← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

قوله: (وهو الخطاب بكثير من الأسباب، والشروط، والموانع، وليس ذلك عامًا فيها). ش: أي: ليس عدم اشتراط العلم والقدرة عامًا في جميع الأسباب والشروط؛ بل يشترط العلم والقدرة وغيرهما في بعض الأسباب، وقد بيّن ذلك بقوله بعد: وقد يشترط في السبب العلم كما سيأتي بيانه (١). قوله: (وهو الخطاب بكثير من الأسباب إِلى آخره). مثال الأسباب: نصب الزوال وقتًا للظهر. ومثال الشروط: نصب الحول للزكاة (٢). ومثال الموانع: نصب الحيض مانعًا للصلاة والصوم، ونصب القتل والرق والكفر مانعًا من الميراث وغير ذلك. والباء في قوله: (بكثير) بمعنى (٣) مع؛ إذ لا يخاطب الإنسان بتحصيل الأسباب والشروط وانتفاء (٤) الموانع وإنما يخاطب بالحكم عند حصولها. قوله: (فلذلك (٥) نوجب الضمان على المجانين والغافلين بسبب الإِتلاف). [الإشارة تعود على قوله: لا يشترط شيء (٦) من ذلك، أي: ولأجل عدم

стр. 877

اشتراط العلم والقدرة في خطاب الوضع نوجب الضمان على المجانين والغافين] (١) [بسبب الإتلاف] (٢)؛ [لأن المجنون أو الغافل (٣)] (٤) أو النائم (٥) إذا أتلف شيئًا: وجب عليه غرمه، وإن لم يكن عالمًا بما أتلفه (٦) ولا قادرًا على التحرز من إتلافه (٧). قوله: (لكونه من باب الوضع الذي معناه أن الله تعالى (٨) قال: إِذا وقع هذا في الوجود فاعلموا أني حكمت بكذا). ش: هذا جواب عن سؤال مقدر كأنه يقول: إنما قلنا بثبوت الضمان على المجانين والغافلين من غير علمهم ولا قدرتهم على التحرز من (٩) الإتلاف لكون هذا من خطاب الوضع الذي معناه في الشرع أن الله تعالى (١٠) يقول [لعباده] (١١): إذا وقع هذا الإتلاف [مثلاً] (١٢) فاعلموا أني حكمت

стр. 878

بالضمان. [قوله: (إِذا وقع هذا في الوجود)، تقديره: إذا وقع السبب فاعلموا أني حكمت بالحكم، وإذا عدم الشرط (١) فاعلموا أني حكمت بعدم الحكم، وإذا وقع المانع فاعلموا أني حكمت بعدم الحكم] (٢). قوله: (ومن ذلك الطلاق بالإِضرار والإِعسار، والتوريث بالأنساب). ش: يعني: ومن خطاب الوضع الذي لا يشترط فيه العلم والقدرة: الطلاق بسبب الإضرار بالزوجة، والطلاق بسبب الإعسار (٣) بنفقة الزوجة، فإنه يقضى [على الزوج] (٤) بالطلاق بسبب الإضرار، أو بسبب (٥) الإعسار بالإنفاق وإن كان الزوج مجنونًا غير عالم ولا قادر، أي (٦): وإن كان زمنًا عاجزًا عن النفقة. وكذلك التوريث بالأنساب فيقضى بالتوريث للوارث وإن لم يعلم الوارث بموت الموروث (٧)، فإن الإنسان إذا مات له قريب (٨) دخلت التركة في ملكه بنفس موت قريبه، وإن لم (٩) يعلم الوارث، ولا كان (١٠) ذلك

стр. 879

بقدرته (١)، حتى لو كان في التركة من يعتق عليه لعتق (٢). قوله: (وقد يشترط في السبب العلم كإِيجاب الزنا للحد والقتل للقصاص). ش: هذا بيان خطاب الوضع الذي يشترط فيه علم المكلف، وهو القسم القليل المقابل للقسم الكثير المشار إليه بقوله (٣): وهو الخطاب بكثير من الأسباب، مفهومه أن هناك قسمًا قليلاً من خطاب الوضع يشترط فيه (٤) [علم المكلف وقدرته] (٥). مثله المؤلف بقوله: كإيجاب الزنا للحد، والقتل للقصاص، فإن من (٦) وطئ أجنبية يظنها (٧) زوجته لا حد عليه (٨)؛ لعدم علمه وإن وجب عليه الصداق. وكذلك من قتل رجلاً خطأ لا قصاص عليه، وإن وجبت عليه الدية

стр. 880

لعدم علمه وهذا الخطاب الذي يشترط فيه علم المكلف وقدرته من خطاب الوضع مطرد في نوعين: أحدهما: أسباب العقوبات. الثاني (١): أسباب انتقال الأملاك. أما أسباب العقوبات وهي الجنايات التي توجب العقوبة (٢) كالزنا والقتل وشرب الخمر، فلا بد فيها من العلم والقدرة، فإن من (٣) وطئ أجنبية يظنها زوجته فلا حد عليه - كما تقدم - لعدم (٤) العلم، وكذلك من قتل رجلاً خطأ فلا قصاص عليه؛ لعدم العلم، وكذلك من شرب خمرًا يظنه خلاً فلا حد عليه؛ لعدم العلم، وكذلك المكره (٥) على الزنا لا حد عليه؛ لعدم (٦) القدرة، وكذلك جميع الجنايات التي هي أسباب العقوبة يشترط فيها العلم والقدرة. وإنما اشترطوا العلم والقدرة في هذا النوع؛ لأن القاعدة الشرعية تقتضي ألا يعاقب من لم يقصد المفسدة ولم يشعر بها (٧) أو وقعت بغير كسبه؛ فلأجل ذلك اشترط العلم والقدرة في الجنايات التي توجب العقوبة (٨)، بخلاف

стр. 881

الجنايات (١) التي لا توجب العقوبة وإنما توجب الغرامة وهي الإتلافات، فإن من أتلف شيئًا يجب عليه غرمه، ولا يشترط فيه علمه ولا قدرته على التحرز من إتلافه، ولا فرق (٢) بين العمد والنسيان والعلم والجهل؛ إذ العمد والخطأ في أموال الناس سواء. والفرق بين الجنايات التي توجب العقوبة، والجنايات التي توجب الغرامة: أن العقوبة زاجرة، والغرامة جابرة، فأين إحداهما (٣) من الأخرى (٤)، فإن العقوبات (٥) من باب الزواجر، والغرامات (٦) من باب الجوابر، وشرعت الزواجر لدرء المفاسد المتوقعة، وشرعت الجوابر لاستدراك المصالح الفائتة، هذا بيان أحد (٧) القسمين اللذين يشترط فيهما علم المكلف وقدرته، وهو أسباب العقوبات. وأما القسم الثاني: وهو أسباب انتقال الأملاك في الأعيان والمنافع (٨)

стр. 882

والأبضاع (١) كالبيع، والإجارة، والقراض، والمساقاة، والجعالة (٢)، والعارية، والهبة، والصدقة، والوقف (٣) والوصية، وغير ذلك، مما هو سبب انتقال الأملاك، فلا بد في هذا القسم من العلم والقدرة والإرادة. فمن باع مثلاً وهو لا يعلم أن هذا اللفظ، أو (٤) هذا التصرف مثلاً يوجب انتقال الملك (٥) لكونه أعجميًا أو طارئًا على بلاد الإسلام فلا يلزمه البيع، وكذلك سائر العقود، وكذلك من أكره على البيع فباع بغير اختياره، وقدرته الناشئة عن داعية الطبيعة لا يلزمه البيع، وكذلك ما ذكر معه من العقود المذكورة. وإنما اشترطوا العلم والقدرة في هذا النوع لقوله ﵇: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" (٦)، ولا يحصل الرضى إلا مع الشعور

стр. 883

والإرادة والتمكن من التصرف. فتحصل مما ذكرنا أن قوله: (وقد يشترط في السبب العلم) أن ذلك السبب يطرد في نوعين: أسباب العقوبات (١). وأسباب الانتقالات. قال بعض الشراح: هذه (٢) الأسباب المستثناة من خطاب الوضع، أعني: أسباب العقوبات وأسباب انتقال الأملاك هي في (٣) التحقيق خطاب تكليف وليست بخطاب وضع؛ لأنها متعلقة بأفعال المكلفين؛ لأن حدود الجنايات لا تلزم إلا المكلفين خاصة، وكذلك عقود انتقال الأملاك لا تنعقد إلا على المكلفين خاصة؛ ولذلك اشترط فيها علم المكلف وقدرته (٤). قال المؤلف في القواعد (٥): قد يجتمع خطاب الوضع مع خطاب التكليف، وقد ينفرد كل واحد منهما بنفسه. فمثال اجتماعهما: أسباب العقوبات: كالزنا والسرقة، فمن حيث إنها

стр. 884

حرام: خطاب تكليف، ومن حيث إنها سبب للعقوبة: خطاب وضع. وكذلك أسباب انتقال الأملاك: كالبيع والصدقة، فمن (١) حيث إنها مباحة أو مندوبة (٢): خطاب تكليف، ومن حيث إنها سبب انتقال الملك (٣) خطاب وضع (٤). وقال غيره: و (٥) من أمثلة اجتماع الخطابين أيضًا: النكاح، والطلاق، والرجعة، والظهار (٦)، والإيلاء، واللعان، والخلع، والرضاع، والعتاق، والطهارة، والستارة في الصلاة وغير ذلك (٧). وهذه الأشياء كلها يشترط فيها العلم والقدرة (٧).

стр. 885

قال المؤلف في القواعد (١): مثال (٢) انفراد خطاب الوضع كالزوال أو طلوع (٣) الهلال، ودوران الحول ونحوها، فإنها خطاب الوضع؛ إذ ليس فيها أمر ولا نهي (٤) ولا إذن من حيث هي كذلك. ومثال انفراد خطاب التكليف كأداء الواجبات، واجتناب المحرمات: كإيقاع الصلاة (٥)، وترك المنكرات (٦). فإن الشرع لم يجعل هذه الأشياء سببًا لفعل آخر نؤمر به وننهى (٧) عنه، وإن (٨) كان الشرع قد جعلها سببًا لبراءة الذمة وترتيب الثواب ودرء العقاب؛ لأن هذه الأمور ليست أفعالاً للمكلف، ونحن لا نعني بكون (٩) الشيء سببًا إلا كونه وضع بسبب (١٠) الفعل من قبل المكلف (١١). وهذا الذي ذكره المؤلف في القواعد من انفراد خطاب التكليف مخالف لما ذكره في الشرح؛ لأنه (١٢) قال في الشرح: لا يتصور انفراد التكليف؛ إذ لا

стр. 886

تكليف إلا له سبب أو شرط أو مانع، وأبعد الأمور عن ذلك: الإيمان بالله تعالى (١) وهو سبب لعصمة الدم والمال، والكفر سبب لإباحتهما (٢). انتهى (٣). قال بعض الشراح: هذا المعنى أجنبي عن المسألة؛ لأن البحث إنما هو في (٤) كون الشيء في نفسه خطاب تكليف أو خطاب (٥) وضع لا أنه متوقف على خطاب (٦) الوضع، فما قال (٧) في القواعد هو الصواب والله أعلم. وقد تقدم لنا أن خطاب الوضع محصور في خمسة أشياء وهي: الأسباب، والشروط، والموانع، والتقادير الشرعية، والحجج عند القضاة (٨). أما الأسباب والشروط والموانع فقد تقدم بيانها. وأما التقارير الشرعية (٩) فهي محصورة في ستة أشياء: وهي:

стр. 887

تقريب البعيد، وتبعيد القريب، وإيجاد المعدوم، وإعدام الموجود، وتوحيد المتعدد، وتعديد المتحد (١). فمثال تقريب البعيد: كالبصاق؛ فإنه بعَّده الطبع ولكن قرَّبه الشرع. ومثال تبعيد القريب: كالخمر؛ فإنه قرَّبه الطبع وبعَّده الشرع. ومثال إيجاد المعدوم: كالحمل في الميراث. ومثاله أيضًا: تقدير ملك الدية للمقتول خطأ قبل موته ليصح فيها الإرث، وكذلك تقدير ملك (٢) العبد لمن قال لغيره: أعتق عبدك عني لتثبت (٣) له الكفارة والولاء. ومثال إعدام الموجود: كقاتل مورثه. ومثاله أيضًا: تعذر استعمال الماء للطهارة (٤) مع وجوده، وكذلك تقدير النجاسة المعفو عنها في حكم العدم كالدم القليل ودم البراغيث، وموضع الحدث في المخرجين وغير ذلك. ومثال توحيد المتعدد: كشهادة النساء في الأموال. قال الشيخ أبو محمد ﵀ (٥) في الرسالة: ولا تجوز شهادة النساء إلا في الأموال ومائة امرأة كامرأتين، وذلك كرجل واحد يقضي

стр. 888

[بذلك] (١) مع رجل أو مع اليمين فيما يجوز فيه شاهد ويمين (٢). ومثال تعديد المتحد: كالإمام الراتب. قال أبو محمد في الرسالة: والإمام الراتب يقوم مقام الجماعة (٣). قال المؤلف في القواعد: ولا يكاد باب من أبواب الفقه ينفك عن التقدير الشرعي، وقد بسطت ذلك في كتاب الأمنية في إدراك النية فطالعه (٤). وأما الحجج عند القضاة: فإنه (٥) إذا (٦) ثبت الحق بالإقرار، أو بالشهادة، أو بالشهادة واليمين، أو بغير ذلك وجب الحكم. قوله: (فإِذا (٧) تقرر هذا فنقول: السبب ما يلزم من وجوده الوجود

стр. 889

ومن عدمه العلم لذاته). ش: الإشارة بقوله: (هذا) تعود على المذكور كله، تقدير الكلام: فإذا تقرر توقف الخطاب الشرعي على الأسباب والشروط والموانع، وتقرر انحصار الخطاب في التكليفي والوضعي، وتقرر اشتراط العلم والقدرة في الخطاب التكليفي دون الوضعي فنقول: السبب ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته. السبب لغة (١): عبارة عما يتوصل به إلى مقصود ما، ومنه سمي الحبل سببًا (٢). ومنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ (٣) أي: بحبل إلى السقف وكذلك الطريق يسمى سببًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ (٤) أي: طريقًا بين الشرق (٥) والغرب (٦). وأما معناه في الاصطلاح (٧): فهو كما قرره المؤلف.

стр. 890

ويقال له في الاصطلاح: سبب وعلة وموجب، ومقتضى، [ومعرف، ومؤثر عند المعتزلة] (١). فقوله: (ما يلزم من وجوده الوجود ...) إلى آخره هذا الرسم ركبه المؤلف من جنس وثلاثة فصول:

стр. 891

فالجنس هو: "ما"، وهي واقعة على الوصف، أي: الوصف الذي يلزم من وجوب وجود الحكم الشرعي. الفصل الأول من الفصول الثلاثة: هو قوله: (يلزم من وجوده (١) الوجود). والفصل الثاني: هو قوله: (ومن (٢) عدمه العدم) أي: يلزم (٣) من عدمه عدم الحكم الشرعي والفصل الثالث: هو قوله: (لذاته) أي: لذات السبب، أي: لنفس السبب لا لأمر آخر خارج عن ذات السبب. قوله: (فالأول، احترازًا من الشرط، والثاني: احترازًا من المانع، والثالث: احترازًا من مقارنته فقدان الشرط أو وجود المانع فلا يلزم من وجوده الوجود، أو إِخلافه بسبب (٤) آخر فلا يلزم من عدمه العلم). ش: أراد بالأول قوله: ما يلزم من وجوده (٥) الوجود [أي: يلزم من وجود السبب وجود الحكم] (٦) كالنصاب يلزم من وجوده وجود (٧) وجوب الزكاة.

стр. 892

واحترز بذلك من الشرط؛ [لأن الشرط] (١) لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، كدوران الحول، فإن دوران الحول لا يلزم من وجوده وجود وجوب الزكاة ولا عدمه (٢). قوله (٣): (والثاني احترازًا من المانع) أراد بالثاني قوله: (ومن عدمه العدم)، واحترز بذلك: من المانع؛ فإن المانع (٤) لا يلزم منه شيء لا وجود ولا عدم، كالدين مانع (٥) للزكاة (٦)، فمن لا دين عليه [قد لا] (٧) تجب عليه الزكاة لعدم النصاب، وقد تجب لوجود [نصاب] (٨) حال عليه الحول. وقوله (٩): (والثاني: احترازًا من المانع) ولم يقل احترازًا من الشرط؛ لأن هذا الوصف شارك فيه الشرط السبب، والشرط (١٠) يلزم من عدمه العدم كالسبب (١١) دون المانع. [قوله: (والثالث) أراد به] (١٢) قوله لذاته واحترز به (١٣) من ثلاثة عوارض

стр. 893

وهي: مقارنته فقدان الشرط، أو وجود (١) المانع، أو خلافه (٢) بسبب آخر، عارضان لوجوده، وعارض لعدمه. وهذا القيد الثالث: مركب (٣) من نقيض القيد الأول، ومن نقيض القيد الثاني، فهو تتميم (٤) لهما معًا. وبيان ذلك: أن قوله يلزم من وجوده الوجود يعني: بالنظر (٥) إلى ذات السبب ما لم يعرض له أمر خارجي عنه. مثال ذلك العارض الخارج عن ذات السبب مقارنة السبب فقدان الشرط كنصاب (٦) لم يحل عليه الحول، فلا يلزم من وجود هذا السبب وجود (٧) وجوب (٨) الزكاة (٩)، ولكن ذلك لفقدان شرط الزكاة لا لنفس السبب. وكذلك إذا قارن السبب وجود المانع، كالدين، فلا يلزم من وجود السبب ها هنا وجوب الزكاة لوجود المانع الذي هو الدين لا لذات السبب. وإلى هذين المثالين أشار المؤلف (١٠) بقوله: (والثالث: احترازًا من

стр. 894

مقارنته فقدان الشرط أو وجود المانع فلا يلزم من وجوده الوجود) يعني: في الصورتين وهما: عدم الشرط، أو وجود المانع. قوله (١): (احترازًا من مقارنته فقدان الشرط أو وجود المانع) هذا راجع إلى قوله: يلزم من وجوده الوجود. قوله: (أو إِخلافه بسبب آخر فلا يلزم من عدمه العدم). ش: هذا راجع إلى قوله في السبب: ويلزم من عدمه العدم، يعني: أن سبب الحكم إذا عدم وأخلفه بسبب (٢) آخر [فلا يلزم من عدم ذلك السبب المعدوم عدم الحكم؛ لأن السبب الآخر] (٣) قام مقام المعدوم في وجود الحكم، كما إذا عدم الزنا مثلاً ووجد (٤) القذف، فلا يلزم من عدم الزنا عدم الحد؛ لأن القذف أخلفه في وجود الحد. وكذلك إذا عدمت الردة ووجد موجب القتل، كقتل (٥) العمد العدوان، فإن القتل يجب وإن عدمت الردة؛ لأن القتل الموصوف أخلف الردة في وجوب القتل. وكذلك إذا عدم القتل الموصوف ووجد ترك الصلاة عمدًا فإن القتل يجب، وكذلك إذا عدم البول ووجد (٦) الريح وجب الوضوء، ولا يلزم من

стр. 895

عدم البول عدم الوضوء؛ لأن وجود الريح أخلف البول في وجوب الوضوء، لأن الأسباب الشرعية يخلف بعضها بعضًا، ولا تنافي بين اقتضاء الشيء بالذات وبين تخلفه للعوارض (١)، كقولنا (٢): العالم جائز بالنسبة إلى ذاته. [وواجب] (٣) بالنسبة إلى تعلق علم الله تعالى (٤) وإرادته بإيجاده [وقد يكون السبب تعبديًا كالزوال سببًا للظهر، وقد يكون معقول (٥) المعنى كالإسكار سببًا لتحريم الخمر] (٦). قوله: (والشرط (٧) ما يلزم من عدمه العلم ولا يلزم من وجوده وجود

стр. 896

ولا عدم لذاته). ش: هذا الرسم ركبه المؤلف من جنس وثلاثة فصول: فالجنس قوله (١): "ما". والقيد الأول: هو قوله: (يلزم من عدمه العدم). والقيد الثاني: قوله (٢): (ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم). والقيد الثالث: هو قوله: (لذاته) أي: لنفس الشرط. قوله: (ما يلزم) أي: هو الوصف الذي يلزم من عدمه عدم الحكم الشرعي. و (٣) قوله: (يلزم من عدمه العدم) هذا القيد شارك فيه الشرط السبب؛ لأن كل واحد منهما يلزم من عدمه العدم، واحترز بذلك من المانع؛ لأن المانع لا يلزم من عدمه شيء. وقوله: (ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم) احترز به (٤) من شيئين وهما: السبب والمانع؛ لأن السبب يلزم من وجوده الوجود، والمانع يلزم من وجوده العلم، فالأول للأول، والثاني للثاني.

стр. 897

فقوله: (احترازًا من السبب) (١) راجع إلى قوله: (ولا يلزم من وجوده وجود). وقوله: (احترازًا من المانع) (٢) راجع إلى قوله: ولا عدم، أي: ولا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط ولا عدمه احترازًا من المانع؛ لأنه يلزم من وجوده (٣) عدم المشروط. وهذا الذي قررناه هو: معنى قوله: (فالأول احترازًا من المانع، والثاني احترازًا من السبب والمانع أيضًا). قوله: (والثالث احترازًا من مقارنته لوجود السبب، فيلزم الوجود عند وجوده قيام المانع فيقارن العدم) (٤). ش: المراد بالثالث: هو قوله: لذاته، واحترز بذلك من عارضين. أحدهما: مقارنة الشرط لوجود السبب. والعارض الآخر: مقارنة الشرط لوجود المانع. فإذا قارن الشرط وجود السبب فيلزم الحكم بوجود الشرط، لكن ذلك لعارض (٥) وهو مقارنته للسبب (٦).

стр. 898

مثال ذلك: الحول في الزكاة إذا قارنه وجود النصاب فإنه يلزم وجوب الزكاة، لكن لا لذات الشرط الذي هو وجود الحول، بل (١) لذات (٢) وجود السبب (٣) [الذي هو النصاب] (٤). وإلى هذا العارض أشار بقوله: (احترازًا) (٥) من مقارنته لوجود السبب فيلزم الوجود عند وجوده (٦). وإذا قارن الحول في الزكاة وجود الدين الذي هو المانع، فلا تجب الزكاة، ولكن ذلك لعارض وهو: وجود المانع لا لذات الشرط؛ لأن الشرط بالنظر إلى نفسه لا يلزم من وجوده شيء لا وجود ولا عدم، وإنما يأتي اللزوم من أمور خارجة عن ذات الشرط، ولا تنافي بين عدم اللزوم بالنظر (٧) إلى الذات وبين اللزوم بالنظر إلى الأمور الخارجية (٨) كما تقدم في السبب. قوله: (والمانع: ما يلزم من وجوده العدم (٩)، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته) (١٠).

стр. 899

ش: هذا الرسم مركب من جنس وثلاثة فصول وهي: القيود: فالجنس "ما" وهي: واقعة على الوصف الوجودي الظاهر. فالقيد الأول: هو قوله: (يلزم من وجوده العدم (١)). والقيد الثاني: هو قوله (٢): (ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم). والقيد الثالث: هو قوله: (لذاته). قوله: (فالأول احترازًا من السبب، والثاني: احترازًا من الشرط، والثالث: احترازًا من مقارنة عدمه لوجود السبب). ش: أراد بالأول قوله: (يلزم من وجوده العلم)، واحترز بذلك من السبب؛ لأنه يلزم (٣) من وجوده الوجود لا العدم. وأراد بالثاني قوله: (ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم) واحترز بذلك من الشرط؛ لأنه يلزم من عدمه العدم. وأراد بالثالث قوله: (لذاته) أي: لذات المانع، واحترز بذلك من عارض واحد وهو: مقارنة عدم المانع (٤) وجود السبب. مثال ذلك: إذا عدم الدين في الزكاة، وقارن ذلك وجود النصاب

стр. 900

ودوران الحول، فيلزم هنا (١) من عدم المانع: وجود الحكم الذي هو: وجوب (٢) الزكاة، وإنما يلزم من عدم المانع ها هنا وجود الحكم لأمر عارض خارجي عن ذات المانع لا بالنظر إلى ذاته، ولا تنافي بين عدم اللزوم بالنظر إلى الذات وبين اللزوم بالنظر إلى أمر خارجي كما تقدم. و (٣) قوله: (احترازًا من مقارنة عدمه لوجود السبب) فهذا راجع إلى قوله: (ولا يلزم من عدمه وجود) أي: إلا إذا قارن عدمه وجود السبب. انظر قوله: (فالأول: احترازًا من السبب) ظاهره: أن السبب هو: الذي خرج بهذا القيد دون الشرط، مع أن الشرط خرج به (٤) أيضًا؛ لأنه لا يلزم من وجوده شيء. وكذلك قوله: (والثاني: احترازًا من الشرط) ظاهره: أن الشرط هو الخارج بهذا القيد دون السبب مع أن السبب خرج به أيضًا (٥)؛ لأنه يلزم من عدمه العدم. قوله: (فالمعتبر من المانع وجوده ومن الشرط عدمه ومن السبب وجوده

стр. 901

وعدمه). ش: هذا بيان جهات تأثير كل واحد من الثلاثة، فذكر أن المعتبر من المانع: وجوده لا عبرة بعدمه؛ لأن تأثير المانع في وجوده. وأن المعتبر من الشرط: عدمه لا وجوده ولا عبرة بوجوده؛ لأن (١) تأثير الشرط في عدمه. وأن المعتبر من السبب: وجوده وعدمه معًا؛ لأن تأثير (٢) السبب في وجوده وعدمه. قوله: (فالمعتبر من المانع وجوده ...) إلى آخره تقديره: فالذي يؤثر من المانع وجوده خاصة، والذي يؤثر من الشرط عدمه خاصة، والذي يؤثر من السبب وجوده وعدمه جميعًا. فتأثير المانع في الوجود (٣)، وتأثير الشرط في العدم، وتأثير السبب في الوجود والعدم معًا. قال بعض الأشياخ (٤): المانع مانعان: مانع الحكم، ومانع السبب، والشرط شرطان: شرط الحكم، وشرط السبب. وبيان ذلك في المانع: أن وجود المانع إن كان مستلزمًا لحكمة تقتضي

стр. 902

نقيض حكم (١) السبب (٢) مع بقاء حكمة السبب فهو: مانع الحكم. مثاله: الأبوَّة في باب القصاص، فإنها تمنع القصاص مع وجود السبب الذي هو القتل العمد العدوان؛ لأن الأبوة تستلزم حكمة تقتضي عدم القصاص، وهي: الجناية الطبيعية، فامتنع العدم ها هنا وهو القصاص لمانع (٣) الأبوة مع بقاء حكمة السبب وهو (٤) الزجر. وإن كان وجود المانع يخل بحكمة السبب فهو: مانع السبب. مثاله (٥): الدَّين في الزكاة فإنه يمنع الزكاة مع وجود النصاب؛ لأنه يخل بالمعنى الموجب (٦) للزكاة وهو: الغنى فهو مانع السبب، والأول مانع الحكم. وبيان ذلك في الشرط: أن عدم الشرط إن كان مستلزمًا لحكمة تقتضي نقيض حكم السبب مع بقاء حكمة السبب فهو: شرط الحكم (٧). مثاله: الطهارة في الصلاة؛ فإن عدم الطهارة يقتضي (٨): عدم الثواب مع وجود سببه الذي هو الإتيان بالصلاة؛ لأن عدم الطهارة يستلزم عدم (٩)

стр. 903

الثواب [الذي هو: نقيض الحكم] (١) [الذي هو الثواب] (٢) مع بقاء حكمة السبب (٣) وهو التوجه إلى الله تعالى بالصلاة، فهذا شرط في الحكم. وإن كان عدم الشرط مستلزمًا لعدم حكمة السبب أي: مخلاً بحكمة السبب فهو: شرط السبب. مثاله: القدرة على التسليم في باب البيع (٤) فإنها شرط صحة البيع الذي [هو] (٥) سبب ثبوت الملك؛ لأن حكمة البيع هو: الانتفاع بالمبيع، فعدم القدرة على التسليم مستلزم لعدم الانتفاع بالمبيع الذي هو (٦) حكمة السبب. فتحصل مما ذكرنا أن شرط الحكم ما اقتضى عدمه نقيض حكم السبب [مع بقاء حكمة السبب] (٧) كعدم الطهارة في الصلاة مع الإتيان بمسماها. وشرط السبب ما أخلّ عدمه بحكمة السبب، كعدم القدرة على التسليم في البيع. ومانع الحكم بيانه (٨): ما اقتضى وجوب نقيض حكم السبب مع بقاء

стр. 904

حكمة السبب كالأبوة في القصاص. ومانع السبب: ما أخل وجوده بحكمة السبب كالدين في الزكاة فإنه يخل بحكمة ملك النصاب فأشبه الفقير. قوله: (فوائد خمس: الأولى: الشرط وجزاء (١) العلة كلاهما يلزم من عدمهما (٢) العدم، ولا يلزم من وجودهما وجود (٣) ولا عدم فهما يلتبسان، والفرق بينهما: أن جزء العلة مناسب في (٤) ذاته (٥)، والشرط مناسب في غيره، كجزء النصاب فإِنه مشتمل على بعض الغنى في ذاته، ودوران الحول ليس فيه شيء من الغنى، وإِنما هو مكمل للغنى الكائن في النصاب). ش: هذه الفوائد ناشئة ومتفرعة عن الفصل المتضمن لتوقف الأحكام على موجباتها من الأسباب والشروط (٦) والموانع، فذكر في هذه الفائدة الأولى: الفرق بين الشرط وجزء العلة بعد الجمع بينهما؛ فإن كل واحد منهما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود (٧) ولا عدم. وبيان ذلك: أن بعض نصاب الزكاة يلزم من عدمه عدم الزكاة كما يلزم من عدم جميع النصاب، وكذلك دوران الحول يلزم من عدمه عدم الزكاة.

стр. 905

فذكر المؤلف أن الفرق بين جزء السبب وهو المراد بجزء العلة مناسب في ذاته أي: في نفسه، أي: مقصود في ذاته، أي: متضمن (١) لحكمة التعليل في نفسه، وأما الشرط فهو مشتمل على حكمة التعليل في (٢) غيره، والمراد بالمناسب هو المتضمن للحكمة، أي: المقتضي لحكمة الحكم، والمراد بالعلة السبب ويقال: الأمارة، والداعي، والباعث، والحامل، والمناط، والدليل، والمقتضي، والموجب، والمعرّف، والمؤثر، فهذه اثنا عشر لقبًا. قوله: (كجزء (٣) النصاب) فإن بعض النصاب مشتمل على الحكمة بنفسه (٤)، والحكمة (٥) هي: الغنى؛ لأن (٦) الغنى (٧) هو: سبب مشروعيتها - أعني: مشروعية الزكاة -، وأما الحول فليس فيه شيء من الغنى وإنما هو مكمل ومتمم ومكثر للحكمة الكائنة في النصاب. فتبين أن الفرق بينهما: أن جزء السبب مشتمل على الحكمة في ذاته، والشرط مشتمل على الحكمة في غيره، فإن جزء السبب مشتمل على الحكمة الكائنة في ذاته، والشرط مشتمل على الحكمة الكائنة في غيره أي: الكائنة في سببه لا في نفسه.

стр. 906

قوله: (الثانية: إِذا اجتمعت أجزاء العلة ترتب الحكم (١)، وإِذا اجتمعت العلل المستقلة ترتب الحكم (٢)، فما الفرق بين الوصف الذي هو جزء علة (٣)، وبين (٤) الذي هو علة مستقلة؟ والفرق أن الذي هو: جزء (٥) العلة إِذا انفرد لا يترتب (٦) معه الحكم كأحد أوصاف القتل العمد العدوان، فإِن المجموع سبب (٧) للقصاص (٨) وإِذا انفرد جزء (٩) العلة (١٠) لا يترتب (١١) عليه قصاص (١٢)، والوصف الذي هو علة مستقلة إِذا اجتمع مع غيره ترتب الحكم، وإِذا انفرد ترتب معه (١٣) أيضًا، كإِيجاب الوضوء على من لامس وبال ونام، وإِذا انفرد أحدها وجب الوضوء (١٤)).

стр. 907

ش: واعلم أن تلخيص (١) ما ذكره المؤلف ها هنا: أن الحكم إذا رتبه الشرع على أوصاف وناطه بها؛ فإما أن تكون تلك الأوصاف كلها مناسبة ليستقل الحكم بكل (٢) واحدة (٣) منها، وإما أن تكون كلها مناسبة لا يستقل الحكم بكل واحد منها وإنما يستقل بمجموعها، وإما أن يكون بعضها مناسبًا وبعضها غير مناسب، فهذه ثلاثة أقسام (٤). فإن كانت كلها مناسبة استقل الحكم بكل واحد منها فهي علل مستقلة، أي: علل مجتمعة كإيجاب الوضوء من البول، واللمس، والنوم. وإن كانت كلها مناسبة لا يستقل الحكم إلا بمجموعها فهي أجزاء علة، كإيجاب القصاص من القتل العمد العدوان فهي أجزاء علة، إذ مجموعها هو العلة. وأما القسم الثالث: وهو أن يكون بعض الأوصاف مناسبًا ويكون البعض غير مناسب، فالمناسب إما علة مستقلة (٥) أو جزء علة، وغير المناسب إما شرط تام وإما جزء شرط، والمراد بالمناسب ما تضمن تحصيله مصلحة أو درء مفسدة، فالمناسب أبدًا هو: السبب، وغير المناسب هو: الشرط، وإنما جعل شرطًا لتوقف الحكم عليه.

стр. 908

قوله: (الثالثة: الحكم كما يتوقف على وجود سببه يتوقف على (١) وجود شرطه فيم (٢) يعلم كل واحد منهما يعلم (٣) بأن السبب مناسب في ذاته، والشرط مناسبته (٤) في غيره كالنصاب؛ فإِنه (٥) مشتمل على الغنى في ذاته، ودوران الحول ليس فيه شيء من الغنى، وإِنما هو مكمل (٦) لحكمة الغنى (٧) في النصاب بالتمكن من التنمية) (٨). ش: ذكر في هذه الفائدة الجمع والفرق بين السبب والشرط، ففرق بينهما بالمناسبة وعدمها وذلك بيّن (٩). قوله: (الرابعة: الموانع الشرعية على ثلاثة أقسام: منها ما يمنع ابتداء الحكم واستمراره، ومنها ما يمنع ابتداءه فقط، ومنها ما اختلف فيه؛ هل

стр. 909

يلحق بالأول أو بالثاني. فالأول: كالرضاع يمنع ابتداء (١) النكاح واستمراره إِذا طرأ عليه. والثاني: كالاستبراء يمنع ابتداء النكاح ولا يبطل استمراره إِذا طرأ عليه. والثالث: كالإِحرام (٢) بالنسبة إِلى وضع اليد على الصيد فإِنه يمنع من وضع اليد على الصيد ابتداء، فإِن طرأ على الصيد فهل تجب (٣) إِزالة (٤) اليد (٥) عنه (٦) أم لا (٧)؟ فيه خلاف بين العلماء. وكالطول يمنع من نكاح الأمة ابتداء، فإِن طرأ عليه فهل يبطله أم لا (٨)؟ فيه (٩) خلاف (١٠). و (١١) كوجود الماء يمنع التيمم ابتداء، فإِن (١٢) طرأ عليه (١٣) فهل يبطله أم

стр. 910

لا؟ (١) فيه (٢) خلاف (٣)). ش: ذكر في هذه الفائدة الرابعة تنويع المانع وتقسيمه، فنوعه ثلاثة أنواع، فمثل النوع الأول وهو: المانع من الابتداء والاستمرار: بالرضاع؛ لأن رضيعة الإنسان لا يجوز له أن يتزوجها (٤) ابتداء، وكذلك إذا طرأ الرضاع على النكاح كإذا تزوج بنتًا (٥) فترضعها أمه فتصير أخته فتحرم عليه (٦). وكذلك إذا تزوج بنتًا فترضعها امرأته فإن دخل بتلك المرضعة الكبيرة حرمتا الكبيرة عليه معًا الكبيرة والصغيرة، وإنما تحرم عليه الكبيرة؛ لأنها أم امرأته وقد دخل بها، وإنما تحرم عليه الصغيرة لأنها بنته (٧) بلبنه (٨)، فإن لم يدخل بالكبيرة المرضعة حرمت الكبيرة خاصة؛ لأنها أم امرأته ولا تحرم الصغيرة (٩).

стр. 911

ومثّل المؤلف النوع الثاني وهو المانع للابتداء خاصة دون الاستمرار بالاستبراء، فإن المعتدة لا يجوز عقد النكاح عليها صونًا لماء الغير من الاختلاط، فإن طرأ الاستبراء على النكاح مثل: أن توطأ امرأة متزوجة بغصب أو بزنًا أو بشبهة، فإنها تستبرأ من هذا الماء الفاسد (١)، ليتبين هل يكون منه (٢) ولد فيلحق بالغير في وطء الشبهة، أو تلاعن منه في الزنا ولا يبطل النكاح بهذا الاستبراء فقد قوي الاستبراء على منع المبادي [وما قوي] (٣) على قطع التمادي (٤). ومثّل المؤلف النوع الثالث وهو المانع المختلف فيه بثلاثة أمثلة: المثال الأول: الإحرام؛ فإنه يمنع من وضع اليد على الصيد ابتداء، فإن طرأ الإحرام على الصيد كأن يحرم وعنده صيد صاده قبل الإحرام، فهل يجب (٥) عليه إزالة اليد عنه وإطلاقه؟ فيه خلاف بين العلماء.

стр. 912

المثال الثاني: في وجود الطول؛ فإنه يمنع من نكاح الأمة ابتداء، فإن تزوجها وهو غير واجد للطول [ثم حدث الطول] (١) عنده، فهل يبطل نكاح الأمة أم لا (٢)؟ فيه خلاف. المثال الثالث: وجود الماء؛ فإنه يمنع من التيمم ابتداء، فإن طرأ وجود الماء بعد التيمم فهل يبطل التيمم أم لا؟ فيه خلاف (٣). قوله: (الخامسة: الشروط اللغوية أسباب، لأنها (٤) يلزم من وجودها الوجود، ومن عدمها العدم، بخلاف الشروط العقلية كالحياة مع العلم، والشرعية كالطهارة مع الصلاة، والعادية كالغذاء مع الحياة في بعض الحيوانات (٥)). ش: ذكر المؤلف [في هذه الفائدة تنويع الشروط، وقسمه على أربعة أقسام (٦): لغوي، وعقلي، وشرعي، وعادي. وفي] (٧) هذه (٨) الفائدة تنبيه على أن الشرط الذي حده أولاً إنما هو غير

стр. 913

الشرط اللغوي، وأما الشرط اللغوي [وهو الذي بصيغة إن وأخواتها] (١) فلا يتناوله الحد المذكور في حقيقة الشرط، وإنما يتناوله الحد الذي ذكره في السبب؛ لأن الشرط اللغوي يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم كالسبب. فإذا قلت: إن دخلت الدار فأنت حر، فهذا شرط لغوي يلزم من وجود الدخول وجود الحرية (٢) [ومن عدم الدخول عدم الحرية] (٣) وذلك شأن السبب، بخلاف الشروط العقلية، والشرعية والعادية، فلا يلزم من وجودها الوجود كشرطية الحياة مع العلم؛ إذ لا يلزم من وجود الحياة وجود العلم؛ لأن الإنسان قد يحيى جاهلاً، وكشرطية (٤) الطهارة مع الصلاة؛ إذ لا يلزم من وجود الطهارة وجود صحة الصلاة لاحتمال عدم الصلاة بالكلية أو يصليها بغير شرط أو ركن، وكشرطية الحياة مع الغذاء، إذ لا يلزم من وجود الحياة وجود الغذاء. قال المؤلف في الشرح: وقولي: في بعض الحيوانات احترازًا مما يحكى عن الحيات أنها تمكث تحت الأرض في الشتاء بغير غذاء، وقيل: تتغذى بالتراب فلا يحترز عنها حينئذ. انتهى نصه (٥).

стр. 914

وقال (١) بعضهم: احترز بقوله: (في بعض الحيوانات) من الحيات في الشتاء، والحلزوني (٢) في الصيف. وقال بعضهم: احترز به من بعض أولياء الله (٣)؛ فإنهم يمكثون [أزمانًا] (٤) عديدة من غير طعام ولا شراب (٥). وبالله التوفيق. ...

стр. 915

الفصل السادس عشر [في الرخصة والعزيمة] (١) [قوله] (٢): (الرخصة: جواز الإِقدام على الفعل مع اشتهار المانع منه شرعًا). ش: هذا الفصل (٣) مناسب لما قبله؛ لأن الرخصة من جملة الأحكام الوضعية. ذكر المؤلف في هذا الفصل أربعة مطالب: أحدها (٤): حقيقة الرخصة. والثاني: حقيقة العزيمة. والثالث: أقسام الرخصة. والرابع: أقسام أسبابها (٥). أما حقيقة الرخصة لغة: فهي التيسير والتسهيل، يقال: رخص السعر إذا
следующие страницы →