← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الرابع: أن يكون الطرف الأول مجازيًا، والآخر حقيقيًا، مثاله: أحيا الأرض الربيع. قال بعض الشراح: هذا المجاز الذي ذكره المؤلف (١) في الإسناد بقسميه غير معروف عند الأصوليين (٢). قال الإمام فخر الدين في المحصول (٣): المجاز الإسنادي لا يعرفه الأصوليون، وإنما لخصه الشيخ عبد القاهر الجرجاني (٤). انتهى نصه. وإلى هذا أشار ابن الحاجب بقوله: والحق أن المجاز في الإفراد (٥)، ولا

стр. 562

مجاز في التركيب، وقول عبد القاهر في نحو: أحياني اكتحالي بطلعتك، أن المجاز في الإسناد بعيد لاتحاد جهته (١). انتهى نصه. يعني أن المجاز إنما هو في جهة الإفراد خاصة، دون جهة الإسناد. وتقرير ذلك أن يقال: المفردات إما تستعمل في موضوعاتها أم لا فإن استعملت في موضوعاتها بطل المجاز في المفردات، وإن استعملت في غير موضوعاتها حصل المجاز في المفردات، وبطل مجاز التركيب لملاحظة المعنى في الأصل، فإنه يقول: سرني (٢) رؤيتك، وهذا لا مجاز فيه من حيث التركيب، فيلزم أحد الأمرين: إما عدم المجاز في المفردات، وإما عدم المجاز في المركبات. قال المؤلف في شرح المحصول: هذا سؤال فيه مغالطة؛ لأن المدعى (٣) تركيب لفظ الإحياء مع الاكتحال، وهو مجاز في التركيب، والسائل إنما أتى بتركيب لفظ السرور مع الرؤية، وليس هو (٤) محل النزاع فلا يتجه السؤال (٥) لأنه لم يمس محل النزاع (٦). وما ذكره المؤلف من المجاز في التركيب، إنما هو على مذهب عبد القاهر

стр. 563

النحوي الجرجاني، وهو مذهب النحاة، وليس بمذهب الأصوليين، كما قاله (١) الإمام (٢) فخر الدين في المحصول (٣). قوله: (وبحسب هيئته إِلى: الخفي كالأسد للرجل الشجاع، والجلي الراجح كالدابة للحمار). ش: هذا هو التقسيم الثالث للمجاز وهو تقسيمه باعتبار هيئته؛ لأنه قسمه أولًا باعتبار واضعه (٤)، ثم قسمه ثانيًا باعتبار موضوعه، ثم قسمه ثالثًا باعتبار هيئته، وهو هذا. قوله: (وبحسب هيئته) أي: وينقسم المجاز باعتبار صفته بالنسبة إلى استعماله إلى قسمين: وهما: المجاز الخفي، والمجاز الراجح (٥). فإن كان المجاز لا يفهم عند إطلاقه إلا بقرينة، فإنه يسمى: مجازًا خفيًا؛ لأنه باق على أصله من الخفاء والمرجوحية لرجحان الحقيقة عليه. وإن كان المجاز (٦) عند إطلاقه يتبادر إلى الفهم دون الحقيقة فإنه يسمى: مجازًا راجحًا لرجحانه على الحقيقة.

стр. 564

مثال المجاز الخفي: الأسد للرجل الشجاع؛ لأنك إذا قلت مثلًا: رأيت أسدًا، وأردت به الرجل الشجاع، فلا يفهم من إطلاقك أنك أردت (١) به (٢) الرجل الشجاع إلا إذا اتصلت (٣) به (٤) قرينة تدل على أن المراد به الرجل الشجاع، كقولك مثلا: رأيت أسدًا يلعب بسيفه (٥). ومثاله أيضًا: كقولك (٦): رأيت البحر وأردت به العالم، فلا يفهم المجاز (٧) منه إلا بالقرينة (٨) كقولك مثلًا (٩): [رأيت] (١٠) البحر يسرد العلم. ومثاله أيضًا قولك (١١): رأيت البحر، وأردت به الرجل السخي، فلا يفهم المجاز منه إلا بالقرينة (١٢)، كقولك مثلًا (١٣): رأيت البحر يكرم الناس. وإلى المجاز الخفي أشار المؤلف بقوله: "إلى (١٤) الخفي [(١٥) كالأسد

стр. 565

للرجل الشجاع". ومثال المجاز الجلي: لفظ الدابة لخصوصية (١) الحمار عند أهل مصر، وكذلك الدابة لخصوصية الفرس عند أهل العراق، وكذلك لفظ الدابة لخصوص (٢) الخيل والبغال والحمير عند أهل المغرب، وكذلك لفظ الصلاة على ذات الركوع والسجود، وكذلك لفظ الجوهر والعرض عند أرباب علم الكلام، وكذلك لفظ المتكلم عند أرباب علم الكلام فإنه لا يفهم من إطلاق لفظ المتكلم عندهم إلا خصوص المتكلم في فن علم الكلام دون غيره من سائر المتكلمين والمتلفظين، وغير ذلك من الحقائق الشرعية والعرفية لأنها مجاز باعتبار، حقيقة باعتبار. وإلى المجاز الراجح أشار المؤلف بقوله: "والجلي الراجح كالدابة للحمار] (٣) ". قوله: (وها هنا دقيقة وهي أن كل مجاز راجح منقول، وليس كل منقول مجازًا راجحًا، فالمنقول أعم مطلقًا والمجاز الراجح أخص مطلقًا). ش: هذا هو المطلب الخامس في الفرق بين النقل والمجاز الراجح. قال بعض الشراح: ذكر المؤلف في غير (٤) الشرح أن الفرق بين المجاز

стр. 566

الراجح والمنقول يشكل (١) على كثير من الناس ولذلك سماه: دقيقة، والله أعلم. ومعنى الدقيقة (٢): هي المعنى الذي يدق (٣) في فهمه (٤) النظر؛ أي: يصعب ويعسر (٥) في فهمه (٦) النظر. ومراد المؤلف بالنقل ها هنا غلبة استعمال اللفظ في المعنى حتى يصير أشهر فيه من غيره كما قاله في الشرح (٧). وهو أحد موضوعي (٨) الوضع كما تقدم في فصل الوضع، وليس مراده بالنقل ها هنا جعل اللفظ اسمًا لمعنى بعد أن كان اسمًا لغيره، كمثل جعفر اسمًا للولد (٩) بعد أن كان اسمًا للنهر الصغير، وهو أحد (١٠) معنيي النقل؛ لأن النقل له معنيان: أحدهما: جعل اللفظ اسمًا لمعنى بعد أن كان اسمًا لغيره نحو: جعفر كما قلنا. والمعنى الثاني: غلبة استعمال اللفظ في المعنى حتى يصير أشهر فيه من

стр. 567

غيره. وهذا المعنى الثاني الذي هو غلبة الاستعمال هو مراد المؤلف ها هنا. فقوله (١): (أن كل مجاز راجح منقول) تقديره: أن كل مجاز راجح غلب استعماله، وليس كل منقول لم يغلب (٢) استعماله يكون مجازًا راجحًا. وقوله: (فالمنقول أعم مطلقًا والمجاز الراجح أخص مطلقًا). تقديره: فاللفظ (٣) الذي لم (٤) يغلب استعماله أعم من كل وجه من المجاز الراجح، واللفظ الذي هو المجاز الراجح أخص من كل وجه من المنقول. وقوله: (مطلقًا) احترازًا من الأعم (٥) من وجه والأخص من وجه، وهو الذي يوجد كل واحد (٦) مع الآخر وبدونه، كما بيّنه المؤلف في الفصل التاسع عشر في بيان العموم والخصوص والمساواة والمباينة وأحكامها (٧). قوله: (فالمنقول أعم مطلقًا والمجاز الراجح أخص مطلقًا) بيان العموم في

стр. 568

المنقول: أن النقل يوجد مع العلاقة ويوجد بدون العلاقة. وبيان الخصوص في المجاز الراجح: أنه لا يوجد إلا مع العلاقة؛ لأن العلاقة تشترط (١) في كل مجاز. فمثال وجود النقل مع العلاقة: لفظ الدابة في خصوصية [الحمار عند] (٢) أهل مصر، ولفظ الصلاة في ذات الركوع والسجود. ومثال وجود النقل بدون العلاقة: لفظ الذات (٣) في عرف المتكلمين؛ لأن لفظ [الذات] (٤) موضوع في اللغة للمصاحبة؛ لأنك تقول مثلًا: امرأة ذات جمال (٥) [أي صاحبة جمال] (٦) ونقل في عرف المتكلمين إلى ذات الشيء وألغيت المصاحبة بالكلية، فلا علاقة بين ذات الشيء والمصاحبة (٧). فتبين من هذا التقرير (٨): أن المنقول يجتمع مع (٩) المجاز الراجح في لفظ الدابة ولفظ الصلاة، وانفرد النقل بدون المجاز الراجح في لفظ الذات

стр. 569

عند المتكلمين. وقوله: (فالمنقول أعم مطلقًا والمجاز الراجح أخص مطلقًا) هذا العموم والخصوص المطلق (١) إنما ذلك إذا قيدنا المجاز بالرجحان، وقيدنا النقل بغلبة الاستعمال (٢). وأما إذا أخذنا مطلق المجاز ومطلق النقل فيكون كل واحد من المجاز والنقل أعم من وجه وأخص من وجه، أي: يوجد كل واحد منهما بدون الآخر (٣)، ويوجد أيضًا (٤) كل واحد منهما مع الآخر، أي: ينفرد المجاز في صورة، وينفرد النقل (٥) في صورة، ويجتمعان في صورة. مثال انفراد المجاز: لفظ الأسد في الرجل الشجاع. ومثال انفراد النقل: لفظ الذات عند المتكلمين. ومثال اجتماع النقل مع المجاز: لفظ الدابة والصلاة (٦) وقد مثل المؤلف في شرحه النقل الذي هو بدون العلاقة بلفظ الذات والجوهر عند

стр. 570

المتكلمين (١). واعترض على المؤلف (٢) تمثيله في الشرح النقل الذي يكون بغير علاقة بالجوهر عند المتكلمين؛ لأنه قال في الشرح: لا علاقة بين النفيس والمتحيز الذي لا يقبل القسمة (٣). وهذا (٤) مخالف لتمثيله في أقسام المجاز؛ لأنه قال: "وخاصي كاستعمال لفظ الجوهر في النفيس (٥) ". فبيّن (٦) في أقسام المجاز أن (٧) الجوهر عند المتكلمين مجاز وقد بيّنا العلاقة بينهما هنالك، وذلك مخالف لما ذكره في الشرح في التمثيل للنقل بالجوهر (٨) فكلامه في الموضعين متناقض، فظاهر (٩) كلامه أولًا (١٠) أن الجوهر عند

стр. 571

المتكلمين مجاز، وظاهر كلامه في الشرح في هذا الموضع: أن الجوهر عند المتكلمين نقل لا مجاز، فانظره (١). قوله (٢): (كل محل قام به معنى وجب أن يشتق له من لفظ ذلك (٣) المعنى لفظ، ويمتنع الاشتقاق لغيره خلافًا للمعتزلة في الأمرين). ش: هذا هو المطلب السادس في الشيء الذي يوجبه المعنى القائم لمحل، مراده بالمحل: الذات، ومراده بالمعنى: الصفة. يعني أن كل ذات اتصفت بصفة ما يوجب ذلك المعنى [لتلك الذات شيئين: أحدهما: أن يشتق لتلك الذات لفظ من لفظ ذلك المعنى. والثاني: أنه لا يجوز أن يشتق لفظ من لفظ ذلك المعنى] (٤) لغير تلك الذات. فهذان أمران: أحدهما: وجوب (٥) الاشتقاق. والآخر: امتناع الاشتقاق. مثال ذلك: [أن] (٦) من قام به العلم (٧) أي: من اتصف بالعلم يجب أن

стр. 572

يسمى: عالمًا، ومن اتصف بالقدرة وجب (١) أن يسمى: قادرًا، ومن قام به البياض يجب (٢) أن يسمى: أبيض، ومن قام به السواد يجب (٣) أن يسمى: أسود، ومن قام به الكلام يجب (٤) أن يسمى: متكلمًا، ومن قامت (٥) به الحياة يجب (٦) أن يسمى: حيًا، إلى غير ذلك. [ولا يجوز أن يسمى المحل الذي لم يقم به العلم: عالمًا، وكذلك لا يجوز أن يسمى المحل الذي لم تقم به القدرة قادرًا، وكذلك لا يجوز أن يسمى المحل الذي لم يقم به البياض: أبيض، وكذلك لا يجوز أن يسمى المحل الذي لم يقم به السواد: أسود، وكذلك لا يجوز أن يسمى المحل الذي لم تقم به الحياة: حيًا، وكذلك لا يجوز أن يسمى المحل الذي لم يقم به الكلام متكلمًا] (٧). وهذا الذي حررناه (٨) هو معنى قول المؤلف في الشرح: قيام المعاني بمحالها (٩) يوجب أحكامها لمحالها واستحقاق ألفاظ تلك الأحكام (١٠).

стр. 573

وقوله (١): (خلافًا للمعتزلة في الأمرين). ش: [يعني بالأمرين: وجوب الاشتقاق للذات (٢) التي (٣) قام بها (٤) المعنى، ومنع (٥) الاشتقاق للذات التي لم يقم بها المعنى، ولكن خلاف المعتزلة (٦) في هذين الأمرين] (٧) مخصوص بصفات (٨) الله [﵎] (٩). فإن المعتزلة قالوا: كلم (١٠) الله نبيه موسى بن عمران بكلام خلقه في الشجرة فسمعه منها، فقد قام الكلام بالشجرة، ومع ذلك لم تسم متكلمة، وقالوا: لم يقم الكلام بذات (١١) الله (١٢) ومع ذلك سمي متكلمًا لقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ الله موسَى تَكْلِيمًا﴾ (١٣)، ولم يقل: وكلمت الشجرة موسى (١٤) وهكذا (١٥) يقولون، تعالى الله عن قولهم في جميع صفات

стр. 574

الباري جل وعلا؛ لأنهم أنكروا جميع صفات الله [﵎] (١)، وقالوا: لم تقم به صفة البتة، وقالوا: سمي الله ﷻ بعالم وقادر ومريد ومتكلم وغير ذلك من غير علم ولا قدرة ولا إرادة ولا كلام قائم به (٢). قال المؤلف في الشرح: فهذا موطن الخلاف، وأمّا ما في العالم من الألوان والطعوم وغيرها فلم أر لهم (٣) خلافًا وما (٤) أخالهم يخالفون فيه (٥). قوله: (الألوان) مثاله (٦): الأسود والأبيض لمحل قائم به السواد أو البياض (٧). وقوله (٨): (الطعوم) مثاله: الحلو والمر لمحل قام به الحلاوة والمرارة (٩). و (١٠) قوله: (وغيرهما) مثاله: ضارب وقاتل لمن قام به الضرب أو القتل. واستدل المعتزلة على مذهبهم: بأنه اشتق ضارب وقاتل للفاعل، مع أن الضرب والقتل قائمان بغيرهما وهو المضروب والمقتول.

стр. 575

وأجيب عن ذلك: بأن الضرب والقتل هو التأثير وهو قائم بالفاعل، وأما الذي قام بالمفعول فهو الأثر. قوله: (فإِن كان الاشتقاق باعتبار قيامه في الاستقبال فهو مجاز إِجماعًا، نحو: تسمية العنب خمرًا (١) [أو باعتبار قيامه (٢)] (٣) في الحال فهو حقيقة إِجماعًا نحو: تسمية الخمر خمرًا، أو باعتبار قيامه (٤) في (٥) الماضي، ففي (٦) كونه حقيقة أو مجاز مذهبان (٧): أصحهما (٨) المجاز (٩)، و (١٠) هذا إذا كان محكومًا به، و (١١) أما إِذا كان متعلق الحكم فهو حقيقة مطلقًا نحو: اقتلوا المشركين). ش: هذا هو المطلب السابع في الاشتقاق الذي يعرف به المجاز والحقيقة (١٢). وحقيقة الاشتقاق (١٣): تصوير بُنْية من بُنْية لتدل الثانية على ما دلت عليه

стр. 576

الأولى وزيادة (١). قال المؤلف في الشرح: المراد بالاشتقاق باعتبار قيام المعنى في أحد الأزمنة الثلاثة، إنما هو الاشتقاق من المصادر، كاسم الفاعل نحو: ضارب، واسم المفعول نحو: مضروب، وأفعل التفضيل، نحو: زيد أكرم من عمرو، واسم الزمان أو المكان (٢)، نحو: مضرب، ومقتل، ومخرج، واسم الآلة نحو: المروحة، والمدهن، والمسعط، واسم الهيئة نحو: الجلسة والعمة، وأما الفعل الماضي فإنه مشتق وهو حقيقة في الماضي دون غيره، وكذلك لفظ الأمر والنهي فإنه حقيقة في المستقبل دون غيره، وليس في هذه الأمثلة (٣) خلاف؛ بل (٤) ذلك خاص بما ذكرته من الصيغ. انتهى نصه (٥). قوله: (فإِن كان الاشتقاق (٦) باعتبار قيامه في الاستقبال). معناه: فإن كان الاشتقاق بالنسبة إلى قيام المعنى بالمحل في زمان (٧) مستقبل (٨) فإن ذلك مجاز إجماعًا؛ لأن المعنى لا وجود له في هذا المحل

стр. 577

أصلًا لا في الماضي ولا في الحال، فلذلك وقع عليه الإجماع؛ لأنه معنى سيقوم بالمحل. مثله المؤلف بتسمية العنب (١) خمرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعصِرُ خَمْرًا﴾ (٢) أي: عنبًا، ومثاله أيضًا: تسمية الحي ميتًا؛ لأنه سيموت، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (٣). قوله (٤): (أو باعتبار قيامه في الحال فهو حقيقة إِجماعًا). أي: إذا كان اشتقاق اللفظ من المعنى القائم بالمحل بالنسبة إلى قيامه في زمان الحال فهو حقيقة إجماعَا؛ لأنه وصف موجود بالموصوف في الحال؛ لأجل (٥) ذلك وقع عليه الإجماع أيضًا. مثله المؤلف: بتسمية الخمر خمرًا، ومثاله أيضًا: تسمية الحي حيًا، وتسمية الميت ميتًا. وقوله: (أو باعتبار قيامه في الماضي ففي كونه حقيقة أو مجازًا مذهبان: أصحهما المجاز). أي: إذا كان اشتقاق اللفظ (٦) من المعنى القائم بالمحل في الزمان الماضي

стр. 578

وهو معدوم في زمان الاشتقاق ففي هذا قولان. وسبب الخلاف في هذا: هل (١) يشترط بقاء المعنى المشتق منه أو لا يشترط بقاؤه؟ فمن اشترط (٢) بقاءه قال: هو مجاز لعدم بقائه في الحال وهو مذهب الجمهور. ومن (٣) لم يشترط بقاءه قال: هو حقيقة لوجوده قبل، وهو مذهب ابن سيناء (٤) من الفلاسفة، وأبي هاشم، وأبيه (٥) من (٦) المعتزلة. ومثال هذا: تسمية الخمر عنبًا، ومثاله أيضًا: تسمية الإنسان نطفة. وقوله: (أصحهما المجاز). دليل الأصح: صحة النفي؛ لأن النفي من خواص المجاز؛ لأنك (٧)

стр. 579

تقول لمن وقع منه الضرب في الماضي: هذا ليس بضارب في الحال (١). ودليل من قال بأنه حقيقة إجماع أهل العربية على صحة هذا: أضارب أمس، والأصل الحقيقة. وأجيب عنه: بأن إطلاق الضارب عليه مجازًا كما يقال: هذا ضارب غدًا بإجماع. قوله: (وهذا إِذا كان محكومًا به، وأما إِذا كان متعلق الحكم فهو حقيقة مطلقًا). ش: المراد بهذا الكلام تلخيص محل النزاع والتفصيل المذكور (٢)، فذكر في هذا الكلام: أن المعنى المذكور الذي فيه التفصيل بين الأزمنة الثلاثة، إنما هو في المعنى الذي هو محكوم به على الشيء (٣) نحو قولك: زيد سارق، أو زيد زان، أو زيد مرتد، أو زيد قاتل، أو زيد مشرك (٤) وغير ذلك؛ لأن الزنا والسرقة والارتداد (٥) والقتل والشرك هي أوصاف محكوم بها على زيد في هذه الأمثلة المذكورة، ففي هذا يكون التفصيل المتقدم في الاشتقاق باعتبار الأزمنة الثلاثة. [وهذا معنى قول المؤلف: وهذا إذا كان محكومًا به؛ أي: وهذا التفصيل

стр. 580

المذكور بين الأزمنة الثلاثة إنما هو فيما إذا كان المعنى المشتق منه محكومًا به على الشيء (١)] (٢). قوله: (وأما إِذا كان متعلق الحكم فهو حقيقة مطلقًا نحو: اقتلوا المشركين). ش: يعني أن المعنى المشتق منه لو كان (٣) متعلَّق الحكم - بفتح اللام في (٤) المتعلق - أي: علة الحكم أي بدوران (٥) الحكم معه وجودًا وعدمًا، فهو حقيقة مطلقًا أي إطلاقًا في الأزمنة الثلاثة، فلا يوصف بالمجاز لا في الماضي ولا في المستقبل ولا في الحال. مثله المؤلف بقوله تعالى: ﴿فَاقْتلُوا الْمُشْرِكينَ﴾ (٦) وذلك أن الشرك في هذا المثال هو علة الحكم وليس بمحكوم له وإنما المحكوم به هو القتل. ومثاله أيضًا: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٨). فالمحكوم به في هاتين (٩) الآيتين هو القطع والجلد، وأما السرقة والزنا

стр. 581

فهما علتا الحكم وليسا (١) بمحكوم بهما (٢)؛ إذ لم يحكم الله تعالى بشرك أحد في آية الشرك، ولا بسرقة أحد في آية السرقة، ولا بزنا أحد في آية الزنا (٣). قوله: (هذا (٤) إِذا كان محكومًا به ...) إلى آخره. ولولا هذا التفصيل الذي ذكره المؤلف في المعنى القائم بالمحل بين أن يكون محكومًا به وبين أن يكون علة الحكم، لتعذر الاستدلال بكثير من الآيات والأحاديث (٥) [على الأحكام] (٦) بالنسبة إلى زماننا هذا (٧)؛ لأن زماننا مستقبل بالنسبة إلى زمان الخطاب. فيجب حينئذ (٨) أن تكون جميع الصفات الواقعة في زماننا مجازًا، فيكون قوله تعالى (٩): ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِين﴾ (١٠)، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ (١١)، وقوله (١٢): ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَة﴾ (١٣)، لا يتناول إلا من وجد في زمان

стр. 582

القرآن (١) ولا يتناول من سيأتي إلا بطريق (٢) المجاز، والأصل عدم المجاز فيتعذر الاستدلال بهذه الآيات (٣) وأمثالها (٤) على ثبوت أحكامها في زماننا؛ إذ للمخالف أن يقول: الأصل عدم التجوز (٥)، وذلك خلاف الإجماع؛ فإن العلماء يستدلون (٦) على ثبوت (٧) الأحكام في كل (٨) زمان بهذه الآيات (٩) وغيرها، فهي حقيقة لا مجاز؛ لأن هذه المعاني علة صلة الحكم وليست محكومًا بها (١٠). ...

стр. 583

الفصل الثامن في التخصيص شرع المؤلف [رحمه الله تعالى] (١) في بيان حقيقة التخصيص. وهو مشتق من الاختصاص بالشيء وهو الانفراد به، وذلك أن الدليل المخصص يختص بالأفراد المخرجة من لفظ العموم (٢) دون غيرها؛ فلأجل ذلك سمي (٣) تخصيصًا. قوله: (الفصل الثامن في (٤) التخصيص) تقديره: الفصل الثامن في بيان حقيقة التخصيص (٥). قوله: (وهو إِخراج بعض يتناوله اللفظ العام أو ما يقوم مقامه بدليل منفصل في (٦) الزمان إِن كان المخصص لفظيًا، أو بالجنس إِن كان عقليًا قبل

стр. 584

تقرر حكمه) (١). ش: قوله: (إِخراج) (٢) [هذا (٣) جنس يتناول (٤)] (٥) عند المؤلف ثلاثة أشياء وهي: التخصيص، والاستثناء، والنسخ، فلا بد من قيود تخرج الاستثناء والنسخ، وقد ذكرها المؤلف. وقوله: (بعض يتناوله اللفظ العام) احترازًا من إخراج الكل فإنه بعض وجوه النسخ، ولما كان التخصيص إخراج البعض من الكل قال الأصوليون: لا يستقيم التخصيص إلا فيما يستقيم توكيده بكل، وهو ما له أجزاء يصح افتراقها حسًا أو حكمًا، وهذا موجود في اللفظ العام؛ لأن له شمولًا. وقوله: (أو ما يقوم مقامه) يعني أن التخصيص أيضًا إخراج بعض ما يتناوله ما يقوم مقام اللفظ العام في إفادة العموم. وقوله: (أو ما يقوم مقامه) ما موصولة بمعنى الذي، وهي واقعة على المعنى، وهي معطوفة على اللفظ العام الذي هو فاعل، فقوله: "يتناوله" تقديره: التخصيص هو إخراج بعض ما يتناوله اللفظ العام، أو يتناوله المعنى

стр. 585

الذي يقوم مقام اللفظ العام في إفادة العموم، وأراد بهذا المعنى الذي يقوم مقام اللفظ العام مفهوم المخالفة؛ لأن مفهوم المخالفة يقتضي سلب الحكم عن جميع المسكوت عنه، كما أن المنطوق يقتضي ثبوت الحكم لجميع المنطوق به. مثال ذلك قوله ﵇: "إنما الماء من الماء" (١) هذا هو المنطوق به، معناه: إنما يجب الغسل بالماء من (٢) وجود الماء الذي هو المني.

стр. 586

مفهومه: أنه لا يلزم (١) الغسل من القبلة، ولا من المباشرة، ولا من الملامسة، ولا من الجسة (٢)، ولا من النظر، ولا من التفكير (٣)، ولا من التكلم، ولا من إيلاج الحشفة، فهذا المفهوم يعم جميع المسكوت عنه. ثم خصص عموم هذا المفهوم بقوله ﵇: "إذا التقى الختانان وجب الغسل" (٤). قال المؤلف في الشرح: فإن السلب في المفهوم كعموم الثبوت في المنطوق، إلا أنه لا يسمى عمومًا (٥) في الاصطلاح فلذلك قلت: أو ما يقوم

стр. 587

مقامه (١). قوله (٢): (بدليل منفصل (٣) في الزمان) هذا المجرور في قوله: "بدليل" (٤) متعلق بالإخراج، أي: يكون الإخراج بدليل منفصل، يعني: أن يكون الدليل المخصص واردًا بعد ورود (٥) العام بحيث تكون الفترة بينهما كقوله ﵇: "نهيت عن قتل النساء والصبيان" (٦)؛ لأنه (٧) ورد بعد

стр. 588

نزول قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) بزمان طويل. وقوله: (بدليل منفصل) احترازًا من الإخراج بدليل متصل وهو الاستثناء؛ لأن الاستثناء (٢) يجب اتصاله بالمستثنى منه على القول الصحيح، كما قاله (٣) المؤلف في باب الاستثناء في قوله: ويجب اتصال الاستثناء بالمستثنى منه عادة، خلافًا لابن عباس ﵁ (٤). قال الإمام: إن صح عنه (٥) النقل يحمل على (٦) ما إذا نوى عند التلفظ ثم أظهره بعد ذلك. انتهى نصه (٧). وقوله: (إِن كان المخصص لفظيًا) [معناه: أن اشتراط (٨) انفصال المخَصِص عن المُخصَص في الزمان مشروط بأن يكون (٩) المخصص لفظيًا] (١٠). وأما (١١) إن كان المخصص غير لفظي وهو العقلي فلا يشترط فيه أن يكون

стр. 589

منفصلًا في الزمان؛ [لأن المخصص العقلي متصل في المعنى ولكنه منفصل في الجنس؛ لأن جنس العقلي (١) مخالف لجنس اللفظي (٢) فالمخصص العقلي وإن كان متصلًا في الزمان] (٣) فهو منفصل في الجنس، فالمخصص اللفظي من جنس الألفاظ، والمخصص العقلي من جنس المعاني. فذكر (٤) المؤلف أن الدليل المخصص يشترط فيه الانفصال، إلا أن الانفصال يكون بشيئين: تارة يكون بالزمان، وتارة يكون بالجنس. فإن كان المخصص لفظيًا (٥) فالانفصال فيه بالزمان، وإن كان المخصص عقليًا (٦) فالانفصال فيه بالجنس. وإلى هذين الشيئين اللذين يكون بهما الانفصال أشار المؤلف بقوله: (بدليل منفصل (٧) في الزمان إِن كان المخصص لفظيًا، أو بالجنس إِن كان عقليًا). فمثال المخصص اللفظي تقدم، وهو: قوله ﵇: "نهيت عن قتل

стр. 590

النساء والصبيان" تخصيصًا لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (١). ومثال التخصيص بالعقل (٢): قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كلِّ شَيْءٍ﴾ (٣)؛ لأن قوله (٤): "خالق كل شيء" عام (٥) يندرج فيه كل شيء؛ لأن لفظ الشَيء يتناول ذات الله تعالى (٦) وصفاته، لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَر شَهَادَةً قُلِ الله﴾ (٧)، ولكن خصص العقل ذات الله تعالى (٨) وصفاته العلى (٩). ومثاله أيضًا: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٠) خصص العقل ذات الله تعالى (١١) وصفاته العلى (١٢)، فإنه لا يقدر (١٣) على ذاته وصفاته القديمة؛ لأن القدرة لا تتعلق إلا بالجائز، ولا تتعلق بالواجب ولا

стр. 591

بالمستحيل، فالله تعالى (١) هو (٢) واجب الوجود، فقد خصص العقل ذات الله تعالى (٣) وصفاته العلى (٤) من هذا العموم. قوله: (قبل تقرر حكمه) هذا متعلق بقوله: "إخراج (٥) بعض"؛ تقديره: بشرط (٦) أن يكون ذلك الإخراج قبل تقرر حكم العام بالعمل به، أي: قبل ثبوت العمل بحكم العام؛ لأن التخصيص لا يكون إلا قبل العمل بالعام؛ لأن المراد به البيان ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه. ويحتمل أن يعود الضمير في قوله: حكمه على البعض، في قوله: "إخراج بعض"، تقديره (٧): قبل تقرر حكم ذلك البعض المخرج. وقوله: (قبل تقرر حكمه) أي: قبل العمل بالعام، احترازًا من النسخ؛ فإن الإخراج فيه يكون بعد العمل بالعام، وهذا أحد الفروق التي يفوق بها بين التخصيص والنسخ، كما بينه المؤلف في الفصل السابع من باب العموم والخصوص في قوله: الفصل السابع في الفرق بينه وبين النسخ والاستثناء (٨)، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى (٩).

стр. 592

قوله: (فقولنا: أو ما يقوم مقامه احترازًا من المفهوم (١) فإِنه يدخله التخصيص). ش: هذا بيان قوله في الحد: "أو ما يقوم مقامه" وقد تقدم بيانه. واعترض قوله: (احترازًا من المفهوم) بأن قيل: إنما يحترز (٢) مما يراد خروجه ولا يحترز مما يراد دخوله، فإن المفهوم إنما يراد دخوله في الحد فكيف يحترز منه؟ (٣). أجيب (٤) عنه بأن في الكلام حذف المضاف (٥) تقديره: احترازًا من خروج المفهوم [أي: احترازًا من خروج المفهوم] (٦) من الحد. واعترض قوله أيضًا: (احترازًا من الاستثناء) (٧): فإنه يقتضي أن الاستثناء ليس من المخصصات مع أنه عده في باب العموم من المخصصات، قال في باب العموم (٨): وعندنا (٩) يخص الشرط والاستثناء العموم مطلقًا (١٠). أجيب (١١) عنه: بأن قيل: ذكر المؤلف ها هنا قولًا وذكر في باب العموم

стр. 593

قولًا آخر، وذلك انهم اختلفوا في الاستثناء هل هو (١) هو المخصصات أو ليس من المخصصات؟ فيه قولان: معنى [ذلك] (٢): هل يسمى في الاصطلاح مخصصًا (٣)، أو لا يسمى ذلك؟ فيه (٤) قولان. وسبب الخلاف بينهم في ذلك: هل حرف الاستثناء قرينة (٥) تبين أن المراد بالكلام هو الباقي بعد الاستثناء؟ أو أن مجموع (٦) المستثنى (٧) والمستثنى منه في مقابلة الباقي بعد الاستثناء كاسمين جعلا اسمًا واحدًا، أحدهما: مفرد والآخر: مركب؟ [مثال ذلك قولك مثلًا: عشرة إلا ثلاثة. فعلى القول الأول وهو قول الجمهور: أن المراد بالكلام سبعة، وأن "إلا" هي قرينة تبين ذلك فيكون الاستثناء مخصصًا كسائر المخصصات. وعلى القول الآخر: وهو قول القاضي الباقلاني: أن الاستثناء ليس مخصصًا، فإن مجموع عشرة إلا ثلاثة بإزاء سبعة، بمنزلة اسمين جعلا اسمًا واحدًا: أحدهما: مفرد، والآخر: مركب] (٨).

стр. 594

واعترض (١) قوله أيضًا: [بدليل منفصل] (٢): بأنه يقتضي أن الصفة والغاية والشرط لا تكون مخصصات (٣)، وليس الأمر كذلك؛ لأنه ذكر في باب العموم أنها من المخصصات؛ لأنه قال هناك (٤): وعندنا يخصص الشرط والاستثناء العموم مطلقًا، ونص الإمام على الصفة والغاية (٥)، انتهى نصه (٦). مثال التخصيص بالصفة قولك: أكرم قريشًا الطوال (٧). ومثال التخصيص بالغاية قولك: أكرم قريشًا حتى يدخلوا (٨) الدار (٩). ومثال التخصيص بالشرط قولك: أكرم قريشًا إن دخلوا الدار (١٠). وهذا الاعتراض لازم (١١)؛ لأن المؤلف قد أورده في الشرح والتزمه (١٢).

стр. 595

قال في شرحه (١): فينبغي أن يؤتى بعبارة تجمع هذه النقوض (٢) وتخرج الاستثناء وفيها عسر (٣). وأجيب عن هذا (٤) الاعتراض بأن قيل: هذا الاعتراض لا يلزم؛ لأن هذه الأشياء أعني: الصفة، والغاية، والشرط، كلها منفصلة بالزمان (٥) من حيث إنها لا توجد إلا بعد وجود اللفظ العام، أعني: أنه لا يحصل التلفظ بهذه الأشياء إلا بعد التلفظ بلفظ (٦) العام، وهو المُخَصَّص بالفتح، وكذلك تقول في الاستثناء؛ إذ لا يحصل النطق بلفظ المستثنى إلا بعد حصول النطق بلفظ المستثنى منه، فقد حصل الانفصال في جميع هذه الأشياء بالزمان (٧) بين المخصِّص و (٨) المخصَّص، فلا يلزم الاعتراض بها على المؤلف وإن التزمه. وقد رد هذا الجواب بأن قيل: هذا وهم؛ وذلك أن المراد بالانفصال هو (٩) أن تكون بين المخصِّص والمخصَّص فترة من الزمان وانقطاع بينهما، وأما تقدم أحد اللفظين على الآخر في زمان واحد فليس ذلك

стр. 596

بانفصال، بل ذلك أمر ضروري وهو الترتيب بالحقيقة الزمانية؛ لأن اجتماع حروف (١) أو (٢) حرفين في زمان واحد محال، فقولك مثلًا: زيد، فالزاء متقدم ثم الياء ثم الدال، وهذا الترتيب بالحقيقة الزمانية أمر ضروري (٣)؛ لأن الكلام من المصادر السيالة فلا يوجد من الكلام حالة النطق إلا حرف واحد، ولا يقال: بين هذه الحروف انفصال بالزمان. واعترض قوله أيضًا: (إِن كان المخصص لفظيًا) بأن قيل: هذا التعريف يلزم فيه الدور؛ لأن المخصص مشتق من التخصيص فتعريف التخصيص بما أخذ منه: تعريفًا بما لا يعرف إلا بعد معرفة المحدود. أجيب (٤) عن هذا: بأن المعرف بالحد هو نسبة الحد إلى المحدود لمن هو عارف [بالمحدود] (٥) فلا دور، هذا على مذهب المؤلف. وأما على مذهب الجمهور فجوابه أن تقول، المخصص المأخوذ في الحد مأخوذ من التخصيص اللغوي، و (٦) المحدود هو (٧) التخصيص الاصطلاحي فلا دور. واعترض قوله أيضًا: "إن كان المخصص لفظيًا أو بالجنس إن كان عقليًا"؛ فإنه يقتضي أن التخصيص محصور في شيئين وهما: اللفظي، والعقلي،

стр. 597

وليس الأمر كذلك؛ لأن التخصيص (١) يكون (٢) أيضًا بشيئين (٣) آخرين وهما: الفعل، والتقرير، نص عليه (٤) المؤلف في باب العموم؛ لأنه قال فيه: وعندنا يخصص فعله ﵇ وإقراره الكتاب والسنة (٥). انتهى (٦) نصه. مثال التخصيص بالفعل: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٧) خصصه فعله ﵇ برجم ماعز (٨)

стр. 598

والعامرية (١). ومثال التخصيص بالفعل أيضًا: نهيه ﵇ عن الوصال ثم واصل، فقالوا له: نهيت عن الوصال ونراك تواصل، فقال: "إني لست كهيئتكم أظل يطعمني ربي ويسقيني" (٢).

стр. 599

ومثال التخصيص بالفعل أيضًا قوله ﵇: "لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها لبول (١) ولا لغائط (٢) ولكن شرقوا أو غربوا" (٣).

стр. 600

ثم رآه ابن عمر (١) مستقبلًا بيت المقدس (٢)، مستدبرًا للكعبة [فخصص ما بين البنيان] (٣).
следующие страницы →