← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١) وغير ذلك وهو كثير. وسواء كان بصيغة الأمر نحو ما تقدم، أوكان بصيغة النهي نحو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (٢). أو كان بلفظ (٣) الماضي، كقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ (٤)، وكقولك (٥): عفا الله عنا وغفر (٦) لنا ولك (٧) وغير ذلك. وأما الشرط وجزاؤه، وهما (٨) جملتان مرتبطتان (٩) تسمى الأولى منهما شرطًا، وتسمى الثانية جوابًا وجزاء. فقد يكون الشرط والجزاء بفعلين (١٠) مضارعين. وقد يكونان بماضيين (١١).

стр. 702

وقد يكون الشرط بماض (١)، ويكون (٢) الجزاء بمضارع (٣). وقد يكون الشرط بمضارع (٤)، ويكون (٥) الجزاء بماض (٦) وهذا قليل في الكلام. مثال كونهما بمضارعين (٧): قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٨)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ (٩)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (١٠) وغير ذلك وهو كثير. ومثال كونهما بماضيين (١١) قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ (١٢)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ (١٣)، [وقوله تعالى] (١٤): ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ

стр. 703

قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (١)، وغير ذلك. ومثال كون الشرط بالماضي والجزاء بالمضارع (٢): قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ (٤). ومنه قول زهير (٥) في مدح هرم (٦) بن سنان:

стр. 704

وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول: لا غائب مالي ولا حرم (١) قوله: خليل معناه: ذو خلة، والخلة هي: الحاجة والفاقة (٢)، يقال: اختل الرجل إذا افتقر، واحتاج. [وقوله: لا غائب: مبتدأ] (٣).

стр. 705

وقوله: مالي: فاعل سد مسد الخبر. وقوله: ولا حرم: أي لا ممنوع من العطاء. ومثال كون الشرط بالمضارع (١) والجزاء بالماضي (٢) وهو القسم القليل في الكلام، وفي الشعر أيضًا قول الشاعر: من يكدني (٣) بسيئ كنت منه ... كالشجا بين حلقه والوريد (٤) والشجا: عظم (٥) أو عود يعترض (٦) في الحلق يقال: شجي يشجَى شجىً (٧) إذا غص (٨)؛ لأن الشجا معناه: الغصص وهو من ذوات الياء.

стр. 706

وأما الشجو بالواو فمعناه (١): الحزن (٢). فهذا (٣) بيان الحقائق الخمس المذكورة. قال المؤلف في شرحه: وبعد وضع هذا الكتاب ألحقت بهذه الخمسة خمسة أخرى فصارت عشرة، وهي: الوعد، والوعيد، والتمني، والترجي، والإباحة (٤). ووجه اختصاصها بالمستقبل: أما الوعد والوعيد فإنه (٥) حث على مستقبل أو زجر عن (٦) مستقبل، مما توقعت النفس من خير في الوعد، وشرفي الوعيد، والتوقع - وهو (٧) انتظار الوقوع - لا يكون إلا (٨) في المستقبل (٩)، وكذلك التمني، والترجي؛ لأنه توقع المتمنى (١٠) والمترجى (١١). وأما الإباحة؛ فلأنه تخيير بين الفعل والترك، والتخيير إنما يكون في المستقبل (١٢).

стр. 707

أما الوعد، والوعيد فمثالهما: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١)، فالآية الأولى مثال للوعد، والآية الثانية مثال للوعيد. وكذلك قوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) فالأولى مثال للوعيد (٣)، والثانية مثال للوعد (٤) على عكس الآيتين الأوليين. وكذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ (٥) فالأولى مثال للوعد، والثانية مثال للوعيد، وغير ذلك من الأمثلة الواردة في الوعد، والوعيد. والفرق بين الوعد، والوعيد: أن الوعد في الخير، والوعيد في الشر، فالوعد يستعمل في المحمودات، والوعيد يستعمل في المذمومات، يقال في اللغة: وعدته خيرًا، وواعدته شرًا. وقد ورد المعنيان في القرآن فمن الأول قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ (٦). ومن الثاني: قوله (٧) تعالى: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ

стр. 708

الْمَصِيرُ﴾ (١). أما (٢) أوعدته بالهمزة (٣) فلا يقال (٤) إلا في الشر خاصة فتقول: أوعدته بالشر ولا تقول: أوعدته بالخير، ومنه قول الشاعر: أوعدني (٥) بالسجن والأداهم ... رجلي ورجلي شثنة المناسم (٦)

стр. 709

وأنشد أبو عمرو بن العلاء: وإني (١) إن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي (٢) وأما التمني فمثاله: قوله تعالى: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ (٥)، وغير ذلك. وأما (٦) الترجي فمثاله: قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٨)، وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ (٩) وغير ذلك. والفرق بين التمني والترجي:

стр. 710

أن التمني: يكون في الممكن وغير (١) الممكن. وأما الترجي: فلا يكون إلا في الممكن ولا يكون في غير الممكن. فإنك تقول في التمني: ليت هذا الجبل ذهب (٢) [ولا تقول: أرجو أن يكون هذا الجبل ذهبًا؛ لأن ذلك محال عادة. وتقول في التمني: ليت زيدًا الميت حي] (٣)، ولا تقول: أرجو أن يكون زيد الميت حيًا. وتقول في التمني: ليت الشباب يعود لي، ولا تقول: لعل الشباب يعود لي، وأرجو الشباب يعود لي. فإذا ثبت هذا علمت أن التمني يكون في الممكن، وفي غير الممكن، وأما الترجي فلا يكون إلا فيما يمكن وقوعه. وأما الإباحة فمثالها: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٥). ومثالها (٦) أيضًا: قولك (٧): جالس الحسن أو ابن (٨) سيرين.

стр. 711

وهذا تمام الخمسة التي زادها المؤلف في شرحه. وقال (١) بعض الشراح: وها هنا خمسة أخرى تزاد على العشرة المذكورة فتكون خمسة عشر، وهي (٢): الندب، والكراهة، والعرض، والتحضيض، والاستفهام؛ لأن هذه الخمسة أيضًا مختصة (٣) بالمستقبل، وكان حق المؤلف أن يذكرها كما ذكر العشرة المتقدمة (٤). أجيب (٥) عن هذا: بأن هذه الخمسة مندرجة في العشرة المتقدمة. وذلك أن الندب مندرج في الأمر؛ لأنهما (٦) طلب فعل، وأن الكراهة مندرجة في النهي؛ لأنهما طلب ترك، وأن العرض والتحضيض مندرجان في التمني؛ لأنك إذا قلت: ألا فعلت، أو هلا فعلت فمعناه: ليتك فعلت، والاستفهام يغني عنه الأمر، والنهي، والدعاء؛ لأن الاستفهام مشارك لهذه الثلاثة في مطلق الطلب. قال المؤلف في القواعد: [يتخرج على] (٧) هذا الفصل سؤال في قوله ﷺ : "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على

стр. 712

محمد، وعلى آل محمد كما باركت [على إبراهيم] (١) وعلى آل إبراهيم (٢) في العالمين إنك حميد مجيد". فيقال: كيف وقع التشبيه يبن الصلاة على النبي ﷺ ، والصلاة على إبراهيم عليه الصلاة (٣) والسلام، مع أن الصلاة (٤) من الله تعالى عطيته وإحسانه، وعطية الله تعالى (٥) لرسوله (٦) محمد ﷺ كانت أعظم من عطية الله لإبراهيم ﵇، والتشبيه يقتضي أن يكون المشبه أدنى رتبة من المشبه به أو مساويًا، فكيف وقع هذا التشبيه؟ فاختلفت الأجوبة في ذلك، وكلها ضعيفة. وأصحها: أن التشبيه وقع بين عطية تحصل لرسول الله ﷺ لم تكن حصلت قبل الدعاء؛ لأن الدعاء إنما يتعلق بالمعدوم المستقبل (٧): وحينئذ يكون الذي حصل لرسول الله ﷺ بعد (٨) الدعاء يدخل (٩) في التشبيه،

стр. 713

وهو (١) الذي فضل به (٢) رسول الله ﷺ (٣) إبراهيم عليه الصلاة (٤) والسلام، فهما صلوات الله عليهما كرجلين أعطي لأحدهما ألف، والآخر ألفان، ثم طلب صاحب الألفين مثل ما أعطي لصاحب (٥) الألف فيحصل له ثلاثة آلاف، وللآخر ألف فقط فاندفع الإشكال، وبالله التوفيق بمنه (٦). وهذا الجواب الذي قرره في القواعد هو الحق؛ لأن الدعاء من الحقائق التي لا تتعلق إلا بالزمان المستقبل (٧). و (٨) أما قول بعضهم: سأل النبي ﵇ هذا [قبل] (٩) أن يعرف بشرف (١٠) منزلته. وقول بعضهم: إنما سأل لأهل بيته. وقول بعضهم: إنما سأل لأمته. وقول بعضهم: إنما قال هذا تأدبًا (١١) منه ﵇.

стр. 714

وقول بعضهم: هذا (١) تشبيه الأصل بالأصل، لا تشبيه القدر بالقدر. وقول بعضهم: إنما وقع التشبيه على آله (٢) لا عليه، وغير ذلك. كل ذلك أجوبة ضعيفة، والله الموفق للصواب (٣). ...

стр. 715

الفصل الثاني عشر: [حكم العقل بأمر على (١) أمر] (٢) لما أراد المؤلف - رحمه الله تعالى - (٣) الشروع في بيان الحكم الشرعي نظر إلى أنه يحتاج إلى الدليل، والدليل (٤) قد يفيد العلم، وقد يفيد الظن، وقد يعرض فيه شك، وقد يعرض فيه وهم، وقد يجهل الحكم الشرعي، وقد يتلقى (٥) بالتقليد، فأراد أن يبين هذه الحقائق المذكورة وهي: العلم، والظن، والشك، والوهم، والجهل، والتقليد. وقسّم المؤلف العلم بالنسبة إلى مستنده [سبعة] (٦) أقسام وهي: الضروري، [والنظري] (٧)، والحسي، والتواتري، [والتجريبي] (٨)، والحدسي، والوجداني.

стр. 716

فجملة الحقائق المذكورة في هذا الفصل اثنا عشر نوعًا: سبعة في العلم، وخمسة في غيره (١). وأصل هذه الأنواع الاثني عشر ستة وهي: العلم، والظن، والشك، والوهم، والجهل، والتقليد، وهذه الستة الأصول على قسمين: جازم، ومتردد. فالجازم ثلاثة وهي: العلم، والجهل، والتقليد. والمتردد ثلاثة وهي (٢): الظن، والشك، والوهم. وسيأتي بيان جميع هذه الأنواع الاثني عشر مع حروف الكتاب. قوله: (حكم العقل بأمر على أمر). ش: قوله: (حكم العقل) احترازًا من حكم الشرع، فإنه سيأتي في الفصل الذي يلي (٣) هذا الفصل. وقوله: (العقل) اختلف أرباب العلم في العقل، هل يحد أو لا يحد؟

стр. 717

قيل (١): لا يحد، وقيل: يحد (٢). فإذا قلنا: لا يحد: فقيل: لعسره؛ لأن العبارة المنقولة (٣) لا تفي بالحقائق المعلومة. وقيل: إنما لا يحد؛ لأنه ضروري. وإذا قلنا: يحد؛ فاختلف في حده (٤): فقيل: قوة طبيعية، يفصل بها بين حقائق المعلومات (٥). وقيل: غريزة يتأتى بها درك العلوم (٦) (٧). وقيل: غريزة (٨) يتوصل بها إلى إدراك العلوم (٩).

стр. 718

وقيل: جوهر بسيط يفصل به بين حقائق المعلومات (١) وهذا يفيد أن (٢) العقل عرض وليس بجوهر؛ إذ لو كان جوهرًا لقام بنفسه (٣). وقيل: [علم ضروري] (٤) بوجوب الواجبات وجواز الجائزات، واستحالة المستحيلات، قاله (٥) القاضي أبو بكر (٦). وهو الأقرب؛ لأن الحكم العقلي لا يعدو ثلاثة أنواع: الوجوب، والجواز، والاستحالة. وقيل: العلوم الضرورية (٧). وقيل: بعض العلوم الضرورية (٨) وهذا البعض هو وجوب الواجبات، وجواز الجائزات، واستحالة المستحيلات (٩). ولا يصح تحديده بجميع العلوم الضرورية؛ لأن الوجدانيات (١٠) كالجوع

стр. 719

والعطش واللذة والألم (١) يتصف بها من لا عقل له: كالأطفال، والمجانين، والبهائم (٢). قوله: (حكم العقل) اختلف العلماء في محل العقل (٣) على ثلاثة أقوال: قيل: محله القلب؛ لقوله (٤) تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (٥) [قاله مالك (٦) وجمهور الفقهاء.

стр. 720

ولقوله (١) تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ (٢). ولقوله (٣) ﵇: "إن (٤) في الجسد مضغة (٥) إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائر الجسد، ألا وهي القلب، ألا وهي القلب، ألا وهي القلب" (٦) وذلك (٧) يدل على أن محله القلب؛ لأن العقل هو أصل (٨) الصلاح] (٩). وقيل: محله الدماغ؛ لأنه يضرب الإنسان على دماغه، فيذهب عقله،

стр. 721

قاله أبو حنيفة وجمهور الأطباء (١). وقيل: محله ما (٢) بين القلب والدماغ. وأجيب عن ذهاب العقل بسبب ضرب الدماغ: أن الدماغ خادم للعقل، ومن شأن الرئيس أن يختل باختلال خادمه (٣). قوله: (بأمر على أمر). ش: الأمر لفظ يقال على الأمر الذي ضد النهي؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٤). ويقال على الفعل؛ كقولنا (٥): كنا في أمر عظيم، إذا كنا في الصلاة. ويقال على الشيء؛ نحو قولنا (٦): إئتني (٧) بأمر ما، أي: بشيء ما. ويقال على (٨) الشأن؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ (٩) معناه: وما شأننا في إيجادنا إلا ترتيب مقدورنا على

стр. 722

قدرتنا وإرادتنا (١) من غير تأخير كلمح بالبصر. ويقال: الأمر (٢) على الصفة؛ ومنه قول الشاعر: عزمت على إقامة ذي صباح ... لأمر ما يسوّد من يسوّد (٣) أي: لصفة ما يسود من يسود. والمراد (٤) في كلام المؤلف بالأمر: هو (٥) الشيء، تقدير (٦) كلامه (٧): حكم

стр. 723

العقل بشيء على شيء. فالأمر (١) الأول هو: الشيء المحكوم به إما إثبات، وإما نفي، مثالهما: زيد قائم، وزيد ليس بقائم، والمراد بالأمر الثاني هو: المحكوم عليه بإثبات أو نفي. قوله: (إِما غير جازم أو جازم) (٢) أي: إما أن يكون ذلك الحكم مترددًا، وإما أن يكون (٣) قاطعًا، فالجزم (٤) لغة معناه: القطع. والمراد بغير الجازم: هو الحكم المتردد بين النفي والإثبات، أي المحتمل لهما. وإنما قدم المؤلف غير الجازم (٥)، وأخر الجازم مع أن الجازم أشرف من المتردد؛ لأن الثبوت أشرف من النفي، فإنما فعل ذلك؛ لأن المتردد أقل أقسامًا من الجازم، وقد جرت العادة عند المصنفين بالبداية بقليل الأقسام ليتفرغ (٦) العقل إلى كثير الأقسام. وقوله (٧): (والاحتمالات إِما مستوية فهو الشك أو (٨) بعضها راجح،

стр. 724

فالراجح (١) هو: الظن، والمرجوح: وهم). ش: الألف واللام في الاحتمالات للعهد المتضمن (٢) في قوله: غير جازم؛ لأن (٣) معنى غير الجازم (٤): هو المحتمل، وإنما جمع المؤلف الاحتمالات؛ لأن التردد (٥) قد يكون بين أكثر من أمرين (٦). وجعل المؤلف غير الجازم (٧) وهو المتردد ثلاثة أقسام وهي: الشك، والظن، والوهم. فالشك معناه: المتردد بين احتمالين فأكثر على السواء أي: من غير ترجيح أحد (٨) الطرفين على الآخر (٩). ومعنى الظن: هو الطرف الراجح من المتردد بين احتمالين فأكثر (١٠). ومعنى الوهم: هو الطرف المرجوح من المتردد بين احتمالين (١١) فأكثر.

стр. 725

فتبين بهذا (١) أن مسمى الشك مركب، ومسمى الظن والوهم بسيط. وإنما قدم المؤلف الشك على الظن مع أن الظن أقوى من الشك؛ لوجود الرجحان فيه، وعدم الرجحان في الشك فإنما فعل ذلك؛ لأن الشك قسم منفرد بنفسه (٢)، وأما الظن، والوهم فهما مشتركان في عدم التسوية (٣)؛ وإنما قدم الظن على الوهم؛ لأن الظن أقوى من الوهم لرجحانه. قوله: (إِما مستوية فهو (٤) الشك). ش: مثاله: إذا رأى الإنسان الغيم في زمان الصيف وشك هل يكون منه مطر، أو لا؟ فهذا: شك، إذ ليس عنده ما يقوى به أحد الاحتمالين على الآخر. وكذلك إذا أخبرك مخبر غير ثقة بخبر، ولم تدر أهو (٥) صادق أو كاذب؟ فهذا شك؛ إذ ليس عندك ما يقوى (٦) به أحد الاحتمالين على الآخر. وإلى هذا أشار بقوله: إما مستوية فهو الشك. قوله: (أو بعضها راجح، فالراجح هو: الظن، والمرجوح: وهم). ش: جمع ها هنا حقيقتين:

стр. 726

حقيقة الظن، وحقيقة الوهم. مثال ذلك: إذا رأى الإنسان الغيم التخيم (١) المتراكم (٢) في زمان الشتاء، ولم يعلم هل يكون منه المطر أو لا؟ (٣) ولكن احتمال كون المطر منه (٤) أقوى وأرجح؛ إذ الزمان زمان المطر، مع تراكم الغيم، فنزول المطر منه هو: الظن، وعدم نزول المطر منه هو: الوهم. وكذلك إذا أخبرك رجل ثقة بخبر، ولم تعلم أهو صادق، أو كاذب؟ ولكن احتمال الصدق أقوى لثقته فصدقه هو: الظن، وكذبه هو: الوهم. وإلى هذين القسمين أشار المؤلف بقوله: "أو بعضها راجح" (٥)؛ فالراجح هو: الظن، والمرجوح: وهم. واعترض كلام المؤلف ها هنا: بكونه جعل الشك والوهم من أقسام حكم العقل، مع أن الشك والوهم لا حكم فيهما أصلاً، فكيف يصدق عليهما حكم العقل، وشرط القسمة صدق المقسوم على الأقسام؟ ولا يصح ها هنا أن نقول (٦): الشك، أو الوهم حكم؛ إذ لا حكم فيها (٧). أجيب (٨) عنه: بأن قيل: هذا جار على أحد القولين: في كون الشك

стр. 727

والوهم حكمًا فلا يعارض مذهب بمذهب. قوله: (والجازم إِما (١) غير مطابق، وهو: الجهل المركب، أو مطابق). ش: فلما بين أقسام المتردد شرع هنا في أقسام الجازم، فذكر أن الحكم الجازم: إما أن يكون مطابقًا للواقع (٢)، [وإما ألا يكون مطابقًا للواقع] (٣). ومعنى الجازم: هو: الذي لا يحتمل النقيض عند الحاكم سواء احتمله في نفس الأمر، أو لا (٤). قوله: (والجازم: إِما غير مطابق وهو: الجهل المركب) أي: إذا جزم العقل بالحكم على شيء، وقطع بذلك الحكم من غير تردد فيه، وكان ذلك الحكم المجزوم به مخالفًا لما في نفس الأمر، فذلك الحكم هو المسمى عندهم بالجهل المركب، ويقال له أيضًا: الاعتقاد الفاسد. مثال ذلك: اعتقاد أرباب البدع والأهواء، فإنهم جهلوا الحق في نفس الأمر، وجهلوا (٥) أنهم جهلوه؛ لأنهم إذا قيل لهم: هل أنتم جاهلون أو عالمون؟ قالوا: نحن عالمون لا جاهلون، فاجتمع لهم جهلان (٦)؛ ولأجل هذا سمي بالجهل المركب؛ لأن جهلهم تركب من جهلين.

стр. 728

ومثاله أيضًا: من اعتقد في رجل أنه صالح وهو في نفس (١) الأمر طالح (٢)، أو اعتقد في رجل أنه طالح (٣) وهو في نفس الأمر صالح، وكذلك كل من اعتقد شيئًا على خلاف ما هو عليه (٤) فإن ذلك كله جهل مركب؛ لأنه جهل الحق في نفس الأمر، وجهل أنه جهله، ففيه جهلان. وقد يقع الجهل مركبًا من ثلاث جهالات، ومنه قول المتنبي ﵀: ومن جاهل بي وهو يجهل جهله ... ويجهل علمي أنه بي جاهل (٥) وأورد على هذا الكلام: بأن ظاهره يقتضي: بأن الجهل المركب لا يكون إلا في التصديقات دون التصورات (٦)، مع أنه قد يقع أيضًا في التصورات،

стр. 729

نحو: تصور الحقائق على خلاف ما هي عليه، كتصور الإنسان بأنه الحيوان (١) فقط، وكتصور (٢) الحيوان أنه (٣) الإنسان فقط. أجيب (٤) عنه: بأنه لم يتعرض إلا للتصديق؛ لأنه قال: حكم العقل بأمر على أمر، وذلك: تصديق لا تصور. قوله: (وهو الجهل المركب) [احترازًا من الجهل غير المركب وهو: الجهل البسيط. ومعنى البسيط: هو المفرد؛ أي: ليس فيه إلا جهل واحد] (٥)؛ لأن الجهل المركب يقابله الجهل (٦) البسيط. فالجهل على قسمين: مركب. وبسيط. فالمركب هو المذموم. وأما الجهل البسيط فليس بمذموم؛ إذ لا يعرى منه بشر. مثاله: جهل الإنسان بعدد شعرات رأسه، وكذلك جهله بعدد نجوم

стр. 730

السماء، وكذلك جهله بعدد بني آدم وغير ذلك، فإن مثل هذا الجهل لا يخلو منه بشر، فإذا قيل لإنسان: هل تعلم عدد شعرات رأسك؟ فيقول: لا أعلم ذلك بل أجهله، وإذا قيل له: هل تعلم أنك جاهل بذلك أم لا؟ فيقول: أعلم أني جاهل بذلك، فجهله إذًا بسيط لا مركب (١). وإنما لم يذكر المؤلف الجهل البسيط؛ لأنه ليس من أحكام العقل، وهو أصل في الإنسان؛ لأنه متقدم في الوجود على العقل، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (٢)؛ ولأجل هذا لم يندرج في التقسيم المذكور، ولم (٣) يحتج إلى تحديد. قوله: (إِما غير مطابق وهو: الجهل المركب، أو مطابق) إنما قدم المؤلف غير المطابق وهو الاعتقاد الفاسد على المطابق وهو الاعتقاد الصحيح، مع أن المطابق أولى بالتقدم (٤) لصحته، فإنما (٥) فعل ذلك؛ لأن البداية بالقليل أولى من البداية بالكثير ليتفرغ العقل إلى تبيين الكثير. قوله: (أو مطابق وهو (٦): إِما لغير موجب وهو: التقليد، أو لموجب). ش: قسم المؤلف ها هنا الحكم المطابق أي: الموافق للواقع على قسمين: أحدهما: المستند لموجب.

стр. 731

والآخر: غير المستند لموجب. والمراد بالموجب هو: الدليل، فذكر أن الحكم المطابق لغير موجب يسمى بالتقليد (١). ومعنى التقليد عندهم: أخذ القول عن قائله بغير (٢) دليل (٣)، والتقليد مأخوذ من قولك: قلدته بالقلادة إذا جعلتها (٤) في (٥) عنقه. قال ابن العربي: و (٦) معنى التقليد: قبول قول العالم من غير معرفة بدليله؛ ولذلك منع العلماء أن يقال: إنا (٧) نقلد النبي ﷺ (٨)؛ لأنّا إنما قبلنا قوله بدليل (٩) ظاهر مقطوع به، وهو: المعجزة (١٠) الدالة على صدقه. انتهى نصه. مثال التقليد: اعتقاد عوام المسلمين قواعد عقائدهم عن أئمتهم، فإنهم

стр. 732

يعتقدون صحة ذلك بالجزم من غير تردد ولا يعلمون أدلة ذلك (١). قوله: (وهو إِما لغير موجب وهو: التقليد، أو لموجب) إنما قدم ما لا موجب له على ماله موجب، مع أن ماله موجب أولى بالتقديم لقوته، فإنما فعل ذلك؛ لأن ما لا موجب له قليل بالنسبة إلى ماله موجب؛ لكثرته بأقسامه، فقدم القليل ليتفرغ العقل إلى (٢) الكثير. واعترض كلامه: بأن ظاهره يقتضي أن التقليد لا يكون إلا (٣) مطابقًا؛ لأنه جعله من أقسام المطابقة، وليس الأمر كذلك؛ لأن التقليد على قسمين: مطابق، وغير مطابق. فمثال المطابق: كما (٤) تقدم في اعتقاد عوام المسلمين. ومثال التقليد غير المطابق: اعتقاد عوام الكفار وأهل الضلال ما يتلقونه من أحبارهم (٥) ورؤسائهم (٦). أجيب (٧) عن هذا: بأن التقليد غير (٨) المطابق قد اندرج في الجهل المركب، وقد (٩) تقدم.

стр. 733

قوله: (أو لموجب وهو: إِما عقل (١) وحده، فإِن استغنى عن الكسب (٢) فهو: البديهي، وإِلا فهو: النظري، أو (٣) حسي وحده، وهو: المحسوسات الخمس، أو مركب منهما وهو: المتواترات، والتجريبيات، والحدسيات). ش: قسم المؤلف ها هنا موجب الحكم على ثلاثة [أقسام] (٤) وهي: عقلي خاصة. وحسي خاصة. وعقلي وحسي معًا. أشار المؤلف إلى الدليل العقلي خاصة بقوله: (إِما عقل (٥) وحده). وأشار إلى الدليل الحسي خاصة بقوله: (أو حسي (٦) وحده). وأشار إلى الدليل المركب من العقل والحس بقوله: (أو مركب منهما) أي: مركب من دليل العقل ومن دليل الحس. ثم حصر المؤلف الدليل العقلي خاصة في قسمين وهما: الضروري، والنظري.

стр. 734

وهو معنى قوله: (فإِن استغنى عن الكسب (١) فهو البديهي، وإِلا فهو النظري). قوله: (وهو: إِما عقل (٢) وحده ... إِلى آخره). إنما قدم المؤلف العقلي والحسي على المركب منهما تقديمًا للأصل على الفرع؛ [لأن التركيب ثان للإفراد (٣)، وإنما قدم الضروري على النظري تقديمًا للأصل على الفرع (٤)] (٥)؛ لأن ما لا يفتقر إلى نظر (٦): أصل، وما يفتقر إلى نظر (٧): فرع، وإنما قدم العقلي على الحسي؛ لأن العقل (٨) يفيد العلم اتفاقًا. وأما الحواس: فقيل: تفيد العلم، قاله الأشعري. وقيل: لا تفيده، قاله: غيره (٩). واختلف في الحواس أيضًا: هل هي كلها في درجة واحدة في

стр. 735

الإدراك؟ وهو: المشهور. وقيل: السمع والبصر أقوى من غيرهما. واختلف أيضًا في السمع والبصر أيهما أقوى من الآخر؟ قوله: (فإِن استغنى عن الكسب (١)) معناه فإن استبد العقل في إفادة الحكم بنفسه عن الكسب، أي: عن النظر والفكر فهو البديهي، أي: فهو العلم البديهي، وهو: العلم الذي يحصل ببدهية العقل [أي بمجرد العقل] (٢)؛ إذ لا يحتاج إلى نظر ولا فكر. مثاله: علم الإنسان بوجود نفسه، وعلمه بأن الاثنين أكثر من الواحد، وعلمه بأن المائة أكثر من العشرة، وعلمه بأن الألف أكثر من المائة، وكعلمه بأن النقيضين لا يجتمعان، كوجود شخص وعدمه في وقت واحد، وكعلمه بأن الشيء لا يكون متحركًا وساكنًا في وقت واحد، وكعلمه بأن الشيء لا يكون ثابتًا منفيًا في حالة واحدة (٣)، وكعلمه بأن الشيء الواحد لا يكون قديمًا وحادثًا في حالة واحدة، وغير ذلك من الأوليات التي يفيدها العقل بمجرده من غير استعانة بحس، فإن هذه القضايا تصادف مترسمة في العقل منذ وجوده، حتى يظن العاقل أنه لم يزل عالمًا بها ولا يدرى متى حصلت له. فهذا النوع (٤) الأولي يقال له: البديهي، والأولي، والفطري،

стр. 736

والضروري، والغريزي، والجبلّي، والطبيعي، والخليقي، وغير الكسبي، وغير المطلوب. قوله: (وإِلا (١) فهو النظري) معناه: فإن لم يستبد العقل بمجرده في إفادة الحكم بل يحتاج إلى نظر وفكر، فهو العلم الذي يقال له: العلم النظري وهو العلم الذي يحصل بالنظر والاستدلال. مثاله: كالعلم [بحدوث] (٢) العالم، وكالعلم بقدم الصانع، وكالعلم بأن الواحد سدس عشر الستين، وكالعلم بأن الواحد نصف عشر العشرين، وكالعلم بصدق الرسل ﵈، وكالعلم بوجوب الصلاة وأعدادها، وكالعلم بوجوب الزكاة ونصبها، وغير ذلك من الأمور التي يحتاج العقل فيها إلى النظر والاستدلال، فهذا النوع النظري يقال له: الكسبي والمطلوب، وغير البديهي وغير الفطري، وغير الأولي، وغير الضروري وغير ذلك من أسمائه في الاصطلاح. قوله: (أو حسي (٣) وحده وهو المحسوسات الخمس). هذا هو القسم الثاني من الأقسام الثلاثة وهو الدليل الحسي خاصة، فسره المؤلف بقوله: وهو: المحسوسات أي: هو ما يحصل بالمحسوسات، أي: ما يحصل بالحواس (٤) الخمس وهي: حاسة الذوق، وحاسة الشم، وحاسة

стр. 737

السمع، وحاسة البصر، وحاسة اللمس. وهذه الحواس الخمس: أربع (١) منها خاصة بالرأس وهي: الذوق، والشم، والسمع، والبصر، وواحدة عامة للرأس وغيره من الجسد وهي: اللمس، ولكن باطن الكف أقوى إدراكًا من غيره في اللمس (٢). قوله: (وهو المحسوسات الخمس) معناه: وهو: العلم المستفاد من الحواس الخمس، كالعلم (٣) بالحلاوة والمرارة بحاسة: الذوق، وكالعلم بالطيب والخبيث بحاسة الشم، وكالعلم بالأصوات الجهيرة، والخفية، بحاسة: السمع، وكالعلم بالألوان البياضية، والسوادية [وغيرها من الألوان] (٤) بحاسة: البصر، وكالعلم بالليونة والحروشة بحاسة: اللمس، وغير ذلك من سائر العلوم المستفادة من الحواس. وهذا النوع هو المعبر عنه بالعلم المحسوسي (٥)، ويقال له أيضًا: العلم الحسي. [قوله: (المحسوسات الخمس). قال بعضهم: هذا معنى قول العرب: ضربت أخماسي في أسداسي، أي: فكرت بحواسي الخمس في جهاتي (٦) الست؛ لأن الجهات ست وهي:

стр. 738

فوق، وتحت، وقدام، ووراء، ويمنة، ويسرة. وقد جمعها الحريري (١) في بيت واحد فقال: ثم الجهات الست فوق وورا (٢) ... ويمنة وعكسها بلا مرا (٣) فذكر ثلاث جهات وسكت عن أضدادها (٤)؛ لأن الضد ينبه على ضده] (٥). وقوله (٦): (أو مركب منهما وهو: المتواترات (٧)، والتجريبيات، والحدسيات). ش: شرع المؤلف ها هنا في القسم الثالث، وهو الدليل المركب من دليل العقل، ودليل الحس. وفسره المؤلف بثلاثة أشياء وهي:

стр. 739

العلوم المتواترة (١). والعلوم التجريبية. والعلوم الحدسية. فمعنى المتواترات (٢) هي: العلوم التي تحصل (٣) بالأخبار المتواترة (٤)، كالعلم بأحوال الأمم الماضية، والعلم بوجود البلاد النائية كبغداد ومكة، وكالعلم بشجاعة علي، وكالعلم بسخاء حاتم (٥)، وكالعلم بجمال يوسف ﵇ (٦)، وكالعلم بصبر أيوب ﵇ (٧)، وغير ذلك من العلوم الحاصلة (٨) بتواتر الأخبار. وقوله (٩): (والتجريبيات) وهي: العلوم التي تحصل بالعادة وتكرر المشاهدات (١٠)، كعلمك بأن النار تحرق، وكعلمك بأن الطعام يشبع، وكعلمك بأن الماء يروي، وكعلمك بأن الخمر يسكر، [وكعلمك بأن

стр. 740

السقريضاء (١) تسهل الصفراء] (٢) (٣)، وكعلمك بحلاوة العسل، وكعلمك بحموضة الليمون، ومرارة الحنظل، وغير ذلك من العلوم التي تحصل بالتجريب. وقوله (٤): (والحدسيات). ش: وهي: العلوم التي تحصل بالحدس: أي: بالتخمين (٥) والتحزير (٦) وهو: الأخذ بالظن، كالعلم لجودة الفضة ورداءتها، وكالعلم بجودة الذهب ورداءته، وكالعلم بنضج الفاكهة وعدم نضجها (٧) وكالعلم بشجاعة فلان وجبنه، وغير ذلك من العلوم التى تحصل بحدس وتخمين. وهذه الأنواع الثلاثة التي هي: المتواترات (٨) والتجريبيات، والحدسيات، مشتركة في الحس والعقل.
следующие страницы →