← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

أحدهما: ما يكون من جهة العبد كالسفر؛ فإن المسافر لا إثم عليه إذا أفطر في رمضان. والقسم الآخر: ما (١) يكون من غير جهة العبد كالحيض؛ فإن الحائض لا إثم عليها في ترك الصوم. قوله: (والمزيل (٢) قد (٣) يصح معه الأداء كالمرض وقد لا يصح، إِما شرعًا كالحيض وإِما (٤) عقلاً كالنوم). ش: لما بيّن المؤلف السبب الذي يكون معه الإثم والذي لا يكون معه الإثم، وبيّن السبب الذي يزيل الإثم، أراد أن يبين ها هنا السبب الذي يصح معه الأداء، والسبب الذي لا يصح معه الأداء. فمثل (٥) السبب الذي يصح معه أداء (٦) العبادة في وقتها بالمرض. ومثل (٧) السبب الذي لا يصح معه فعل العبادة في وقتها بالحيض، والنوم، فإن الحيض يمنع من فعل العبادة باعتبار الشرع، وأما العقل فلا يمنع ذلك؛ لأن ذلك أمر جائز عقلاً، وأما النوم فإنه يمنع العبادة عقلاً وشرعًا؛ لأن النائم غير مكلف في حال نومه حتى ينتبه.

стр. 842

قوله: (قد (١) يصح معه الأداء كالمرض) هذا (٢) إذا كان المرض لا يفضي إلى هلاك عضو أو نفس [فإن هذا القسم يصح معه الأداء باتفاق] (٣). وأما إذا كان المرض (٤) يفضي (٥) إلى هلاك عضو أو نفس فلا يجوز (٦) معه الأداء؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٧). ثم إذا وقع ونزل وفعل العبادة مع هذه الحالة الممنوعة فهل تجزئه تلك العبادة أم لا؟ ذكر فيه الغزالي احتمالين (٨): قال: يحتمل أن يقال: لا يجزئه ذلك؛ لأنه حرام، والحرام لا يجزئ عن الواجب. ويحتمل أن يقال: يجزئه ذلك، تخريجًا على الصلاة في الدار المغصوبة؛ فإن الصلاة فيها تصح، فإن كل واحد منهما مطيع لله (٩) تعالى (١٠) في فعل العبادة، وهو عاصٍ من جهة أخرى (١١)؛ لأن المريض الصائم جنى على

стр. 843

نفسه بالفساد كما جنى الغاصب على منافع المغصوب، فكل واحد منهما مطيع لله تعالى (١) بفعل (٢) العبادة، وكل واحد منهما جائر، أحدهما: جائر على نفسه [وهو المريض] (٣) والآخر جائر على غيره [وهو غاصب الدار] (٤). قوله: (فائدة: العبادة قد توصف بالأداء والقضاء (٥) كالصلوات الخمس، وقد لا توصف بهما كالنوافل، وقد توصف (٦) بالأداء وحده كالجمعة والعيدين). ش: قال المؤلف في الشرح: تمثيلي بالعيدين إنما هو على مذهب مالك (٧) ﵀ (٨). وأما الشافعي فإنها عنده توصف (٩) بالأداء والقضاء (١٠)؛ لأنه يقول (١١)

стр. 844

بالقضاء في كل نافلة لها سبب (١). قوله: (كالجمعة). قال المؤلف في الشرح: فيه إشكال من جهة أن العرب لا تصف الشيء بصفة إلا إذا كان قابلاً لضدها [فلا يقولون للحائط أعمى وإن كان لا يبصر؛ لأنه لا يقبل البصر، وكذلك لا يقال أصم، وإن كان لا يسمع؛ لأنه لا يقبل السماع (٢)] (٣)، فيلزم على هذا ألا توصف صلاة الجمعة بالأداء؛ لأنها لا تقبل القضاء (٤). أجيب عن هذا: بأن الشيء (٥) لا يوصف بصفة إلا إذا كان قابلاً لضدها، إنما ذلك باعتبار العقل والعادة، وأما باعتبار الشرع (٦) [فلا] (٧)؛ لأن الشرع هو الذي منع صلاة الجمعة من قبول القضاء، [وأما العقل والعادة فلا يمنعان ذلك] (٨). قوله: (الثالث الإِعادة، وهي: إِيقاع العبادة في وقتها بعد تقدم إِيقاعها

стр. 845

على نوع من (١) الخلل في الإِجزاء (٢)). ش: شرع ها هنا في بيان الوصف الثالث من أوصاف العبادات (٣) [وهو: الإعادة (٤)] (٥). واحترز بقوله: (العبادة) من غير العبادة وهو: العادة (٦). واحترز بقوله: في (وقتها) من القضاء. واحترز بقوله: (بعد تقدم إِيقاعها) من الأداء؛ لأنه فعل أولاً. وقوله: (على نوع من الخلل) أي على ضرب كالنقص (٧). وقوله (٨): (الإِجزاء) (٩) بكسر الهمزة أراد به الصحة، يريد أو في الكمال؛ بدليل تفسيره [لمحل] (١٠) [الخلل] (١١).

стр. 846

وقوله: (في الإِجزاء) في الكلام حذف المعطوف تقديره: على نوع من الخلل في الإجزاء أو في الكمال. ويدل على هذا أنه قال في النفائس (١): "يريد الإمام بالخلل ما هو أعم من الإجزاء والكمال" (٢). قوله: (في الإِجزاء). قال أبو زكريا المسطاسي: يتعين ضبطه بكسر الهمزة وهو الصحة، فمن ضبطه بفتح الهمزة فلقد غلط؛ لأن المؤلف جعل الكمال قسيمه في قوله، ثم الخلل قد يكون في الصحة، وقد يكون في الكمال، والمراد بالصحة: الإجزاء بكسر الهمزة، ولا يصح كون الكمال قسيمه إلا إذا كان بكسر الهمزة؛ لأن الصلاة بدون الطهارة لا خلل فى جزء من أجزائها؛ لأن الطهارة ليست من أجزاء الصلاة، وكذلك صلاة المنفرد لا خلل أيضًا في جزء (٣) من أجزائها (٤). وقوله (٥): (الإِعادة إِيقاع العبادة في وقتها) معترض من جهة أن الإعادة عند مالك ﵀ [تكون] (٦) في الوقت وبعد الوقت؛ لأنها تكون في

стр. 847

الوقت لاستدراك المندوبات، وتكون (١) بعد الوقت لاستدراك الواجبات (٢). أجيب عنه: بأنه تبع في ذلك لفظ الإمام في المحصول (٣)، ولكن زاد المؤلف على حد الإمام قوله: (في الإِجزاء)؛ لأن حد الإمام تمامه قوله على (٤) نوع من (٥) الخلل وليس فيه في الإجزاء، والأولى إسقاط قوله: (في وقتها) لئلا يكون مناقضًا لآخر كلامه؛ [لأن الإنسان] (٦) إذا أخل بشرط أو ركن يعيد أبدًا، والأولى أيضًا: إسقاط قوله: (في الإِجزاء)، لئلا يكون مناقضًا لآخر كلامه؛ لأن الخلل يكون في الإجزاء ويكون في الكمال. قوله: (ثم الخلل قد يكون في الصحة، كمن صلى بدون شرط أو ركن، وقد يكون في الكمال كمن صلى منفردًا (٧)). ش: وفي بعض النسخ كالمنفرد (٨) بالصلاة ومعناهما واحد، فالإعادة في حق من صلى بدون شرط أو ركن: خلل في الإجزاء أي: في الصحة،

стр. 848

والإعادة في حق من صلى وحده وأعادها في جماعة: خلل في الكمال. [مثال الشرط: الطهارة] (١) ومثال الركن: تكبير الإحرام. قوله: (الرابع: الصحة وهي عند المتكلمين بها وافق الأمر، وعند الفقهاء ما أسقط القضاء، والبطلان يتخرج على المذهبين). ش: شرع المؤلف - رحمه الله تعالى - ها هنا في بيان الوصف الرابع من أوصاف العبادات وهو الصحة. الصحة لغة: تقال على مقابلة المرض (٢)، وتقال على الثابت؛ كقولنا: صح قول فلان إذا ثبت. وأما بالنسبة إلى الشرع: فتارة تطلق على العبادات، وتارة تطلق على عقود المعاملات. فذكر المؤلف ﵀ أن الصحة باعتبار العبادات في معناها قولان (٣): قول المتكلمين.

стр. 849

وقول الفقهاء. فمعناها عند المتكلمين: عبارة عن موافقة الأمر الشرعي سواء وجب القضاء أو لم يجب. ومعناها عند الفقهاء: عبارة عن كون الفعل مسقطًا للقضاء (١). قوله: (والبطلان يتخرج على المذهبين). يعني: أن معنى البطلان في العبادات يتخرج (٢) على هذين القولين المذكورين في معنى الصحة. فمعنى البطلان على مذهب المتكلمين ما خالف (٣) الأمر. ومعنى البطلان على مذهب الفقهاء: ما أمكن أن يترتب فيه القضاء (٤). قوله: (فصلاة من ظن الطهارة وهو محدث صحيحة عند المتكلمين؛ لأن الله تعالى أمره أن يصلي صلاة تغلب (٥) على ظنه طهارتها (٦) وقد

стр. 850

فعل (١) وهو موافق للأمر (٢)، وباطلة عند الفقهاء؛ لكونها لم تمنع من ترتب القضاء). ش: قال المؤلف في الشرح: لا خلاف بين الفريقين في المعنى؛ لأنهم اتفقوا على جميع الأحكام؛ لأنهم اتفقوا على أنه موافق لأمر الله تعالى (٣)، وأنه مثاب، وأنه يجب عليه القضاء إذا اطلع على الحدث؛ وأنه لا (٤) يجب عليه القضاء إذا لم يطلع على الحدث. وإنما الخلاف في التسمية خاصة هل يقال: لفظ الصحة لما وافق الأمر سواء وجب القضاء أو لم يجب، أو لا (٥) يقال: لفظ الصحة إلا لما (٦) لا يمكن أن يتعقبه القضاء (٧). قال المؤلف في الشرح: مذهب الفقهاء أنسب إلى اللغة؛ فإن العرب لا تسمي [الإناء] (٨) صحيحًا إلا إذا كان صحيحًا من جميع الجهات، وأما إذا كان فيه كسر ولو من جهة واحدة فلا تسميه (٩) صحيحًا، وهذه الصلاة (١٠) مختلة (١١) على

стр. 851

تقدير ذكر الحدث (١) فلا تسمى صحيحة بمنزلة الإِناء المكسور من (٢) بعض الجهات (٣). قوله: (فصلاة من ظن الطهارة وهو محدث) أطلق الظن على الاعتقاد، أي: اعتقد أنه على (٤) طهارة ثم ظهر له بعد الصلاة (٥) أنه على حدث. وقوله: (عند المتكلمين) يعني جمهور المتكلمين؛ لأن بعض المتكلمين قالوا بمثل قول الفقهاء. واعترض قوله: (ما أسقط القضاء) بأن قيل: هذا تحديد الشيء بما هو أخص منه؛ فإن الصحة أعم من سقوط القضاء؛ فإن سقوط القضاء إنما (٦) يقال في الفرض (٧) خاصة ولا يقال في النفل، وأما الصحة فتقال في الفرض وفي النفل، فقد عرف الشيء بما هو أخص منه؛ كتفسير الحيوان بالإنسان (٨). أجيب عنه: بأن القضاء قد يوجد في النوافل على مذهب الشافعي، وقد روي عن مالك (٩) أن ركعتي الفجر تقضى بعد طلوع الشمس (١٠)، وكذلك ما

стр. 852

شرع فيه من التطوعات وأبطله، قاله (١) مالك أيضًا (٢) وأبو حنيفة. قوله: (وأما فساد العقود: فهو خلل يوجب عدم ترتب (٣) آثارها عليها إِلا أن تلحق بها عوارض على أصولنا يأتي تفصيلها في كتاب البيوع وغيرها إِن شاء الله) (٤). ش: لما ذكر المؤلف معنى الفساد والصحة في العبادات أراد أن يبين ها هنا معناهما في العادات (٥)، وهي: العقود كعقد البيع، وعقد القراض (٦) وعقد النكاح، وغير ذلك، نذكر أن معنى الفساد بالنسبة إلى العقود هو خلل يوجب عدم ترتب آثارها عليها، الضمير في قوله: (آثارها)، وفي قوله: (عليها) عائد (٧) على العقود. والمراد بالآثار هي (٨): الفوائد المطلوبة (٩) من العقود.

стр. 853

والمراد بالترتب (١): هو التمكن (٢) من تلك الفوائد، فتقدير (٣) كلامه: فهو خلل يوجب عدم تمكن الفوائد على العقود. وتلك الفوائد تختلف باختلاف العقود: ففائدة البيع مثلاً الأكل، والبيع (٤)، والهبة، والصدقة، والوقف، وغير ذلك. وفائدة الإجارة: التمكن من المنافع. وفائدة القراض: استحقاق الربح، وعدم الضمان. وفائدة النكاح: التمكن من أنواع الاستمتاع، والتمكن من الطلاق وغير ذلك. وإنما سكت المؤلف عن تعريف الصحة في العقود اكتفاء عنها بتعريف الفساد؛ لأن الأشياء تعرف بأضدادها، فإن معنى الصحة يفهم من معنى الفساد، فلما كان الفساد (٥) خللاً (٦) يوجب عدم ترتب آثارها عليها يكون معنى الصحة ترتب آثارها عليها. وإنما سكت المؤلف عن الفساد في العبادات؛ لأنه ذكر فيها البطلان في قوله: (والبطلان يتخرج على المذهبين).

стр. 854

وسكت عن البطلان في العادات (١)؛ لأنه ذكر فيها (٢) الفساد دون البطلان، فإنما فعل ذلك؛ إذ لا فرق بين الفساد والبطلان، فإنهما مترادفان عندنا وعند الشافعية. وأما الحنفية فقد فرقوا بين الباطل والفاسد فقالوا: الباطل ما نهي عنه لذاته كالخمر والخنزير، والفاسد: ما نهي عنه لوصفه كالربا (٣). قوله: (إِلا أن تلحق به عوارض على أصولنا) يعني: أن النهي يدل على فساد المنهي عنه فيجب فسخه إلا أن تلحق بها عوارض أي: إلا أن تتصل بالعقود المنهي عنها لواحق وحوادث، فيقرر (٤) حينئذ ويمضي بالقيمة، والمراد

стр. 855

بالعوارض التي تقرر البيع الفاسد أربعة أشياء وهي: حوالة الأسواق، وتلف العين، ونقصانها، وتعلق حق الغير بها. ولكن تقرير العقد الفاسد إذا اتصل به أحد هذه الأشياء يحتاج إلى تفصيل، بيّنه المؤلف في كتاب البيوع وغيره في الذخيرة (١). وإلى هذا أشار بقوله: يأتي تفصيلها في كتاب البيوع وغيره إن شاء الله. وقوله: (على أصولنا) أي: هذا على مذهبنا وقواعدنا نحن المالكية. وذلك أن فقهاء الأمصار اختلفوا في النهي: هل يدل على فساد المنهي عنه أو لا؟ ذهبت (٢) الشافعية: إلى أنه يدل على الفساد مطلقًا (٣) فلا يجوز الانتفاع ولو بيع ألف مرة، فيجب نقضه فطردوا أصلهم (٤). وذهبت الحنفية إلى أنه يدل على الصحة مطلقًا (٥) فيجوز الانتفاع به، وقالوا: إذا اشترى أمة شراءً فاسدًا يجوز له وطؤها، وكذلك جميع العقود الفاسدة فطردوا أيضًا أصلهم.

стр. 856

وذهبت المالكية إلى التفصيل في ذلك فقالوا: يدل على الفساد، إلا إذا (١) اتصل به أحد أربعة أشياء المذكورة فيمضي بالقيمة؛ لأن البيع الفاسد يفيد شبهة الملك (٢)، فلم يطرد (٣) المالكية مذهبهم (٤) وراعوا الخلاف؛ لأن مراعاة الخلاف أصل من أصول المالكية. وها هنا مسائل من النهي اتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة على صحتها وهي: الصلاة في الدار المغصوبة، والصلاة في الثوب المغصوب، والطهارة بالماء المغصوب، والمسح على الخف المغصوب، والحج بالمال الحرام. اتفقوا كلهم على صحة (٥) هذه المسائل وخالفهم في ذلك أحمد بن حنبل (٦) ﵁ فقال:

стр. 857

يمنع (١) ذلك كله (٢). انظر: القواعد السنية للمؤلف في الفرق السبعين بين قاعدة اقتضاء النهي الفساد (٣) في نفس الماهية، وبين اقتضاء النهي الفساد (٤) في أمر خارج عن الماهية (٥). قوله: ([الخامس] (٦) الإِجزاء وهو كون الفعل كافيًا في الخروج عن عهدة التكليف (٧) وقيل: ما أسقط القضاء). ش: شرع المؤلف (٨) ها هنا في بيان الوصف الخامس من أوصاف العبادات وهو الإجزاء (٩) يعني: أن الإتيان (١٠) بالفعل يكفي (١١) في سقوط التعبد به،

стр. 858

وإنما يكون كذلك إذا أتى به مستجمعًا لجميع الأمور (١) المعتبرة فيه من حيث وقع التعبد له. قوله: (ما أسقط القضاء) هذا قول الفقهاء المتقدم في الصحة. وقوله (٢): (كون الفعل كافيًا في الخروج عن عهدة التكليف) هو معنى قوله في الصحة: ما وافق الأمر على قول المتكلمين. قال المؤلف في الشرح: فيلزم على هذا أن يكونا مسألة واحدة فلم [جعلوهما (٣) مسألتين (٤)؟ يعني أن الصحة والإجزاء يلزم على هذا (٥) التقرير أن يكونا مترادفين. أجاب المؤلف في الشرح عن هذا فقال: العقود توصف بالصحة ولا توصف بالإجزاء، وكذلك النوافل من العبادات توصف بالصحة دون الإجزاء، وإنما يوصف بالإجزاء ما هو (٦) واجب.

стр. 859

ولذلك استدل جماعة من العلماء على وجوب الأضحية بقوله ﵇ لأبي بردة بن [نيار] (١): "تجزئك ولا تجزئ عن أحد بعدك" (٢)، فحينئذ الصحة أعم من الإجزاء بكثير، فهما حقيقتان متباينتان فأمكن جعلهما مسألتين (٣). قال المؤلف في الشرح: قولهم: الإجزاء ما أسقط القضاء، [غير متجه من جهة أن الذي يسقط القضاء هو المجزئ لا الإجزاء، فالأولى لصاحب هذا المذهب أن يقول: فالإجزاء] (٤) هو كون الفعل مسقطًا للقضاء، فيجعله

стр. 860

صفة للفعل لا لنفس الفعل. وحكى الإمام فخر الدين (١) أنه قيل: هو سقوط القضاء فجعله (٢) صاحب هذا المذهب نفس (٣) السقوط، فيلزمه حيث وجد سقوط القضاء يوجد الإجزاء. وليس كذلك، بل من مات وسط الوقت ولم يصل، أو صلى (٤) صلاة فاسدة فإنه وجد في حقه سقوط القضاء، ولم يوجد الإجزاء، فإن القضاء إنما يتوجه بعد خروج الوقت وبقاء أهلية التكليف، والميت ليس أهلاً للتكليف، ولأنّا نعلل (٥) سقوط (٦) القضاء بالإجزاء والعلة مغايرة للمعلول فلا يكون الإجزاء نفس سقوط القضاء. انتهى (٧) نصه. أجاب بعضهم عن هذين الإلزامين اللذين ألزمهما المؤلف لمن فسر الإجزاء بسقوط القضاء، أجاب عن الإلزام الأول الذي هو قوله: يوجد سقوط القضاء دون الإجزاء في حق من مات في وسط الوقت ولم يصل، أو صلى صلاة فاسدة: أن المراد بسقوط (٨) القضاء إنما هو في حق من يمكن في حقه وجوب القضاء وهو الحي دون الميت.

стр. 861

وأجاب عن الإلزام الثاني الذي هو قوله: يعلل (١) سقوط (٢) القضاء بالإجزاء والعلة مغايرة للمعلول: أن العلة في سقوط القضاء هي (٣) الإتيان بالمأمور به [على الوجه الذي أمر به لا نفس الإجزاء] (٤). قال بعضهم: سكت المؤلف عن القبول مع أنه من أوصاف العبادات، إنما سكت عنه؛ لأنه من أصول الفقه، قاله في النفائس؛ وذلك أن القبول أمر غائب عنا لا تدركه (٥) أحكامنا (٦). وذكر المؤلف في القواعد (٧) في الفرق الخامس والستين بين قاعدة ما يثاب عليه من الواجبات وبين (٨) ما لا يثاب عليه، فذكر أن القبول مخالف للصحة والإجزاء: فإن الفعل قد يكون صحيحًا مجزئًا مبرئًا لذمة العبد، ومع ذلك لا يقبل ولا يثاب عليه، والدليل على ذلك: الكتاب والسنة والإجماع. فمن الكتاب قوله تعالى في قصة ابني آدم: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ

стр. 862

الْمُتَّقِينَ﴾ (١). لأنه تقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر مع أن كل واحد منهما جاء على وفق الأمر (٢). ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣). فسؤالهما الله القبول مع صحة فعلهما وإجزائه دليل على أن القبول مغاير للصحة والإجزاء. ومن السنة قوله ﵇ في الأضحية: "اللهم تقبل من محمد وآل محمد" (٤)

стр. 863

فسؤاله ﵇ القبول مع صحة فعله وإجزائه دليل على أن القبول خلاف الصحة والإجزاء. ومنه (١) قوله ﵇ في الحديث الصحيح خرّجه مسلم: "من أحسن (٢) في إسلامه فإنه يجزى بعمله في الجاهلية والإسلام" (٣). فاشترط الإحسان وهو التقوى في حصول الجزاء، فدل ذلك على أن القبول خلاف الصحة والإجزاء (٤). وانعقد الإجماع على ذلك - نسأل الله (٥) أن يتقبل منا أعمالنا بفضله وإحسانه - (٦). فالقبول معناه: حصول الثواب.

стр. 864

والصحة والإجزاء [معناهما: عدم العقاب. فيلزم من حصول الثواب عدم العقاب، ولا يلزم من عدم العقاب حصول الثواب. والقبول (١) أخص، والصحة (٢) والإجزاء] (٣) أعم، فكل مقبول مجزئ وليس كل مجزئ مقبول (٤) (٥). ...

стр. 865

الفصل الخامس عشر فيما تتوقف عليه الأحكام (١) ش: الألف واللام في الأحكام للحوالة (٢) المتقدمة في فصل الحكم الشرعي في قوله: (واختلف في أقسامه فقيل: خمسة: الوجوب، والتحريم، والندب، والكراهة، والإِباحة). وإلى تلك الأحكام الخمسة أشار بالألف (٣) واللام، وهي الأحكام التكليفية قوله: (وهو ثلاثة: السبب، والشرط، وانتفاء المانع). قال المؤلف في الشرح: لا يوجد متوقف عليه وهو كمال ما يتوقف عليه [إلا أحد هذه الثلاثة، والعقليات والشرطيات (٤) والعاديات، وقولي: وهو كمال ما يتوقف عليه] (٥) احترازًا من جزء السبب، وجزء الشرط بخلاف جزء المانع لا يتوقف على انتفائه؛ بل يكفي انتفاء تلك الحقيقة، ويكفي في انتفائها

стр. 866

جزء من أجزائها؛ إذ لو كان الجزء أيضًا مانعًا لكان ذلك موانع لا مانعًا (١) (٢). [مثال جزء السبب: بعض النصاب في الزكاة. ومثال جزء الشرط: بعض الحول في الزكاة أيضًا] (٣). قوله: (وهو (٤) ثلاثة) يعني: كاملة، وإلا فهي خمسة باعتبار الجزئين (٥) المذكورين. قوله: (وهو (٦) ثلاثة) حصر المتوقف (٧) في الثلاثة إنما هو من حيث الكمال لا من حيث الجزئية، وذلك أن الحكم يتوقف أيضًا (٨) على جزء سببه وعلى جزء شرطه، كما (٩) يتوقف على كمال السبب والشرط، بخلاف جزء المانع، فإن الحكم لا يتوقف (١٠) [على انتفائه، فلو توقف] (١١) على انتفائه لزم أن يكون الباقي مانعًا مستقلاً. مثاله: القتل العمد العدوان مانعًا من الميراث، فإذا عدم الوصفان أو عدم أحدهما ثبت الميراث.

стр. 867

وسبب ذلك أن توقف الحكم على السبب والشرط، إنما هو من حيث الوجود، فلا توجد الحقيقة (١) إلا (٢) بوجود جميع أجزائها، وتوقف الحكم على المانع إنما هو من حيث العلم، وعدم الحقيقة يصدق بعدم جزء واحد من أجزائها، يعني: أن الحكم التكليفي يتوقف على الحكم الوضعي، فالمتوقف هو: الأحكام التكليفية والمتوقف [عليه] (٣) هو الأحكام الوضعية؛ لأن كل حكم تكليفي لا بد له من سبب وشرط وانتفاء مانع، فإذا وجدت الأسباب والشروط وانتفت الموانع: وجب وقوع الحكم لدلالة تلك الأدلة على وقوعه، وإذا عدمت الشروط أو وجدت (٤) الموانع: سقط وقوع الحكم لدلالة تلك الأدلة على سقوطه، وإن عدمت (٥) الأسباب: سقط وقوع الحكم لعدم الدليل على وقوعه. ومثال ذلك: أن تقول (٦) مثلاً: الزوال سبب لوجوب الظهر، والبلوغ شرط فيه، والحيض مانع منه، فإذا وجد الزوال والبلوغ وانتفى الحيض وجبت (٧) صلاة الظهر، وإن عدم البلوغ أو (٨) وجد الحيض: سقط وجوب

стр. 868

صلاة الظهر، وإن عدم الزوال سقط وجوب الظهر أَيضًا. ومثال آخر (١): أن تقول (٢) أيضًا (٣): رؤية الهلال سبب لوجوب صوم شهر رمضان، والإقامة والقدرة شرط، والحيض مانع، فإذا وجدت الرؤية، والإقامة، والقدرة، وعدم الحيض: وجب الصوم، وإذا عدم الإقامة بسفر، وعدمت (٤) القدرة بمرض أو وجد الحيض: سقط وجوب الصوم، وإن عدمت الرؤية: سقط الوجوب. ومثال آخر أيضًا: أن تقول (٥): وجود (٦) النصاب سبب لوجوب الزكاة، ودوران الحول شرط في وجوبها، والدين مانع لوجوبها، فإذا وجد النصاب ودوران الحول وعدم الدين وجبت الزكاة، وإذا عدم دوران الحول أو وجد الدين سقطت الزكاة، وكذلك إذا عدم النصاب قوله: (فإِن الله تعالى شرع الأحكام وشرع لها (٧) أسبابًا وشروطًا وموانع). ش: يعني بالأحكام ها هنا: الأحكام (٨) [التكليفية] (٩) الخمسة.

стр. 869

قوله: (وشرع لها) أي: شرع لوقوعها في الوجود أسبابًا وشروطًا وموانع. قال أبو حامد الغزالي في المستصفى: لما انقطع الوحي وعسر على الخلق معرفة خطاب الله تعالى في كل حال أظهر الله تعالى (١) خطابه [بنصب الأسباب (٢)] (٣). قوله: (وورود خطابه على قسمين: خطاب تكليف يشترط فيه علم المكلف، وقدرته، وغير ذلك كالعبادات). ش: هذا تفصيل الحكم الشرعي الذي حده المؤلف بخطاب الله تعالى (٤) القديم في الفصل الثالث عشر، فذكر ها هنا أن ورود خطاب الله تعالى (٥) في الشريعة منحصر (٦) في (٧) قسمين وهما (٨): خطاب التكليف. وخطاب الوضع.

стр. 870

فمعنى خطاب التكليف: ما كلف الله تبارك (١) وتعالى به عباده. ومعنى خطاب الوضع ما وضعه الله ﵎ دليلاً وعلامة لوقوع الأحكام الشرعية ولم يكلف به عباده. وخطاب التكليف محصور في خمسة أشياء وهي: الوجوب، والتحريم والندب، والكراهية، والإباحة. وخطاب الوضع محصور في خمسة أشياء أيضًا وهي: الأسباب، والشروط، والموانع، والتقادير الشرعية، والحجج عند القضاة. وسيأتي بيان جميع ذلك مع حروف (٢) الكتاب [وزاد سيف الدين ثلاثة وهي: الصحة، والبطلان، والرخصة، فخطاب الوضع إذًا ثمانية] (٣). قوله: (خطاب تكليف) [سمي] (٤) هذا الخطاب بخطاب (٥) التكليف مأخوذ من الكلفة والمشقة، وهي توقع العقوبة الربانية، ولكن لا يوجد ذلك إلا في ترك الواجب وفعل المحرم، ولا يوجد ذلك في الأحكام الثلاثة الباقية، وهي: الندب، والكراهة، والإباحة؛ ولأجل ذلك نقول: الصبي غير مكلف وإن كان مندوبًا إلى الصلاة والحج على الأصح. وإنما أطلق خطاب التكليف على الجميع تجوزًا وتوسعًا، فغلب البعض

стр. 871

على البعض على جهة التوسع، قاله المؤلف في الشرح (١). وهذا على (٢) القول المشهور: أن الأحكام الثلاثة التي هي (٣): الندب والكراهة، والإباحة لا تكليف فيها، وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني (٤): إن هذه الأحكام (٥) الثلاثة تكليفية (٦). قالوا: هذا الخلاف لفظي، وذلك [أنه إن أريد] (٧) بالتكليف: ما لا يتخير (٨) فيه بين الفعل والترك (٩) فالأحكام (١٠) الثلاثة لا تكليف فيها كما قال الجمهور، وإن أريد (١١) بالتكليف: وجوب اعتقاد كون المندوب مندوبًا، وكون

стр. 872

المكروه مكروهًا، وكون المباح مباحًا فالأحكام الثلاثة تكليفية كما قاله (١) أبو إسحاق الإسفراييني. فالخلاف إذًا في اللفظ لا في المعنى؛ إذ لا خلاف بين القولين في المعنى. قوله: (يشترط فيه علم المكلف وقدرته وغير ذلك كالعبادات). ش: يعني أن خطاب التكليف الذي كلف الله به عباده يشترط فيه: أن يكون المكلف عالمًا (٢) بأنه كلف (٣)، أما إذا لم يعلم أنه كلف به فإنه معذور. فإن من (٤) فعل محرمًا غير عالم بتحريمه أو ترك واجبًا غير عالم بوجوبه فلا إثم عليه، [ومن وطئ امرأة يظن أنها زوجته، أو شرب خمرًا يظن أنه خل فلا إثم عليه] (٥) بالإجماع (٦)؛ لعدم العلم؛ إذ العلم شرط في التكليف. والدليل على أن العلم شرط في التكليف: قوله ﵎ (٧): ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٨)، نفى التعذيب حتى يحصل العلم بالتبليغ.

стр. 873

وقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (١). فهذا يدل على أن الحجة تكون للخلق من جهة الجهل [بعدم] (٢) التبليغ (٣). وقوله: (وقدرته) يعني: أن المكلف يشترط أيضًا أن يكون قادرًا على ما كلف به (٤)؛ إذ العاجز غير مكلف إجماعًا. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ (٥). فهذه الآية تدل على اشتراط (٦) العلم والقدرة (٧) في التكليف، فلو كلف الإنسان بما لا يعلمه، أو كلف بما لا يقدر عليه لكان تكليفًا بغير الوسع، والله (٨) تعالى لا يكلف بغير [الوسع] (٩) وهو المقدور عليه (١٠). وقوله: (وغير ذلك) الإشارة [تعود] (١١) على الاثنين وهما: العلم

стр. 874

والقدرة على حد قوله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (١)، والمراد بهذا الغير: سائر الشروط التي تختص بكل عبادة؛ لأن كل عبادة لها شروط تختص بها. مثال ذلك: اشتراط الزوال في وجوب الظهر، واشتراط الإقامة في وجوب الجمعة ووجوب الصوم، واشتراط دوران الحول في وجوب الزكاة، واشتراط الاستطاعة في وجوب الحج وغير ذلك، وذلك كثير (٢) مبسوط في كتب الفقه (٣). وقوله (٤): (كالعبادات) هذا (٥) مثال لخطاب التكليف، وتقدير الكلام: خطاب تكليف كالعبادات يشترط فيه (٦) علم المكلف وقدرته وغير ذلك. قوله: (كالعبادات) نحو: الصلاة والصيام والزكاة (٧) والحج والجهاد. قوله: (وخطاب وضع لا يشترط فيه شيء من ذلك). ش: يقال له (٨): خطاب وضع وخطاب (٩) إخبار، سمي بخطاب

стр. 875

وضع (١)؛ لأن الله تعالى (٢) وضعه علامة لخطاب التكليف (٣)، وسمي بخطاب إخبار؛ [لأنه لا طلب] (٤) فيه؛ لأن الله تعالى (٥) لم يأمر به أحدًا (٦). قوله: (لا يشترط فيه شيء من ذلك) الإشارة تعود على الثلاثة المذكورة وهي: العلم، والقدرة، والغير. لما بين القسم الأول الذي هو خطاب التكليف، تعرض ها هنا لبيان مقابله الذي هو خطاب الوضع، فذكر أنه لا يشترط فيه علم المكلف، ولا قدرته ولا غيرهما، وإنما لا تشترط هذه الشروط المذكورة في خطاب الوضع؛ لأن المكلف لم يكلف بهذا حتى يحتاج إلى العلم والقدرة أو غيرهما؛ لأن (٧) معنى (٨) خطاب الوضع أن يقول الشارع مثلاً: إذا رأيتم كذا فاعلموا أني حكمت بكذا. قوله: (لا يشترط فيه) يعني في حله (٩) على حذف مضاف، ويدل على هذا المحذوف، [قوله] (١٠): وهو الخطاب بكثير من الأسباب والشروط ... إلى آخره.

стр. 876

قوله: (وهو الخطاب بكثير من الأسباب، والشروط، والموانع، وليس ذلك عامًا فيها). ش: أي: ليس عدم اشتراط العلم والقدرة عامًا في جميع الأسباب والشروط؛ بل يشترط العلم والقدرة وغيرهما في بعض الأسباب، وقد بيّن ذلك بقوله بعد: وقد يشترط في السبب العلم كما سيأتي بيانه (١). قوله: (وهو الخطاب بكثير من الأسباب إِلى آخره). مثال الأسباب: نصب الزوال وقتًا للظهر. ومثال الشروط: نصب الحول للزكاة (٢). ومثال الموانع: نصب الحيض مانعًا للصلاة والصوم، ونصب القتل والرق والكفر مانعًا من الميراث وغير ذلك. والباء في قوله: (بكثير) بمعنى (٣) مع؛ إذ لا يخاطب الإنسان بتحصيل الأسباب والشروط وانتفاء (٤) الموانع وإنما يخاطب بالحكم عند حصولها. قوله: (فلذلك (٥) نوجب الضمان على المجانين والغافلين بسبب الإِتلاف). [الإشارة تعود على قوله: لا يشترط شيء (٦) من ذلك، أي: ولأجل عدم

стр. 877

اشتراط العلم والقدرة في خطاب الوضع نوجب الضمان على المجانين والغافين] (١) [بسبب الإتلاف] (٢)؛ [لأن المجنون أو الغافل (٣)] (٤) أو النائم (٥) إذا أتلف شيئًا: وجب عليه غرمه، وإن لم يكن عالمًا بما أتلفه (٦) ولا قادرًا على التحرز من إتلافه (٧). قوله: (لكونه من باب الوضع الذي معناه أن الله تعالى (٨) قال: إِذا وقع هذا في الوجود فاعلموا أني حكمت بكذا). ش: هذا جواب عن سؤال مقدر كأنه يقول: إنما قلنا بثبوت الضمان على المجانين والغافلين من غير علمهم ولا قدرتهم على التحرز من (٩) الإتلاف لكون هذا من خطاب الوضع الذي معناه في الشرع أن الله تعالى (١٠) يقول [لعباده] (١١): إذا وقع هذا الإتلاف [مثلاً] (١٢) فاعلموا أني حكمت

стр. 878

بالضمان. [قوله: (إِذا وقع هذا في الوجود)، تقديره: إذا وقع السبب فاعلموا أني حكمت بالحكم، وإذا عدم الشرط (١) فاعلموا أني حكمت بعدم الحكم، وإذا وقع المانع فاعلموا أني حكمت بعدم الحكم] (٢). قوله: (ومن ذلك الطلاق بالإِضرار والإِعسار، والتوريث بالأنساب). ش: يعني: ومن خطاب الوضع الذي لا يشترط فيه العلم والقدرة: الطلاق بسبب الإضرار بالزوجة، والطلاق بسبب الإعسار (٣) بنفقة الزوجة، فإنه يقضى [على الزوج] (٤) بالطلاق بسبب الإضرار، أو بسبب (٥) الإعسار بالإنفاق وإن كان الزوج مجنونًا غير عالم ولا قادر، أي (٦): وإن كان زمنًا عاجزًا عن النفقة. وكذلك التوريث بالأنساب فيقضى بالتوريث للوارث وإن لم يعلم الوارث بموت الموروث (٧)، فإن الإنسان إذا مات له قريب (٨) دخلت التركة في ملكه بنفس موت قريبه، وإن لم (٩) يعلم الوارث، ولا كان (١٠) ذلك

стр. 879

بقدرته (١)، حتى لو كان في التركة من يعتق عليه لعتق (٢). قوله: (وقد يشترط في السبب العلم كإِيجاب الزنا للحد والقتل للقصاص). ش: هذا بيان خطاب الوضع الذي يشترط فيه علم المكلف، وهو القسم القليل المقابل للقسم الكثير المشار إليه بقوله (٣): وهو الخطاب بكثير من الأسباب، مفهومه أن هناك قسمًا قليلاً من خطاب الوضع يشترط فيه (٤) [علم المكلف وقدرته] (٥). مثله المؤلف بقوله: كإيجاب الزنا للحد، والقتل للقصاص، فإن من (٦) وطئ أجنبية يظنها (٧) زوجته لا حد عليه (٨)؛ لعدم علمه وإن وجب عليه الصداق. وكذلك من قتل رجلاً خطأ لا قصاص عليه، وإن وجبت عليه الدية

стр. 880

لعدم علمه وهذا الخطاب الذي يشترط فيه علم المكلف وقدرته من خطاب الوضع مطرد في نوعين: أحدهما: أسباب العقوبات. الثاني (١): أسباب انتقال الأملاك. أما أسباب العقوبات وهي الجنايات التي توجب العقوبة (٢) كالزنا والقتل وشرب الخمر، فلا بد فيها من العلم والقدرة، فإن من (٣) وطئ أجنبية يظنها زوجته فلا حد عليه - كما تقدم - لعدم (٤) العلم، وكذلك من قتل رجلاً خطأ فلا قصاص عليه؛ لعدم العلم، وكذلك من شرب خمرًا يظنه خلاً فلا حد عليه؛ لعدم العلم، وكذلك المكره (٥) على الزنا لا حد عليه؛ لعدم (٦) القدرة، وكذلك جميع الجنايات التي هي أسباب العقوبة يشترط فيها العلم والقدرة. وإنما اشترطوا العلم والقدرة في هذا النوع؛ لأن القاعدة الشرعية تقتضي ألا يعاقب من لم يقصد المفسدة ولم يشعر بها (٧) أو وقعت بغير كسبه؛ فلأجل ذلك اشترط العلم والقدرة في الجنايات التي توجب العقوبة (٨)، بخلاف
следующие страницы →