (٥)، وكذلك الظاهر والمجمل عند الأصوليين (٦)، وغير ذلك من سائر الاصطلاحات الخاصة بطوائف (٧) العلماء. قوله: (والمجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة بينهما في العرف الذي وقع به التخاطب) (٨). ش: هذا هو المطلب الثالث في حقيقة المجاز وفيه ثلاث (٩) أبحاث:

стр. 522

الأول: في اشتقاقه. والثاني: في وزنه. والثالث: في إطلاقه على معناه هل هو حقيقة أو مجاز؟. فأما اشتقاق المجاز (١) فهو مشتق من الجواز الذي هو العبور، والتعدي؛ لأنك (٢) تقول: جزت كذا وجزت الوادي أي عبرته. وسمي المجاز مجازًا؛ لأنه تجوز به (٣) عن موضوعه (٤). وأما وزنه (٥): فهو مفعَل بفتح العين، فأصله مجوز، ثم نقلت فتحة العين إلى الفاء، فيقال: تحرك حرف العلة في الأصل وانفتح ما قبله في الحال فقلب (٦) ألفًا فصار مجازًا. وأما إطلاقه على معناه عرفًا، هل هو حقيقة أو مجاز؟ فهو حقيقة عرفية مجاز لغوي فإنه (٧) في اللغة اسم لزمان العبور أو مكانه أو مصدره، [ثم نقلوه من محل الوضع إلى محل التجوز. فتبين بهذا أنه مجاز لغوي من وجهين:

стр. 523

أحدهما: أن الجواز إنما يستعمل حقيقة في الأجسام واستعماله في الألفاظ مجاز. الوجه الثاني: أن المجاز حقيقة في زمان العبور أو مكانه أو مصدره] (١) واستعماله في غير هذه الثلاثة مجاز لغوي، فتبين بما ذكرنا أن المجاز حقيقة عرفية مجاز لغوي. قوله: (والمجاز استعمال اللفظ) صوابه: اللفظ المستعمل؛ لأن المحكوم عليه بأنه مجاز هو اللفظ الموصوف بالاستعمال لا نفس الاستعمال (٢) كما قلناه في الحقيقة (٣). قوله: (في غير مما وضع له) احترازًا من الحقيقة. وقوله: (في العرف الذي وقع به التخاطب) أي: في الاصطلاح الذي يحصل به التخاطب بين أهله. وهذا العرف المذكور ها هنا يندرج فيه المجازات الأربعة، وهي: المجاز اللغوي، والمجاز الشرعي، والمجاز العرفي العام، والمجاز العرفي الخاص، فلو سكت (٤) المؤلف عن قوله في العرف الذي وقع به التخاطب، [لما اندرج في حده، إلا المجاز اللغوي خاصة؛ ولأجل هذا زاد عليه في العرف الذي

стр. 524

وقع به التخاطب] (١) كما تقدم لنا في حد الحقيقة. وقوله: (لعلاقة بينهما) (٢) أي لأجل نسبة ومشابهة، بين المحلين: محل الحقيقة ومحل المجاز. و (٣) قوله: (لعلاقة بينهما) احترازًا من النقل؛ لأنه وضع اللفظ في غير ما وضع له من غير علاقة بينهما. مثاله: لفظ جعفر, فإنه موضوع في اللغة للنهر الصغير ثم نقل إلى تسمية المولود به من غير علاقة (٤) بين النهر الصغير والولد. قوله (٥): (لعلاقة بينهما (٦)) فيه حذف صفة تقديره: لعلاقة ظاهرة؛ إذ ليس كل علاقة تعتبر في المجاز، فلا يعتبر إلا العلاقة الظاهرة ولا تعتبر (٧) الخفية؛ ولأجل هذا لا يسمى أبخر الفم: بالأسد مع اشتراكهما في البخر؛ لأن هذه العلاقة خفية غير ظاهرة في الأسد. قال المؤلف في الشرح: يشترط في العلاقة أن يكون لها اختصاص وشهرة ولا يكتفى بمجرد الارتباط كيف كان، ولو فتح هذا الباب لصح التجوز بكل شيء إلى كل شيء، وقد نصوا على منعه، فلا يصلح استعمال لفظ السماء

стр. 525

في الأرض، ولا بالعكس تجوزًا مع أنها تلازمها وتقابلها، والملازمة أحد أقسام العلاقة لكن المعتبر الملازمة الخاصة كملازمة الراوية (١) للجمل الحامل. انتهى نصه (٢) (٣). قال أبو القاسم الشيرازي (٤) في فك (٥) الرموز في نشر الكنوز على شرح كتاب ابن الحاجب (٦): اعلم أن العلماء قد حصروا العلاقة بالاستقراء في خمسة وعشرين نوعًا: النوع الأول: إطلاق السبب على المسبب. والثاني: عكسه. والثالث: إطلاق اللازم على الملزوم. والرابع: عكسه. والخامس: إطلاق الحال على المحل.

стр. 526

والسادس: عكسه. والسابع: إطلاق الكل على الجزء. والثامن: عكسه. والتاسع: إطلاق العام على الخاص. والعاشر: عكسه. والحادي عشر: إطلاق المطلق على المقيد. والثاني عشر: عكسه. والثالث عشر: إطلاق المعرف على المنكر. والرابع عشر: عكسه. والخامس عشر: الزيادة. والسادس عشر: عكسه. والسابع عشر: تسمية الشيء باعتبار المستقبل. والثامن عشر: عكسه. والتاسع عشر: حذف المضاف. والموفى عشرين: عكسه. والحادي والعشرون (١): إطلاق الشيء على مشابهه. والثاني والعشرون: إطلاق الشيء على ضده.

стр. 527

والثالث والعشرون: إطلاق الشيء على بدله. والرابع والعشرون: إطلاق آلة الشيء عليه. والخامس والعشرون: التقديم والتأخير (١). فأما إطلاق السبب على المسبب فمثاله: قوله عليه الصلاة (٢) والسلام: "بلوا أرحامكم ولو بالسلام" (٣) فإن البلل سبب الوصل؛ لأن

стр. 528

العرب (١) لما رأت بعض الأشياء إنما تتصل بسبب البلل استعارت البل (٢) للوصل. وأما عكسه, وهو إطلاق المسبب على (٣) السبب, فمثاله: قول الشاعر: شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقولِ (٤) لأن الخمر سبب الإثم، فأطلق اسم (٥) المسبب (٦) على مسببه (٧) وهو الخمر ومنه تسمية العطية بالمن (٨)؛ لأن العطية سبب المن، لأن (٩) من أعطى فقد منَّ.

стр. 529

وأما إطلاق اللازم على الملزوم: فمثاله قول الشاعر: قوم إذا حاربوا (١) شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت (٢) بأطهار (٣) (٤) فأطلق (٥) شد المئزر على الاعتزال عن النساء؛ لأن شد المئزر لازم للاعتزال. وأما عكسه وهو إطلاق الملزوم على اللازم فمثاله: قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ (٦).

стр. 530

أطلق الكلام على الدلالة؛ لأن الدلالة من لوازم الكلام، أي (١) أنزلنا عليهم برهانًا فهو يدلهم (٢) بما كانوا به يشركون (٣)، ومنه قول الحكماء: كل صامت ناطق (٤). وأما إطلاق اسم الحال على المحل فمثاله: قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٥). أطلق (٦) الرحمة على الجنة لأنها محل الرحمة. وأما عكسه (٧)، وهو إطلاق المحل على الحال فمثاله: قوله ﵇ للنابغة الجعدي (٨): "لا يفضض (٩) الله فاك".
следующие страницы →