← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

والضروري، والغريزي، والجبلّي، والطبيعي، والخليقي، وغير الكسبي، وغير المطلوب. قوله: (وإِلا (١) فهو النظري) معناه: فإن لم يستبد العقل بمجرده في إفادة الحكم بل يحتاج إلى نظر وفكر، فهو العلم الذي يقال له: العلم النظري وهو العلم الذي يحصل بالنظر والاستدلال. مثاله: كالعلم [بحدوث] (٢) العالم، وكالعلم بقدم الصانع، وكالعلم بأن الواحد سدس عشر الستين، وكالعلم بأن الواحد نصف عشر العشرين، وكالعلم بصدق الرسل ﵈، وكالعلم بوجوب الصلاة وأعدادها، وكالعلم بوجوب الزكاة ونصبها، وغير ذلك من الأمور التي يحتاج العقل فيها إلى النظر والاستدلال، فهذا النوع النظري يقال له: الكسبي والمطلوب، وغير البديهي وغير الفطري، وغير الأولي، وغير الضروري وغير ذلك من أسمائه في الاصطلاح. قوله: (أو حسي (٣) وحده وهو المحسوسات الخمس). هذا هو القسم الثاني من الأقسام الثلاثة وهو الدليل الحسي خاصة، فسره المؤلف بقوله: وهو: المحسوسات أي: هو ما يحصل بالمحسوسات، أي: ما يحصل بالحواس (٤) الخمس وهي: حاسة الذوق، وحاسة الشم، وحاسة

стр. 737

السمع، وحاسة البصر، وحاسة اللمس. وهذه الحواس الخمس: أربع (١) منها خاصة بالرأس وهي: الذوق، والشم، والسمع، والبصر، وواحدة عامة للرأس وغيره من الجسد وهي: اللمس، ولكن باطن الكف أقوى إدراكًا من غيره في اللمس (٢). قوله: (وهو المحسوسات الخمس) معناه: وهو: العلم المستفاد من الحواس الخمس، كالعلم (٣) بالحلاوة والمرارة بحاسة: الذوق، وكالعلم بالطيب والخبيث بحاسة الشم، وكالعلم بالأصوات الجهيرة، والخفية، بحاسة: السمع، وكالعلم بالألوان البياضية، والسوادية [وغيرها من الألوان] (٤) بحاسة: البصر، وكالعلم بالليونة والحروشة بحاسة: اللمس، وغير ذلك من سائر العلوم المستفادة من الحواس. وهذا النوع هو المعبر عنه بالعلم المحسوسي (٥)، ويقال له أيضًا: العلم الحسي. [قوله: (المحسوسات الخمس). قال بعضهم: هذا معنى قول العرب: ضربت أخماسي في أسداسي، أي: فكرت بحواسي الخمس في جهاتي (٦) الست؛ لأن الجهات ست وهي:

стр. 738

فوق، وتحت، وقدام، ووراء، ويمنة، ويسرة. وقد جمعها الحريري (١) في بيت واحد فقال: ثم الجهات الست فوق وورا (٢) ... ويمنة وعكسها بلا مرا (٣) فذكر ثلاث جهات وسكت عن أضدادها (٤)؛ لأن الضد ينبه على ضده] (٥). وقوله (٦): (أو مركب منهما وهو: المتواترات (٧)، والتجريبيات، والحدسيات). ش: شرع المؤلف ها هنا في القسم الثالث، وهو الدليل المركب من دليل العقل، ودليل الحس. وفسره المؤلف بثلاثة أشياء وهي:

стр. 739

العلوم المتواترة (١). والعلوم التجريبية. والعلوم الحدسية. فمعنى المتواترات (٢) هي: العلوم التي تحصل (٣) بالأخبار المتواترة (٤)، كالعلم بأحوال الأمم الماضية، والعلم بوجود البلاد النائية كبغداد ومكة، وكالعلم بشجاعة علي، وكالعلم بسخاء حاتم (٥)، وكالعلم بجمال يوسف ﵇ (٦)، وكالعلم بصبر أيوب ﵇ (٧)، وغير ذلك من العلوم الحاصلة (٨) بتواتر الأخبار. وقوله (٩): (والتجريبيات) وهي: العلوم التي تحصل بالعادة وتكرر المشاهدات (١٠)، كعلمك بأن النار تحرق، وكعلمك بأن الطعام يشبع، وكعلمك بأن الماء يروي، وكعلمك بأن الخمر يسكر، [وكعلمك بأن

стр. 740

السقريضاء (١) تسهل الصفراء] (٢) (٣)، وكعلمك بحلاوة العسل، وكعلمك بحموضة الليمون، ومرارة الحنظل، وغير ذلك من العلوم التي تحصل بالتجريب. وقوله (٤): (والحدسيات). ش: وهي: العلوم التي تحصل بالحدس: أي: بالتخمين (٥) والتحزير (٦) وهو: الأخذ بالظن، كالعلم لجودة الفضة ورداءتها، وكالعلم بجودة الذهب ورداءته، وكالعلم بنضج الفاكهة وعدم نضجها (٧) وكالعلم بشجاعة فلان وجبنه، وغير ذلك من العلوم التى تحصل بحدس وتخمين. وهذه الأنواع الثلاثة التي هي: المتواترات (٨) والتجريبيات، والحدسيات، مشتركة في الحس والعقل.

стр. 741

أما المتواترات (١) فبيان ذلك فيها: [أنه لا بد (٢) فيها] (٣) من سماع أخبار متواترة هذا حظ (٤) الحس فيها، ثم بعد ذلك [إذا] (٥) قال العقل: هؤلاء الجماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب حصل العلم، فهذا (٦) حظ (٧) العقل فيها. وأما المجربات فبيان ذلك فيها: أن الليمون أو (٨) الثمر مثلاً لا بد أن يباشر الحس ذلك أول مرة، فيجده (٩) حلوًا أو حامضًا فيشك العقل في ذلك، فيقول: لعل هذا الفرد من هذا الجنس أصابه عارض أوجب له ذلك كما توجد المرارة في بعض أفراد الفقوس والخيار، مع كون الجنس في نفسه ليس كذلك، وهذا حظ الحس فيها، ثم بعد ذلك إذا كثر ذلك في أفراد عديدة وتكرر ذلك في أشخاص كثيرة من ذلك الجنس يقول العقل (١٠): كل ليمونة حامضة وكل ثمرة حلوة، فيحصل العلم بذلك وهذا حظ (١١) العقل فيها. وأما الحدسيات فبيان ذلك فيها: أن الدرهم مثلاً يراه البصر أول مرة فلا

стр. 742

يعرفه أهو رديء أم جيد (١) فهذا حظ (٢) الحس فيها، ثم يقال (٣) له: هو رديء فيتأمله، ويتكرر ذلك كثيرًا حتى يحصل عند العقل قرائن لا يمكن التعبير عنها، فيقول العقل لأجلها: كل ما كان من الدراهم هكذا فهو درهم رديء، فهذا حظ (٤) العقل فيها. فالحاصل مما قررناه: أن الأصناف - أعني: المتواترات، والمجربات، والحدسيات - اشتركت في الحس والعقل، واشتركت أيضًا في أن (٥) أول مرة يحصل الشك، وعند التكرار يحصل الظن، وعند طول التكرير (٦) يحصل العلم. فإذا ظهر الاشتراك (٧) بينها فالفرق (٨) بينها (٩) (١٠): أن المتواترات تختص بالأخبار، والحدسيات تحتاج إلى النظر حالة الحكم على الجزئيات (١١)،

стр. 743

والمجربات (١) لا تحتاج إلى النظر حالة الحكم على الجزئيات (٢). فإذا قال لك قائل (٣) مثلاً: معي درهم، هل هو جيد أو رديء؟ فلا بد أن تقول: حتى أنظر إليه؛ لأن هذا من الحدسيات. وإذا قال لك القائل: معي (٤) ليمونة هل هي حامضة أم لا؟ فإنك تقول: هي حامضة، ولا تحتاج إلى النظر في الجزئيات (٥)؛ لأن هذا من المجربات. قوله: (وهو: المتواترات والتجريبيات والحدسيات). هذه الأصناف الثلاثة رتبها المؤلف على حسب تفاوتها في الفائدة. فالمتواترات (٦) أشرفها، ولذلك يترجح (٧) للخبر (٨) المتواتر (٩) ولا يترجح (١٠) للمجربات (١١) والحدسيات، وقدم المجربات على الحدسيات؛ لأنها أشرف من الحدسيات؛ لأن مدركاتها كليات (١٢) ومدركات الحدسيات جزئيات.

стр. 744

قوله: (والوجدانيات أشبه بالمحسوسات فتندرج معها في الحكم (١)). ش: هذا هو النوع [السابع] (٢) من الأنواع السبعة التي هي أقسام العلم وهو علم الوجدانيات (٣). ومعنى الوجدانيات (٤): هي: المشاهدات الباطنة التي يجدها الإنسان في نفسه وباطنه (٥) ولا تحتاج إلى: عقل ولا حس، كالجوع، والعطش، واللذة، والألم، والفرح، والغضب، والنشاط (٦)، والكسل، والصحة، والمرض، وكذلك (٧) إذا علم الإنسان ذلك من غيره. وهذه المشاهدات الباطنة (٨) [ليست] (٩) من قبيل المحسوسات ولا من قبيل العقليات. وإنما قلنا: ليست من المحسوسات؛ لأنها يدركها من لا حواس له كالأصم الأعمى الذي سلب (١٠) ذوقه وشمه، فإنه يجد الجوع والعطش مثلاً

стр. 745

في نفسه، وإنما قلنا أيضًا (١): ليست من العقليات؛ لأنها يدركها من لا عقل له كالبهيمة [والمجنون ومن لا عقل له من الصبيان. وها هنا تنبيه وهو: أن ظاهر كلام الأصوليين هنا أن البهائم لا عقل لها، لأثهم يقولون: علم الوجدانيات (٢) تدركها (٣) البهائم مع أنها لا عقل لها، وكذلك هو ظاهر كلام النحاة أيضًا؛ لأنهم يقولون: يشترط العقل في جمع (٤) المذكر السالم احترازًا من غير العاقل كالبهائم، فظاهر كلام الأصوليين والنحويين أن البهائم لا عقل لها. وقال ابن العربي: لا خلاف عندي (٥) أن الحيوانات كلها لها أفهام وعقول، وقد قال الشافعي: الحمام أعقل الطير، ذكره في أحكام القرآن (٦) في سورة النمل (٧) فانظره] (٨). قوله: (والوجدانيات أشبه بالمحسوسات). يعني: أن الوجدنيات (٩) شبيهة بالمحسوسات، ووجه الشبه بينهما: أن كل واحد منهما لا يدرك إلا الجزئيات؛ لأن الحس لا يدرك إلا الجزئيات،

стр. 746

وكذلك الوجداني لا يدرك إلا الجزئيات، [بخلاف العقل فإنه المدرك للكليات. وإنما قلنا: إن الحس لا يدرك إلا الجزئيات] (١)؛ لأن الإنسان لا يذوق كل طعام ولا يشم كل طيب، ولا يسمع كل صوت، ولا يبصر كل شيء، ولا يلمس (٢) كل شيء، فمدركات الحس أبدًا جزئية، وكذلك الوجدانيات فإنها أمور جزئيات فإنه لا يقوم بالإنسان كل جوع، ولا كل عطش، ولا كل وجع مثلاً، بل يقوم به فرد واحد (٣) من أفراد ذلك الجنس فمدركه جزئية (٤) [كالحس] (٥)، بخلاف العقل فإن مدركاته الكليات؛ لأن العقل هو الذي يقول مثلاً: كل ليمونة حامضة، وكل تمرة حلوة، وكل حنظلة مرة وغير ذلك، فلذلك ألحق العلماء الوجدانيات بالمحسوسات في الحكم دون العقليات، والوجدانيات (٦) قبيل قائم بنفسه (٧). قوله: (والوجدانيات أشبه بالمحسوسات). انظر لأي شيء أخر الوجدانيات؟ مع أن المصنفين يقدمونها على غيرها، فإن ترتيبها عندهم: الوجدانيات ثم الأوليات، ثم الحسيات، ثم المتواترات،

стр. 747

ثم التجريبيات، ثم الحدسيات. وإنما (١) أخر المؤلف الوجدانيات؛ لأنها أجنبية عن مورد التقسيم؛ إذ لا حكم فيها للعقل ولا للحس [وإنما ذكرها تتميمًا للضروريات] (٢). وقوله (٣): (المحسوسات). اعترض (٤) بعضهم (٥) هذه العبارة بأن قال: هذا لحن؛ لأن الفعل المأخوذ من الحواس رباعي لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ (٦) فاسم المفعول منه محس، فالجاري في جمعه على هذا محسات لا محسوسات. وأما حس الثلاثي فله ثلاثة (٧) معان أخر (٨): يقال: حسه: إذا قتله، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ (٩)، وحسه: إذا مسحه ومنه حس الفرس، وحسه: إذا ألقى عليه الحجارة المحماة لينضج، فاسم المفعول (١٠) من

стр. 748

هذه الثلاثة محسوس، وفي الجمع محسوسات. أجيب عنه (١) بأن قيل: هذا لا يصح؛ لأنه يقال: أحسّ وحسّ رباعيًا وثلاثيًا بمعنى واحد. قال الزبيدي في المختصر: حسست من فلان خبرًا أو (٢) أحسست (٣). وقال في الأفعال: أحسست الشيء رأيته (٤)، أو سمعت حركته وحسست به حسًا (٥). وها هنا فرع [ذكره] (٦) المؤلف في الشرح قال: اختلف العلماء في الحواس مع العقل: فقيل: الحواس بمنزلة [الحجاب] (٧) للملك (٨). وقيل: الحواس هي (٩) بمنزلة الطاقات ينظر منها الملك. فعلى القول بأنها كالحجاب: فإن الحواس هي التي تدرك تلك (١٠) الأمور

стр. 749

الجزئيات ثم تؤديها للملك فيحكم عليها ويقول: كل ما كان كذا فهو كذا. وعلى القول الآخر بأن الحواس كالطاقات (١): فإن العقل هو الذي يدرك تلك الأمور، فإن العقل على هذا كالأمير في بيت له خمس طاقات قبالة كل طاقة مشاهدة ليست قبالة الأخرى. ودليل القول بأن الحواس هي التي تدرك الأمور وتؤديها للعقل: [أن البهائم لا عقل لها، ومع ذلك تدرك الأمور بحواسها، فدل ذلك على أن الحواس مستقلة بالإدراك] (٢) دون العقل. ودليل القول بأن العقل هو الذي يدرك وأن (٣) الحواس بمنزلة الطاقات: أن الإنسان إذا نام وفتحت (٤) عيناه فلا يدرك شيئًا حتى يستيقظ فيأتي شيء للبصر ولجميع الحواس، فحينئذ يحصل الإدراك (٥) وبالله التوفيق (٦). ...

стр. 750

الفصل الثالث عشر في الحكم وأقسامه ش: تعرض المؤلف [﵀] (١) في هذا الفصل لبيان الحكم الشرعي (٢) ولبيان أقسامه، وفي هذا الفصل أربعة مطالب: الأول: في بيان حقيقة الحكم الشرعي. والمطلب الثاني: في حصر أقسامه. والمطلب الثالث: في تفسير أقسامه. المطلب (٣) الرابع: في التنبيه الذي ختم به الفصل. قوله: (الحكم الشرعي (٤): وهو خطاب الله تعالى القديم (٥) المتعلق

стр. 751

بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو (١) التخيير) (٢). ش: هذا هو المطلب الأول: وهو حقيقة الحكم في اصطلاح (٣) المتشرعة، وهذا الحد ركبه المؤلف ﵀ (٤) من جنس وخمسة قيود: فالجنس: هو قوله: [خطاب الله تعالى] (٥). والقيد الأول هو: قوله: "القديم". والقيد الثاني هو: قوله: "المتعلق". و (٦) القيد الثالث هو قوله: "بأفعال" (٧). والقيد الرابع هو قوله: "المكلفين". والقيد الخامس هو قوله: " (بالاقتضاء (٨) أو التخيير". قوله: (خطاب الله تعالى) (٩) أي: كلام الله تعالى (١٠)، فخطاب الله تعالى (١١)

стр. 752

هو كلام الله تعالى (١). وقوله: (القديم) احترازًا من كلام الله تعالى (٢) الحادث (٣) وهو: آيات القرآن التي هي مقتضية للأحكام الشرعية التي هي: الوجوب (٤)، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٥)، وقوله تعالى (٦): ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ (٧)، وقوله تعالى (٨): ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ (٩)، وقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (١٠)، وغير ذلك من سائر الآيات الدالة على أحكام الله تبارك (١١) وتعالى، فإن تلك الآيات ليست حكمًا شرعيًا (١٢)، وإنما هي (١٣) دليل على (١٤) الحكم الشرعي الذي هو المعنى القائم بذات الله (١٥).

стр. 753

فقوله (١): (خطاب الله تعالى (٢) القديم) احترازًا من خطاب الله تعالى (٣) الحادث؛ وذلك أن كلام الله تعالى (٤) يقال للمعنى القائم بذات الله تعالى (٥)، ويقال أيضًا للفظ الدال على المعنى القائم بذات الله تعالى (٦)، وذلك اللفظ الدال على [المعنى] (٧) المذكور هو حادث، ومنه احترز المؤلف بقوله: القديم؛ لأن ذلك اللفظ الذي يدل على المعنى القائم بالذات حادث (٨)؛ [لأنه حادث بعد أن لم يكن] (٩). وأما المعنى القائم بذات الله تعالى فهو قديم؛ لأنه صفة ذات الله تعالى (١٠)، وصفاته (١١) قديمة لا تفارق ذاته (١٢) جل وعلا. وإنما قلنا في الآيات القرآنيات المعبر بها عن الأحكام الشرعية حادثة؛ لأنها صفات المخلوقات؛ لأنها تكلم بها (١٣) جبريل ﵇، ثم النبي

стр. 754

عليه السلام، ثم حملة القرآن، فهي حادثة؛ لأن كلام الحادث حادث (١) وأما المعنى القائم بالنفس فهو قديم؛ لأنه (٢) صفة القديم جل وعلا. فتبين بما قررناه أن كلام الله تعالى يقال على الشيئين وهما: الدليل، ومدلوله: أحدهما: قديم وهو المدلول. والآخر: حادث وهو الدال. واختلف الأصوليون في إطلاق كلام الله تعالى (٣) على هذين الأمرين، هل هو حقيقة فيهما؟ فيكون (٤) اللفظ مشتركًا لوروده فيهما والأصل الحقيقة،

стр. 755

وهو القول (١) المشهور. أو هو (٢) حقيقة في المعنى القائم بالذات ومجاز في اللفظ الدال عليه، وهو قول: أبي الحسن الأشعري. أو هو (٣) حقيقة في اللفظ مجاز في المعنى القائم بالذات، وهو قول: المعتزلة بناء منهم على إنكار الكلام النفساني. وهذا الذي بيّناه (٤) هو المحترز منه بقوله: "القديم". وقوله: (المتعلق) احترازًا من كلام الله تعالى (٥) غير المتعلق كعلم الله تبارلى وتعالى (٦) بذاته، وصفاته، وغير ذلك. وقوله: (بأفعال المكلفين) احترازًا (٧) من كلام الله تعالى (٨) المتعلق

стр. 756

بذواتهم، وصفاتهم، وأحوالهم، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١)، وكقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ (٢)، وكقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ...﴾ (٣) الآية، وغير ذلك مما تعلق بالذوات، والصفات، والأحوال؛ لأن ذلك كله لا يقال له: حكم شرعي. وقوله: (المكلفين): احترازًا من كلام الله تعالى (٤) المتعلق بأفعال (٥) غير المكلفين كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ (٦) , وقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ (٨)، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (٩)، وقوله تعالى (١٠): ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ

стр. 757

سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ (١)، وغير ذلك مما تعلق بأفعال غير المكلفين. وقوله: (بالاقتضاء) معناه: بالطلب. وذلك يشمل (٢) أربعة أحكام وهي: الوجوب، والندب، والتحريم، والكراهة. لأن الطلب إما طلب فعل وإما طلب ترك، وعلى التقديرين إما أن يكون الطلب مع الجزم، وإما أن يكون مع (٣) غير الجزم، وذلك أن طلب الفعل إن كان مع الجزم فهو: الوجوب، وإن كان من (٤) غير جزم فهو: الندب، وكذلك طلب الترك، لأنه إن كان مع الجزم فهو: التحريم، وإن كان من غير جزم فهو: الكراهة. فقوله إذًا: (بالاقتضاء) تندرج (٥) فيه أربعة أحكام من الأحكام الخمسة. وقوله: (أو التخيير) يندرج فيه الإباحة وهو الحكم الخامس (٦) الباقي من أحكام الشرع.

стр. 758

وقوله: (بالاقتضاء أو التخيير) معناه المتعلق بالمكلفين على وجه الطلب أو على وجه التخيير، أي على وجه طلبهم بفعله أو تركه، أو تخييرهم بين فعله وتركه. واحترز بقوله: (بالاقتضاء أو التخيير) من كلام الله تعالى (١) المتعلق بأفعال المكلفين من غير اقتضاء ولا تخيير وهو: الخبر كقوله تعالى (٢): ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٤)، وقوله تعالى (٥): ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ﴾ (٦). لأن هذا خبر عن تكليف تقدم وغير ذلك مما يتعلق (٧) بأفعال المكلفين من غير طلبهم بفعله ولا بتركه ولا بتخييرهم (٨) فيه (٩) بين فعله وتركه، هذا بيان حد الحكم الشرعي. قوله: (فالقديم: احترازًا من نصوص أدلة الحكم؛ فإِنها خطاب الله تعالى (١٠) وليست حكمًا، وإِلا اتحد الدليل والمدلول وهي محدثة). ش: هذا بيان المحترز منه بقوله: "القديم".

стр. 759

قال المؤلف في الشرح: إني اتبعت في هذا الحد الإمام فخر الدين ﵀ (١)، إلا أني زدت فيه: القديم (٢). وإنما زاد المؤلف القديم؛ لأن حد الإمام فخر الدين (٣) ليس بمانع؛ لأنه يدخل عليه (٤) خطاب (٥) الله تعالى الحادث وهي: الآيات التي هي نصوص أدلة الحكم، فإنها يقال لها: خطاب الله تعالى (٦) ومع ذلك ليست حكمًا أي: لا يقال لها: حكم شرعي. وقوله: (وإِلا اتحد الدليل والمدلول) معناه: لو كانت النصوص حكمًا، والمقدر أنها أدلة على الأحكام لكان الدليل والمدلول شيئًا واحدًا، وذلك محال؛ لأن تغايرهما أمر معلوم بالضرورة. وقوله: (وهي محدثة) أي: هذه النصوص الدالة على الحكم هي محدثة لأنها أصوات وألفاظ القارئين. وقوله: (والمكلفين: احترازًا من التعلق بالجماد وغيره) (٧). ش: هذا (٨) بيان المحترز منه بقوله: "المكلفين"، واحترز بذلك من المتعلق

стр. 760

بالجماد وغيره (١). مثاله في الجماد: قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (٢). ومثاله (٣) في غير الجماد قوله تعالى: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ (٤)، وغير ذلك مما تقدم. ومثل المؤلف في الشرح (٥) الجماد (٦): بقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ (٧). وهو غير (٨) مطابق؛ لأن السير نسبهُ الله تعالى (٩) إلى نفسه لا إلى الجبل (١٠)، ولكن يحتمل أن يكون المؤلف أراد بالتمثيل: القراءة الشاذة، وهي: قراءة من قرأها (١١) بالتاء المفتوحة وكسر السين ورفع الجبال على الفاعلية (١٢)، وهي

стр. 761

قراءة ابن محيصن (١) وعيسى الثقفي (٢). واعلم أن هذا اللفظ فيه ثلاث قراءات: أحدها: ﴿تُسَيَّر (٣) الْجِبَالُ﴾ بتركيب الفاعل (٤) وهي: قراءة ابن كثير (٥)،

стр. 762

وأبي عمرو (١) وابن عامر (٢).

стр. 763

القراءة (١) الثانية: ﴿نُسَيِّرُ (٢) الْجِبَالَ﴾ (٣) بالنون مع بسط الفعل وهي قراءة الباقين من السبعة. والقراءة الثالثة: ﴿تَسِيرُ الْجِبَال﴾ (٤) بالتاء المفتوحة وكسر السين وهي قراءة ابن محيصن، وعيسى الثقفي. وقوله: (والاقتضاء) يعني به: الطلب، واحترز به من الخبر. وقوله: (أو التخيير) يعني به: الإباحة، فـ "أو" للتنويع، أي: الحكم الشرعي متنوع لهذين (٥) النوعين. قال المؤلف في الشرح: هذا حكم بالترديد لا ترديد في الحكم (٦) معناه: أنه حكم على الحكم الشرعي بأنه متردد بين هذين جزمًا بلا شك.

стр. 764

وقوله (١): (بالاقتصاء أو التخيير) احترز به (٢) من خطاب الله تعالى (٣) المتعلق بأفعال المكلفين من غير طلب ولا تخيير، كقوله تعالى (٤): ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٥)، وكقوله تعالى (٦): ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٧). فإذا تقرر هذا فاعلم أن هذا الحد معترض من (٨) سبعة أوجه: أحدها: أن قوله: خطاب (٩) الله تعالى (١٠)، غير جامع للحكم الشرعي؛ لخروج فعل النبي ﷺ ، وإقراره، والإجماع من (١١) الحد، مع أن جميع ذلك حكم شرعي. أجيب عن هذا بأن قيل: ذلك كله (١٢) يندرج (١٣) في (١٤) خطاب الله تعالى (١٥)، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ

стр. 765

يُوحَى﴾ (١) والإجماع مستند إلى ذلك. الثاني: أن لفظ الخطاب إنما يكون لغة بين اثنين وهو حادث، وحكم الله تعالى (٢) قديم فلا (٣) يصح فيه الخطاب. قال المؤلف في شرحه (٤): فالصحيح أن (٥) يقال: كلام الله تعالى القديم. أجيب عن هذا بأن قيل: هذا جار على أحد القولين في الخطاب؛ إذ فيه خلاف: قيل: يقال: الخطاب في كلام الله (٦). وقيل: لا يقال له (٧): الخطاب. وقد أشار ابن الحاجب إلى هذا الخلاف فقال: "وفي تسمية الكلام في الأزل خطابًا خلاف" (٨). وسبب هذا الخلاف: اختلافهم في معنى الخطاب. قيل: معناه الكلام الذي قصد به إفهام الغير في الحال.

стр. 766

وقيل (١): معناه (٢): الكلام الذي قصد به إفهام الغير في الحال والاستقبال. فعلى الأول لا يسمى خطابًا، وعلى الثاني يسمى (٣): خطابًا. الثالث: أن قوله: (القديم) كيف يفسر به الحكم الشرعي؟ مع أن الحكم الشرعي يوصف به فعل العبد؛ لأنك تقول: فعل واجب وفعل حرام وصفة الحادث حادثة (٤)؟ أجاب المؤلف عن هذا: بأن الشيء قد يوصف بما ليس قائم به (٥) كقولنا: قيام الساعة مذكور معلوم بذكر قام (٦) بنا (٧)، ووصف الفعل بالأحكام من هذا القبيل (٨). فمعنى قولنا (٩): "فعل واجب أو فعل حرام" معناه: بوجوب قائم بذات الله تعالى (١٠) وتحريم قائم بذات الله تعالى، وإنما يلزم الحدوث من

стр. 767

الصفة في (١) الموصوف: إذا كانت قائمة به كالسواد والبياض، وأما الأقوال المتعلقة بالأفعال فلا تكون صفات لها ولا هي (٢) قائمة بها، فإذا قال السيد لعبده: أسرج الدابة، فقد أوجب عليه الإسراج بإيجاب قام بالسيد دون الإسراج الذي هو فعل العبد (٣). الرابع: أن قوله: (القديم) كيف يفسر به الحكم الشرعي؟ [مع أن الحكم الشرعي] (٤) يعلل بالحوادث، فإنك تقول مثلاً: حلت المرأة بالعقد، وحرمت بالطلاق، فالمعلل بالحادث حادث؟ (٥). أجاب المؤلف عن هذا: بأن العلل الشرعية معرفات (٦) لا مؤثرات، فالمعرِّف (٧)

стр. 768

يجوز أن يتأخر عن المعرَّف كما عرف الله (١) بصفته (٢). الخامس: أن قوله: (القديم) كيف يفسر به الحكم الشرعي؟ مع أن الحكم الشرعي يوصف بأنه مسبوق بالعدم، لأنك تقول: حلت المرأة بعد أن لم تكن حلالاً، والمسبوق بالعدم حادث؛ إذ البعدية تشعر بالحدوث؟ (٣). أجاب المؤلف عن هذا: بأن الحالة التي يتعلق بها الحكم الشرعي في الأزل إنما هي (٤) حالة اجتماع الشروط وانتفاء الموانع، فقولنا: حلت المرأة بعد أن لم تكن حلالاً؛ لأن (٥) وجود الحالة التي بها يتعلق الحل في الأزل، هي: حالة اجتماع الشروط وانتفاء الموانع (٦)، فإن المتعلق في الأزل إنما كان (٧) متعلقًا بهذه الحالة، فالحدوث إنما هو في المتعلَّق - بفتح اللام -، لا في المتعلِّق - بكسر اللام -، ولا في التعلق (٨) خلافًا [لمن قال: التعلق حادث، بل التعلق قديم، فإن الذي يحيل حصول علم في الأزل بلا] (٩) معلوم، فيحيل (١٠)

стр. 769

حصول أمر في الأزل بلا مأمور (١). كما سيأتي بيانه (٢) إن شاء الله تعالى في باب الأوامر في قول المؤلف: ولا يشترط (٣) مقارنته للمأمور بل يتعلق في الأزل بالشخص الحادث خلافًا لسائر الفرق (٤). والسادس (٥): أن قوله: (المتعلق بأفعال المكلفين) غير جامع للحكم الشرعي لخروج ما تعلق بأفعال الصبيان والمجانين من الزكوات (٦) والغرامات، فإن الضمان والزكاة (٧) واجب في أموالهم (٨). أجاب المؤلف عن هذا: بأن الوجوب إنما هو على الأولياء ولا وجوب على المحجورين ولا حكم (٩). السابع: أن هذا الحد أيضًا غير جامع؛ لأنه لا يتناول إلا خطاب

стр. 770

التكليف، ولا يتناول خطاب الوضع: كنصب الأسباب، والشروط، والموانع، كنصب الزوال لوجوب الظهر، ونصب الحول شرطًا لوجوب الزكاة، ونصب الحيض مانعًا للصلاة (١) وغير ذلك من أحكام الوضع التي بينها المؤلف في الفصل الخامس عشر فيما تتوقف عليه الأحكام (٢) الشرعية (٣)، فإن هذه الأشياء خارجة من (٤) حد المؤلف؛ إذ ليس في هذه الأشياء طلب ولا تخيير. فهذا الاعتراض قد التزمه المؤلف في الشرح وقال: "هذا الحد لا يتناول إلا أحد نوعي الخطاب، وهو: خطاب التكليف خاصة، ولا يتناول خطاب الوضع". قال: فالحق أن تقول في الحد الحكم الشرعي هو: كلام الله تعالى (٥) القديم، المتعلق بأفعال المكلفين على وجه الاقتضاء أو التخيير، [(٦) أو ما يوجب ثبوت الحكم أو انتفاءه، فما يوجب ثبوت الحكم هو: السبب، وما يوجب انتفاءه هو: الشرط بعدمه أو (٧) المانع بوجوده، فيجتمع في الحد "أو" (٨)

стр. 771

ثلاث (١) مرات (٢)؛ فحينئذ يستقيم الحد ويجمع جميع الأحكام الشرعية، وهذا هو (٣) الذي أختاره (٤). انتهى. ومنهم من أجاب عن ذلك: بأن خطاب الوضع لا يلزم الاعتراض به على الحد المذكور؛ لأنه مندرج في خطاب التكليف (٥)؛ لأن الأحكام التكليفية (٦) تستلزم (٧) أسبابها وشروطها ودلائلها، فيندرج خطاب الوضع في خطاب التكليف، فالحد المذكور على هذا يعم الخطابين معًا (٨). ومنهم من أجاب عن ذلك بأن قال: لا يلزم الاعتراض بخطاب الوضع؛ لأن خطاب الوضع ليس من الحكم (٩) الشرعي؛ لأنه لم يكلف به المكلف؛ لأن الإنسان لم يكلف (١٠) بتحصيل الأسباب والشروط، وإنما يكلف (١١) بالحكم الشرعي بعد حصول أسباب الحكم وشروطه (١٢)، وبالله التوفيق (١٣).

стр. 772

قوله: (اختلف (١) في أقسامه فقيل: خمسة: الوجوب، والتحريم، والندب، والكراهة، والإِباحة، وقيل: أربعة، والإِباحة (٢) ليست من الشرع، وقيل: اثنان: التحريم، والإِباحة). ش: هذا هو (٣) المطلب الثاني، وهو حصر أقسام الحكم الشرعي، فذكر المؤلف في هذا التقسيم ثلاثة أقوال: أحدها وهو المشهور الذي أجمع عليه المتأخرون: أنها خمسة أقسام وهي: الوجوب، والتحريم، والندب، والكراهة، والإباحة. والدليل على هذا القول: أن خطاب الشرع إما أن يرد باقتضاء الفعل، وإما (٤) أن يرد باقتضاء الترك، وإما (٥) أن يرد بالتخيير بين الفعل والترك، فإن ورد باقتضاء الفعل فإن أشعر بالعقاب على الترك فهو: الواجب، وإن لم يشعر بالعقاب على الترك فهو: المندوب، وإن ورد باقتضاء الترك فإن أشعر بالعقاب على الفعل فهو: المحظور، وإن لم يشعر بالعقاب على الفعل فهو: المكروه، وإن ورد بالتخيير بين الفعل والترك فهو: المباح، فتبين بهذا أن أقسام الحكم الشرعي خمسة (٦). القول الثاني: أنها أربعة وهي: الوجوب، والتحريم، والندب،

стр. 773

والكراهة، وأما الإباحة فليست (١) من أحكام الشرع وهذا قول بعض المعتزلة. وسبب الخلاف هو الخلاف في تفسير الإباحة، فمن فسرها بنفي الحرج قال: ليست من أحكام الشرع؛ لأن نفي الحرج (٢) ثابت قبل الشرع بالبراءة الأصلية؛ لأن البراءة الأصلية حكم عقلي لا شرعي، ومن فسرها بالإعلام بنفي الحرج قال: هي من أحكام الشرع؛ لأن الإعلام بنفي الحرج لا يعلم إلا من جهة الشرع (٣). القول الثالث: أن أحكام الشرع منحصرة في قسمين خاصة، وهما (٤): التحريم، والإباحة. وهو قول المتقدمين؛ لأن معنى الإباحة] (٥) عندهم: نفي الحرج مطلقًا، ونفي الحرج أعم من الوجوب، والندب، والكراهة، والإباحة المستوية الطرفين، ومعنى الإباحة عند المتأخرين: استواء الطرفين (٦). قوله: (وفسرت بجواز الإِقدام الذي يشمل الوجوب والندب والكراهة والإِباحة) (٧).

стр. 774

ش: وإنما يشمل نفي الحرج هذه الأحكام الأربعة؛ إذ لا حرج على فاعلها. قوله: (وعلى هذا المذهب (١) يتخرج قوله ﵇: "أبغض المباح إلى الله تعالى (٢) الطلاق" (٣)). ش: يعني أن قوله ﵇: "أبغض المباح إلى الله (٤) الطلاق" إنما تأويله أن يجري على هذا القول [ولا يجري على القول] (٥) الأول (٦) المشهور، وإنما قلنا لا يجري هذا الحديث على القول الأول الذي هو تفسير الإباحة باستواء الطرفين؛ لأنه لو حملنا المباح (٧) في (٨) هذا الحديث على مستوى الطرفين للزم منه المحال، وهو اجتماع الرجحان مع التساوي. وبيان ذلك: أن تقدير الحديث على هذا: أبغض المباح الذي استوى طرفاه هو الطلاق، فإن قوله: أبغض يقتضي ترجيح أحد الطرفين. وقوله: (المباح)، يقتضي استواء الطرفين فكأنه يقول في المعنى:

стр. 775

الطلاق هو (١) راجح أحد الطرفين وهو مستوي الطرفين، فترجيح (٢) أحد طرفيه مع استوائهما جمع بين ضدين والجمع بين الضدين محال. قوله: (فإِن البغضة تقتضي رجحان طرف (٣) الترك (٤)، والرجحان مع التساوي (٥) محال). ش: هذا تقرير (٦) الدليل على أن الحديث المذكور لا يجري على القول الأول الذي يفسر فيه المباح بمستوي الطرفين، فإن البغضة تقتضي رجحان طرف الترك على طرف الفعل، والإباحة تقتضي استواء طرفي الفعل والترك، والجمع بين الرجحان والتساوي محال. فتبين بهذا أن (٧) الحديث إنما يجري على القول بأن أقسام الشرع قسمان خاصة وهما: التحريم، والإباحة التي معناها جواز الإقدام، وإنما قلنا بهذا المقتضى؛ لأن أفعل في كلام العرب إنما يضاف إلى جنسه، ولا يضاف إلى غير جنسه، فإنك (٨) تقول: زيد أفضل الناس ولا تقول: زيد أفضل الحمير (٩)، فقوله: أبغض، صيغة تفضيل، وقد أضيفت إلى المباح المستوي الطرفين.
следующие страницы →