← Фикх общий

Фикх общий · id 143157

الاختيارات الفقهية لمحمد بن داود الصيدلاني

خالد بن عبد الله عفيف

Полный текст (638 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يجب عليه رد قيمته. ٧. القياس على الخلع؛ فإنه عقد لا يفسد بجهالة العوض، فلا يفسد بتحريمه، فكذلك في مسألتنا. ٨. القياس على المهر المغصوب؛ فإن فساده لا يوجب فساد العقد. ٩. ولأن كل نكاح صح بالمهر الصحيح صح بالمهر الفاسد، كما لو أصدقها عبدًا فبان حرًا. أدلة القول الثاني (١): ١. لأنه عقد نكاح بمهر فاسد فوجب أن يكون باطلًا كالشغار (٢). ونوقش:

стр. 107

أ- أن نكاح الشغار لم يبطل بفساد المهر، وإنما بطل بالتشريك؛ فعلة النهي الاشتراك في البضع، لأن بضع كل منهما يصير مورد العقد، وجعل البضع صداقًا مخالف لإيراد عقد النكاح ومقتضاه (١). ب- في الشغار إنما نهى عن النكاح نفسه لا عن الصداق، ولو كان عن الصداق لكان النكاح ثابتًا، ولها مهر مثلها (٢). ٢. ولأنه عقد معاوضة ببدل فاسد، فوجب أن يكون باطلًا كالبيع (٣). ونوقش: بأن البيع يبطل بترك الثمن، فبطل بفساده، والنكاح لا يبطل بترك المهر، فلم يبطل بفساده (٤). دليل القول الثالث: لم أجد لهم دليلًا منصوصًا، ولعله نفس أدلة القول الثاني. الترجيح: الذي يظهر -والله أعلم- رجحان قول الجمهور؛ أنّ النكاح صحيح ويجب مهر المثل؛ وذلك لقوة أدلتهم، وسلامتها في الجملة من النقاش، وإمكان مناقشة أدلة الأقوال الأخرى. * * *

стр. 108

المسألة الثانية الحكم فيما إذا قال: "أصدقتكِ هذا العصير"، وكانت خمرًا مشوبةً بالماء . هذه المسألة فيما إذا سمى حلالًا فبان حرامًا. اختيار الإمام الصيدلاني: "إذا قال: "أصدقتكِ هذا العصير"، فإذا الخمرُ مشوبةٌ بالماء، فنعتبر عصيرًا على قدرها. والجملة أنَّا نقدر تلك الشدة حلاوة، إذ لو لم نفعل هذا فالعصير مجهول. نص على ما ذكرتُه الصيدلاني" (١). لم أجد كلامًا للفقهاء على هذه المسألة إلا ما ذكره الإمام الجويني ﵀ في نهاية المطلب. الحكم: نرجع إلى قيمة قدره عصيرًا (٢). التعليل: لأن العصير هنا ليس من ذوات الأمثال، فنرجع إلى القيمة (٣). * * * المسألة الثالثة: إذا طلّق زوجته قبل الدخول والمسيس، وكان المهر عينًا، وتلف الصداق في يد الزوجة بعد الطلاق، ولم تعتد . ليس في المسألة اختيار للصيدلاني، وإنما جاء في نهاية المطلب (٤): "هذا ما ذكره الصيدلاني". * * *

стр. 109

المسألة الرابعة: حكم دخول البيت الذي فيه الصور الممنوعة (١). ١. لا يخفى أن الصور نوعان: أصور غير ذوات الروح من المخلوقات النامية منها: (كالأشجار والنباتات)، وغير النامية منها: (كالجبال والأحجار والأفلاك ونحوها). ب صور ذوات الروح (إنسان أو حيوان). ٢. مذهب جماهير السلف والخلف على جواز صور غير ذوات الروح (٢). ٣. صور ذوات الروح أنواع منها المجسمة والسطحية والمعلقة والممتهنة، فقد اختلف أهل العلم في الممنوع منها والجائز. ومسألتنا في حكم دخول البيت الذي فيه الصور الممنوعة (٣). اختلف العلماء فيها على قولين (٤): القول الأول: أنه يحرم دخول البيت الذي فيه صور ذوات الروح لمن لا يستطيع إزالة المنكر، مالم تكن ممتهنه، أو ممحوة الرؤوس، أو ناقصة عضو من الأعضاء التي لا تبقى الحياة بدونها. وهذا هو قول بعض الشافعية (٥)، وبعض الحنابلة (٦). القول الثاني: أن دخول البيت الذي فيه صور ذوات الروح مكروه: وإليه ذهب

стр. 110

الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وبعض الشافعية (٣)، واختاره الصيدلاني (٤). أدلة القول الأول: وقد استدل أصحاب هذا القول على تحريم الدخول بما يلي: أولًا: عموم الأدلة الدالة على تحريم الصور، واتخاذها، وما ورد في ذلك من الوعيد على المصورين، والمتخذين لها، والدخول إلى تلك الأماكن فيه مخالفة تلك الأدلة إلا من يدخلها مغيرًا للمنكر، إن كان له قدرة على ذلك (٥). ثانيًا: أن امتناع دخول الملائكة إلى بيت فيه صورة أو كلب دليل على تحريم دخول تلك الأماكن التي فيها الصور المحرمة (٦). ونوقش: بأنَّ كون الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة لا يوجب تحريم دخوله علينا، كما لو كان فيه كلب (٧).

стр. 111

ثالثًا: أن وضع الصور في البيوت فيه تشبُّه بعبّاد الصور، والأصنام، والدخول إلى هذه البيوت - مع العلم بما فيها- فيه إقرارٌ لصاحب المنكر على منكره، ومشاركة في الإثم (١). رابعًا: أن الرسول ﷺ امتنع من الدخول إلى بيت عائشة ﵂ حينما رأى الستر الذي كان فيه الصور؛ فعن عائشة ﵂ أنها اشترت نمرقة (٢) فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله ﷺ قام على الباب فلم يدخل فعرفَت في وجهه الكراهية، فقالت: يا رسول الله، أتوب إلى الله وإلى رسوله فماذا أذنبت؟ فقال رسول الله ﷺ : «ما بال هذه النمرقة؟ » فقالت: اشتريتها لك، تقعد عليها وتوسدها، فقال رسول الله ﷺ : "إن أصحاب هذه الصور يعذبون، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم"، ثم قال: «إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة» (٣). وامتنع من الدخول أيضًا إلى بيت علي بن أبي طالب ﵁ بسبب التصاوير قال علي ﵁: "صنعت طعامًا، فدعوت النبي ﷺ فجاء، فدخل، فرأى سترًا فيه تصاوير، فخرج وقال: «إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تصاوير" (٤). ولو لم يكن دخول البيت الذي فيه الصور محرمًا لما امتنع النبي ﷺ من الدخول، رغم تأكد إجابة دعوة المسلم، إذا دعاه أخوه المسلم. خامسا: أن الامتناع من الدخول إلى أماكن الصور هو فعل الصحابة ﵃؛

стр. 112

فقد امتنع عمر من الدخول إلى كنائس النصارى لأجل الصور التي فيها، وقال: «إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور» (١)، وامتنع أبو مسعود عقبة بن عمرو من الدخول إلى البيت حتى كسرت الصورة (٢)، وغير ذلك كثير. أدلة القول الثاني: وأدلتهم على كراهة دخول المكان الذي فيه صورة هي أدلة أصحاب القول الأول نفسها، سواء بسواء، وإنما اختلفوا في أخذ الحكم من تلك الأدلة، فمنهم من رأى أنها تدل على التحريم، وهم أصحاب القول الأول، ومنهم من رأى أنها تدل على الكراهة فقط، وهم أصحاب القول الثاني (٣). يمكن مناقشة ذلك: بأن مقتضى الأدلة هو القول بالتحريم، وليس الكراهة، وذلك لما فيه من الوقوع في التشبه بعباد الأوثان، والأصنام، والحرمان من دخول الملائكة إلى تلك الأماكن، وكون ذلك الصنيع من أقوى الوسائل المفضية إلى الشرك (٤). الترجيح: الذي يظهر -والله أعلم -جواز دخول مكان فيه صور لمن استطاع تغيير المنكر، وأما من لم يستطع فلا يجوز له الجلوس ما لم يترتب عليه مفسدة أعظم. فعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة، أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما من الأزلام، فقال النبي ﷺ : "قاتلهم

стр. 113

الله، لقد علموا: ما استقسما بها قط" (١). وعن جابر بن عبد الله ﵄ "أن النبي ﷺ نهى عن الصور في البيت، ونهى الرجل أن يصنع ذلك، وأن النبي ﷺ أمر عمر بن الخطاب زمن الفتح، وهو بالبطحاء، أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، ولم يدخل البيت حتى محيت كل صورة فيه" (٢). والدخول في هذه الأماكن بدون إنكار المنكر، أو تحقق مصلحة فيه مشاركة في الإثم، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (٣). قال القرطبي ﵀: " ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم" (٤). * * *

стр. 114

المطلب الثالث: القَسْم وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: إذا اجتمعت الرقيقة والحرة تحت حر، وكان القسم ليلتين للحرة وليلة للأمة فجرى العتق للأمة في الليلة الثانية، فأراد الزوج أن يفارق الحرة في بقية تلك الليلة ويبيت عند صاحبٍ له، ثم يبيت عند العتيقة ليلة ويدور إلى الحرة بليلة ويدير النوبتين كذلك. المسألة الثانية: إذا قالت للزوج: وهبت نوبتي منك، فضعها حيث تشاء، وخَصِّصْ بها من تشاء من زوجاتك الأخريات. فهل له تخصيص واحدة بنوبة الواهبة؟ المسألة الثالثة: من سافر وأخذ أحد زوجاته بالقرعة ثم بلغ البلد الذي يقصده، فلو نوى الإقامة أربعة أيام، فهل عليه قضاء الليالي لزوجاته الباقيات؟

стр. 115

القَسْم: القَسْم: هو تسوية الزوج بين الزوجات في المأكول والمشروب والملبوس والبيتوتة (١). وقال بعضهم: هو توزيع الزمان على زوجاته (٢). المراد بالقسْم هنا: العدل بين الزوجات في البيتوتة (٣). وقد اتفق الفقهاء ﵏ على وجوب العدل في القسمة بين الزوجات (٤). وقد ثبت من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ كان له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة أحد شقيه (٥) مائل". وفي رواية "وشقُّه ساقط" (٦). "والقَسْم مشروع للعدل والاجتناب عن التفضيل الموحش، فلا يجوز للزوج تفضيل

стр. 116

امرأة على امرأة بفضلتها بخصال شريفة، حتى يسوي بين المسلمة، والكتابية، لاستوائهما في مقاصد النكاح، وأحكامه، ولا يترك هذا الأصل إلا بشيئين: أحدهما: التفاوت في الرق والحرية، واجتماع الحرة والأمة في نكاح الحر إنما يتصور بأن ينكح حرة على أمة، وأما العبد فإنه يجمع بين حرة وأمة كيف شاء وبين أمتين، ويجوز أن يعتق فينكح عليهما حرتين. السبب الثاني: تجدّد النكاح، فإذا نكح بكرًا جديدة بات عندها سبعًا، وعند الثيب ثلاثا" (١). وقبل بحث المسألة أُبيِّن بعض النقاط: ١ - ذهب جمهور الفقهاء ﵏ (٢) إلى أن الأصل في القسم وعماده الليل لمن معاشه نهارًا؛ لأن الليل للسكن والإيواء، يأوي فيه الرجل إلى منزله، ويسكن إلى أهله، وينام في فراشه مع زوجته عادة، والنهار وقت العمل لكسب الرزق والانتشار في الأرض طلبًا للمعاش، وقد يكثر العمل في يوم ويقل في آخر، والضبط فيه عسر بخلاف الليل قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ (٤). وإن دخل الزوج في نوبة إحدى زوجاته على غيرها نهارًا فإنه يجوز لحاجة؛ لأنه يتسامح فيه ما لا يتسامح في الليل، فيدخل لوضع متاع ونحوه كتسليم نفقة وتَعرُّف خبر وعيادة. وأما من كان عمله ليلًا وكان النهار سكنه كالحارس ونحوه يكون قسمه في النهار؛

стр. 117

لأنه وقت سكونه، وأما الليل فإنه وقت عمله (١). وقال الحنفية: يقيم عند كل واحدة منهن يومًا وليلة، لكن إنما تلزمه التسوية في الليل وليس المراد أن يضبط زمان النهار، فبقدر ما عاشر فيه إحداهما يعاشر الأخرى، بل ذلك في البيتوتة، وأما النهار ففي الجملة؛ يعني لو مكث عند واحدة أكثر النهار كفاه أن يمكث عند الثانية ولو أقل منه بخلافه في الليل (٢). ٢ - "النهار يدخل في القَسْم تبعًا لليل؛ بدليل ما روي أن سودة وهبت يومها لعائشة. متفق عليه (٣). وقالت عائشة «قبض رسول الله ﷺ في بيتي، وفي يومي» (٤). وإنما قبض النبي ﷺ نهارًا. ويتبع اليوم الليلة الماضية؛ لأن النهار تابع لليل، ولهذا يكون أول الشهر الليل ولو نذر اعتكاف شهر دخل معتكفه قبل غروب شمس الشهر الذي قبله، ويخرج منه بعد غروب شمس آخر يوم منه، فيبدأ بالليل، وإن أحب أن يجعل النهار مضافًا إلى الليل الذي يتعقبه جاز؛ لأن ذلك لا يتفاوت" (٥). ٣ - مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة ﵏: أنَّ مَنْ تحته حرة

стр. 118

وأمة يقسم للأمة على النصف من الحرة (١). ومذهب المالكية ﵏: أن الزوجة الأمة كالحرة في وجوب القسم في المبيت والتسوية بينهما فيه (٢). ٤ - أن الأمة إنما تستحق القسم إذا استحقت النفقة، بأن كانت مسلّمة للزوج ليلًا ونهارًا كالحرة، وحق القسم لها لا لسيدها فهي التي تملك إسقاطه؛ لأن معظم الحظ في القسم لها كما أن خيار العيب لها لا له (٣). المسألة الأولى: إذا اجتمعت الرقيقة والحرة تحت حر، وكان القسم ليلتين للحرة وليلة للأمة، فجرى العتق للأمة في الليلة الثانية، فأراد الزوج أن يفارق الحرة في بقية تلك الليلة ويبيت عند صاحبٍ له، ثم يبيت عند العتيقة ليلة ويدور إلى الحرة بليلة ويدير النوبتين كذلك . تحرير المسألة (٤): لو طرأ عتق الأمة، فإما أن يكون الابتداء بالحرة؛ فتكون سابقة في القَسْم وإما أن يكون الابتداء بالأمة. ففي الحالة الأولى: أن يكون الابتداء بالحرة. فإما أن تعتق في نوبة الحرة، وإما في نوبة الأمة. فإن كان في نوبة الحرة إما أن يكون العتق في ليلتها الأولى أو الثانية. الحالة الثانية: بدأ بالأمة فعتقت في نوبتها. ومسألتنا فيما إذا كانت البداية في القَسْم بالحرة، وقد عتُقَت الأمة في نوبة الحرة، وقد جرى العتق أثناء الليلة الثانية، فللزوج ثلاث أحوال: الأولى: أن يتم الليلة، ثم يمكث عند العتيقة ليلتين.

стр. 119

الثانية: أن يدخل على العتيقة في نصف الليل، ويقيم عندها ليلة ونصف، ثم يرتب من النوبة ما يريد. الثالثة: أن يخرجَ إلى حين العتق إلى مسجد أو بيت صديق ويبيتَ فيهما، وهي المسألة المراد بحثها هنا. اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا يلزمه أن يقضي للأمة ما مضى من تلك الليلة قبل العتق، ويبيت عند العتيقة ليلة، وهو مقتضى قول الحنفية، والمذهب عند الشافعية، والحنابلة (١)، وهو اختيار الصيدلاني (٢). القول الثاني: يُحسب عليه ما مضى من الليل قبل العتق، ويلزمه أن يقضيه للأمة، وهو وجه عند الشافعية (٣). أما عند الإمام مالك وأصحابه ﵏، فإن هذه المسألة لا تَرِد عليهم؛ لأن مذهبهم التسوية بين الحرة والأمة في القَسْم (٤). تعليل القول الأول: ١. قالوا: لأن النوبة أدركت الأمة وهي حرة، فتستحق قَسْم حرة فقط (٥). ٢. إنَّ ما جرى من التبعيض بخروجه أثناء الليلة الثانية الى صاحب له أفسد تلك الليلة، حتى كأنه لم يُقم في شيء منها عند الحرة (٦). ونوقش:

стр. 120

بأنَّ هذا خارج عن القياس في وجوب رعاية النَّصَفة، والعدل، وتنزيل العتيقة إذا طرأ عتقها على نوبة الحرة منزلة الحرة الحقيقية (١). وأجيب عنه: بأنَّ العتيقة قبل العتق لا يثبت لها استحقاق نظير النصف المقسوم، كما لو كان عبد بين اثنين لأحدهما ثلثه وللآخر ثلثاه، فالمهايأة بينهما تكون يومين ويومًا، فإذا اشترى صاحب الثلث السدس من الآخر أثناء اليوم لم يرجع عليه بأجرة ما مضى (٢). ٣. قياس نصفي الليلة بالثلاثة أيام، والسبعة في حق الزفاف للثيب؛ فالثلاث حق لها، وإذا أقام عندها سبعًا قضى الجميع، فكذا إذا أقام النصف الثاني قضاه مع النصف الأول (٣). ٤. كما تقدم بأن العتيقة قبل العتق لا يثبت لها استحقاق نظير النصف المقسوم، كما لو كان عبد بين اثنين لأحدهما ثلثه وللآخر ثلثاه، فالمهايأة بينهما تكون يومين ويومًا، فإذا اشترى صاحب الثلث السدس من الآخر أثناء اليوم لم يرجع عليه بأجرة ما مضى (٤). تعليل القول الثاني: أن مقتضى العدل هو التسوية وقضاء بعض الليل الذي بات فيه عند الحرة (٥). وقد نوقش قريبًا. الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول، قول الجمهور؛ لقوة أدلتهم وإمكان الإجابة على تعليل القول الأول. * * *

стр. 121

المسألة الثانية: إذا قالت للزوج: وهبت نوبتي منك، فضعها حيث تشاء، وخَصِّصْ بها من تشاء من زوجاتك الأخريات. فهل له تخصيص واحدة بنوبة الواهبة ؟ تمهيد: ١. اتفق الفقهاء على أنه يجوز لإحدى زوجات الرجل أن تتنازل عن قَسْمها، أو تهب حقها من القَسْم لزوجها أو لبعض ضرائرها أو لهن جميعًا، وذلك برضا الزوج؛ لأن حقه في الاستمتاع بها لا يسقط إلا برضاه؛ لأنها لا تملك إسقاط حقه في الاستمتاع بها، فإذا رضيت هي والزوج جاز؛ لأن الحق في ذلك لهما لا يخرج عنهما، فإن أبت الموهوبة قبول الهبة لم يكن لها ذلك؛ لأن حق الزوج في الاستمتاع بها ثابت في كل وقت، وإنما منعته المزاحمة بحق صاحبتها، فإن زالت المزاحمة بهبتها ثبت حقه في الاستمتاع بها وإن كرهت كما لو كانت منفردة (١)، وقد ثبت أن سودة بنت زمعة ﵂ وهبت يومها لعائشة ﵂، فكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة (٢). ٢. يعلِّق الشافعية على هذه الهبة بقولهم: "وهذه الهبة ليست على قواعد الهبات، ولهذا لا يشترط رضا الموهوب لها، بل يكفي رضا الزوج؛ لأن الحق مشترك بينه وبين الواهبة، إذ ليس لنا هبة يقبل فيها غير الموهوب له مع تأهله للقبول إلا هذه" (٣). ٣. إذا أسقطت الزوجة حقها من القَسْم إما أن تهبه لضرة معينة، أو تهبه لجميع

стр. 122

الضرَّات، أو تسقط حقها مطلقًا، أو تهبه لزوجها وهو يخصص ليلتها لمن شاء. مسألتنا هي الأخيرة: فيما إذا قالت الزوجة لزوجها: وهبت نوبتي منك، فضعها حيث تشاء، وخَصِّصْ بها من تشاء من زوجاتك الأخريات. النَّوْبَة -بفتح النون وسكون الواو -: أي قسمها من مبيت الزوج (١). اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: إن وهبت قسمها للزوج فله جعلها لمن شاء؛ إن أراد جَعَله للجميع، وإن شاء خص بها واحدة منهن، وإن شاء جعل لبعضهن فيها أكثر من بعض، وهو قول بعض متأخري الحنفية وبعض المالكية وجمهور الشافعية وقول الحنابلة (٢). القول الثاني: ليس للزوج أن يجعل الليلة الموهوبة له حيث شاء من بقية الزوجات، بل يسوي بينهن ولا يخصص، فتجعل الواهبة كالمعدومة، وهو قول بعض المالكية (٣)، ووجه

стр. 123

عند الشافعية، ووجه عند الحنابلة (١)، واختيار الصيدلاني (٢). أدلة القول الأول: لأن الحق له فله وضعه حيث شاء (٣).

стр. 124

تعليل القول الثاني (١): ١. القياس على مسألة هبة أحد الشفعاء حقه المبتاع؛ فنصيب الواهب يرجع لبقية الشركاء. ٢. القياس على مسألة هبة أَحد غرماء المفلس حقه للمفلس؛ فالغرماء يقسمون حصة الواهب؛ فليس للمفلس أن يعطي حصة الواهب لأحد الغرماء. ٣. القياس على هبة أحد أولياء القتيل حقه القاتل. ٤. لأنه يظهر الميل ويورث الغيظ والوحشة. ٥. لأنه ليس للزوج أن يعد نفسه كإحداهن، فيثبت له ليلة من الهبة، وحقيقة هذا أنَّ الحق له، والتخصيص للنسوة. الترجيح: الراجح والله أعلم القول الثاني؛ لقوة تعليلهم، والأصل في القسم التسوية، وقد استثنى النص ما إذا وهبت ليلتها لضرةٍ بعينها، وما عدا ذلك يبقى على الأصل في وجوب التسوية في القسم. * * *

стр. 125

المسألة الثالثة: مَنْ سافر وأخذ إحدى زوجاته بالقرعة ثم بلغ البلد الذي يقصده، فلو نوى الإقامة أربعة أيام، فهل عليه قضاء الليالي لزوجاته الباقيات ؟ القرعة: اسم مصدر بمعنى الاقتراع وهو الاختيار بإلقاء السهام ونحو ذلك (١). والأصل في مشروعية القرعة لمن أراد السفر بأحد زوجاته أن عائشة ﵂، قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرًا، أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه" متفق عليه (٢). ولتحرير المسألة نقول: إذا سافر الزوج المتعدد إما أن يأخذ جميع نسائه أو يختار بعض زوجاته، وإذا اختار إحدى زوجاته إما أن تكون بالقرعة أو بدون قرعة، فإن أخذها بالقرعة إما أن ينوي الإقامة أربعة أيام أو أقل. فإن لم ينو الإقامة لا يجب عليه أن يقضي للباقيات مدة سفره، وإن طالت، ولا مدة مكثه في بلد، إذا لم يزد على مقام المسافرين؛ لأن المسافرة وإن حظيت بصحبة الزوج، فقد تعبت بمشقة السفر، والتسوية بينها وبين مَنْ هي في راحة الإقامة والسكون عدول عن الإنصاف (٣). فلا يقضي للباقيات؛ لأنه خرج بهن بحق لا بميل ولا بحيف (٤).

стр. 126

والمراد من المسألة فيما إذا زاد مكثه في موضع على مدة المسافرين بأن نوى الإقامة أربعة أيام فأكثر (وهي أقل مدة الإقامة عند الشافعية) (١)، فهل عليه قضاء الليالي لزوجاته الباقيات؟ اختلف العلماء في المسألة على قولين: القول الأول: ليس عليه قضاء الليالي الباقيات التي أقامها بعد السفر، وأن القَسْم يفوت بفوات زمنه سواء فات لعذر أم لا، وهو قول الحنفية والمالكية، واختيار ابن تيمية (٢). القول الثاني: عليه قضاء الليالي التي أقامها بعد السفر لزوجاته الباقيات، وهو مذهب الشافعية (٣) والحنابلة (٤)، واختيار

стр. 127

الصيدلاني (١). أدلة القول الأول: ١. أنَّ القسمة تكون بعد الطلب من كل واحدة منهما، فما مضى قبل الطلب ليس من القسمة في شيء (٢). يناقش: بأن هذا تعليل في متنازعٍ فيه، والحقوق يطالب بها مستحقيها سواء كان ثبوت الحق قبل الطلب أو بعده. ٢. أنَّ مدة السفر ضائعة بدليل أن له أن يسافر وحده دونهن (٣). يناقش: بأنَّ مسألتنا ليست في السفر، وإنما فيمن نوى الإقامة؛ فإنه في إقامته خرج عن حكم المسافرين، ومن سافر لوحده دون زوجاته كلهن لا يقال: إنه لم يعدل؛ بل سوى بينهن بالبقاء. أدلة القول الثاني (٤): ١. يقضي للباقيات قياسًا على قضاء الواجبات. ٢. لأنه حق آدمي، وله قدرة على إيفائه. ٣. لأن القرعة إنما تسقط القضاء في قسم السفر. الترجيح:

стр. 128

الراجح -والله أعلم- هو القول الثاني؛ لقوة تعليلهم، وإمكان مناقشة القول الأول. وحقوق الآدميين مبنية على المشاحة (١)، والزوج أباح له الشرع أن يحمل معه أحد زوجاته برضاهن أو القرعة فهي رخصة، والرخصة تقدر بقدرها؛ فلا يزاد عليها، وعلة الرخصة هي السفر، والحكم يدور مع علته وجودًا أو عدمًا؛ إذا علق الشارع حكمًا بسبب أو علة زال ذلك الحكم (٢)؛ فلما انتقل من حكم السفر وصار مقيمًا وجب عليه العدل والتسوية. وهو كمن تعدّد بأكثر من زوجة في أكثر من بلد. * * *

стр. 129

الفصل الثاني: الخلع والطلاق والإيلاء، والظهار، واللعان، والعدة والنفقات والحضانة وفيه مبحثان: المبحث الأول: الخلع والطلاق والإيلاء، والظهار واللعان. المبحث الثاني: الرضاع والحضانة، والنفقات.

стр. 130

المبحث الأول: الخلع والطلاق والإيلاء، والظهار واللعان، والعدة وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: الخلع المطلب الثاني: الطلاق، والإيلاء المطلب الثالث: الظهار واللعان المطلب الرابع: العدة

стр. 131

المطلب الأول: الخلع وفيه أربع مسائل: المسألة الأولى: حكم انتظام الخلع فيما لو قال: "أنت طالق على ألفٍ إن شئت". المسألة الثانية: طريقة توزيع المال إذا قال الرجل لامرأتيه -وكان يملك على كل واحدةٍ ثلاث طلقات-: طلقتك يا زينب واحدةً، وطلقتك يا عَمْرة اثنتين بألف درهم. المسألة الثالثة: لو قالت: طلقني ثلاثا بألف وهو يملك الثلاث فقال: أنت طالق واحدة بألف وثنتين مجانًا. المسألة الرابعة: حكم الخلع فيما لو اختلعت نفسَها عن زوجها بغير إذن مولاها، بمالٍ في الذمة.

стр. 132

المسألة الأولى: حكم انتظام الخلع فيما لو قال: "أنت طالق على ألف إن شئت ". الْخُلُعُ: أن يفارق الرجل امرأته على عوض تبذله له. وفائدته: تخلصها من الزوج على وجه لا رجعة له عليها، إلا برضاها وعقد جديد (١). لا خلاف بين الفقهاء في أن الخلع إذا وقع بلفظ الطلاق أو نوى به الطلاق فهو طلاق، وإنما الخلاف بينهم في وقوعه بغير لفظ الطلاق ولم ينو به صريح الطلاق أو كنايته، هل هو طلاق أو فسخ؟ (٢). والخلع إما أن يكون منجزًا في الحال (بحيث يشترط قبوله على الفور)، وإما أن يكون معلقًا على شرط. وتعليق الخلع إما أن يكون من جانب الزوجة؛ بأن كانت هي البادئة بسؤال الطلاق، وإما أن يكون من جانب الزوج. فإن كان من جانب الزوج، إما أن يعلق الخلع على مشيئته أو على مشيئتها، فإن علق الخلع على مشيئتها إما أن يذكر مع التعليق العوض أو لا يذكره. ومسألتنا: فيما إذا جمع تعليق الخلع على مشيئتها مع العوض، فقال: "أنت طالق على ألف إن شئت". مذهب الحنفية ومقتضى قول المالكية ومذهب الشافعية والحنابلة (٣): إن قَبِلَتْ وقَع الطلاق وكان لها الألف، وإن لم تقبل لم يقع عليها شيء، وهو ظاهر كلام الصيدلاني (٤).

стр. 133

ونص الشافعية والحنابلة: أن الطلاق لا يقع حتى توجد المشيئة؛ فلم يقع إلا بها، ولا تصح المشيئة إلا بالقول؛ وهو أن تقول على الفور: "شئت"، فإذا شاءت وقع الطلاق بائنًا (١). وعند الحنابلة على التراخي (٢). قالوا (٣): ١. لأنه علق طلاقها على شرط، فلم يوجد قبل وجوده. ٢. ولأنه أضاف إلى ما التزمت المشيئة فلم يقع إلا بها. ٣. قالوا: ولا تصح المشيئة إلا بالقول؛ لأن المشيئة وإن كان محلها القلب فإنها لا تعرف إلا بالنطق، فيعلق الحكم به، فصار تقديره: "أنت طالق إن قلت: شئت". ٤. ولأن هذه معاوضة، والمعاوضة لا تتم إلا بالقبول. والذين قالوا على الفور قالوا: لأنه لفظ شرط يحتمل الفور والتراخي إلا أنه لما ذكر العوض صار تمليكًا بعوض، فاقتضى الجواب على الفور كالتمليك في المعاوضات (٤) والذين قالوا على التراخي: قالوا قياسًا على العتق (٥). الترجيح: الذي يظهر رجحانه - والله أعلم- هو القول بالفور؛ لما عللوه.

стр. 134

المسألة الثانية: طريقة توزيع المال إذا قال الرجل لامرأتيه -وكان يملك على كل واحدةٍ ثلاث طلقات-: طلقتك يا زينب واحدةً، وطلقتك يا عَمْرة اثنتين بألف درهم . اختلف العلماء على ثلاثة أقوال: القول الأول: ينقسم المال على مهريهما الذي تزوجهما عليهما، وهو قول الحنفية، ووجه عند الشافعية (١). القول الثاني: التوزيع على الرؤوس، ولا نظر إلى أعداد الطلاق، فيكون البدل المسمى منشطرًا أبدًا بين اثنتين، وهو اختيار الصيدلاني (٢). القول الثالث: أن المطلقة اثنتين تلتزم ثلثي الألف، والمطلقة واحدة تلتزم الثلث، وهو وجه عند الشافعية (٣). تعليل القول الأول (٤): ١. قالوا لأنه سمى الألف بمقابلة شيئين، ومقتضى هذه التسمية الانقسام باعتبار القيمة؛ وهو هنا المهر. ٢. القياس فيما لو اشترى عبدين بألف درهم؛ فلكل عبد قيمته. ٣. القياس فيما لو قال لأمتيه: كل واحدة منكما حرة بألف فقبلتا عتقت كل واحدة بقيمتها.

стр. 135

ونوقشت التعليلات الثلاثة: بأنه لا يقاس العتق على الطلاق؛ لأن الشارع متشوف للعتق ومنفر عن الطلاق (١). فأجاب السرخسي بقوله: "إلا أن البضع عند خروجه من ملك الزوج غير متقوم، فوجب المصير إلى أقرب الأشياء إليه، وذلك المهر الذي تزوجها عليه. ألا ترى أن في الكتابة الفاسدة؛ العبد قيمة نفسه بعد ما يعتق؛ لأن ما هو المعقود عليه هو ملك اليد، والمكاسب ليست بمتقومة، فيصار إلى قيمة أقرب الأشياء إليه وهو الرقبة" (٢). أما القول الثاني: فلم أجد له تعليلًا ولا دليلًا. ولعل تعليلهم أن الأصل في التوزيع بين الأحرار التساوي، والله أعلم. تعليل القول الثالث: قالوا: نظرًا إلى أعداد الطلاق في المرأة الواحدة (٣). الترجيح: الراجح - والله أعلم - القول الثاني وذلك لأسباب: ١. أن طلاقه مرتين لإحداهما وقع منجزًا في آنٍ واحد، فحكمه حكم الواحدة. ٢. أن قدر المرأة ومهر مثلها حين فراقها، قد يختلف عنه حين عقدها النكاح؛ فقد تكون فقيرة وَضِيْعة عند عقد نكاحها ثرية شريفة عند فراقها، وهذا غالبًا يؤثِّر في قدر المهر، فلا تضبط المسألة حينئذ، والذي يجمع بين الزوجتين أنهما حرتان. ٣. قياس المسألة بالعتق قياس مع الفارق، كما تقدم في المناقشة، والقياس الذي ذكره الإمام السرخسي ﵀ هو قياس الشبه (٤)، والمطلقة تطليقتين في آنٍ واحد على

стр. 136

المطلقة تطليقة واحدة أقرب شبهًا من العتق. ٤. أن هذا خلع تَبِينْ به المرأة؛ فيستوي فيه التطليقة والتطليقتين. * * *

стр. 137

المسألة الثالثة: لو قالت: طلقني ثلاثا بألف وهو يملك الثلاث فقال: أنت طالق واحدة بألف وثنتين مجانًا . ليس في المسألة اختيار للصيدلاني؛ لأن الإمام الجويني ﵀ قال "هذا ما ذكره الصيدلاني" (١). وقال الإمام النووي ﵀: "فنقل الفوراني والصيدلاني والقاضي حسين وغيرهم" (٢). * * * المسألة الرابعة: حكم الخلع فيما لو اختلعت نفسَها عن زوجها بغير إذن مولاها، بمالٍ في الذمة . ليس في المسألة اختيار للصيدلاني؛ لأنه قال "هذا ما ذكره الصيدلاني" (٣). * * *

стр. 138

المطلب الثاني: الطلاق، والإيلاء وفيه خمس مسائل: المسألة الأولى: لو قيل لرجل: طلقت امرأتك؟ فقال: نعم، طلقتها، ثم قال: إنما قلت ذلك على ظن أن اللفظ الذي جرى طلاق، وقد سألت المفتين، فقالوا: لا يقع به شيء. وقالت المرأة: بل أردت إنشاء الطلاق أو الإقرار به. المسألة الثانية: الحكم فيما إذا قال لامرأته: متى وقع عليك طلاقي، أو إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا، ثم قال لها: أنت طالق. المسألة الثالثة: إذا قال: أنت طالق لقدوم زيد، هل يقع الطلاق ناجزًا، أو معلقًا بقدومه؟ المسألة الرابعة: لو قال: أنت طالق لقدوم زيد، وكان زيدٌ غير قادم، وإنما يُنتظر قدومُه؛ ونحوها من الصيغ التي يظهر فيه قصد التأقيت ولا يكرّ كرورَ الزمان. المسألة الخامسة: لو قالت المرأة لزوجها: أسقطت حقي من طلب الفيئة سنة، وانقضت المدة، ورضيت بالمقام تحت الزوج، ثم عادت إلى الطلب بالاستمتاع، هل نضرب مدةً أخرى أربعة أشهر؟

стр. 139

المسألة الأولى: لو قيل لرجل: طلقت امرأتك؟ فقال: نعم، طلقتها، ثم قال: إنما قلت ذلك على ظن أن اللفظ الذي جرى طلاق، وقد سألت المفتين فقالوا: لا يقع به شيء. وقالت المرأة: بل أردت إنشاء الطلاق أو الإقرار به . اختلف العلماء على قولين: القول الأول: لا يُقبل قول الزوج إلا بقرينة كأن تخاصما في لفظة أطلقها، وهو المذهب عند الشافعية (١). القول الثاني: يقبل قوله بيمينه، وهو وجه عند الشافعية (٢)، واختيار الصيدلاني ﵀ (٣). تعليل القول الأول: ١. لأن إقرار الزوج جرى بصريح الطلاق، والإقرار حجة صريحة (٤). ٢. ولأن قبول خلاف إقرار الزوج بدون قرينة حملًا على ظن يدعيه، ويتعارض فيه صدقه وكذبه، محال (٥). ٣. لو فتح هذا الباب، لما استقر إقرار بمقَرّ به (٦). تعليل القول الثاني:

стр. 140

قياسًا على قول المكاتب لسيده: "أعتقتني بقولك أنت حر"، وقال السيد: "إنما أردت بما أديتَ" صُدِّق السيد بيمينه (١). نوقش: بأن هذا قياس مع الفارق؛ فإن إطلاق لفظ الحرية عقيب قبض النجوم محمول ظاهرًا على الإخبار عما يقتضيه القبض، فإذا انتقض القبض، تبعه القول المحمول عليه، على المسلك الظاهر، وليس هذا كما لو سئل الزوج عن الطلاق مطلقاً؛ فلم توجد الإشارة في الطلاق إلى واقعة، وإنما وجد سؤال مطلق، وجواب مطلق، ثم رام فيه تأويلاً وحملاً على ظن ادعاه في لفظ خاص ذكره، ولم يقع السؤال عنه، فلا وجه إذاً إلا القطع بالمؤاخذة في مسألة الطلاق (٢). الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول بأنه لا يُقبل قول الزوج إلا بقرينة -كأن تخاصما في لفظة أطلقها-؛ لقوة تعليلهم، وإمكان مناقشة تعليل القول الثاني. * * *

стр. 141

المسألة الثانية: الحكم فيما إذا قال لامرأته: متى وقع عليك طلاقي، أو إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا، ثم قال لها: أنت طالق . في هذه المسألة إما أن تكون المرأة المطلقة غير مدخول بها، أو مدخول بها، فإن كانت غير مدخول بها فلا تطلق إلا واحدة لم يقع عليها إلا الطلقة التي أوقعها؛ لأنها تبين بها، والبائن لا يلحقها طلاق بغير خلاف (١). ومسألتنا في المدخول بها (٢). أقوال العلماء في هذه المسألة: القول الأول: يقع الطلاق ثلاثًا؛ واحدة بالمنجزة وتتمتها من المعلق ويلغو قوله قبله، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والمشهور عند الحنابلة، ووجه عند الشافعية (٣). القول الثاني: لا يقع الطلاق مطلقًا لا المنجز ولا المعلق، وهو الصحيح والمشهور عند الشافعية، وقول بعض الحنابلة (٤)، واختيار

стр. 142

الصيدلاني (١). القول الثالث: يقع الطلاق المنجز ولا يقع الطلاق المعلق، وهو قول بعض الشافعية (٢)، وبعض الحنابلة، واختيار ابن تيمية وابن القيم (٣). أدلة القول الأول (٤): ١. أنَّ عمومات النصوص تقتضي وقوع الطلاق، مثل قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٥). وقوله سبحانه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٦). ٢. أنّه طلاق من مكلف مختار، في محل لنكاح صحيح، فيجب أن يقع، كما لو لم يعقد هذه الصفة (٧). ٣. أنَّه وصف المعلق بصفة يستحيل وصفه بها؛ فإنه يستحيل وقوعها بالشرط قبله فتلغو صفتها بالقبلية، وصار كأنه قال: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق ثلاثًا (٨). ٤. القياس على من قال لزوجته: إذا دخلت الدار فأنت طالق أربعًا، طلقت بدخول الدار ثلاثًا، ولم يكن امتناع وقوع الرابعة مانعًا من وقوع الثلاث كذلك في مسألتنا (٩). تعليل القول الثاني:

стр. 143

١. قالوا: لأنّا لو أوقعنا الطلقة الّتي نجزها، للزمنا أن نوقع ثلاثًا قبلها، ولو وقعت الثلاث قبلها، لامتنع وقوع هذه المنجّزة، وإذا امتنع وقوعها امتنع وقوع الثلاث قبلها، وهذا دور (١). إذ لو وقع المعلق يقع المنجز، فكان وقوعه يستلزم عدم وقوعه، فلا يقع (٢). ونوقش: أولًا: "بأن هذا غير مسلَّم؛ فإنَّ قولهم: لو وقع المنجز لوقع المعلق. إنما يصح لو كان التعليق صحيحًا؛ فأما إذا كان التعليق باطلًا لا يلزم وقوع التعليق. والتعليق باطل؛ لأن مضمونه وقوع طلقة مسبوقة بثلاث ووقوع طلقة مسبوقة بثلاث باطل في دين المسلمين. ومضمونه أيضًا إذا وقع عليك طلاقي لم يقع عليك طلاقي، وهذا جمع بين النقيضين؛ فإنه إذا لم يقع الشرط لم يقع الجزاء. وإذا وقع الشرط لزم الوقوع فلو قيل: لا يقع مع ذلك لزم أن يقع ولا يقع، وهذا جمع بين النقيضين. وأيضًا فالطلاق إذا وقع لم يرتفع بعد وقوعه، فلما كان كلام المطلق يتضمن محالًا في الشريعة - وهو وقوع طلقة مسبوقة بثلاث - ومحالًا في العقل وهو الجمع بين وقوع الطلاق وعدم وقوعه: كان القائل بالتسريج مخالفًا للعقل والدين" (٣). ثانيًا: إن القول بعدم إيقاع الطلاق الثلاث في هذه المسألة تشبه بنكاح النصارى

стр. 144

الذين لا يبيحون الطلاق (١). ثالثًا: أن هذا احتيال مذموم للوصول إلى عدم وقوع الطلاق مطلقًا (٢). وأجيب: أولًا: أن الاستدلال بأن ذلك بدعة، وأنه على غير ما كان عليه النبي ﷺ ، وأنه يلزم منه أن يمتنع منه إيقاع الطلاق عليها دائمًا وهو مأذون به، فهذا استدلال لشيء آخر، وقد عرفت أن الله سبحانه جعل الطلاق بيد الأزواج؛ فلهم أن يطلقوا متى شاؤوا، ولهم أن لا يطلقوا أبدًا، وهذا الذي جاء بالدور قد أراد أن لا يطلق أبدًا فما المانع من هذا؟ (٣). ثانيًا: يُشكِل على دعوى الإجماع أن كثيرًا من أئمة الشافعية قالوا بصحة الدور (٤). ٢. "إن الطلاق الذي وقع على هذه الصفة ينبغي الرجوع إلى مدلول لفظه، وقد وجدنا اللفظ الذي جاء به متمانعًا؛ لا يقع بعضه إلا بوقوع البعض الآخر، فلا يجوز لنا أن نحكم بالوقوع؛ لأنه حكم على الزوج بغير ما تكلم به، وتفويت لزوجته وإخراج لها من عقد نكاحه بغير صدور ما يدل على ذلك منه، فالحكم بالوقوع فيه ظلم له من هذه الحيثية" (٥). تعليل القول الثالث: ١. تطلق واحدة بالمباشرة، والتعليق باطل ملغي؛ لأنه طلاق في زمن ماض، ولا يمكن وقوعه في الماضي، فلم يقع، كما لو قال: أنت طالق قبل قدوم زيد بيوم، فقدم في

стр. 145

اليوم، أو قال: قوله أنت طالق أمس (١). ٢. ولأنه لو وقع المعلق لمنع وقوع المنجَّز، فإذا لم يقع المنجز بطل شرط المعلق، فاستحال وقوع المعلق، ولا استحالة في وقوع المنجز فيقع (٢). الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول قول الجمهور؛ فإنه موافق لظاهر الصيغة، والشرع ينفذ طلاق المازح المكلف المختار، فكذلك ينفذ طلاق المحتال، وإن لم يقصد نفوذه. * * *
следующие страницы →