← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الفصل الرابع عشر في أوصاف العبادات وهي خمسة

стр. 807

الفصل الرابع عشر في أوصاف العبادات (١) وهي خمسة شرع المؤلف رحمه الله تعالى (٢) في هذا الفصل في بيان أوصاف العبادات فحصرها في خمسة وهي: الأداء، والقضاء، والإعادة، والصحة، والإجزاء. وفي هذا الفصل ستة مطالب: الأول: في الأداء. والثاني: في القضاء. والثالث: في التنبيه الذي أورده المؤلف على القضاء. والرابع: في الإعادة. والخامس: في الصحة. والسادس: في الإجزاء. قوله: (وهي خمسة).

стр. 808

اعترض (١) بعضهم بأن قال: بقيت على المؤلف (٢) خمسة أخرى وهي: الوجوب، والتحريم، والندب، والكراهة، والإباحة، فإنها أوصاف العبادات (٣) أيضًا؛ لأنها أوصاف أفعال (٤) المكلفين (٥)؛ لأنك تقول: هذا فعل واجب، أو حرام، أو مندوب، أو مكروه، أو مباح (٦). أجيب عن هذا: بأن هذه الأشياء الخمسة هي أقسام الحكم الشرعي وليست بأوصاف العبادات. قوله: (الأول: الأداء، وهو: إِيقاع العبادة في وقتها المعين لها شرعًا لمصلحة اشتمل عليها الوقت). ش: هذا هو المطلب الأول في حد الأداء (٧)، وهذا الحد ركبه المؤلف من

стр. 809

جنس وخمسة قيود. فالجنس هو قوله: (إِيقاع). والقيد الأول: هو قوله: (العبادة) (١). والقيد الثاني: هو قوله: (في وقتها). والقيد الثالث: هو قوله: (المعين لها). والقيد الرابع: هو قوله: (شرعًا). والقيد الخامس: هو قوله: (لمصلحة اشتمل عليها الوقت). حد الأداء عند القدماء: إيقاع العبادة في وقتها، فزاد المؤلف ثلاثة قيود تحريرًا للحد. قوله: (إِيقاع العبادة) (٢) أي: فعل الطاعة في وقتها، أي: فعل المأمور به في وقته. واحترز (٣) بقوله: (العبادة) مما ليس بطاعة؛ لأن ما ليس بطاعة لله تعالى لا يسمى (٤) بالأداء كسائر الأفعال التي ليست بطاعة كالحرث، والحصاد، والغرس (٥) وسائر الصناعات.

стр. 810

وقوله: (١) (في وقتها) احترز به من القضاء؛ لأن القضاء إيقاع العبادة خارج وقتها كما سيأتي في حد القضاء (٢). وقوله: (المعين لها) معناه المحدود للعبادة بطرفيه، أي: بأوله وآخره كتعيين أوقات الصلوات (٣) الخمس دون سائر الأوقات، وتعيين شهر رمضان للصوم دون سائر الشهور، واحترز به من العبادات (٤) التي لم يعين (٥) لها وقت محدود بطرفيه، أي: بأوله وآخره كالحج؛ فإنه وظيفة العمر. وقول: الفقهاء حجة الأداء، وحجة القضاء: مجاز لا حقيقة (٦). وقوله (٧): (شرعًا) احترازًا من فعل العبادة في وقتها المعين لها عرفًا، كالترويحات في رمضان، قاله بعضهم، فإن تعيين الزمان لها (٨) بالعرف. وقال بعضهم: مثال ما عينه العرف كأمر السيد لعبده أن يفعل فعلاً في وقت محدود معين له؛ لأن هذا أفضل (٩) العبادة في وقتها المعين لها عرفًا؛ لأن طاعة العبد لسيده عبادة وهذا والله أعلم أولى؛ لأن الترويحات سنها (١٠)

стр. 811

عمر (١) ﵁ (٢) وفعل عمر أمر شرعي لا عرفي. قوله: (فقولنا: في وقتها احترازًا من القضاء، وقولنا: شرعًا احتراز من العرف). ش: بيّن المؤلف بهذا الكلام الشيء الذي احترز منه بقوله: (في وقتها) والشيء الذي احترز منه بقوله: (شرعًا)، وأما الشيء الذي احترز منه بقوله: (العبادة) فلم يذكره، وكذلك الشيء الذي احترز منه بقوله: (المعين لها) (٣)، وقد بيّناه [قبل هذا] (٤). وقوله (٥): (لمصلحة (٦) اشتمل عليها الوقت احترازًا من تعيين الوقت

стр. 812

لمصلحة المأمور به لا لمصلحة في الوقت، كما إِذا قلنا: الأمر للفور، فإِنه يتعين الزمان (١) الذي يلي ورود الأمر، إِلا أنه (٢) لا يوصف بكونه (٣) أداء في وقته ولا قضاء بعد وقته، كمن (٤) بادر لإِزالة منكر أو إِنقاذ (٥) غريق، فإِن المصلحة ها هنا في الإِنقاذ (٦) سواء كان في هذا الزمان أو غيره) (٧). ش: ذكر (٨) في هذا الكلام الشيء الذي احترز منه بقوله: لمصلحة اشتمل عليها الوقت، واحترز بذلك من تعيين الوقت لمصلحة اشتمل عليها الفعل المأمور به ولا يشتمل عليها الوقت. وذلك أن تعيين الوقت للعبادة على ضربين: تارة يشتمل (٩) الوقت على المصلحة (١٠) أي: تكون المصلحة في نفس الوقت [كتعيين أوقات الصلوات الخمس، وشهر رمضان. وتارة تكون المصلحة في الفعل المأمور به، أي: لا تكون المصلحة في نفس الوقت] (١١)، بل الأوقات كلها متساوية في هذا الضرب، كسائر العبادات

стр. 813

الفوريات كرد الغصوب، والودائع، والديون، والعواري إذا طلبت، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك أقضية الحكام إذا ثبتت الحجج واجبة (١) على الفور، وكذلك إنقاذ الغريق في الماء، وإغاثة الملهوف، وإطعام الجوعان، وإكساء العريان، والتوبة من الذنوب، وكذلك الحج على القول بأنه على الفور، وما في معنى ذلك من سائر الفوريات. فإن هذه العبادات الفوريات عيّن لها الشرع أوقاتها، فأول (٢) وقتها أول أزمنة الإمكان، وآخر وقتها الفراغ منها على حسب ما تحتاج إليه من طول وقصر (٣)، ولكن تعيين الوقت لهذه الفوريات ليس لمصلحة في نفس الوقت، وإنما هو لمصلحة في الفعل المأمور به، فإن هذه العبادات الفوريات تابعة لأسبابها، وإذا (٤) وقعت أسبابها وقعت، ولا فرق فيها بين سائر الأوقات من ليل أو نهار، فإنها تابعة للأسباب وليست بتابعة للأوقات بخلاف العبادات الوقتيات كالصلوات الخمس، وشهر رمضان، فإنها تابعة للأوقات وليست بتابعة للأسباب. فتبيّن بما قررناه (٥): أن العبادة إذا كان وقتها مشتملاً على المصلحة في نفسه فإنها توصف بالأداء والقضاء، أي: توصف بالأداء إذا فعلت في ذلك

стр. 814

الوقت المعين (١)، وتوصف بالقضاء إذا فعلت خارج ذلك الوقت المعين لها، وإذا كان وقتها غير مشتمل على المصلحة في نفسه فلا توصف بالأداء ولا بالقضاء، أي: لا توصف بالأداء إذا فعلت في أول أزمنة الإمكان، ولا توصف بالقضاء إذا فعلت بعد ذلك، هذا (٢) هو الفرق بين ما يوصف بالأداء والقضاء وبين ما لا يوصف بهما. وهنا الذي قررناه (٣) هو معنى قول المؤلف: وقولنا: لمصلحة اشتمل عليها الوقت احترازًا من تعيين الوقت لمصلحة المأمور به، لا لمصلحة في الوقت. وقوله: (كما إِذا قلنا: الأمر للفور فإِنه يتعين الزمان الذي يلي ورود الأمر ...) إلى آخره. ذكر المؤلف ها هنا مثالين للفوريات (٤) التي لا يشتمل فيها الوقت على المصلحة، أحد المثالين كلي، والآخر جزئي. فالمثال الكلي: هو قوله: (كما إِذا قلنا: الأمر للفور). والمثال الجزئي: هو قوله: (كمن بادر إِلى إِزالة منكر و (٥) إِنقاذ غريق)، ولكن المثال الكلي إنما يتبين لك بالمثال (٦) الجزئي.

стр. 815

قوله: (كما إِذا قلنا: الأمر للفور) مثال (١) ذلك: إذا فرعنا على الأمر (٢) المطلق المجرد يحمل على الفور. ومعنى الفور هو: المبادرة إلى الامتثال في أول أزمنة الإمكان؛ وذلك أن الأمر المجرد عن قرينة تحمله على إرادة الفور، وإرادة (٣) التأخير هل يحمل على الفور أو على التأخير؟ ذكر فيه المؤلف ثلاثة أقوال في باب الأوامر، فقال فيه: وهو (٤) عنده أيضًا للفور، وعند الحنفية خلافًا لأصحابنا المغاربة، والشافعية، وقيل: بالوقف (٥)، كما سيأتي بيانه (٦) إن شاء الله تعالى. قوله: (فإِنه يتعين الزمان الذي يلي ورود الأمر) يعني: أن الأمر إذا ورد بفعل شيء في الحين، فإن الزمان الذي يلي زمان سماع لفظ الأمر متعين لفعل المأمور به قال المؤلف في الشرح: قولي: يتعين الزمان الذي يلي ورود الأمر ليس الأمر (٧) كذلك، بل قال القاضي أبو بكر ﵀: لا بد من زمان إسماع

стр. 816

الصيغة، وزمان فهم معناها، وفي الزمان الثالث (١) يقع الامتثال وهو متجه لا تتأتى المخالفة فيه. انتهى نصه (٢). قوله: (فإِنه يتعين الزمان الذي يلي ورود الأمر) ليس بصحيح كما قال في شرحه، فالأولى إذًا أن يقال: فإنه يتعين الزمان الذي يلي [الزمان الذي يلي زمان] (٣) ورود الأمر؛ لأن الأزمنة ها هنا ثلاثة: زمان ورود الأمر، [وزمان فهم معنى الأمر] (٤)، وزمان فعل المأمور به (٥). قوله: (إِلا أنه لا يوصف بكونه أداء في وقته ولا قضاء بعد وقته) وإنما قال: لا يوصف بالأداء والقضاء؛ لأنه لم يتعلق (٦) بوقت مشتمل (٧) على المصلحة في نفسه. وقوله (٨): (كمن بادر لإِزالة أو إِنقاذ غريق). هذا هو المثال الجزئي، وبه يظهر لك المثال الكلي؛ لأن هذا المثال مندرج

стр. 817

في المثال الأول؛ لأنه من جزئياته، فإن إزالة منكر أو إنقاذ (١) غريق في الماء، فإن المصلحة في هذا في إزالة المنكر وفي إنقاذ الغريق أي: وقت اتفق فيه ذلك، ولا فرق بين سائر أوقات الليل والنهار؛ لأن المصلحة في المأمور به ولا مصلحة في وقت معين؛ لأن هذا تابع لسببه لا لوقت معين. قوله: (أما (٢) تعيين أوقات العبادات فنحن نعتقد أنها لمصالح (٣) في نفس الأمر اشتملت عليها (٤) هذه الأوقات، وإِن كنا لا نعلمها، وهكذا كل تعبد (٥) فمعناه (٦): أنا لا نعلم مصلحته (٧)، لا أنه (٨) ليس فيه مصلحة، طردًا لقاعدة الشرع في عادته في (٩) رعاية مصالح العباد على سبيل التفضل). ش: لما بيّن المؤلف ما شرع لمصلحة في المأمور به بيّن ها هنا ما شرع لمصلحة في وقته، كأوقات الصلوات الخمس، وشهر رمضان، فإن الشرع لم يعيّن هذه الأوقات للعبادات (١٠) إلا لمصلحة للعباد علمها الله ﵎ في خصوص هذه الأوقات دون غيرها من سائر الأوقات، وهكذا نقول في

стр. 818

كل (١) ما تعبدنا الله له مما لا نعلم مصلحته (٢)، فكل (٣) ما تعبدنا الله به من الأوامر والنواهي، فإن ذلك لأجل مصلحة علمها الله ﵎ فيما أمرنا به، أو لأجل مفسدة علمها الله ﵎ فيما نهانا عنه؛ إذ لا يأمر الله ﵎ إلا بما فيه مصلحة لعباده، ولا ينهى إلا عن (٤) ما (٥) فيه مضرة لعباده (٦). قوله: (طردًا لقاعدة الشرع في عادته في رعاية مصالح العباد) [هذا دليل على أن كل حكم معلل؛ إذ لا تعرى أحكام الله عن فائدة وحكمة. ومعنى قوله: (طردًا لقاعدة الشرع في (٧) عادته (٨)): أنا قد] (٩) استقرينا الشرائع ووجدنا أكثرها مصالح، إذ لا يأمر الله إلا بخير، ولا ينهى إلا عن شر، ووجدنا فيها أشياء قليلة بالنسبة إلى ما علمناه، كتعيين أوقات الصلوات (١٠) الخمس، وشهر رمضان، ونصب الزكاة، وتحديد الحدود، والكفارات وغيرها، ولم تعلم (١١) مصلحة ذلك (١٢).

стр. 819

فنقول: هذه الأشياء القليلة التي لم نعلم مصالحها فيها مصالح، وإن كنا لا نعلمها قياسًا للقليل على الكثير لتطرد قاعدة الشرع في عادته في رعاية مصالح العباد. قوله: (طردًا (١) لقاعدة (٢) الشرع) أي: تعميمًا لقاعدة الشرع. قال المؤلف في الشرح: ومثال ما ذكرته: أن ملكًا إذا كانت عادته أنه لا يخلع اللباس الأخضر إلا على الفقهاء، فرأيناه خلع الأخضر على رجل لم نعرفه، فإنّا نعتقد أن ذلك الرجل فقيه لأجل قاعدة ذلك الملك (٣). قوله: (في عادته في رعاية مصالح العباد على سبيل التفضل) هذا إجماع أهل السنة. خلافًا لأهل الاعتزال القائلين: بأن الله (٤) يراعي مصالح العباد على سبيل الوجوب العقلي (٥)، ومعنى ذلك عندهم: أنه يستحيل عليه تعالى

стр. 820

خلاف ذلك؛ لأنه حكيم، والحكيم لا يفعل المفسدة، وأما أهل السنة فالله تعالى عندهم له أن يفعل في ملكه ما يشاء ويحكم في خلقه بما يريد. قوله: (فقد تلخص أن التعيين في الفوريات لتكميل مصلحة المأمور به وفي العبادات (١) لمصالح (٢) في الأوقات (٣) فظهر الفرق). ش: أي ظهر الفرق بين ما يوصف بالأداء والقضاء وبين ما لا يوصف بهما (٤) مع اشتراكهما في تعيين الوقت. قوله: [الأداء إِيقاع العبادة في وقتها المعين لها شرعًا لمصلحة اشتمل عليها الوقت] (٥). ش: هذا (٦) الحد حرز به المؤلف حد الأداء، وعدل المؤلف عن الحد الذي حد به القدماء الأداء والقضاء، وهو قولهم: الأداء: إيقاع الواجب في وقته، والقضاء: إيقاع الواجب خارج وقته، وذلك أنه رأى حد (٧) القدماء ليس بجامع ولا مانع.

стр. 821

[وإنما قلنا: ليس بجامع] (١) لخروج النفل المؤقت (٢) بوقت (٣)، كالوتر والعيد، لأن (٤) ذلك يوصف بالأداء كما نص عليه المؤلف بقوله بعد هذا (٥): وقد يوصف (٦) بالأداء وحده كالجمعة والعيد (٧) بزوالهما (٨). [وإنما] (٩) قلنا: ليس بمانع لدخول الفوريات فيه مع أنها لا توصف (١٠) بالأداء. قوله: (الأداء إِيقاع العبادة (١١) إِلى آخر هذا الحد (١٢)) ولو ركبه المؤلف هذا التركيب، فهو: معترض، فإنه غير مانع لدخول ما ليس بمحدود في الحد، وذلك أن قوله: (إِيقاع العبادة) يصدق على الإعادة، ويصدق أيضًا على قضاء رمضان؛ لأن وقت قضائه ما بين رمضان ورمضان وهو وقت معين، فينبغي أن يزاد في الحد فيقال: الأداء (١٣): إيقاع العبادة أولاً في وقتها

стр. 822

المعين لها شرعًا لمصلحة اشتمل عليها بالأمر (١) الأول (٢). فقولنا أولاً: احترازًا من الإعادة. وقلنا (٣): بالأمر الأول: احترازًا من قضاء رمضان؛ فإنه بالأمر الثاني لا بالأمر الأول على مذهب المحققين. وسيأتي بيانه في باب الأوامر في قول المؤلف: لا يوجب القضاء عند اختلال المأمور به عملاً بالأصل، بل القضاء بأمر جديد خلافًا لأبي بكر الرازي (٤). قوله: (الثاني: القضاء وهو (٥): إِيقاع العبادة خارج وقتها الذي عيّنه الشرع لمصلحة فيه). ش: هذا هو المطلب الثاني في بيان حقيقة القضاء (٦) أي

стр. 823

الواجب (١) من أوصاف العبادة (٢) هو القضاء. وهذا الحد ركبه المؤلف من جنس وخمسة قيود، كما تقدم في حد الأداء: القيد الأول: هو قوله: (العبادة) احترز به من غير العبادة. والقيد الثاني: هو قوله: (خارج وقتها) احترز به من الأداء، إلا أن قوله: (خارج وقتها) أراد به بعد وقتها، وإن كان قوله: (خارج [وقتها] (٣)) يصدق على قبل العبادة (٤) وبعدها. والقيد الثالث: هو قوله: (الذي عينه) احترز به من حجة القضاء؛ لأن الحج وظيفة العمر، كما تقدم في الأداء؛ لأنه ليس بالقضاء الذي حده المؤلف ها هنا وسيأتي التنبيه عليه. والقيد الرابع: هو قوله: (عينه الشرع) احترز (٥) به مما عينه العرف كأمر السيد لعبده بفعل في وقت عينه له ثم فعله بعد ذلك الوقت فلا يسمى قضاء؛ لأن الشرع لم يعين ذلك الوقت.

стр. 824

والقيد الخامس: هو قوله: (لمصلحة فيه) احترز به من الفوريات إذا فعلت بعد مضي الزمان الفوري (١) فلا يسمى قضاء (٢)، كما لا يسمى إذا فعل في الزمان الفوري أداء. واعترض هذا الحد بأن قيل: ليس بجامع؛ لأنه خرج منه قضاء رمضان؛ لأن زمان قضائه عينه الشرع كما عين زمان أدائه، فإن زمان قضائه هو السنة التي تلي شهر الأداء أجيب عنه بأن قيل: يزاد في الحد أولاً، أي الذي عينه الشرع أولاً لمصلحة فيه، وهو أيضًا غير جامع؛ لأن القضاء يقال في الاصطلاح على فعل العبادة بعد تعينها بالشروع فيها كحجة القضاء، ويقال القضاء أيضًا لما يفعله المدرك على غير نظامه. أجيب عنه بأن قيل: القضاء في الاصطلاح لفظ (٣) مشترك بين ثلاثة معان: يقال على إيقاع العبادة خارج وقتها. ويقال على إيقاع العبادة بعد تعينها بالشروع فيها. ويقال على ما فعل على غير نظامه (٤) من حيث تقديم السر على الجهر.

стр. 825

والمعنى الذي حده المؤلف من هذه (١) المعاني الثلاثة هو الأول منها، فإن من حد معنى واحدًا من معاني (٢) اللفظ المشترك فلا يرد عليه الباقي نقضًا؛ لأن من حد العين الباصرة فلا يرد عليه الذهب وغيره مما يسمى عينًا لاختلاف الحقائق (٣)، [فلا تجمع الحقائق] (٤) المختلفة بحد واحد؛ لأن الحقائق المختلفة يجب أن تكون حدودها مختلفة. واعترض بعضهم هذا الحد بأن قال: هذا الحد غير جامع لكل ما يقال

стр. 826

له (١): القضاء؛ لأنه (٢) يقال على عشرة معان: يقال على الفراغ: كقوله تعالى (٣): ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ (٤)، وقوله تعالى (٥): ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ (٦). ويقال على التمام: كقوله تعالى: [﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ (٧). ويقال على الفصل: كقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (٨). ويقال على وجوب العذاب: كقوله تعالى] (٩): ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ (١٠). ويقال على الحتم: كقوله تعالى: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ (١١). ويقال على الإخبار والإعلام: كقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ (١٢).

стр. 827

ويقال على الحكم والأمر (١): كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ﴾ (٢). ويقال على الفعل: كقوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ (٣)، ومنه قول الشاعر: وعليهما (٤) مبرودَتان (٥) قضاهما (٦) ... داود أو صَنْعُ (٧) السَّوابغ تبَّعُ (٨)

стр. 828

وبمعنى الخلق: كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (١). ويقال على الموت: كقوله تعالى (٢): ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ (٣). وهذه المعاني (٤) يطلق القضاء عليها (٥) جميعًا (٦) ولم يتناولها حد المؤلف. أجيب عن هذا بأن قيل: الاعتراض بهذا لا يلزم المؤلف؛ لأن المؤلف إنما حد المعنى الاصطلاحي، وأما المعنى اللغوي فلم يتعرض له المؤلف، فإن هذه المعاني كلها لغوية. قوله: (تنبيه: لا يشترط في القضاء تقدم الوجوب بل تقدم سببه عند الإمام والمازري وغيرهما من المحققين خلافًا للقاضي عبد الوهاب وجماعة من الفقهاء؛ لأن (٧) الحائض تقضي ما حرم عليها فعله في زمان (٨) الحيض، والحرام لا يتصف بالوجوب، وبسط ذلك (٩) في كتاب الطهارة في

стр. 829

موانع الحيض مذكور (١)). ش: هذا هو المطلب الثالث وهو: التنبيه على ضعف القول باشتراط تقدم الوجوب في القضاء، ومعنى التنبيه: إيقاظ من غفلة الوهم، تقدير كلامه هذا تنبيه على وهم. واعلم أن الواجب إذا لم يفعل في وقته المقدر له أن فعله بعد ذلك قضاء حقيقة (٢) باتفاق، وإن لم ينعقد سبب وجوبه في الوقت المقدر له أن فعله بعد ذلك ليس بقضاء لا حقيقة ولا مجاز باتفاق، كفوات الصلاة في زمان الصبا. واختلفوا فيما انعقد سبب وجوبه ولم يجب لمانع كالصوم في حق الحائض، والمريض، والمسافر، وكالصلاة في حق النائم (٣): فذهب (٤) جمهور العلماء: إلى أن فعله بعد وقته قضاء حقيقة، وبه قال الإمام فخر الدين (٥)، والإمام المازري. وذهب جماعة من العلماء: إلى أن فعله بعد وقته ليس بقضاء، وإنما هو أداء؛ لأنه واجب بأمر جديد لا (٦) بأمر قديم، وإطلاق القضاء عليه مجاز لا

стр. 830

حقيقة، وبه قال الباجي (١) والغزالي (٢). وسبب الخلاف في هذا: اختلافهم في فائدة القضاء: فقيل: فائدة القضاء استدراك لمصلحة تقدم سبب الوجوب. وقيل: فائدة القضاء استدراك لمصلحة تقدم الوجوب. فمن قال: فائدته استدراك لمصلحة تقدم سبب الوجوب، قال: القضاء بعد ذلك حقيقة؛ لأنه استدراك لما فات. ومن قال: فائدته استدراك لمصلحة تقدم (٣) الوجوب قال: القضاء بعد (٤) ذلك (٥) مجاز لا حقيقة لعدم تقدم الوجوب. وقال القاضي عبد الوهاب: بل القضاء حقيقة لتقدم الوجوب، فإن الحائض يجب عليها الصوم في زمان حيضها، ولكن منع مانع الحيض. وذلك أن القائلين بأن فائدة القضاء هي (٦) استدراك لمصلحة تقدم الوجوب قد اختلفوا على قولين: منهم من قال: لا يجب الصوم (٧) على الحائض في زمان حيضها،

стр. 831

وهو مذهب المحققين، منهم الباجي (١) في المنتقى (٢)، والغزالي (٣). ومنهم من قال: يجب عليها الصوم ولكن منعه الحيض شرعًا؛ فالقضاء في حقها حقيقة. قوله (٤): (لا يشترط في القضاء تقدم الوجوب بل تقدم سببه). ش: أي: لا يشترط في كون القضاء قضاء حقيقة أن يتقدم وجوب الفعل، بل المشترط (٥) هو تقدم سبب الوجوب كمثل رؤية الهلال [فإن رؤية الهلال] (٦) سبب لوجوب الصوم، هذا مذهب الإمامين: الإمام فخر الدين (٧)، والإمام المازري، وجماهير المحققين. وقال القاضي عبد الوهاب وجماعة من الفقهاء: بل يشترط في القضاء أن يتقدم الوجوب مع السبب (٨). وقوله: (خلافًا للقاضي عبد الوهاب).

стр. 832

قال المؤلف في الشرح: معنى هذا أن القاضي عبد الوهاب قال: الحيض يمنع صحة الصوم دون وجوبه، فاشترط في خصوص هذه الصورة تقدم الوجوب مع السبب، ولم يجعل ذلك شرطًا عامًا، ووافقه الحنفية على وجوب الصوم عليها، إلا أنهم قالوا: يجب عليها وجوبًا موسعًا. انتهى نصه (١). فتحصل مما ذكرنا بأن (٢) الحائض في زمان حيضها فيها ثلاثة أقوال: قيل: لا يجب عليها الصوم، كما قاله (٣) المازري. وقيل: يجب عليها، كما قاله القاضي عبد الوهاب. وقيل: يجب عليها وجوبًا موسعًا، كما قاله الحنفية. واحتج القائلون بعدم الوجوب عليها بالدليل العقلي القطعي، وهو اجتماع النقيضين، وذلك أنه لا يجوز أن يكلف الإنسان بأمرين متناقضين (٤) في حالة واحدة؛ لأن الوجوب والحرام متناقضان، فكيف يجب الصوم عليها ويحرم عليها في حالة واحدة، فإن الواجب (٥) راجح الفعل والحرام راجح الترك، والجمع بين الفعل والترك محال لتناقضهما، فكيف يقال للإنسان (٦):

стр. 833

هذا واجب عليك فإن تركته عوقبت عليه؟ وهو أيضًا حرام عليك (١) فإن فعلته عوقبت عليه؟ فمقتضى ذلك أنه يعاقب مطلقًا فعله أو تركه، وهذا شيء لا (٢) يتعاهد في الشريعة. فهذا معنى قول المؤلف: لأن الحائض تقضي ما حرم عليها فعله في زمان الحيض؛ والحرام لا يتصف بالوجوب، فهذا دليل ضروري قاطع على أن الحائض لا يجب عليها الصوم في زمان حيضها. ورد هذا الدليل: بأن تحريم الفعل لا يدل على عدم وجوبه، بدليل المحدث؛ فإن الصلاة تحرم عليه في حال (٣) الحدث وهي واجبة عليه إجماعًا. وأجيب عنه: بأن المحدث (٤) متمكن من إزالة المانع بخلاف الحائض. واحتج القائلون بالوجوب بثلاثة أدلة: أحدها: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٥). وهي قد شهدت الشهر فيجب عليها الصوم. الثاني: أنها تنوي بصومها قضاء رمضان، فلولا تقدم الوجوب لما احتاجت إلى إضافته لرمضان (٦). الثالث: أنها تقضي مقدار (٧) ما فات لها فيقدر القضاء بمقدار الأداء بمنزلة

стр. 834

القيم مع المتلفات، فكما أن القيمة تقوم مقام المتقوم (١) المتقدم (٢) فكذلك يكون هذا الصوم، يقوم مقام الوجوب المتقدم. وأجيب عن الدليل الأول: وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣): بأنه (٤) يعارضه الدليل القطعي الذي قررناه، وهو أنه يؤدي إلى اجتماع النقيضين وهما: الوجوب والتحريم، وإذا تعارض الظاهر والنص القطعي [فإن القطعي] (٥) مقدم على الظاهر. وأجيب عن الدليل الثاني: وهو كونها تنوي بصومها قضاء رمضان: أنها إنما تنوي رمضان لتمييز هذا الصوم عن غيره من أنواع الصوم؛ لأن العبادة لا بد لها من نية تميزها عن غيرها فتضيف صومها إلى رمضان لتمييز هذا الصوم من سائر أنواع الصوم، أي ليس هذا الصوم تطوعًا، ولا نذرًا، ولا كفارة، ولا صومًا (٦) مبتدأ [الآن، وإنما سببه الترك المتقدم لا تقدم الوجوب] (٧). وأجيب عن الدليل الثالث: وهو كونها تقضي مقدار ما فات لها: أن الله تعالى جعل التقدير في رمضان سببًا لوجوب مثله بعد رمضان، أي:

стр. 835

جعل الله تعالى (١) كل يوم من (٢) رمضان سببًا لوجوب صوم يوم بعد رمضان فيقدر القضاء بقدر المتروك لا لتقدم الوجوب (٣). وأما الحنفية القائلون بأن الصوم يجب على الحائض وجوبًا موسعًا فقالوا: لا يلزمنا الاجتماع بين الوجوب والحرام؛ لأن وقت الوجوب موسع؛ إذ لا تصوم هذا الواجب إلا بعد (٤) رمضان. قال المؤلف في القواعد: هذا المذهب باطل؛ لأن الواجب الموسع يجوز فعله في أول أزمنة التوسعة باتفاق، ولا يجوز للحائض أن تصوم في جميع زمان الحيض باتفاق، ولو صح ما قالوه [من الواجب الموسع] (٥) لصح أن يقال: الظهر تجب (٦) من طلوع الشمس وجوبًا موسعًا [فإنها تفعل يعد الزوال كما يفعل بالصوم بعد رمضان، ويصح أيضًا أن يقال: إن رمضان يجب من رجب وجوبًا موسعًا] (٧) ويفعل بعد انسلاخ شعبان، كما يفعل الصوم بعد زوال العذر، وذلك (٨) كله خلاف الإجماع، فلا يصح ما قالوه من الواجب

стр. 836

الموسع. انتهى (١) نصه. وقال الإمام المازري: فإن أردت الاعتذار عن القاضي عبد الوهاب وإلحاقه بالجمهور في هذه المسألة، وهو الظن الجميل به لعلو قدره في علم الأصول والفروع، فيكون معنى قوله: الحيض (٢) يمنع الصوم دون وجوبه، أنه لا يمنع الوجوب منعًا كليًا؛ لأن الصوم يجب (٣) عليها بعد انقضاء الحيض بخلاف الصلاة، فإن الحيض يمنعها منعًا كليًا. قوله: (لأن الحائض تقضي ما حرم عليها فعله في زمان الحيض). هذا دليل الجمهور. وظاهر هذا أن هذا (٤) الخلاف خاص بالحائض، وهو ظاهر كلام المؤلف في الشرح أيضًا؛ لأنه قال في الشرح: اشترط القاضي عبد الوهاب في خصوص هذه الصورة تقدم الوجوب مع السبب، ولم يجعل ذلك شرطًا عامًا. انتهى (٥). وليس كذلك، بل وقع الاختلاف بين الأصوليين في الحائض وغيرها من

стр. 837

المسافر، والمريض، فذكر المازري فيهم (١) أربعة أقوال: قيل: يخاطب الجميع؛ لأن القضاء واجب عليهم والقضاء حقيقة في ترك الواجب. وقيل: بعدم خطابهم، قاله الكرخي؛ لأن جواز التأخير أو وجوب التأخير ينافي الوجوب. وقيل: بخطاب المسافر والمريض؛ لأنهما لو صاما لبرئت ذمتهما، بخلاف الحائض فلا يجب عليها؛ إذ لا يجتمع الوجوب والتحريم. وقيل: بخطاب المسافر دون المريض والحائض؛ لأن المريض في حكم العاجز، والعاجز لا يكلف، وأما المسافر فيجوز له التأخير، ولم يسقط عنه التكليف. قوله: (وبسط ذلك في كتاب الطهارة في موانع الحيض مذكور) معناه: وبيان الحجج وأجوبتها مذكور في كتاب الطهارة من الذخيرة (٢) قاله المؤلف في الشرح (٣). قوله: (ثم تقدم السبب قد يكون مع الإِثم كالمتعمد التمكن وقد لا يكون كالنائم والحائض). ش: الألف واللام في قوله: السبب للعهد المتقدم في (٤) قوله:

стр. 838

لا يشترط في القضاء تقدم الوجوب بل تقدم سببه. قوله: (ثم تقدم السبب) أي: تقدم سبب (١) وجوب القضاء كدخول الوقت مثلاً. قسم المؤلف ذلك السبب قسمين: قسم يؤثم المكلف معه. وقسم لا يؤثم المكلف معه. فالذي يؤثم المكلف معه هو: ترك العبادة في وقتها [عمدًا] (٢) اختيارًا. وقولنا: (عمدًا) احترازًا [من الناسى؛ إذ لا إثم على الناسي لقوله (٣) ﵇: "رفع القلم عن الناسي حتى يذكر" (٤)

стр. 839

وقولنا: اختيارًا، احترازًا] (١) من العاجز؛ فإن (٢) العاجز معذور ولا إثم عليه، وإلى هذا القسم أشار المؤلف بقوله: (كالمتعمد المتمكن). واحترز (٣) بـ (المتعمد) لترك العبادة في الوقت من غير المتعمد. واحترز بـ (المتمكن) من فعل العبادة في غير وقتها من غير المتمكن، وهو العاجز عن فعلها في وقتها، وإنما يؤثم المتعمد (٤) المتمكن لتمكنه من الفعل. والقسم الذي لا يؤثم المكلف معه هو ترك العبادة في وقتها لعذر عقلي أو شرعي.

стр. 840

مثال العذر العقلي: النوم. ومثال الشرعي: الحيض. وإلى هذا القسم أشار المؤلف بقوله: [وقد لا يكون (١) كالنائم والحائض] معناه: وقد لا يكون تقدم السبب مع الإثم كالنائم والحائض؛ إذ لا إثم عليهما، قال ﵇: "رفع القلم عن النائم حتى ينتبه" (٢)، وإنما لا يؤثم في (٣) هذا القسم لعدم التمكن من الفعل. قوله: (والمزيل للإِثم قد يكون من جهة العبد كالسفر وقد لا يكون كالحيض). ش: لما ذكر أن السبب قد يكون مع الإثم أراد (٤) أن يبين ها هنا السبب الذي يزول به ذلك الإثم، فذكر ها هنا أن الذي (٥) يزول به ذلك الإثم قسمان:

стр. 841

أحدهما: ما يكون من جهة العبد كالسفر؛ فإن المسافر لا إثم عليه إذا أفطر في رمضان. والقسم الآخر: ما (١) يكون من غير جهة العبد كالحيض؛ فإن الحائض لا إثم عليها في ترك الصوم. قوله: (والمزيل (٢) قد (٣) يصح معه الأداء كالمرض وقد لا يصح، إِما شرعًا كالحيض وإِما (٤) عقلاً كالنوم). ش: لما بيّن المؤلف السبب الذي يكون معه الإثم والذي لا يكون معه الإثم، وبيّن السبب الذي يزيل الإثم، أراد أن يبين ها هنا السبب الذي يصح معه الأداء، والسبب الذي لا يصح معه الأداء. فمثل (٥) السبب الذي يصح معه أداء (٦) العبادة في وقتها بالمرض. ومثل (٧) السبب الذي لا يصح معه فعل العبادة في وقتها بالحيض، والنوم، فإن الحيض يمنع من فعل العبادة باعتبار الشرع، وأما العقل فلا يمنع ذلك؛ لأن ذلك أمر جائز عقلاً، وأما النوم فإنه يمنع العبادة عقلاً وشرعًا؛ لأن النائم غير مكلف في حال نومه حتى ينتبه.

стр. 842

قوله: (قد (١) يصح معه الأداء كالمرض) هذا (٢) إذا كان المرض لا يفضي إلى هلاك عضو أو نفس [فإن هذا القسم يصح معه الأداء باتفاق] (٣). وأما إذا كان المرض (٤) يفضي (٥) إلى هلاك عضو أو نفس فلا يجوز (٦) معه الأداء؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٧). ثم إذا وقع ونزل وفعل العبادة مع هذه الحالة الممنوعة فهل تجزئه تلك العبادة أم لا؟ ذكر فيه الغزالي احتمالين (٨): قال: يحتمل أن يقال: لا يجزئه ذلك؛ لأنه حرام، والحرام لا يجزئ عن الواجب. ويحتمل أن يقال: يجزئه ذلك، تخريجًا على الصلاة في الدار المغصوبة؛ فإن الصلاة فيها تصح، فإن كل واحد منهما مطيع لله (٩) تعالى (١٠) في فعل العبادة، وهو عاصٍ من جهة أخرى (١١)؛ لأن المريض الصائم جنى على

стр. 843

نفسه بالفساد كما جنى الغاصب على منافع المغصوب، فكل واحد منهما مطيع لله تعالى (١) بفعل (٢) العبادة، وكل واحد منهما جائر، أحدهما: جائر على نفسه [وهو المريض] (٣) والآخر جائر على غيره [وهو غاصب الدار] (٤). قوله: (فائدة: العبادة قد توصف بالأداء والقضاء (٥) كالصلوات الخمس، وقد لا توصف بهما كالنوافل، وقد توصف (٦) بالأداء وحده كالجمعة والعيدين). ش: قال المؤلف في الشرح: تمثيلي بالعيدين إنما هو على مذهب مالك (٧) ﵀ (٨). وأما الشافعي فإنها عنده توصف (٩) بالأداء والقضاء (١٠)؛ لأنه يقول (١١)

стр. 844

بالقضاء في كل نافلة لها سبب (١). قوله: (كالجمعة). قال المؤلف في الشرح: فيه إشكال من جهة أن العرب لا تصف الشيء بصفة إلا إذا كان قابلاً لضدها [فلا يقولون للحائط أعمى وإن كان لا يبصر؛ لأنه لا يقبل البصر، وكذلك لا يقال أصم، وإن كان لا يسمع؛ لأنه لا يقبل السماع (٢)] (٣)، فيلزم على هذا ألا توصف صلاة الجمعة بالأداء؛ لأنها لا تقبل القضاء (٤). أجيب عن هذا: بأن الشيء (٥) لا يوصف بصفة إلا إذا كان قابلاً لضدها، إنما ذلك باعتبار العقل والعادة، وأما باعتبار الشرع (٦) [فلا] (٧)؛ لأن الشرع هو الذي منع صلاة الجمعة من قبول القضاء، [وأما العقل والعادة فلا يمنعان ذلك] (٨). قوله: (الثالث الإِعادة، وهي: إِيقاع العبادة في وقتها بعد تقدم إِيقاعها

стр. 845

على نوع من (١) الخلل في الإِجزاء (٢)). ش: شرع ها هنا في بيان الوصف الثالث من أوصاف العبادات (٣) [وهو: الإعادة (٤)] (٥). واحترز بقوله: (العبادة) من غير العبادة وهو: العادة (٦). واحترز بقوله: في (وقتها) من القضاء. واحترز بقوله: (بعد تقدم إِيقاعها) من الأداء؛ لأنه فعل أولاً. وقوله: (على نوع من الخلل) أي على ضرب كالنقص (٧). وقوله (٨): (الإِجزاء) (٩) بكسر الهمزة أراد به الصحة، يريد أو في الكمال؛ بدليل تفسيره [لمحل] (١٠) [الخلل] (١١).
следующие страницы →