← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ثلاث (١) مرات (٢)؛ فحينئذ يستقيم الحد ويجمع جميع الأحكام الشرعية، وهذا هو (٣) الذي أختاره (٤). انتهى. ومنهم من أجاب عن ذلك: بأن خطاب الوضع لا يلزم الاعتراض به على الحد المذكور؛ لأنه مندرج في خطاب التكليف (٥)؛ لأن الأحكام التكليفية (٦) تستلزم (٧) أسبابها وشروطها ودلائلها، فيندرج خطاب الوضع في خطاب التكليف، فالحد المذكور على هذا يعم الخطابين معًا (٨). ومنهم من أجاب عن ذلك بأن قال: لا يلزم الاعتراض بخطاب الوضع؛ لأن خطاب الوضع ليس من الحكم (٩) الشرعي؛ لأنه لم يكلف به المكلف؛ لأن الإنسان لم يكلف (١٠) بتحصيل الأسباب والشروط، وإنما يكلف (١١) بالحكم الشرعي بعد حصول أسباب الحكم وشروطه (١٢)، وبالله التوفيق (١٣).

стр. 772

قوله: (اختلف (١) في أقسامه فقيل: خمسة: الوجوب، والتحريم، والندب، والكراهة، والإِباحة، وقيل: أربعة، والإِباحة (٢) ليست من الشرع، وقيل: اثنان: التحريم، والإِباحة). ش: هذا هو (٣) المطلب الثاني، وهو حصر أقسام الحكم الشرعي، فذكر المؤلف في هذا التقسيم ثلاثة أقوال: أحدها وهو المشهور الذي أجمع عليه المتأخرون: أنها خمسة أقسام وهي: الوجوب، والتحريم، والندب، والكراهة، والإباحة. والدليل على هذا القول: أن خطاب الشرع إما أن يرد باقتضاء الفعل، وإما (٤) أن يرد باقتضاء الترك، وإما (٥) أن يرد بالتخيير بين الفعل والترك، فإن ورد باقتضاء الفعل فإن أشعر بالعقاب على الترك فهو: الواجب، وإن لم يشعر بالعقاب على الترك فهو: المندوب، وإن ورد باقتضاء الترك فإن أشعر بالعقاب على الفعل فهو: المحظور، وإن لم يشعر بالعقاب على الفعل فهو: المكروه، وإن ورد بالتخيير بين الفعل والترك فهو: المباح، فتبين بهذا أن أقسام الحكم الشرعي خمسة (٦). القول الثاني: أنها أربعة وهي: الوجوب، والتحريم، والندب،

стр. 773

والكراهة، وأما الإباحة فليست (١) من أحكام الشرع وهذا قول بعض المعتزلة. وسبب الخلاف هو الخلاف في تفسير الإباحة، فمن فسرها بنفي الحرج قال: ليست من أحكام الشرع؛ لأن نفي الحرج (٢) ثابت قبل الشرع بالبراءة الأصلية؛ لأن البراءة الأصلية حكم عقلي لا شرعي، ومن فسرها بالإعلام بنفي الحرج قال: هي من أحكام الشرع؛ لأن الإعلام بنفي الحرج لا يعلم إلا من جهة الشرع (٣). القول الثالث: أن أحكام الشرع منحصرة في قسمين خاصة، وهما (٤): التحريم، والإباحة. وهو قول المتقدمين؛ لأن معنى الإباحة] (٥) عندهم: نفي الحرج مطلقًا، ونفي الحرج أعم من الوجوب، والندب، والكراهة، والإباحة المستوية الطرفين، ومعنى الإباحة عند المتأخرين: استواء الطرفين (٦). قوله: (وفسرت بجواز الإِقدام الذي يشمل الوجوب والندب والكراهة والإِباحة) (٧).

стр. 774

ش: وإنما يشمل نفي الحرج هذه الأحكام الأربعة؛ إذ لا حرج على فاعلها. قوله: (وعلى هذا المذهب (١) يتخرج قوله ﵇: "أبغض المباح إلى الله تعالى (٢) الطلاق" (٣)). ش: يعني أن قوله ﵇: "أبغض المباح إلى الله (٤) الطلاق" إنما تأويله أن يجري على هذا القول [ولا يجري على القول] (٥) الأول (٦) المشهور، وإنما قلنا لا يجري هذا الحديث على القول الأول الذي هو تفسير الإباحة باستواء الطرفين؛ لأنه لو حملنا المباح (٧) في (٨) هذا الحديث على مستوى الطرفين للزم منه المحال، وهو اجتماع الرجحان مع التساوي. وبيان ذلك: أن تقدير الحديث على هذا: أبغض المباح الذي استوى طرفاه هو الطلاق، فإن قوله: أبغض يقتضي ترجيح أحد الطرفين. وقوله: (المباح)، يقتضي استواء الطرفين فكأنه يقول في المعنى:

стр. 775

الطلاق هو (١) راجح أحد الطرفين وهو مستوي الطرفين، فترجيح (٢) أحد طرفيه مع استوائهما جمع بين ضدين والجمع بين الضدين محال. قوله: (فإِن البغضة تقتضي رجحان طرف (٣) الترك (٤)، والرجحان مع التساوي (٥) محال). ش: هذا تقرير (٦) الدليل على أن الحديث المذكور لا يجري على القول الأول الذي يفسر فيه المباح بمستوي الطرفين، فإن البغضة تقتضي رجحان طرف الترك على طرف الفعل، والإباحة تقتضي استواء طرفي الفعل والترك، والجمع بين الرجحان والتساوي محال. فتبين بهذا أن (٧) الحديث إنما يجري على القول بأن أقسام الشرع قسمان خاصة وهما: التحريم، والإباحة التي معناها جواز الإقدام، وإنما قلنا بهذا المقتضى؛ لأن أفعل في كلام العرب إنما يضاف إلى جنسه، ولا يضاف إلى غير جنسه، فإنك (٨) تقول: زيد أفضل الناس ولا تقول: زيد أفضل الحمير (٩)، فقوله: أبغض، صيغة تفضيل، وقد أضيفت إلى المباح المستوي الطرفين.

стр. 776

فيقتضي ذلك أن يكون المباح المستوي الطرفين غير مستوي الطرفين، وذلك أمر غير معقول؛ لأنه محال (١). فإذا تبين [استحالة] (٢) حمل الحديث المذكور على القول الأول: تبين لك حمله على القول الآخر الذي هو: تفسير الإباحة بجواز الإقدام على الفعل، فتقدير الحديث إذًا: أبغض ما يجوز الإقدام عليه هو الطلاق. واعترض على هذا (٣) بأن قيل: يلزم على تأويل الحديث بهذا أن تكون أنواع هذا الجنس كلها (٤) مبغوضة، أعني بهذه الأنواع (٥): الوجوب، والندب، والكراهية، والإباحة، فيلزم (٦) أن تكون هذه الأحكام (٧) الأربعة: مكروهة، وإنما قلنا بهذا؛ لأن صيغة أفعل تقتضي الاشتراك في معنى واحد، إلا أن أبغض الأشياء له مزية على غيره، وذلك باطل ها هنا (٨)؛ إذ لا بغض في الواجب ولا في المندوب ولا في المباح (٩). أجيب عن هذا: بأن قولك: أفضل الرجال زيد، لا يقتضي ثبوت الفضل لكل رجل، بل معناه أفضل رجل قيس فضله بفضل زيدٍ

стр. 777

زيدٌ (١)، فلا بد من المشاركة في الوصف الذي وقع فيه التفضيل، فمعنى الحديث إذًا: أبغض مباح قيس بغضه ببغض الطلاقِ إلى الله الطلاقُ، فيتعين أن يكون هذا المباح راجح الترك وهو: المكروه، فيخرج (٢) الوجوب، والندب، والإباحة المستوية في (٣) الطرفين. وهذا الحديث المذكور خرجه أَبو داود (٤). ومثل (٥) هذا الحديث قوله ﵇: "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" خرجه (٦) مسلم (٧).

стр. 778

قوله: (فالواجب ما ذم تاركه شرعًا). هذا هو المطلب الثالث في تفسير أقسام الحكم الشرعي، شرع المؤلف ها هنا في تفسير متعلقات الأحكام الخمسة المذكورة ولم يتعرض لتفسير تلك الأحكام التي هي (١): الوجوب (٢)، والتحريم، والندب، والكراهة، والإباحة، وإنما تعرض ها هنا (٣) لتفسير متعلقات تلك الأحكام وهي (٤): الواجب (٥)، والمحرم، والمندوب، والمكروه، والمباح؛ لأنه تعرض لتفسير الواجب ولم يتعرض لتفسير الوجوب، وكذلك تعرض لتفسير المحرم، ولم يتعرض لتفسير التحريم، وكذلك تعرض لتفسير المندوب [ولم يتعرض لتفسير] (٦) الندب (٧) وكذلك تعرض لتفسير المكروه دون الكراهة، وكذلك تعرض لتفسير المباح دون الإباحة.

стр. 779

قال المؤلف في النفائس: حكم الله تعالى هو الوجوب لا الواجب، فالواجب هو فعل العبد وهو متعلق الحكم الذي هو الوجوب، فالوجوب (١) هو الحكم ومتعلقه هو الواجب. فالوجوب صفة لله تعالى، والواجب صفة العبد؛ إذ هو فعله (٢). فالوجوب هو الطلب، والواجب هو: المطلوب، أي (٣) هو الفعل المطلوب من المكلف، وهكذا تقول في التوالي (٤) البواقي من المتعلقات، فإن المؤلف إنما تعرض لتفسير المتعلَّق بفتح اللام، ولم يتعرض لتفسير المتعلِّق بكسر اللام، وإنما فعل ذلك تبعًا للإمام فخر الدين في المحصول. والوجوب في اللغة يراد به: الثبوت، ويراد (٥) به: السقوط. فمثال الثبوت: قوله ﵇: "إذا وجب المريض فلا تبكين باكية" (٦)، معناه: إذا ثبت (٦) واستقر وزال عنه التزلزل والاضطراب.

стр. 780

. . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 781

ومثال السقوط: قولهم: وجب الحائط (١)، إذا سقط، ووجبت الشمس، إذا سقطت. ومنه: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (٢) أي: سقطت (٣). قوله: (فالواجب ما ذم تاركه شرعًا) (٤). ش: ركب المؤلف ﵀ هذا الحد من جنس وثلاثة قيود. فالجنس هو: "ما"، وهي موصولة بمعنى الذى. والقيد الأول: ذم. والقيد الثاني: تاركه.

стр. 782

والقيد الثالث: شرعًا. ومعنى الذم (١) بالذال المعجمة: هو اللوم (٢). قال الزبيدي في المختصر: يقال: ذممته ذمًا، أي لمته في إساءته (٣). واحترز بقوله: (ما ذم) مما لا ذم فيه، وهو: المندوب، والمكروه، والمباح. واحترز بقوله: (تاركه) من المحرم؛ لأنه لا يذم تاركه. واحترز بقوله: (شرعًا) مما ذم تاركه عرفًا، أي عادة. مثال ما ذم (٤) تاركه عرفًا: الأضحية (٥) والعقيقة، وكذلك من يلبس خلاف لباس أهل بلده؛ لأن من خالف عادة أهل بلده حتى في زيهم ولباسهم يذمونه (٦). قوله: (والمحرم (٧) ما ذم فاعله شرعًا). ش: واحترز (٨) بقوله: (ما ذم) مما لا ذم فيه، وهو: المندوب، والمكروه،

стр. 783

والمباح. واحترز بقوله: (فاعله)، من الواجب؛ لأنه لا يذم فاعله. واحترز بقوله: (شرعًا)، مما يذم فاعله عرفًا؛ لأن من خالف عادة أهل بلده يذم عندهم. مثال ما يذم فاعله عرفًا: طلب العلم عند العامة في زماننا هذا (١)؛ لأن من طلب العلم في زماننا يذمه (٢) العامة (٣). قوله: (وقيد الشرع) احترازًا من العرف، راجع إلى (٤) الرسمين معًا: رسم الواجب ورسم المحرم. قال المؤلف في الشرح: قولهم: ما ذم فاعله، فيه إشكال من جهة أنه قد لا يفعل فلا يوجد فاعله، ولا الذم المترتب عليه. وكذلك قولهم: ما ذم تاركه، قد لا يوجد تاركه، بأن يفعل الواجب وهو كثير، فتخرج هذه الصور كلها من الحد، فلا يكون جامعًا (٥) يعني: أن من الواجبات ما لا يمكن تركه (٦) ومن المحرمات ما لا يمكن فعله.

стр. 784

قال: وجوابه: أن التحديد قد يقع بذوات الأوصاف، أي: بنفس الوصف (١)، كقوله في المندوب: ما رجح فعله على تركه. وقد يقع بحيثيات الأوصاف نحو هذا، ومعناه: هو الذي يكون بحيث إذا ترك ترتب عليه الذم، وهذه الحيثية ثابتة له، فعل أو ترك. فتنبه لهذه القاعدة فهي: غريبة، وقد بسطتها (٢) في شرح المحصول (٣). انتهى نصه (٤). فمعنى قوله إذًا: (ما ذم تاركه) في الواجب، أي: ما لو ترك لذم، ومعنى قوله في المحرم: (ما ذم فاعله) أي: ما لو فعل لذم. واعترض (٥) تحديد الواجب والمحرم بما ذم تاركه، وما ذم فاعله: بأنه إما أن يراد أن الشارع هو الذي يذم، وإما أن يراد الشرع نفسه، وإما أن يراد أهل الشرع، وأيًا ما كان فباطل: فإن كان الذي يذم هو الشارع فلا يصح؛ لأن الشارع ما نص على لوم كل

стр. 785

تارك لواجب، ولا نص على لوم كل صنف من الواجب. وإن قلنا: إن الذي يذم هو الشرع فلا يصح أيضًا؛ لأن (١) الشرع (٢) ليس حيًا ناطقًا؛ لأنه معنى (٣) من المعاني، فلا يوصف بذم ولا مدح. وإن قلنا: إن الذي يذم أهل (٤) الشرع فلا يصح أيضًا؛ لأن أهل الشرع لا يذمون تارك الواجب إلا إذا علموا أنه تركه، فلا بد من معرفتهم للواجب قبل أن يذموا على تركه، فهو تعريف الشيء بما لا يعرف إلا بعد معرفة ذلك الشيء، فهو تعريف دوري. أجيب عنه: بأن الشارع هو الذي يذم؛ لأنه نص على ذم كل تارك لواجب بصيغة العموم، كقوله تعالى بعد ذكر المعصية: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٥)، وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٦)، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٧). ونحو (٨) هذا (٩) من الآيات الدالة على اتضاع (١٠) حال تارك المأمور به؛

стр. 786

لأن (١) صيغة العموم تتناول (٢) كل فرد بعمومها (٣) (٤). قوله: (والمندوب ما رجح فعله على تركه شرعًا من غير ذم). ش: المندوب لغة: هو المدعو، مأخوذ من الندب وهو الدعاء إلى أمر مهم، ومنه قول الشاعر: لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا (٥) وأما معناه في الاصطلاح: فهو ما رجح فعله على (٦) تركه، إلى آخر ما قال المؤلف. قوله: (مما رجح فعله) أخرج ثلاثة أشياء وهي: المحرم، والمكروه، والمباح. وقوله (٧): (من غير ذم) أخرج به الواجب؛ لأن الواجب رجح فعله على

стр. 787

تركه مع الذم على تركه. واختلف (١) الأصوليون في المندوب هل هو مأمور به؟ وهو مذهب الجماهرة (٢) من الأصوليين. وذهب الكرخي (٣) والرازي (٤) من الحنفية: إلى أنه غير

стр. 788

مأمور (١) به. حجة الجمهور: أن المندوب (٢) يسمى (٣) طاعة بإجماع، وتسميته طاعة يستلزم امتثال الأمر، فإن أمتثال الأمر طاعة (٤) بإجماع (٥). وحجة الكرخي والرازي: أن المندوب (٦) لو كان مأمورًا (٧) به لكان تركه (٨) معصية؛ لأن المعصية عبارة عن مخالفة الأمر (٩).

стр. 789

أجيب عن هذ: بأن المعصية مختصة بمخالفة [أمر الإيجاب] (١) لا مطلق الأمر (٢). وحد بعض الفقهاء المندوب (٣) فقال: ما في فعله ثواب، وليس في تركه عقاب (٤). واعترض: بما (٥) إذا تلبس بمحرم عند ترك المندوب، فإنه يستحق العقاب ها هنا (٦). فلأجل هذا زاد بعضهم على هذا الحد: من حيث [هو ترك له] (٧).

стр. 790

قوله: (والمكروه: ما رجح تركه على فعله شرعًا من غير ذم). ش: المكروه لغة: ضد المحبوب وهو مأخوذ من الكراهية (١)، وقيل: من الكريهة، وهي (٢) الشدة في الحرب (٣). ويطلق في الشرع (٤) على (٥) الحرام. ويطلق على ترك المندوبات، وهو ما تركه أولى. ويطلق على نهي نزاهة كالصلاة في الأوقات والأماكن المنهي عنها. ويطلق على ما فيه شبهة وتردد بين العلماء كالنهي عن أكل السبع، وقليل (٦) النبيذ. وهذا الأخير فيه نظر؛ لأن (٧) من أداه اجتهاده إلى تحريمه فهو في حقه حرام، ومن أداه اجتهاده إلى تحليله فلا معنى للكراهة في حقه إلا إذا وقعت حزازة في قلبه فلا يقبح إطلاق لفظ (٨) الكراهة عليه، [وقد قال ﵇: "الإثم حزّاز (٩)

стр. 791

القلوب" (١). وإنما قلنا: لا يقبح إطلاق لفظ الكراهة عليه] (٢): [لما يتوقع فيه (٣) من خوف التحريم، وإن كان غالب الظن الحل، ولكن إنما يتجه هذا على القول بأن المصيب واحد، وأما من صوب كل مجتهد: فالحل عنده مقطوع به إذا غلب على ظنه الحل] (٤)، قاله الغزالي في المستصفى (٥). قوله: (والمكروه ما رجح تركه على فعله شرعًا من غير ذم). ش: هذا (٦) حد المكروه على جهة التنزيه وما تركه أولى. واحترز بقوله: (ما رجح تركه) من الواجب، والمندوب، والمباح؛ لأنها كلها راجحة الفعل، والمباح ليس فيه راجح

стр. 792

واحترز بقوله: (من غير ذم) من المحرم (١)؛ لأن فعله (٢) فيه ذم. واختلف في المكروه هل هو مكلف (٣) به أو لا (٤)؟ كما تقدم لنا في المندوب (٥): مذهب الجمهور: هو (٦) مكلف به. ومذهب الكرخي والرازي: هو (٧) غير مكلف به. حجة الجمهور: أن تركه يسمى طاعة بإجماع (٨)، وتسميته طاعة يستلزم امتثال (٩) الأمر، فإن امتثال الأمر طاعة بإجماع. وحجة الكرخي والرازي: أن المكروه لو كان مكلفًا به لكان [نهي التحريم] (١٠) ففعله (١١) معصية؛ لأن المعصية عبارة عن مخالفة الأمر.

стр. 793

أجيب عن هذا: بأن المعصية مختصة بمخالفة مطلق (١) النهي. وحد بعض الفقهاء المكروه فقال: ما في تركه ثواب وليس في فعله عقاب. واعترض: بما (٢) إذا تلبس (٣) بمحرم عند تركه (٤)؛ [لأنه لا يثاب بل] (٥) يستحق (٦) العقاب. فلأجل هذا زاد بعضهم على هذا الحد: من حيث هو ترك (٧) له. فسبك الحد إذًا: المكروه ما (٨) في تركه ثواب وليس في فعله عقاب من حيث هو ترك له. فقوله: (من حيث هو ترك (٩) له) راجع إلى قوله ما في تركه ثواب [تقديره: ما في تركه ثواب] (١٠) من حيث هو ترك له (١١)، أي: لا من حيث التلبس بالمحرم.

стр. 794

قوله: (والمباح ما استوى طرفاه في نظر الشرع). ش: المباح (١) لغة (٢): مأخوذ من الإباحة التي هي الإعلان والإظهار، وإما من الإباحة التي هي الإذن والإطلاق. فمن الإباحة بمعنى الإعلان والإظهار قولهم: أباح بسره وباح به (٣)، أي. أعلنه (٤) وأظهره وأفشاه. ومن الإباحة بمعنى الإذن (٥) والإطلاق قولهم (٦): أبحت كذا، أي: أذنت [فيه وأطلقته] (٧). وأما معناه في الاصطلاح: فهو "ما استوى طرفاه في نظر الشرع" (٨) يعني بالطرفين الفعل والترك. واختلفوا في المباح هل هو مأمور به أم لا (٩)؟

стр. 795

مذهب الجمهور: أنه غير مأمور به. وذهب الكعبي (١) من المعتزلة (٢) وجماعة: إلى أنه مأمور به. حجة الجمهور: أن الأمر يستلزم الترجيح، ولا ترجيح في المباح، فلا يكون مأمورًا به (٣). حجة الكعبي أن كل مباح في التلبس به ترك حرام، وترك الحرام واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو (٤) واجب (٥). أجيب عن هذا: بأن التوسل إلى ترك الحرام بفعل المباح أمر عقلي لا شرعي؛ لأنه توسل بفعل الضد إلى ترك الضد. [وحدّ بعض الفقهاء المباح فقال: المباح ما ليس في فعله ولا في تركه

стр. 796

ثواب ولا عقاب. واعترض: بما إذا تلبس بمحرم عند تركه فإنه يستحق العقاب. فلأجل هذا زيد في هذا الحد من حيث هو ترك له كما تقدم في الندب والمكروه] (١). قوله: (تنبيه: ليس كل واجب يثاب على فعله، ولا كل محرم يثاب على تركه). ش: هذا هو المطلب الرابع الذي ختم به الفصل. ومعنى التنبيه (٢): إيقاظ (٣) من غفلة الوهم، وتقدير كلامه: هذا تنبيه على وهم. وأتى المؤلف بهذا التنبيه؛ إشعارًا ببطلان قول من قال في حد الواجب: ما يذم (٤) تاركه ويثاب فاعله، وبطلان قول من قال في حد المحرم: ما يذم فاعله ويثاب تاركه، وإلى بطلان قول من قال في حد الواجب (٥): ما في فعله ثواب وفي تركه (٦) عقاب، وفي حد المحرم (٧): ما في تركه ثواب وفي فعله (٨)

стр. 797

عقاب، أن في الواجب ما لا يثاب فاعله، وفي المحرم ما لا يثاب تاركه، فإن الحد غير جامع في الأمرين. قوله: (ليس (١) كل واجب يثاب على فعله، ولا كل محرم يثاب على تركه) يعني: بل يثاب على [فعل] (٢) بعض الواجب، ويثاب على ترك بعض المحرم؛ لأن (٣) قوله (٤): "ليس كل" جزئية سالبة، يدل بالمطابقة على سلب الحكم عن الكل بما هو كل (٥)، ويدل بالالتزام على سلب الحكم عن البعض. قوله: (أما الأول فكنفقات الزوجات، والأقارب، والدواب، ورد المغصوب (٦)، والودائع، والديون، والعواري (٧) فإِنها واجبة، فإِذا (٨) فعلها الإِنسان غافلاً عن امتثال أمر الله تعالى فيها: وقعت (٩) واجبة مجزئة مبرئة للذمة ولا يثاب) (١٠). ش: هذه الجملة بيّن فيها المؤلف قوله: (ليس كل واجب يثاب على فعله) فإن هذه الأمور السبعة إذا فعلها الإنسان ولم ينو فيها امتثال الأمر فلا يثاب على فعله، مع أن هذا واجب، وإنما لا يثاب لعدم القصد إلى الامتثال،

стр. 798

أي: لعدم القصد والنية لطاعة (١) الله تعالى (٢)، وإنما تجزئه وتبرئ ذمته مع عدم النية؛ لأنها لا تفتقر إلى النية، [وإنما لا تفتقر إلى النية] (٣)؛ لأن مصلحتها تحصل (٤) بحصول صورتها، وهي إيصال الحق إلى مستحقه، فإن هذه الأمور أغراض دنيوية ليس فيها شائبة التعبد. قوله: (غافلاً عن امتثال أمر الله تعالى (٥)) أي: غير قاصد إلى امتثال الأمر، بل لو (٦) لم يشعر بوجوبها عليه كبعض العوام والأجلاف (٧): فإنها (٨) مجزئة مبرئة (٩) أيضًا مع عدم الشعور بالوجوب. قوله: (وأما الثاني فلأن المحرمات يخرج الإِنسان عن عهدتها بمجرد (١٠) تركها وإِن لم يشعر بها، فضلاً عن القصد إِليها، حتى ينوي امتثال أمر الله تعالى فيها (١١) فلا ثواب (١٢) حينئذ). هذه الجملة بيّن فيها (١٣) قوله: (ولا كل محرم يثاب على تركه)؛ وذلك

стр. 799

أن سائر المحرمات كالزنا والخمر والقذف وغيرها يخرج الإنسان عن عهدتها؛ أي (١): عن المطالبة بها بمجرد تركها (٢)، وإن لم يعلم بها [أي: وإن لم تقع (٣) في عقله في حين تركها. وإنما قلنا: يخرج الإنسان من عهدتها بمجرد تركها وإن لم يعلم بها] (٤)؛ لأن المطلوب من المحرمات حاصل، وهو: تركها. وقوله: (حتى ينوي امتثال أمر الله تعالى (٥) فيها فلا ثواب (٦) حينئذ) فيه تقديم وتأخير، تقديره: فلا ثواب (٧) حينئذ حتى ينوي امتثال أمر الله [تعالى فيها، أي في تركها] (٨). وقال بعضهم: ليس في الكلام تقديم وتأخير، بل الكلام مرتب، فقوله (٩): (وإِن لم يشعر بها) فيه حذف مضاف تقديره: وإن لم يشعر بتحريمها فضلاً عن القصد إلى تركها حتى ينوي امتثال أمر الله تعالى (١٠)

стр. 800

فيها، فلا ثواب (١) حينئذ لانتفاء طاعة الله تعالى (٢) بعدم الشعور بالتكليف. فكلام المؤلف مرتب لا مقدم ولا (٣) مؤخر؛ لأن مراده نفي القصد إلى الامتثال مع عدم الشعور با لإيجاب، والله أعلم (٤). قوله: (نعم (٥) متى اقترن قصد الامتثال في الجميع حصل الثواب). ش: اعلم أن نعم تأتي لثلاثة (٦) معان: إما لتصديق (٧) مخبر. وإما لإعلام مستخبر. وإما لوعد طالب. والمراد بها في كلام المؤلف: إعلام مستخبر؛ وذلك أن المؤلف قدر سائلاً (٨) يقول له: فإذا قصد الإنسان امتثال أمر الله تعالى [في الجميع (٩)، هل يحصل الثواب أم لا؟ فقال في الجواب: نعم، متى اقترن قصد الامتثال] (١٠) في جميع الواجبات والمحرمات حصل الثواب.

стр. 801

قال بعضهم: ولما كان الكلام السابق كالمورد ففحواه للسؤال تنزل ذلك (١) منزلة الواقع؛ ولذلك استأنف الكلام الثاني جوابًا لذلك السؤال فقطعه دون حرف العطف، ومنه قول الشاعر: زعم العواذل أنني في غمرة ... صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي (٢) وإنما لم يعطف صدقوا على زعم العواذل؛ لأنه حين (٣) أبدل الشكاية بقوله: زعم العواذل أنني (٤) في غمرة، كان ذلك مما يحرك السامع عادة ليسأل هل صدقوا في ذلك أم (٥) كذبوا؟ وهذا يقال له: الفصل والوصف من علم المعاني، وهو ترك العطف بين الجمل التي لا موضع لها من الإعراب، وبالله التوفيق بمنه. ...

стр. 802

رَفْعُ النِّقَابِ عَن تنقِيح الشّهابِ تأليف أبي عَلي حسَين بن علي بن طَلحة الرّجراجي الشوشَاوي المتوفى سنة ٨٩٩ هـ تحقيق د. أَحْمَد بن محمَّد السراح عضو هَيئة التّدريس بجامعة الإمَام محمَّد بن سعُود الإسلامية المجلّد الثّاني مَكْتَبة الرُّشدِ نَاشِرُون

стр. 803

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م مكتبة الرشد للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية - الرياض شارع الأمير عبد الله بن عبد الرحمن (طريق الحجاز) ص. ب ١٧٥٢٢ الرياض ١١٤٩٤ - هاتف: ٤٥٩٣٤٥١ - فاكس: ٤٥٧٣٣٨١ E - mail: alrushd@alrushdryh.com www.rushd.com * فرع الرياض: طريق الملك فهد - غرب وزارة البلدية والقروية ت ٢٠٥١٥٠٠ * فرع مكة المكرمة: ت: ٥٥٨٥٤٠١ - ٥٥٨٣٥٠٦ * فرع المدينة المنورة: شارع أبي ذر الغفاري - ت: ٨٣٤٠٦٠٠ - ٨٣٨٣٤٢٧ * فرع جدة: مقابل ميدان الطائرة - ت: ٦٧٧٦٣٣١ * فرع القصيم: بريدة - طريق المدينة - ت: ٣٢٤٢٢١٤ - ف: ٣٢٤١٣٥٨ * فرع أبها: شارع الملك فيصل ت: ٢٣١٧٣٠٧ * فرع الدمام: شارع ابن خلدون ت: ٨٢٨٢١٧٥ وكلاؤنا في الخارج * القاهرة: مكتبة الرشد - مدينة نصر - ت: ٢٧٤٤٦٠٥ * الكويت: مكتبة الرشد - حولي - ت: ٢٦١٢٣٤٧ * بيروت: دار ابن حزم ت: ٧٠١٩٧٤ * المغرب: الدار البيضاء/ مكتبة العلم/ ت: ٣٠٣٦٠٩ * تونس: دار الكتب الشرقية/ ت: ٨٩٠٨٨٩ * اليمن - صنعاء: دار الآثار ت: ٦٠٣٧٥٦ * الأردن: دار الفكر/ ت: ٤٦٥٤٧٦١ * البحرين: مكتبة الغرباء/ ت: ٩٥٧٨٢٣ * الامارات - الشارقة: مكتبة الصحابة/ ت: ٥٦٣٣٥٧٥ * سوريا - دمشق: دار الفكر/ ت: ٢٢١١١٦ * قطر - مكتبة ابن القيم/ ت: ٤٨٦٣٥٣٣

стр. 804

رَفْعُ النِّقَابِ عَن تنقِيح الشّهابِ

стр. 805

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 806

الفصل الرابع عشر في أوصاف العبادات وهي خمسة

стр. 807

الفصل الرابع عشر في أوصاف العبادات (١) وهي خمسة شرع المؤلف رحمه الله تعالى (٢) في هذا الفصل في بيان أوصاف العبادات فحصرها في خمسة وهي: الأداء، والقضاء، والإعادة، والصحة، والإجزاء. وفي هذا الفصل ستة مطالب: الأول: في الأداء. والثاني: في القضاء. والثالث: في التنبيه الذي أورده المؤلف على القضاء. والرابع: في الإعادة. والخامس: في الصحة. والسادس: في الإجزاء. قوله: (وهي خمسة).

стр. 808

اعترض (١) بعضهم بأن قال: بقيت على المؤلف (٢) خمسة أخرى وهي: الوجوب، والتحريم، والندب، والكراهة، والإباحة، فإنها أوصاف العبادات (٣) أيضًا؛ لأنها أوصاف أفعال (٤) المكلفين (٥)؛ لأنك تقول: هذا فعل واجب، أو حرام، أو مندوب، أو مكروه، أو مباح (٦). أجيب عن هذا: بأن هذه الأشياء الخمسة هي أقسام الحكم الشرعي وليست بأوصاف العبادات. قوله: (الأول: الأداء، وهو: إِيقاع العبادة في وقتها المعين لها شرعًا لمصلحة اشتمل عليها الوقت). ش: هذا هو المطلب الأول في حد الأداء (٧)، وهذا الحد ركبه المؤلف من

стр. 809

جنس وخمسة قيود. فالجنس هو قوله: (إِيقاع). والقيد الأول: هو قوله: (العبادة) (١). والقيد الثاني: هو قوله: (في وقتها). والقيد الثالث: هو قوله: (المعين لها). والقيد الرابع: هو قوله: (شرعًا). والقيد الخامس: هو قوله: (لمصلحة اشتمل عليها الوقت). حد الأداء عند القدماء: إيقاع العبادة في وقتها، فزاد المؤلف ثلاثة قيود تحريرًا للحد. قوله: (إِيقاع العبادة) (٢) أي: فعل الطاعة في وقتها، أي: فعل المأمور به في وقته. واحترز (٣) بقوله: (العبادة) مما ليس بطاعة؛ لأن ما ليس بطاعة لله تعالى لا يسمى (٤) بالأداء كسائر الأفعال التي ليست بطاعة كالحرث، والحصاد، والغرس (٥) وسائر الصناعات.

стр. 810

وقوله: (١) (في وقتها) احترز به من القضاء؛ لأن القضاء إيقاع العبادة خارج وقتها كما سيأتي في حد القضاء (٢). وقوله: (المعين لها) معناه المحدود للعبادة بطرفيه، أي: بأوله وآخره كتعيين أوقات الصلوات (٣) الخمس دون سائر الأوقات، وتعيين شهر رمضان للصوم دون سائر الشهور، واحترز به من العبادات (٤) التي لم يعين (٥) لها وقت محدود بطرفيه، أي: بأوله وآخره كالحج؛ فإنه وظيفة العمر. وقول: الفقهاء حجة الأداء، وحجة القضاء: مجاز لا حقيقة (٦). وقوله (٧): (شرعًا) احترازًا من فعل العبادة في وقتها المعين لها عرفًا، كالترويحات في رمضان، قاله بعضهم، فإن تعيين الزمان لها (٨) بالعرف. وقال بعضهم: مثال ما عينه العرف كأمر السيد لعبده أن يفعل فعلاً في وقت محدود معين له؛ لأن هذا أفضل (٩) العبادة في وقتها المعين لها عرفًا؛ لأن طاعة العبد لسيده عبادة وهذا والله أعلم أولى؛ لأن الترويحات سنها (١٠)
следующие страницы →