← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14313

رفع النقاب عن تنقيح الشهاب

الحسين الشوشاوي

Полный текст (3 461 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

ومثّل المؤلف النوع الثاني وهو المانع للابتداء خاصة دون الاستمرار بالاستبراء، فإن المعتدة لا يجوز عقد النكاح عليها صونًا لماء الغير من الاختلاط، فإن طرأ الاستبراء على النكاح مثل: أن توطأ امرأة متزوجة بغصب أو بزنًا أو بشبهة، فإنها تستبرأ من هذا الماء الفاسد (١)، ليتبين هل يكون منه (٢) ولد فيلحق بالغير في وطء الشبهة، أو تلاعن منه في الزنا ولا يبطل النكاح بهذا الاستبراء فقد قوي الاستبراء على منع المبادي [وما قوي] (٣) على قطع التمادي (٤). ومثّل المؤلف النوع الثالث وهو المانع المختلف فيه بثلاثة أمثلة: المثال الأول: الإحرام؛ فإنه يمنع من وضع اليد على الصيد ابتداء، فإن طرأ الإحرام على الصيد كأن يحرم وعنده صيد صاده قبل الإحرام، فهل يجب (٥) عليه إزالة اليد عنه وإطلاقه؟ فيه خلاف بين العلماء.

стр. 912

المثال الثاني: في وجود الطول؛ فإنه يمنع من نكاح الأمة ابتداء، فإن تزوجها وهو غير واجد للطول [ثم حدث الطول] (١) عنده، فهل يبطل نكاح الأمة أم لا (٢)؟ فيه خلاف. المثال الثالث: وجود الماء؛ فإنه يمنع من التيمم ابتداء، فإن طرأ وجود الماء بعد التيمم فهل يبطل التيمم أم لا؟ فيه خلاف (٣). قوله: (الخامسة: الشروط اللغوية أسباب، لأنها (٤) يلزم من وجودها الوجود، ومن عدمها العدم، بخلاف الشروط العقلية كالحياة مع العلم، والشرعية كالطهارة مع الصلاة، والعادية كالغذاء مع الحياة في بعض الحيوانات (٥)). ش: ذكر المؤلف [في هذه الفائدة تنويع الشروط، وقسمه على أربعة أقسام (٦): لغوي، وعقلي، وشرعي، وعادي. وفي] (٧) هذه (٨) الفائدة تنبيه على أن الشرط الذي حده أولاً إنما هو غير

стр. 913

الشرط اللغوي، وأما الشرط اللغوي [وهو الذي بصيغة إن وأخواتها] (١) فلا يتناوله الحد المذكور في حقيقة الشرط، وإنما يتناوله الحد الذي ذكره في السبب؛ لأن الشرط اللغوي يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم كالسبب. فإذا قلت: إن دخلت الدار فأنت حر، فهذا شرط لغوي يلزم من وجود الدخول وجود الحرية (٢) [ومن عدم الدخول عدم الحرية] (٣) وذلك شأن السبب، بخلاف الشروط العقلية، والشرعية والعادية، فلا يلزم من وجودها الوجود كشرطية الحياة مع العلم؛ إذ لا يلزم من وجود الحياة وجود العلم؛ لأن الإنسان قد يحيى جاهلاً، وكشرطية (٤) الطهارة مع الصلاة؛ إذ لا يلزم من وجود الطهارة وجود صحة الصلاة لاحتمال عدم الصلاة بالكلية أو يصليها بغير شرط أو ركن، وكشرطية الحياة مع الغذاء، إذ لا يلزم من وجود الحياة وجود الغذاء. قال المؤلف في الشرح: وقولي: في بعض الحيوانات احترازًا مما يحكى عن الحيات أنها تمكث تحت الأرض في الشتاء بغير غذاء، وقيل: تتغذى بالتراب فلا يحترز عنها حينئذ. انتهى نصه (٥).

стр. 914

وقال (١) بعضهم: احترز بقوله: (في بعض الحيوانات) من الحيات في الشتاء، والحلزوني (٢) في الصيف. وقال بعضهم: احترز به من بعض أولياء الله (٣)؛ فإنهم يمكثون [أزمانًا] (٤) عديدة من غير طعام ولا شراب (٥). وبالله التوفيق. ...

стр. 915

الفصل السادس عشر [في الرخصة والعزيمة] (١) [قوله] (٢): (الرخصة: جواز الإِقدام على الفعل مع اشتهار المانع منه شرعًا). ش: هذا الفصل (٣) مناسب لما قبله؛ لأن الرخصة من جملة الأحكام الوضعية. ذكر المؤلف في هذا الفصل أربعة مطالب: أحدها (٤): حقيقة الرخصة. والثاني: حقيقة العزيمة. والثالث: أقسام الرخصة. والرابع: أقسام أسبابها (٥). أما حقيقة الرخصة لغة: فهي التيسير والتسهيل، يقال: رخص السعر إذا

стр. 916

تيسر وسهل (١). وأما حقيقتها في الاصطلاح (٢) فكما قال المؤلف. وإنما أتى المؤلف بهذا الحد؛ لأن الإمام فخر الدين قال في المحصول: الرخصة جواز الإقدام مع قيام المانع (٣)، ثم رأى المؤلف أن هذا الحد غير مانع؛ لأنه يتناول جميع الواجبات من الصلوات (٤) الخمس، والصيام، والجهاد، والحج، والحدود، والتعزيرات وغيرها؛ لأن في جميعها جواز الإقدام مع قيام المانع منها. [والمانع منها] (٥) هو (٦): الظواهر المقتضية لمنع وجوبها؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٧).

стр. 917

وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم﴾ (٣). وقوله ﵇: "لا ضرر ولا ضرار" (٤).

стр. 918

وتلك الظواهر كلها تقتضي منع وجوب هذه الواجبات علينا؛ إذ في ذلك

стр. 919

حرج وعسر وضرر وإهانة للصورة الإنسانية المكرمة، المقومة (١)، المعظمة، وذلك يقتضي ألا يكلف الإنسان المشاق والمضار، ولكن في (٢) هذه الواجبات من المصالح العاجلة والمثوبات الآجلة [ما لا ينبغي أن يترك في مقابلة راحة الإنسان العاجلة، وهذه المثوبات الآجلة] (٣) هي العوارض التي لأجلها خولفت ظواهر هذه النصوص المذكورة (٤). فلما رأى المؤلف اندراج الواجبات المذكورة في حد الإمام عدل عنه إلى قوله: (جواز الإِقدام على الفعل مع اشتهار المانع) (٥) فقيد المانع بالشهرة

стр. 920

ولم (١) يطلق المانع كما أطلقه الإمام فخر الدين ليخرج به الأمور المذكورة الواردة على حد الإمام. قال المؤلف في الشرح: وأريد باشتهار المانع الشرعي نفور الطبع الجيد السليم عند سماع قولنا: أكل فلان الميتة للجوع، أو شرب (٢) الخمر للغصة، أو أكل في رمضان لمرض أو سفر أو نحو ذلك، ولا ينفر أحد عند سماع قولنا: صلى فلان أو صام فلان أو أقيم الحد على فلان أو (٣) نحو ذلك (٤). فقوله: (جواز الإِقدام على الفعل مع اشتهار المانع) تقديره: جواز الإقدام على الفعل مع نفور الطبع السليم عن (٥) ذلك. قال المؤلف في الشرح: هذا الحد فاسد؛ لأنه غير جامع لخروج رخص عديدة منه، ولم ألتهم (٦) إليها حين ذكري لهذا الحد كالإجارة، والقراض، والمساقاة، والسلم، فإن الإجارة رخصة من بيع المعدوم الذي لا يقدر على تسليمه، والقراض والمساقاة رخصة من أجرة مجهولة، والسلم رخصة من

стр. 921

الغرر بالنسبة إلى المرئي، [وأكل الصيد رخصة (١) من منع أكل الحيوان المشتمل (٢) على (٣) دمائه فيكفي فيه الجرح والخدش] (٤). وهذه الأمور غير مندرجة تحت (٥) الحد؛ إذ لا ينفر أحد إذا ذكر له ملابسة هذه الأمور (٦). قال المؤلف في الشرح: والذي استقر عليه حالي أني عاجز عن ضبط الرخصة بحد جامع مانع (٧). واعترض بعضهم هذا الحد (٨) [الذي حد به المؤلف الرخصة ها هنا] (٩) بالمناقض (١٠)؛ لأن جواز (١١) الإقدام على الفعل يقتضي جواز الإقدام، وقوله: (مع اشتهار المانع منه) أي: من الإقدام على الفعل يقتضي منع الإقدام وذلك أمر متناقض. قال: وأحسن ما قيل في حد الرخصة قول جمال الدين أبي عمرو بن

стр. 922

الحاجب قال في حدها: "المشروع لعذر مع قيام المحرم لولا العذر" (١). قوله: (المشروع) يندرج فيه الفعل والترك؛ لأن الرخصة تكون بالترك كما تكون بالفعل كترك بعض الصلاة في حق المسافر. وقوله: (لعذر) احترازًا من المشروع لا لعذر وهو كثير. وقوله: (مع قيام المحرم) أي: المحرم للفعل أو الترك احترازًا من المشروع لعذر مع عدم قيام المحرم، كالإطعام عند فقد الرقبة مي الظهار لاستحالة التكليف بإعتاق الرقبة عند عدمها، بل الظهار سبب لوجوب العتق في حالة، ولوجوب الإطعام في حالة أخرى (٢). قال الغزالي - رحمه الله تعالى (٣) -: التيمم لفقد الماء ليس برخصة (٤) لاستحالة التكليف باستعمال الماء عند عدمه، بخلاف أكل الميتة للمضطر وشرب الخمر عند الإكراه (٥)، وأما التيمم مع وجود الماء لعدم القدرة على الاستعمال فإنه رخصة (٦). وقوله: (لولا العذر) أي: المحرم إنما (٧) يحرم عند عدم العذر (٨)، وأما

стр. 923

مع وجود العذر فلا يحرم، فالعذر (١) رافع (٢) للتحريم، فلم يجمع المشروعية مع التحريم. قوله: (والعزيمة طلب الفعل الذي لم يشتهر فيه مانع شرعي). ش: هذا هو المطلب الثاني وهو حقيقة العزيمة وهي ضد الرخصة. العزيمة: [مأخوذة] (٣) من العزم وهو: الطلب المؤكد (٤) فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٦) لتأكد طلبهم الحق، هذا معناها لغة. وأما في الاصطلاح (٧): فقال الإمام في المحصول: هي جواز الإقدام مع عدم المانع (٨). قال المؤلف في الشرح: هذا الحد غير مانع؛ لأنه يندرج (٩) فيه أكل

стр. 924

الطيبات ولبس الليِّنات، لجواز الإقدام عليها، وليس فيها مانع مع أنها ليست من العزائم؛ إذ لا طلب فيها؛ لأن العزيمة مأخوذة من العزم، وهو: الطلب المؤكد فيه. ولذلك (١) زدت في حدي: طلب الفعل مع عدم اشتهار المانع [الشرعي، فقيد الطلب يخرج أكل الطيبات ونحوها. وقيد اشتهار المانع] (٢) يخرج (٣) الرخصة إذا طلبت (٤) كأكل المضطر الميتة (٥)؛ [لأن أكل المضطر الميتة] (٦) [فيه] (٧) طلب الفعل مع اشتهار المانع الشرعي، وقصدت أصل الطلب. ولم أعين الوجوب لأن المالكية قالوا: إن السجدات المندوبة للسجود عند (٨) تلاوتها عزائم، [قالوا: عزائم] (٩) القرآن إحدى عشرة سجدة، فذكرت الطلب ليندرج المندوب والواجب. انتهى نصه (١٠).

стр. 925

قال الغزالي [رحمه الله تعالى] (١): العزيمة (٢) هي ما لزم العباد بإيجاب الله تعالى (٣) كالعبادات الخمس ونحوها. فعلى هذا التفسير لا تكون العزيمة إلا في الواجبات دون المندوبات، وعلى تفسير المؤلف تكون في الواجب والمندوبات (٤)؛ لأن الطلب أعم منها (٥) (٦).

стр. 926

قوله: (ثم الرخصة قد تنتهي إِلى الوجوب (١) كأكل المضطر الميتة (٢) وقد لا تنتهي كإِفطار المسافرين (٣)). ش: هذا هو المطلب الثالث في أقسام الرخصة، فلها ثلاثة أقسام: واجبة. ومندوبة. ومباحة. فالواجبة نحو أكل المضطر [الميتة إذا خاف على نفسه الهلاك، وكذلك إفطار الصائم] (٤) إذا خاف على نفسه الهلاك من شدة العطش، أو الجوع (٥). والمندوبة (٦): كالقصر في السفر. والمباحة: كالفطر في السفر (٧).

стр. 927

قوله: (وقد لا تنتهي) يعني: إلى الوجوب، فيندرج فيه القسمان وهما: المندوبة والمباحة. قوله: (كإِفطار المسافر (١)) (٢) وفي نسخة أخرى: كإفطار الصائم، كإذا طرأ على الصائم عذر (٣) يشق معه الصيام، أو إذا (٤) أراد التقوي على جهاد العدو. واعترض قوله: (الرخصة تنتهي إِلى الوجوب)؛ لأنها إذا انتهت إلى الوجوب فهي عزيمة لا رخصة. أجيب عنه: بأن الوجوب في هذه الحالة أمر عارض، والأصل إنما هو جواز الإقدام مع قيام المانع، فلم تخرج الرخصة عن أصلها بهذا الاعتبار. قوله: (وقد يباح سببه (٥) كالسفر، وقد لا يباح كالغصة لشرب (٦) الخمر). ش: هذا هو المطلب الرابع في تقسيم أسباب الرخصة، فذكر المؤلف أن سبب الرخصة قسمان: مباح. وغير مباح.

стр. 928

فمثال المباح: السفر الجائز، فإنه مبيح للفطر بإجماع، وإنما الخلاف في الأفضل هل الصوم أو الفطر (١)، فيجوز للإنسان إنشاء السفر طلبًا للترخص بالفطر (٢). ومثال غير المباح: الاغتصاص لشرب الخمر. قال المؤلف في الشرح (٣): وقولي: وقد لا يباح سببها كالغصة لشرب الخمر إن (٤) أريد به أنه لا يباح لأحد أن يغص نفسه حتى يشرب الخمر، ولا لغير شرب الخمر، بل الغصة حرام مطلقًا. انتهى نصه (٥). [لأن ذلك يؤدي إلى الهلاك، قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٦)] (٧). قال ابن القصار في عيون المجالس (٨): من اضطر إلى شرب الخمر فلا يشربها ولا يتداوى بها، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز له ذلك.

стр. 929

انظر: ابن عبد السلام (١) في جناية الشرب (٢). ...

стр. 930

الفصل السابع عشر في الحُسن والقُبح (١) ش: مقصود المؤلف بهذا الفصل أن يبين أن العقل لا مجال له في إدراك شيء من أحكام الله تعالى لا بتحسين ولا بتقبيح. قال جمال الدين ابن الحاجب: لا يحكم العقل بأن الفعل حسن أو قبيح في حكم الله تعالى (٢). وفي هذا الفصل مطلبان: أحدهما: تلخيص محل النزاع بين أهل السنة وأهل الاعتزال في هذا الفصل. والثاني: بيان حكم الأشياء قبل ورود الشرائع.

стр. 931

أما تلخيص محل النزاع: فقد ذكر المؤلف أن الحسن والقبح له ثلاثة استعمالات وهي: قوله: (حسن الشيء وقبحه يراد به (١): ما يلائم الطبع (٢) وينافره كإِنقاذ الغرقى، وإِيلام (٣) الأبرياء، وكونهما (٤) صفة كمال أو نقص نحو: العلم حسن، والجهل قبيح، وكونهما (٥) موجبين (٦) للمدح أو الذم (٧) الشرعيين، فالأولان (٨) عقليان إِجماعًا، والثالث شرعي عندنا لا يعلم ولا يثبت إِلا بالشرع، فالقبيح ما نهى الله (٩) عنه، والحسن ما لم ينه عنه، وعند المعتزلة: هو (١٠) عقلي لا يفتقر إِلى ورود الشرائع، بل العقل يستبد (١١) بثبوته (١٢) قبل الرسل). ش: فذكر المؤلف في هذا الكلام أن الحسن والقبح له ثلاثة (١٣)

стр. 932

استعمالات أحدها: موافقة الطبع ومخالفته. وهو معنى قوله: (ما يلائم الطبع وينافره) (١)، فالملاءمة هي الموافقة، والمنافرة: هي المخالفة. مثله المؤلف بـ (إِنقاذ الغرقى، وإِيلام الأبرياء)، فإن إنقاذ الغريق من البحر يوافقه الطبع؛ لأنه ينشرح له ويفرح به، وإيلام البريء من الجناية أي عقاب البريء من الجناية يخالفه الطبع، لأنه يتألم منه الاستعمال الثاني: كونهما صفة كمال أو نقص، مثّله المؤلف بقوله: (العلم حسن، والجهل قبيح)، وكذلك قولك: الإيمان حسن، والكفر قبيح، وكذلك قولك: الجود حسن، والبخل قبيح وغير ذلك. الاستعمال الثالث: كونهما موجبين للمدح والذم الشرعيين (٢) كإيجاب الإيمان الجنة، وايجاب الكفر النار، فهذه ثلاثة استعمالات. قوله: (فالأولان: عقليان إِجماعًا) يعني: أن القسمين الأولين من هذه الثلاثة وقع الإجماع والاتفاق بين أهل السنة وأهل الاعتزال على أن العقل يستقل بإدراكها من غير ورود الشرائع، فيدرك العقل أن الحسن موافق للطبع، وأن القبيح مخالف للطبع، وأن العلم كمال، وأن الجهل نقصان.

стр. 933

قوله: (والثالث: شرعي عندنا). يعني: أن القسم الثالث هو محل النزاع، وهو: كون الفعل يوجب الندم (١) أو الذم الشرعيين، فهو عند أهل السنة شرعي أي: لا يعلم ولا يثبت إلا بالشرع، وهو عند أهل الاعتزال عقلي، أي: يعلم بالعقل، ولا يفتقر إلى ورود الشرائع (٢).

стр. 934

وبيان ذلك: أن من أنقذ غريقًا ففي فعله أمران: أحدهما: كون الطبع السليم ينشرح له، وهذا عقلي باتفاق. والأمر الثاني: كونه يثيبه (١) الله على ذلك [في الآخرة] (٢) وهذا محل النزاع. وكذلك من غرق إنسانًا ظلمًا فيه أيضًا أمران: أحدهما: كون الطبع السليم يتألم منه، وهذا عقلي اتفاق (٣) أيضًا.

стр. 935

والأمر الثاني: كونه يعاقبه الله (١) تعالى (٢). وهذا محل النزاع: قال أهل السنة: لا يعلم بالعقل ولا يعلم إلا بالرسل، فإن الثواب والعقاب والأحكام الشرعية وأحوال يوم القيامة لا يعلم شيء من ذلك إلا بالرسل. وقال أهل الاعتزال: يعلم ذلك بالعقل، فيوجبون بالعقل خلود الكفار (٣) وأصحاب الكبائر في النار (٤) (٥)، ويوجبون دخول المؤمنين الجنة، وخلودهم فيها، وغير ذلك مما أوجبوه بالعقل؛ إذ هو عندهم من باب العدل؛ لأن العقل عندهم يستبد بثبوته قبل الرسل. ومستندهم في هذه المسألة أن الله تعالى حكيم، والحكيم يستحيل عليه إهمال المصالح والمفاسد، أي: يستحيل عليه إهمال المفاسد فلا يحرمها، وإهمال المصالح فلا يأمر بها، فيكون كل ما ثبت بعد الشرع فهو ثابت قبله؛ لأنه لو لم يثبت قبله لوقع (٦) إهمال المفاسد والمصالح (٧)، وهذا معنى قوله: (بل العقل يستبد بثبوته قبل الرسل)، ومعنى هذا الاستقلال عندهم: أن

стр. 936

العقل أدرك أن الله تعالى (١) حكم (٢) بتحريم المفاسد، وإيجاب المصالح وليس العقل هو الموجب والمحرم، بل الموجب والمحرم هو الله تعالى وذلك عندهم يجب له لذاته لكونه حكيمًا، كما يجب له لذاته لكونه (٣) عليمًا (٤). وأهل السنة يقولون: معنى كونه حكيمًا كونه متصفًا بصفات الكمال من العلم العام التعلق والقدرة العامة، التأثير والإرادة النافذة، أي العامة النفوذ لا بمعنى أنه يراعي المفاسد والمصالح، بل له تعالى أن يضل الخلق أجمعين وله أن يهديهم أجمعين، وله أن يهدي البعض، ويضل البعض، وله أن يفعل في ملكه ما يشاء [ويحكم ما يريد، فكل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل، والخلائق دائرون بين فضله وعدله (٥). قال الله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٦)] (٧). وقال تعالى (٨): ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٩).

стр. 937

قوله: (فالقبح (١) ما نهى الله عنه، والحسن ما لم ينه عنه (٢)). ش: هذا تفسير القبيح والحسن عند أهل السنة. وقيل: القبيح ما نهى الله عنه (٣) والحسن ما أمر الله به (٤). وقيل: القبيح ما أمرنا بذم فاعله، والحسن ما أمرنا بمدح فاعله. وقالت المعتزلة: القبيح ما اشتمل على صفة لأجلها يستحق فاعلها الذم، والحسن ما ليس كذلك. والمراد بالصفة عندهم هي (٥) المفسدة، فقول المؤلف: الحسن ما لم ينه عنه هو: قول المعتزلة: [الحسن ما ليس كذلك] (٦). فالحسن على هذا تندرج (٧) فيه أفعال الله تعالى؛ لأنها لم ينه عنها، وكذلك أفعال غير المكلفين، والساهي (٨) والغافل، والنائم، والمجنون، والصبي، والبهيمة؛ لأنها لم ينه عنها، وتندرج (٩) في الحسن جميع الواجبات، والمندوبات، والمباحات. [واعترض على من قال: الحسن ما أمر به: فإنه غير جامع لخروج

стр. 938

المباحات وأفعال الله تعالى (١) منه، وأفعال غير المكلفين؛ لأنها غير مأمور بها (٢)] (٣). واعترض على من قال: الحسن ما أمرنا بمدح (٤) فاعله: بأنه غير جامع؛ لخروج المباح منه (٥)، وفعل غير المكلف، وحد المؤلف أولى؛ لأنه يعم (٦) الجميع. قوله: (وإِنما الضرائع مؤكدة لحكم العقل فيما علمه ضرورة كالعلم بحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار، أو نظرًا كحسن الصدق (٧) الضار، وقبح الكذب النافع (٨)، أو مظهرة لما لم يعلمه (٩) العقل ضرورة ولا نظرًا، كوجوب (١٠) صوم (١١) آخر يوم من رمضان وتحريم صوم (١٢) أول يوم من شوال). ش: لما ذكر المؤلف أن المعتزلة [قالوا (١٣): يستبد العقل بثبوت الأحكام

стр. 939

قبل ورود الرسل استشعر (١) [سؤال] (٢) قائل يقول: ما (٣) فائدة الشرائع عندهم إذًا؛ حيث استقل العقل بإدراك ما جاءت به الشرائع؟ فقال: وإنما الشرائع مؤكدة (٤) لحكم العقل ... إلى آخره. فذكر المؤلف أن الفعل على مذهب المعتزلة ينقسم على ثلاثة أقسام: منه ما يدركه العقل بضرورته. ومنه ما يدركه العقل بنظره. ومنه ما لا يدركه العقل لا بضرورته ولا بنظره، وإنما يدرك بالسمع. وبيان ذلك: أن ما علمت مصلحته، ولم تقابله مفسدة علم حسنه ضرورة، كحسن الصدق النافع؛ لأن كونه صدقًا جهة حسن (٥)، و (٦) كونه نفعًا جهة حسن أيضًا، وما علمت مفسدته ولم تقابله مصلحة علم قبحه ضرورة كقبح الكذب الضار؛ لأن كونه كذبًا جهة قبح، وكونه ضرر (٧) جهة قبح أيضًا [ولا مدخل للنظر في هذين القسمين عندهم لاتحاد جهة الحسن واتحاد (٨) جهة القبح] (٩).

стр. 940

وما تعارضت فيه المصلحة والمفسدة فهو: محل النظر والتفكر (١) والتدبر، والتأمل، والاجتهاد [كحسن الصدق الضار، وقبح الكذب النافع (٢)، وإنما يحتاج العقل ها هنا إلى النظر] (٣) والاجتهاد لاحتمال ترجيح المصلحة على المَفسدة فيقضى بالحسن، أو ترجيح (٤) المفسدة على المصلحة فيقضى بالقبح، أو تستوي (٥) الحالتان فيجب التوقف، فلا بد من النظر في كل صورة حتى يقضي بحسنها، أو بقبحها، أو يتوقف (٦) فيها. قوله: (كحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار) (٧). مثال ذلك: إذا سألك رجل عمن طلبه بحق، وأنت تعلم موضعه فإن صدقت في إخبارك بموضعه كان صدقًا نافعًا، وإن كذبت كان كذبًا ضارًا. ومثال الصدق (٨) الضار، وقبح الكذب النافع: إذا سألك الرجل عمن طلبه بظلم فإن صدقت في إخبارك بموضعه كان صدقًا ضارًا، وإن كذبت كان كذبًا نافعًا، فهذا محل النظر عند العقل لتردده بين أصلين، [فهذا بيان القسمين] (٩) الضروري والنظري.

стр. 941

وأما القسم الثالث الذي لا يدرك بالعقل، وإنما يدرك بالسمع كوجوب صوم آخر يوم من رمضان، وتحريم أول يوم (١) من شوال، وكذلك جميع العبادات، فلا يقدر العقل على إدراك الفرق بين الأوقات المعينة للعبادات، وبين غيرها من سائر الأوقات، ولا يدرك ذلك إلا بالشرع، فالشرائع عندهم مظهرة في هذا القسم للحكم الثابت بالعقل، [قبل] (٢) ورود الشرع، والشرائع مؤكدة في القسمين المعلومين للعقل بضرورته (٣) أو بنظره (٤). قوله: (وعندنا الشرع الوارد منشئ (٥) للجميع). ش: يعني: أن مذهب أهل السنة أن الشرائع هي المنشئة، أي المبتدئة لجميع الأحكام الثلاثة، ولا مجال فيها للعقل، لا فرق بين ما علمه ضرورة أو نظرًا، ولا فيما لم (٦) يعلمه لا ضرورة ولا نظرًا. قوله: (وعندنا (٧) الشرع الوارد منشئ للجميع) هو تكرار لقوله: (والثالث شرعي عندنا لا يعلم، ولا يثبت إِلا بالشرع)، وإنما كرره ليركب (٨)

стр. 942

عليه [المسألة الثانية؛ لأنها لازمة عنه] (١) وهي (٢) قوله: (فعلى رأينا لا يثبت حكم قبل الشرع). قوله: (فعلى رأينا لا يثبت حكم قبل الشرع). ش: أي لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود الشرع عندنا. قوله: (خلافًا للمعتزلة في قولهم أن كل ما ثبت (٣) بعد الشرع فهو ثابت قبله). ش: يعني: أن المعتزلة قالوا: الأفعال (٤) التي يقضي العقل بها (٥) بحسن أو قبح، وهي: الواجب، والمحظور، والمندوب، والمكروه، والإباحة (٦) وهي ثابتة قبل ورود الشرع. وأما الأفعال التي لا يقضي العقل فيها بحسن ولا قبح فقد اختلفوا فيها على أربعة أقوال: الوجوب (٧)، والتحريم، والإباحة، والوقف، ذكرها سيف الدين الآمدي (٨).

стр. 943

ولم يذكر المؤلف فيها إلا قولين: الحظر والإباحة خاصة. قوله: (وخلافًا للأبهري (١) من أصحابنا القائل بالحظر مطلقًا، وأبي الفرج (٢) القائل بالإِباحة مطلقًا). ش: هذا هو المطلب الثاني في حكم الأفعال (٣) قبل ورود الشرع، فذكر المؤلف فيها لأهل السنة ثلاثة أقوال: أحدها التوقف، أي: لا حكم فيها حتى يرد الشرع، وهو قوله: (فعلى رأينا لا يثبت حكم (٤) قبل الشرع) وهذا قول الجمهور.

стр. 944

القول الثاني: أنها على الحظر مطلقًا أي: لا فرق بين ما اطلع العقل، وما لم يطلع عليه، وهو قوله: (خلافًا للأبهري من أصحابنا القائل بالحظر مطلقًا). القول الثالث: أنها على الإباحة مطلقًا ولا فرق (١) بين ما اطلع العقل عليه، وما لم يطلع عليه، وهو قوله: (وأبي الفرج القائل بالإِباحة مطلقًا). قوله: (وكذلك قال بقولهما جماعة من المعتزلة فيما لم يطلع العقل على حاله (٢) كآخر يوم من رمضان). ش: يعني أن جماعة من المعتزلة قالوا بالحظر كما قال الأبهري وقال جماعة من المعتزلة أيضًا (٣) بالإباحة كما قال أبو الفرج المالكي ولكن إنما قالت بالحظر وإلإباحة في الأفعال (٤) التي لم يطلع العقل على حالها، أي: على مصلحتها، أى: لم يطلع على حسنها، ولا قبحها كوجوب صوم آخر يوم من رمضان، وتحريم صوم (٥) أول (٦) يوم من شوال وغير ذلك من العبادات وأما ما اطلع العقل على حسنه وقبحه فقد انقسم عندهم إلى الأقسام الخمسة، وذلك أن ما حسنه العقل فإن استوى فعله وتركه في النفع والضر

стр. 945

فهو مباح، فإن ترجح فعله على تركه ولحق الذم (١) بتركه فهو واجب، وإن لم يلحق الذم على تركه فهو مندوب، وما قبحه العقل إن (٢) ترجح تركه على فعله والتحق الذم بفعله فهو حرام، وإن لم يلحق الذم على فعله فهو مكروه، كما تقدمت (٣) الإشارة [إليه] (٤) بقوله: خلافًا للمعتزلة في قولهم أن كل ما ثبت بعد الشرع فهو ثابت قبله (٥). قوله: (وكذلك قال بقولهما جماعة من المعتزلة فيما لم يطلع العقل على حاله كآخر يوم من رمضان (٦)) (٧). مفهومه أن ما اطلع العقل على حاله ليس كذلك، وهو كذلك؛ لأن ما اطلع العقل على مصلحته من حسن أو قبح، يحكمون فيه بمقتضى العقل عندهم كإنقاذ الغريق، وعقاب البريء، وإطعام الجوعان (٨)، وإكساء العريان، وإرواء العطشان، وإغاثة الملهوف، وإنما هذا الخلاف المذكور

стр. 946

للمعتزلة بالحظر والإباحة مخصوص عندهم بما لم يطلع العقل على مصلحته. ودليل من قال من المعتزلة بالحظر (١) فيما لم يطلع العقل على حاله: أن الإقدام على ذلك تصرف في ملك الغير بغير إذنه فلا يجوز عقلاً وعرفًا كما في الشاهد في أخذ مال الغير. وأجيب عنه: بأن عدم جواز التصرف في ملك الغير مبني على السمع، والسمع معدوم. ودليل القائلين من المعتزلة بالإباحة (٢) فيما لم يطلع العقل على حاله: أن الله تعالى خلق الأشياء وخلق العباد لينتفعوا بها، فدل ذلك على الإباحة بمنزلة تقديم الطعام بين يدي إنسان. وأجيب عنه: بأنه لا نسلم أن الله تعالى خلق الأشياء للانتفاع لجواز أن يكون خلقها ليصبر (٣) عنها. وأما دليل الأبهري من أصحابنا القائل بالحظر مطلقًا؛ فقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ (٤). مفهومه أن المتقدم قبل التحليل هو التحريم.

стр. 947

وكذلك قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ (١) مفهومه أنها كانت قبل ذلك محرمة، فدل ذلك على أن الأشياء قبل الشرع على الحظر. أجيب (٢) عن الاستدلال بالآيتين: أن الثابت في دليل الخطاب إنما هو النقيض لا الضد، ونقيض الحلية عدم الحلية، وعدم الحلية أعم من التحريم، فالدال على الأعم غير دال على الأخص (٣). وأما دليل أبي الفرج المالكي القائل بالإباحة مطلقًا: فقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (٥). وذلك يدل على الإذن في الجميع. وأجيب عن الاستدلال بالآيتين بأنه يحتمل أن يكون خلقها للاعتبار لا للتصرف فيها (٦)، أي: ليعتبر بها (٧) ويستدل (٨) بها على وجود الخالق، ووحدانيته، وقدمه، وبقائه، وصفاته جل وعلا لا ليتصرف فيها. قال المؤلف في الشرح: من قال من أهل السنة بأن الأشياء قبل الشرع

стр. 948

على الحظر أو على الإباحة غير موافق من قال [من المعتزلة] (١) بالحظر أو الإباحة؛ لأن مدرك أهل السنة الدليل السمعي، ومدرك أهل الاعتزال الدليل العقلي، فلو لم ترد الأدلة المذكورة لأهل السنة قالوا (٢): لا علم لنا بتحريم، ولا تحليل، وأما أهل الاعتزال فإنهم يقولون: دليل العقل هو مدركنا فلا يضرنا عدم ورود الشرائع (٣). قوله: (لنا قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٤) نفى التعذيب قبل البعثة فينتفي ملزومه وهو الحكم). ش: هذا دليل أهل السنة على إبطال (٥) الحسن والقبح العقليين، وهو الاستدلال بنفي اللزوم على نفي الملزوم (٦). وتقرير هذا الدليل أن يقال: لو ثبت التكليف قبل بعثة الرسل لثبت لازمه وهو: التعذيب؛ لأن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوِت اللازم، لكن التعذيب منتفٍ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٧)، فإذا انتفى اللازم الذي هو التعذيب انتفى الملزوم الذي هو: الحكم وهو: التكليف؛ لأن نفي اللازم يقتضي انتفاء الملزوم فيقتضي ذلك ألاَّ حكم قبل البعثة (٨).

стр. 949

قال المؤلف في الشرح: الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ لا يتم إلا بمقدمتين، فإنه لا يلزم من نفي التعذيب نفي (١) التكليف لاحتمال أن يكون المكلف أطاع فلا تعذيب، مع أن التكليف واقع، أو يكون المكلف عصى، ولكن وقع العفو عنه بفضل الله، أو بالشفاعة، فلا بد من مقدمتين لينتهض (٢) الاستدلال بالآية: المقدمة الأولى: قولنا: لو كلفوا قبل البعثة لعصوا (٣) عملاً بالغالب، فإن الغالب على العالم العصيان، لقوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٥). المقدمة الثانية: قولنا: لو عصوا (٦) لعذبوا عملاً بالأصل؛ لأن الأصل ترتب المسبب على سببه، فالعصيان (٧) سبب التعذيب، فترتيب القياس إذًا: لو كلفوا لعصوا، ولو عصوا لعذبوا، فالعذاب لازم لازم التكليف، ولازم اللازم لازم، فانتفاء اللازم الآخر (٨) يقتضي: انتفاء الملزوم الأول، فيلزم من انتفاء العذاب قبل البعثة انتفاء التكليف قبل البعثة، وهذا معنى قولي: نفي

стр. 950

التعذيب قبل البعثة، فينتفي ملزومه وهو الحكم. انتهى (١). قوله: (فينتفي ملزومه) أي: ملزوم التعذيب بواسطة العصيان؛ لأنه يلزم من انتفاء لازم اللازم انتفاء الملزوم الأول. كما يقال: يلزم من انتفاء شرط الشرط انتفاء المشروط الأول، كما إذا (٢) قلنا: الخطبة شرط في صلاة الجمعة، والطهارة شرط في الخطبة، يلزم (٣) من انتفاء الطهارة في الخطبة انتفاء الصلاة. قوله: (احتجوا بأنا نعلم بالضرورة حسن الإِحسان، وقبح الإِساءة). ش: هذا دليل المعتزلة القائلين: بأن العقل يعرف الحسن والقبيح، ولا يفتقر إلى ورود الشرع؛ لأن كل عاقل يعلم بضرورة عقله حسن الإحسان، وقبح الإساءة، وذلك أمر ذاتي للعقل من غير نظر [إلى شرع] (٤) ولا عرف، ولو لم يكن ذلك أمرًا ذاتيًا للعقل لما كان الأمر كذلك. قوله: (قلنا: محل الضرورة مورد الطباع، وليس محل النزاع). ش: هذا جواب المؤلف عن دليل المعتزلة. قال المؤلف في الشرح: ومعنى ذلك: أن العقل إنما أدرك حسن الإحسان من جهة أنه ملائم للطبع لا (٥) من جهة أنه يثاب عليه، وقبح الإساءة من جهة منافرتها للطبع، لا من جهة أنه يعاف عليها، والضرورة حينئذ إنما هي في
следующие страницы →