← Фикх общий

Фикх общий · id 143157

الاختيارات الفقهية لمحمد بن داود الصيدلاني

خالد بن عبد الله عفيف

Полный текст (638 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المسألة الثانية: الحكم فيما إذا قال لامرأته: متى وقع عليك طلاقي، أو إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا، ثم قال لها: أنت طالق . في هذه المسألة إما أن تكون المرأة المطلقة غير مدخول بها، أو مدخول بها، فإن كانت غير مدخول بها فلا تطلق إلا واحدة لم يقع عليها إلا الطلقة التي أوقعها؛ لأنها تبين بها، والبائن لا يلحقها طلاق بغير خلاف (١). ومسألتنا في المدخول بها (٢). أقوال العلماء في هذه المسألة: القول الأول: يقع الطلاق ثلاثًا؛ واحدة بالمنجزة وتتمتها من المعلق ويلغو قوله قبله، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والمشهور عند الحنابلة، ووجه عند الشافعية (٣). القول الثاني: لا يقع الطلاق مطلقًا لا المنجز ولا المعلق، وهو الصحيح والمشهور عند الشافعية، وقول بعض الحنابلة (٤)، واختيار

стр. 142

الصيدلاني (١). القول الثالث: يقع الطلاق المنجز ولا يقع الطلاق المعلق، وهو قول بعض الشافعية (٢)، وبعض الحنابلة، واختيار ابن تيمية وابن القيم (٣). أدلة القول الأول (٤): ١. أنَّ عمومات النصوص تقتضي وقوع الطلاق، مثل قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٥). وقوله سبحانه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٦). ٢. أنّه طلاق من مكلف مختار، في محل لنكاح صحيح، فيجب أن يقع، كما لو لم يعقد هذه الصفة (٧). ٣. أنَّه وصف المعلق بصفة يستحيل وصفه بها؛ فإنه يستحيل وقوعها بالشرط قبله فتلغو صفتها بالقبلية، وصار كأنه قال: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق ثلاثًا (٨). ٤. القياس على من قال لزوجته: إذا دخلت الدار فأنت طالق أربعًا، طلقت بدخول الدار ثلاثًا، ولم يكن امتناع وقوع الرابعة مانعًا من وقوع الثلاث كذلك في مسألتنا (٩). تعليل القول الثاني:

стр. 143

١. قالوا: لأنّا لو أوقعنا الطلقة الّتي نجزها، للزمنا أن نوقع ثلاثًا قبلها، ولو وقعت الثلاث قبلها، لامتنع وقوع هذه المنجّزة، وإذا امتنع وقوعها امتنع وقوع الثلاث قبلها، وهذا دور (١). إذ لو وقع المعلق يقع المنجز، فكان وقوعه يستلزم عدم وقوعه، فلا يقع (٢). ونوقش: أولًا: "بأن هذا غير مسلَّم؛ فإنَّ قولهم: لو وقع المنجز لوقع المعلق. إنما يصح لو كان التعليق صحيحًا؛ فأما إذا كان التعليق باطلًا لا يلزم وقوع التعليق. والتعليق باطل؛ لأن مضمونه وقوع طلقة مسبوقة بثلاث ووقوع طلقة مسبوقة بثلاث باطل في دين المسلمين. ومضمونه أيضًا إذا وقع عليك طلاقي لم يقع عليك طلاقي، وهذا جمع بين النقيضين؛ فإنه إذا لم يقع الشرط لم يقع الجزاء. وإذا وقع الشرط لزم الوقوع فلو قيل: لا يقع مع ذلك لزم أن يقع ولا يقع، وهذا جمع بين النقيضين. وأيضًا فالطلاق إذا وقع لم يرتفع بعد وقوعه، فلما كان كلام المطلق يتضمن محالًا في الشريعة - وهو وقوع طلقة مسبوقة بثلاث - ومحالًا في العقل وهو الجمع بين وقوع الطلاق وعدم وقوعه: كان القائل بالتسريج مخالفًا للعقل والدين" (٣). ثانيًا: إن القول بعدم إيقاع الطلاق الثلاث في هذه المسألة تشبه بنكاح النصارى

стр. 144

الذين لا يبيحون الطلاق (١). ثالثًا: أن هذا احتيال مذموم للوصول إلى عدم وقوع الطلاق مطلقًا (٢). وأجيب: أولًا: أن الاستدلال بأن ذلك بدعة، وأنه على غير ما كان عليه النبي ﷺ ، وأنه يلزم منه أن يمتنع منه إيقاع الطلاق عليها دائمًا وهو مأذون به، فهذا استدلال لشيء آخر، وقد عرفت أن الله سبحانه جعل الطلاق بيد الأزواج؛ فلهم أن يطلقوا متى شاؤوا، ولهم أن لا يطلقوا أبدًا، وهذا الذي جاء بالدور قد أراد أن لا يطلق أبدًا فما المانع من هذا؟ (٣). ثانيًا: يُشكِل على دعوى الإجماع أن كثيرًا من أئمة الشافعية قالوا بصحة الدور (٤). ٢. "إن الطلاق الذي وقع على هذه الصفة ينبغي الرجوع إلى مدلول لفظه، وقد وجدنا اللفظ الذي جاء به متمانعًا؛ لا يقع بعضه إلا بوقوع البعض الآخر، فلا يجوز لنا أن نحكم بالوقوع؛ لأنه حكم على الزوج بغير ما تكلم به، وتفويت لزوجته وإخراج لها من عقد نكاحه بغير صدور ما يدل على ذلك منه، فالحكم بالوقوع فيه ظلم له من هذه الحيثية" (٥). تعليل القول الثالث: ١. تطلق واحدة بالمباشرة، والتعليق باطل ملغي؛ لأنه طلاق في زمن ماض، ولا يمكن وقوعه في الماضي، فلم يقع، كما لو قال: أنت طالق قبل قدوم زيد بيوم، فقدم في

стр. 145

اليوم، أو قال: قوله أنت طالق أمس (١). ٢. ولأنه لو وقع المعلق لمنع وقوع المنجَّز، فإذا لم يقع المنجز بطل شرط المعلق، فاستحال وقوع المعلق، ولا استحالة في وقوع المنجز فيقع (٢). الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول قول الجمهور؛ فإنه موافق لظاهر الصيغة، والشرع ينفذ طلاق المازح المكلف المختار، فكذلك ينفذ طلاق المحتال، وإن لم يقصد نفوذه. * * *

стр. 146

المسألة الثالثة: إذا قال: أنت طالق لقدوم فلان، هل يقع الطلاق ناجزًا، أو معلقًا بقدومه ؟ المسألة الرابعة: لو قال: أنت طالق لقدوم زيد، وكان زيدٌ غير قادم، وإنما يُنتظر قدومُه؛ ونحوها من الصيغ التي يظهر فيه قصد التأقيت ولا يكرّ كرورَ الزمان . المسألتان تُبحثان بحثًا واحدًا، فإن ما يَظهر التأقيت به (١) ينقسم إلى ما يتكرر بتكرر الزمان كالسُّنّة والبدعة، وإلى ما لا يتكرر تكرر الأزمان، كقدوم زيد. فأما ما يتكرر تكرر الأزمان وَيَكُرّ كُرورَها، فمطلق اللام فيه للتأقيت، كقول الرجل للمرأة التي هي بصدد السُّنة والبدعة: أنت طالق للسُّنّة أو للبدعة، فهذا للتأقيت. وأما ما يظهر فيه قصد التأقيت ولا يكرّ كرورَ الزمان، كقول القائل: أنت طالق لقدوم زيد، وزيدٌ غير قادم، وإنما يُنتظر قدومُه (٢). (وهي محل البحث). ومحور البحث: اللام في (لقدوم) هل هي للتعليل، أو للتعليق والتوقيت؟ مذهب الشافعية والحنابلة، وهو اختيار الصيدلاني (٣): أن الطلاق معلق بقدوم زيد، فلا تطلق إلا بقدوم زيد (٤). ولم أجد للحنفية والمالكية كلامًا في المسألة. تعليلهم: قالوا: اللام فيه للتوقيت؛ لأنه يَبعد التعليل بالقدوم، نظيرها قوله تعالى: ﴿أَقِمِ

стр. 147

الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (١) واللام في لدلوك الشمس لام التوقيت، وهي بمعنى (عند) (٢). * * *

стр. 148

المسألة الخامسة: لو قالت المرأة لزوجها: "أسقطتُّ حقي من طلب الفيئة سنة"، وانقضت المدة، ورضيت بالمقام تحت الزوج، ثم عادت إلى الطلب بالاستمتاع، هل نضرب مدةً أخرى أربعة أشهر ؟ هذه المسألة في الإيلاء، وقبل الشروع في بحثها أذكر تمهيدًا لها: الإيلاء في اللغة: الحلف، من آلى يؤلي إيلاء، يجمع على ألايا (١). وفي الاصطلاح: حلف الزوج على ترك وطء زوجته مدة مخصوصة. وقد حدد القرآن الكريم ذلك بأربعة أشهر في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (٢)، فإذا انقضت الأشهر الأربعة بغير قرب منه لها طلقت منه بطلقة بائنة عند الحنفية، واستحقت الطلاق منه عند المالكية والشافعية والحنابلة، حيث ترفعه الزوجة للقاضي؛ ليخيره بين القرب والفراق، فإن قربها انحل الإيلاء، وإن رفض فرق القاضي بينهما بطلقة. والإيلاء: هو أن يحلف الرجل أن لا يطأ زوجته، إما مدة هي أربعة أشهر، أو أكثر من أربعة أشهر، أو بإطلاق على الاختلاف. فمذهب مالك، والشافعي، وأحمد أن الإيلاء: أن يحلف أن لا يطأها أكثر من أربعة أشهر (٣). وقال الحنفية: الإيلاء أن يحلف على أربعة أشهر فصاعدًا (٤). وهناك قول ثالث: وهو أن من حلف على قليل من الأوقات أو كثير فتركها أربعة أشهر فهو مولي (٥).

стр. 149

فإذا قال الرجل لامرأته: والله لا أقربك أو لا أقربك أربعة أشهر أو أكثر -على الخلاف- فهو مولٍ، فإن وطئها في الأربعة الأشهر حنث في يمينه ولزمته الكفارة وسقط الإيلاء (١). والمراد بالفيء هنا: رجوع الزوج إلى جماع زوجته الذي منع نفسه منه باليمين عند القدرة عليه، أو الوعد به عند العجز عنه (٢). والمرأة المولى منها إذا حل أجل الإيلاء فرضيت بالمقام معه بلا وطء، وأسقطت حقها من الفيئة سنة وانقضت المدة، ورضيت بالمقام تحت الزوج، ثم عادت إلى الطلب بالاستمتاع، هل نضرب مدةً أخرى أربعة أشهر؟ قول المالكية والشافعية: لا تضرب مدة أخرى (٣)، وهو اختيار الصيدلاني (٤). تعليلهم: ١. أنَّ المدة في الإيلاء منصوص عليها، غير موقوفة على طلب الزوجة؛ فلا يزاد عليها (٥). ٢. لأنَّ البعد عن المعاشرة أمر لا يصبر النساء على تركه غالبًا (٦). ٣. القياس على من كان له دين وقد حل، وقد ترك المطالبة به، فإن له أن يطالب

стр. 150

به من غير أجل ثان (١). ملاحظة: هذه المسألة غير واردة عند الأحناف؛ لأن الرجل إذا قال لامرأته: والله لا أقربك، أو لا أقربك أربعة أشهر، ولم يقربها حتى مضت أربعة أشهر بانت منه بتطليقة (٢). وأيضًا لا ترد على مذهب الحنابلة الذين يسقطون حق طلب المرأة (٣). * * *

стр. 151

المطلب الثالث: الظهار واللعان وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: المراد بالعود في الظهار إذا كان مؤقتًا، وجعلنا العود بمعنى الوطء والوقاع. المسألة الثانية: المعتبر في قدر الكفارة (الكيل أو الوزن). المسألة الثالثة: حكم انتفاء الولد عمن لحقه ولد، وكان ممسوحًا (فاقد الذكر والأنثيين).

стр. 152

المسألة الأولى: المراد بالعود في الظهار إذا كان مؤقتًا، وجعلنا العود بمعنى الوطء والوقاع . الظهار: هو تشبيه الزوج زوجته أو جزءًا شائعًا منها بمحرم عليه تأبيدًا، كقوله: أنت علي كظهر أمي أو نحوه، أو كبطنها أو كفخذها، ونحو ذلك (١). وهو محرم بالنص والإجماع قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ (٢). وعامة أهل العلم على أن كفارة الظهار لا تكون إلا بشرطين: وهما الظهار والعود (٣). واختلفوا في العود ما هو (٤).

стр. 153

وذهب الشافعية إلى أن العود: هو أن يمسكها في النكاح زمنًا يمكنه فيه مفارقتها (١). والظهار إما أن يكون مؤبدًا، مثل أن يقول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، ولا يذكر مدة معينة، أو يكون مؤقتًا بمدة معينة كقوله: "أنت عليّ كظهر أمي شهرًا". واختلف العلماء؛ هل يصح الظهار المؤقت؟ على ثلاثة أوجه، الأول: القول بصحته مؤقتًا عملًا بلفظه، وتغليبًا لشبه اليمين، والثاني: يصح مؤبدًا، تغليبًا لشبه الطلاق. والثالث: أنه لغو (٢). وعلى القول بصحته مؤقتًا، وانتهى الوقت زال الظهار وحلّت المرأة بلا كفارة، وهو قول الحنفية والشافعية في الأظهر وقول الحنابلة (٣). أما إذا عاد فقد اختلفوا بم يحصل العود؟ فعلى القول بأنه لا يحصل العود إلا بالوطء في المدة فإذا وطئ فمتى يصير عائدًا؟ (٤). بمعنى: هل الوطء هنا هو عين العود، أو أنه إذا حصل الوطء، تبيّنا أن العود حصل بالإمساك في لحظةٍ عقيب كلمة الظهار، ولكنا لا نتبين هذا إلا بالوقاع؟ (٥) للعلماء في ذلك قولان: القول الأول: يصير عائدًا عند الوطء (٦)، وهو الأصح عند الشافعية، ومذهب

стр. 154

الحنابلة (١). القول الثاني: إذا وطئ، تبين كونه عائدًا من وقت الإمساك عقيب الظهار، وهو وجه عند الشافعية واختيار الصيدلاني (٢). تعليل القول الأول (٣): ١. لأن العود فعل ضد ما قاله، والإمساك ليس بضد له. ٢. ولأنه قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ (٤)، و (ثُمَّ) للتراخي، والإمساك غير متراخ. ونوقش: بأنّه ما لم ينقض زمان يمكنه أن يطلقها فيه، لا يحكم عليه بكونه عائدًا، فقد تأخر كونه عائدًا عن كونه مظاهرًا بذلك القدر من الزمان، وذلك يكفي في العمل بمقتضى كلمة: ثمّ (٥). ٣. ولأن العود إنما هو في مقوله دون قوله، كالعود في الهبة والعدة، والعود لما نهي عنه. ٤. الظهار يمين مكفرة، فلا تجب الكفارة إلا بالحنث فيها، وهو فعل ما حلف على تركه كسائر الأيمان، ولا تجب إلا بالوطء. ٥. ولأنها يمين تقتضي ترك الوطء، فلا تجب كفارتها إلا به، كالإيلاء.

стр. 155

٦. قالوا: لم نجعل الإمساك عودًا لجواز أن يكون الإمساك للاستحلال بعد مدة الظهار، فإذا حصل الوطء في المدة، تبين أن الإمساك مصروف إلى الاستمتاع الذي وقع. تعليل القول الثاني (١): ١. لأن تشبيهها بأمه يقتضي إبانتها وإزالة نكاحها، فإذا أمسكها زوجة فقد عاد فيما قال. نوقش: بأنّ الأم لا يحرم إمساكها، فتشبيه الزوجة بالأم لا يقتضي حرمة إمساك الزوجة، فلا يكون إمساك الزوجة نقضًا لقوله: أنت علي كظهر أمي، فوجب أن لا يفسر العود بهذا الإمساك (٢). وأجيب: بأنّ الأم يحرم إمساكها على سبيل الزوجية ويحرم الاستمتاع بها، فقوله: أنت عليَّ كظهر أمي، ليس فيه بيان أن التشبيه وقع في إمساكها على سبيل الزوجية، أو في الاستمتاع بها، فوجب حمله على الكل، فقوله: أنت علي كظهر أمي، يقتضي تشبيهها بالأم في حرمة إمساكها على سبيل الزوجية، فإذا لم يطلقها فقد أمسكها على سبيل الزوجية، فكان هذا الإمساك مناقضًا لمقتضى قوله: أنت عليَّ كظهر أمي، فوجب الحكم عليه بكونه عائدًا (٣). ٢. لأنه لما ظاهر فقد قصد التحريم، فإن وصل ذلك بالطلاق فقد تمم ما شرع منه من إيقاع التحريم، ولا كفارة عليه، فإذا سكت عن الطلاق، فذاك يدل على أنه ندم على ما ابتدأ به من التحريم، فحينئذ تجب عليه الكفارة (٤). نوقش:

стр. 156

بأنه ينتقض بثلاثة أمور (١): الأول: أنه قال: (ثم) وهذا بظاهره يقتضي التراخي. الثاني: أن قوله تعالى: (ثم يعودون) يقتضي وجود فعل من جهة، ومرور الزمان ليس بفعل منه. الثالث: أن الطلاق الرجعي لا ينافي البقاء على الملك، فلم يسقط حكم الظهار كالإيلاء. الترجيح: الراجح -والله تعالى أعلم- هو ما رجحه الإمام محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في معنى العود في الآية، فقال: "إن العود له مبدأ ومنتهى، فمبدؤه العزم على الوطء ومنتهاه الوطء بالفعل، فمن عزم على الوطء فقد عاد بالنية، فتلزمه الكفارة لإباحة الوطء، ومن وطئ بالفعل تحتم في حقه اللزوم، وخالف بالإقدام على الوطء قبل التكفير. ويدل لهذا قوله ﷺ لما قال: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، قالوا: يا رسول الله، قد عرفنا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» (٢)، فبين أن العزم على الفعل عمل يؤاخذ به الإنسان" (٣). * * * المسألة الثانية: المعتبر في قدر الكفارة (الكيل أو الوزن) .

стр. 157

ليس في المسألة اختيار للصيدلاني ففي روضة الطالبين (١): "ذكر الصيدلاني أنّ المعتبر فيه الكيل دون الوزن". * * *

стр. 158

المسألة الثالثة: حكم انتفاء الولد عمن لحقه ولد، وكان ممسوحًا (فاقد الذكر والأنثيين) . كثيرًا ما يعبّر الحنفية والمالكية عن الممسوح بلفظ المجبوب؛ ففي العناية (١) والبناية (٢) شرحي الهداية، والبحر الرائق (٣) والمغرب في ترتيب المعرب (٤): المجبوب: هو الذي استؤصل ذكره وخصيتاه. وفي مناهج التحصيل شرح المدونة (٥) المجبوب: في تعاريف الفقهاء عبارة عن الممسوح، وهو: مقطوعُ الكل (٦). وفي شرح مختصر خليل للخرشي (٧) ومنح الجليل (٨) وشرح الزرقاني على مختصر خليل (٩): الجب: وهو الذي قطع ذكره وأنثياه معًا. ومن أراد أن ينفي ولده من الانتساب إليه زاعمًا أنه ليس منه فطريقه اللعان مع زوجته. واللعان شرعًا: كلمات خمسة جعلت كالحجة للمضطر إلى قذف الزوجة التي لطخت فراشه أو إلى نفي ولد عَلِم أو ظن ظنًا مؤكدًا أنه ليس منه (١٠).

стр. 159

والمسألة المراد بحثها هنا: حكم انتفاء الولد عمن لحقه ولد، وكان ممسوحًا (فاقد الذكر والأنثيين). للعلماء فيها قولان: القول الأول: إلى أن امرأة الممسوح إذا أتت بولد فإنه يلحق به ويثبت النسب، فلا يمكن نفي الولد إلا بالملاعنة، وهو مذهب الحنفية، وقول عند الحنابلة (١)، واختيار الصيدلاني (٢). القول الثاني: لا لعان على الممسوح، ولا يلحقه نسبه، وينتفي بغير لعان، وهو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة (٣). أدلة القول الأول: ١. عموم قوله ﷺ : «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» متفق عليه (٤). فالزوج إذا ولدت امرأته ولدًا، فهو ولده في الحكم (٥).

стр. 160

نوقش: بأنه غير مسلَّم؛ لأن الولد إنما يلحق بالفراش إذا أمكن كونه منه (١). ٢. لأن المجبوب ينزل بالسحق، ويتوهم شغل رحمها بمائه بالسحق، وقد أتت به (٢). ٣. لأن معدن الماء الصلب، وهو ينفذ من ثقبه إلى الظاهر، وهما باقيان (٣). تعليل القول الثاني: ١. لاستحالة الحمل منه في العادة (٤). ٢. القياس على حمل زوجة الصبي؛ فإنه لا يلحقه؛ لأنه لا يمكن عادة (٥). ٣. لأنه يستحيل منه الإنزال والإيلاج، ولم تجر العادة بأن يخلق له ولد (٦). قال الإمام ابن قدامة ﵀ "ولا معنى لقول من قال: يجوز أن تستدخل المرأة منيّ الرجل، فتحمل؛ لأن الولد مخلوق من منيِّ الرجل والمرأة جميعًا، ولذلك يأخذ الشبه منهما، وإذا استدخلت المني بغير جماع، لم تحدث لها لذة تمني بها، فلا يختلط نسبهما، ولو صح ذلك لكان الأجنبيان الرجل والمرأة إذا تصادقا أنها استدخلت منيه، وأن الولد من ذلك المني، يلحقه نسبه، وما قال ذلك أحد" (٧). أما في عصرنا هذا فقد تبيّن إمكانية ذلك بطفل الأنابيب. الترجيح: الذي يظهر -والله أعلم- أن يرجع في مثل هذه المسائل إلى أهل الطب والمعرفة،

стр. 161

ففي المدونة (١) "في امرأة الخصي والمجبوب تأتي بالولد، قلت: هل يلزم الخصي والمجبوب الولد إذا جاءت به امرأته؟ قال: سئل مالك عن الخصي هل يلزمه الولد؟ قال: قال مالك: أرى أن يسأل أهل المعرفة (٢) بذلك ما كان يولد لمثله لزمه الولد وإلا لم يلزمه". ونقل ابن هانئ في مسائل أحمد "فيمن قطع ذكره وأنثييه قال إن دفق يكون الولد من الماء القليل، فإن شك في ولده فالقافة (٣). وسأله المروذي عن خصيّ؟ قال: إن كان مجبوبًا ليس له شيء فإن أنزل فإنه يكون منه الولد وإلا فالقافة" (٤). ومع تقدم الطب يمكن معرفة ما إذا كان يمكن للرجل أن يُنزل أو لا؛ وذلك بالتحليل. وما جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة والذي فيه: "لا يجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب، ولا يجوز تقديمها على اللعان الواردة صفته في سورة النور. وكذلك لا يجوز استخدام البصمة الوراثية بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعًا. ويجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في مجال إثبات النسب في بعض الحالات" (٥). فهذا مشروط بإمكانية حمل الزوجة من زوجها، أما وظاهر الحال عدم الإمكانية فالقول بالبصمة الوراثية أولى من القول بعدمها؛ لأنها قد تُلحق الولد لأبيه مع أن الظاهر غيره، هذا مع اشتراط الثقة التامة لمن يُجري التحليل ولو بحضور الزوجين أو القضاة المعنيين بالأمر.

стр. 162

والشارع يتشوف إلى إثبات الأنساب ما أمكن، وحديث (لعله نزعه عرق) (١) أصل في الباب. فإن لم يكن ثمة طب نرجع إلى الأصل؛ وهو أنه لا يمكن لممسوح الخصيتين أن ينزل منيًّا. والأحكام الكلية أجريت في الشرع على ما هو الغالب حفظًا للكليات (٢). * * *

стр. 163

المطلب الرابع: العِدَّة وفيه مسألتان: المسألة الأولى: حكم النكاح لكافر نكح في الشرك، ثم إن المرأة وُطئت بشبهة بعد جريان النكاح، وجرت في العدة، فلحق الإسلام النكاح والمرأة في عدة الشبهة. المسألة الثانية: حكم النكاح فيمن نكح معتدة غيره، وأسلم أحدهما والعدة أو المدة باقية، ثم أسلم الآخر وقد انقضت العدة.

стр. 164

المسألة الأولى: حكم النكاح لكافر نكح في الشرك، ثم إن المرأة وُطئت بشبهة بعد جريان النكاح، وجرت في العدة، فلحق الإسلام النكاح والمرأة في عدة الشبهة . قبل الشروع في المسألة أذكر توطئة ونقاطًا للمسألة: ١. الكفار يُقَرُّون على أنكحتهم، ولا يُتعرَّض لها بالفسخ، وإذا أسلما يصح منها ما لو ابتدؤوا عقد النكاح بعد الإسلام لجاز (١). ٢. أنكحة الكفار صحيحة إذا اعتقدوا حلَّها، ولم يترافعوا إلينا (٢). ٣. أجمع العلماء أن الزوجين إذا أسلما معًا في حال واحدة أن لهما المقام على نكاحهما إلا أن يكون بينهما نسب أو رضاع يوجب التحريم، وأن كل من كان له العقد عليها في الشرك كان له المقام معها إذا أسلما معًا (٣). ٤. وأجمعوا على أن الزوجين من أهل الكتاب إذا أسلم الرجل منهما قبل امرأته أنهما على نكاحهما (٤). ٥. اختلفوا في حكم نكاح الزوجين، إذا كانا كتابيين فأسلمت المرأة، أو غير كتابيين فأسلم أحدهما (ومذهب الشافعية والحنابلة) (٥): إذا أسلم أحدهما قبل الدخول انفسخ النكاح بالإسلام، وبانت المرأة، ولا تحل له إلا بعقد جديد، إذا أسلم المتخلف منهما بعد ذلك. وإن أسلم أحدهما بعد الدخول وُقف النكاح، فإن أسلم الكافر منهما قبل انقضاء عدة الزوجة أُقرَّا على النكاح، وإن لم يسلم الكافر منهما حتى انقضت عدة الزوجة بانت

стр. 165

منه من وقت إسلام المسلم منهما (١). ٦. أجمعت الأمَّة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة (٢). ٧. مذهب جمهور أهل العلم أن العصمة الزوجية لا تنقطع نهائيًا بإسلام أحدهما، إلا أن العلاقة الزوجية من الوطء وسائر أوجه الاستمتاع تتوقّف، حتى يسلم المتحلِّف منهما فتعود الحياة الزوجية كما كانت أو يفسخ النكاح (٣). ٨. الموطوءة بشبهة: وطء الشبهة أنواع، والمراد هنا شبهة المحل، وتسمى الشبهة الحكمية كما لو وطأ امرأة أجنبية في فراشه ظانًا أنها امرأته، وكالتي زُفَّت إلى غير زوجها (٤). ٩. العدة: مدة تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها أو للتقييد أو لتفجعها على زوج (٥). ١٠. أجمع العلماء على تحريم عقد النكاح في العدة (٦) قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (٧). أي: ولا تعزموا على عقد النكاح في

стр. 166

زمان العدة حتى تنقضي مدتها (١). ١١. ومن المقرر: إن وُطئت المزوجة بشبهة، لم يحل لزوجها وطؤها قبل انقضاء عدتها، كي لا يفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب، واختلفوا هل له الاستمتاع منها بما دون الفرج (٢). ولبيان المسألة: رجل مشرك تزوج امرأة مشركة، ثم أسلمت المرأة فحصلت الفرقة، فوطئها رجل آخر بالشبهة في زمان التوقف، ثم أسلم الزوج قبل انقضاء مدة العدة فهل يستمر النكاح؟ (٣) قول العلماء في المسألة: مذهب الحنفية والمالكية والشافعية وهو ظاهر قول الحنابلة (٤)، والذي قطع به الصيدلاني (٥): أن النكاح قائم وباقٍ، ولا يؤثر ذلك في النكاح، ولا يمنعه ما بقي من عدة

стр. 167

الشبهة. أدلتهم: عموم أدلة إقرار النكاح لمن أسلم بعد زوجته في العدة، ومنها (١): ١. عن ابن عباس قال: "ردَّ رسول الله ﷺ ابنته زينب على أبي العاص بالنكاح الأول، لم يُحْدِثْ شيئًا" (٢).

стр. 168

٢. عن ابن شهاب (١): أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام (٢)، وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل، فأسلمت يوم الفتح، وهرب زوجها عكرمة بن أبي جهل من الإسلام حتى قدم اليمن، فارتحلت أم حكيم حتى قدمت عليه باليمن، فدعته إلى الإسلام فأسلم، وقدم على رسول الله ﷺ عام الفتح، فلما رآه رسول الله ﷺ وثب إليه فرحًا، وما عليه رداء حتى بايعه فثبتا على نكاحهما ذلك (٣). وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي ﷺ أبقاهم على أنكحتهم، ولم يسأل المرأة هل انقضت عدتك أم لا؟ ولا

стр. 169

سأل عن ذلك امرأة واحدة، مع أن كثيرًا منهن أسلم بعد مدة يجوز انقضاء العدة فيها (١). ٣. قالوا: لأن عدة الشبهة لا تقطع نكاح المسلم، فهذا أولى؛ لأنه يحتمل في أنكحة الكفار ما لا يحتمل في أنكحة المسلمين (٢). * * *

стр. 170

المسألة الثانية: حكم النكاح فيمن نكح معتدة غيره، وأسلم أحدهما والعدة أو المدة باقية، ثم أسلم الآخر وقد انقضت العدة . المسألة في الكافر إذا تزوج في عدة غيره، وأسلم أحد الزوجين في العدة، ثم أسلم الآخر وقد انقضت العدة (١). في المسألة قولان: القول الأول: يُقِرّا على نكاحهما ولا يفرق بينهما، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، ووجه عند الشافعية، واختيار ابن تيمية (٢). القول الثاني: النكاح فاسد يفرّق بينهما، وهو قول صاحبي أبي حنيفة (٣) وزفر (٤)، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٥)، وهو اختيار

стр. 171

الصيدلاني (١). تعليل القول الأول: ١. أن العدة لا يمكن إيجابها حقًا للشرع؛ لأنهم لا يخاطبون بذلك، ولا لحق الزوج؛ لأنه لا يعتقد ذلك، فإذا لم تجب العدة كان النكاح صحيحًا. وعلى قول من يقول: إن العدة واجبة في حقِّ الكافر الذمي فإنها ضعيفة؛ لا تمنع صحة النكاح بناء على اعتقادهم، والعدة لا تمنع بقاء النكاح كالمنكوحة إذا وطئت بشبهة (٢). ٢. أن الْمُفْسِدَ غير مؤبد ولا مجمعٌ عليه، فإن من لا يرى صحة نكاح الكفار لا يوجب على من توفي زوجها الكافر عدة الوفاة (٣). ٣. ولأن في ديانتهم عدم وجوب العدة، والكلام فيه، فلم يكن هذا نكاح المعتدة في اعتقادهم، ونحن أمرنا بأن نتركهم، وما يدينون (٤). يناقش: بأن مسألتنا في كون أحد الزوجين أسلم في العدة. ٤. أن النكاح صحيح؛ لأن مناكح الشرك معفو عنها، وإذا أسلمت بعد انقضاء مدة العدة فقد استهلكتها على الزوج الأول في الشرك فسقط حكمها، وإذا كانت المدة باقية لم تستهلك ما بقي منها فافترقا (٥). وعلَّل أصحاب القول الثاني القائلون بالتفريق بينهما: ١. لأن الخطاب بتحريم نكاح المعتدة عام قال تعالى: (؟ ؟

стр. 172

؟ ؟ ) (١). ٢. ولأن النكاح في العدة مجمع على بطلانه فيما بين المسلمين، وقد أسلم الأول والمفسد قائم؛ وهو النكاح في معتدة الغير فالنكاح باطل؛ لأنهم مخاطبون بالحرمات (٢). ٣. وأن أهل الأصول اتفقوا على أنهم مخاطبون بالمعاملات، والنكاح منها، وكونه من حقوق الشرع لا ينافي كونه معاملة. غير أن حكم الخطاب إنما يثبت في حق المكلف ببلوغه إليه، والشهرة تنزل منزلته، وهي متحققة في حق أهل الذمة دون أهل الحرب، فمقتضى النظر التفصيل بين أن يكون ذميًا فلا يقرّ عليه وبين أن يكون حربيًا فيقرّ عليه (٣). ونوقش: بأنّ الخطاب الوارد في منع النكاح في العدة خاص بالمسلمين؛ لأن العدة فيها معنى العبادة، وهي حق للزوج أيضًا من وجه، فمن حيث هي عبادة لا يمكن إيجابها على الكافرة؛ لأن الكفار غير ملزمين بشرائع العبادات، ولا يمكن إيجابها أيضًا من حيث هي حق للزوج؛ لأن الكافر لا يعتقدها حقًا لنفسه. ومما يدل على أن النكاح لم يتمحض معاملة؛ بل فيه معنى العبادة كون الاشتغال به أولى من التخلي للنوافل، فما ذكره الأصوليين إنما هو في المعاملة المحضة، فلا منافاة بين الموضعين، فلا فرق بين الذمي والحربي في هذا الحكم (٤). ٤. ولأنه لا يجوز أن يبتدئ العقد عليها وهي في العدة، فلا يجوز إقرارهما عليه (٥). ٥. أن الإقرار على هذا النكاح يؤدي لسقي زرع غيره بمائه (٦).

стр. 173

الترجيح: الذي يظهر -والله تعالى أعلم- ترجيح ما يلي: ١. قول الجمهور بفساد النكاح والتفريق بينهما؛ لأن عقد النكاح واقعٌ في العدة مع إسلام أحدهما، والفساد حاصلٌ مع الإسلام؛ فلا يصح؛ فعن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ أنه أتى بامرأة مُجِح (١) على باب فسطاط (٢)، فقال: «لعله يريد أن يلم بها»، فقالوا: نعم، فقال رسول الله ﷺ : «لقد هممت أن ألعنه لعنًا يدخل معه قبره، كيف يُوَرِّثُهُ وهو لا يحل له؟ كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟ » (٣). ٢. يُعقد لهما عقدٌ جديد، إن رغبا. ٣. إن رأى القاضي إبقاءهما على النكاح تأليفًا لهما، وخشية تنفيرهما عن الإسلام (٤) فله ذلك -لا سيما والقول بإقرارهما على النكاح هو قول بعض أئمة السلف في الفقه-؛ لأن حفظ الدِّين مقدّم على حفظ العرض والنسل؛ فإنَّ من أهم الحِكَم في تشريع العدّة معرفة براءة الرحم؛ لئلا يفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب (٥)، (وذلك هو حفظ العرض). ثم إن كان لا بدّ، وبعد ثبات الزوجين على أصول الدين وأركان الإسلام، يبين لهم ويعقد لهم بعقد جديد. فإن التدرّج في دعوة الناس حسب القدرة والإمكان من أصول الدعوة إلى الله تعالى. فقد روى الشيخان عن ابن عباس ﵄ لما بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى

стр. 174

أهل اليمن قال له: «إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك فخذ منهم وتوقَّ كرائم (١) أموال الناس» (٢). وقد سئل جابر ﵁ عن شأن ثقيف إذ بايعت؟ قال: اشترَطَت على النبي ﷺ أن لا صدقة عليها، ولا جهاد، وأنه سمع النبي ﷺ بعد ذلك يقول: «سيتصدقون، ويجاهدون إذا أسلموا» (٣). وعن نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم: «أنه أتى النبي ﷺ ، فأسلم على أنه لا يصلي إلا صلاتين فقبل ذلك منه» (٤). قال الحافظ ابن رجب ﵀: "وأخذ الإمام أحمد بهذه الأحاديث، وقال: يصحُّ الإسلامُ على الشرط الفاسد، ثم يُلزم بشرائع الإسلام كُلها، واستدلَّ أيضًا بأنَّ حكيم بنَ حِزام قال: «بايعتُ النَّبيَّ ﷺ على أن لا أَخِرَّ إلاّ قائمًا (٥). قال أحمد: معناه أنْ يسجد من غير ركوع (٦).

стр. 175

وأمّا ما خرجه الإمام محمد بنُ نصر المروزيُّ (١) عن أنس قال: «لم يكن النَّبيُّ ﷺ يقبل مَنْ أجابه إلى الإسلام إلّا بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وكانتا فريضتين على مَنْ أقرَّ بمحمَّدٍ ﷺ وبالإسلام، وذلك قولُ الله : ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢)»، فهو لا يثبت؛ فقد رُوي بإسنادٍ ضعيف جدا، وعلى تقدير ثبوته، فالمرادُ منه أنَّه لم يكن يُقِرُّ أحدًا دخل في الإسلام على ترك الصَّلاةِ والزكاة، وهذا حقٌّ، فإنَّه ﷺ أمر معاذاً لما بعثه إلى اليمن أنْ يدعُوَهُم أوَّلاً إلى الشهادتين" (٣). قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: إذا أسلم على أن يصلي صلاتين يقبل منه، فإذا دخل يؤمر بالصلوات الخمس (٤). وسئل الإمام أحمد ﵀ عن الرجل يسلم بشرط أن لا يصلي إلا صلاتين؟ فقال: يصح إسلامه، ويؤخذ بالخمس (٥). * * *

стр. 176

المبحث الثاني: الحضانة، والنفقات وفيه مطلبان: المطلب الأول: الحضانة المطلب الثاني: النفقات

стр. 177

المطلب الأول: الرضاع والحضانة وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: حكم تصريح الشاهد في الرضاع بوصول اللبن إلى الجوف. المسألة الثانية: حق الحضانة فيما لو امتنعت الأم عن الحضانة. المسألة الثالثة: مَن أحقُّ بالولد في الحضانة، الخالة من الأم أم الخالة من الأب؟

стр. 178

المسألة الأولى: حكم تصريح الشاهد في الرضاع بوصول اللبن إلى الجوف . ليس فيها اختيار للصيدلاني، ففي نهاية المطلب: "وهذا ما ذكره الصيدلاني" (١). المسألة الثانية: حق الحضانة فيما لو امتنعت الأم عن الحضانة . الحضانة لغة: الحفظ والتربية (٢). وشرعًا: هي حفظ الولد والقيام بمصالحه (٣). وقيل: هي حفظ من لا يستقل بنفسه، وتربيته حتى يستقل بنفسه (٤). اتفق الفقهاء على أن أحق الناس بحضانة الطفل أمه ما لم تتزوج (٥)؛ لأن الأم أرفق، وأشفق وأحن عليه، وقدرتها على ذلك بلزوم البيت، والأم أخبر بتغذية الولد وحمله، وأصبر على ذلك وأرحم به (٦). المسألة: فيمن يلي الأم مباشرة في الحضانة فيما لو امتنعت عن الحضانة . القول الأول: تنتقل الحضانة إلى الجدة أم الأم، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والمشهور عند الحنابلة (٧). القول الثاني: تنتقل الحضانة إلى الأب، وهو وجه عند الشافعية والحنابلة (٨)، واختيار

стр. 179

الصيدلاني (١). تعليل القول الأول: ١. قالوا: لأن الأب أبعد، فلا تنتقل إليه مع وجود أقرب منه (٢). ٢. القياس على ما إذا سقط حقها لكونها من غير أهل الحضانة، أو لتزوجها؛ فلا يوجب ذلك سقوط حقوق فروعها بسقوط حقها، فكذلك هنا (٣). ٣. القياس على الأب إذا أسقط حقه، لا يسقط حق أمهاته في أحد الوجهين، فكذلك هنا (٤). تعليل القول الثاني: ١. قالوا: لأن أمهات الأم فرع عليها في الاستحقاق، فإذا أسقطت حقها سقط فروعها (٥). ٢. ولأن الجدة إنما تتولى الحضانة إذا بطل حق الأم، وهي وإن كانت ممتنعة، فحقها قائمٌ متى تشاء، والأب في القيام بالحضانة بمثابة السلطان في القيام بولاية التزويج عند عضل القريب؛ إذ سلطان القاضي عامّ، وسلطان الأب في المال والبدن والحضانة عام (٦). الترجيح: الراجح - والله أعلم- القول الأول بأن أمهات الأم أحق بالحضانة؛ لقوة تعليلهم والمتضمن الإجابة على تعليل القول الثاني، ولأنهن أقوى في تحقيق الحكمة من الحضانة، والأب مشغول بالمعاش، بعيدٌ عن المحضون ساعات يوميًا، إذا لم يكن ثمة أعمال توجب عليه كثرة السفر. * * *

стр. 180

المسألة الثالثة: مَن أحقُّ بالولد في الحضانة، الخالة من الأم أم الخالة من الأب ؟ قولان لأهل العلم: القول الأول: الخالة من الأم أحق من الخالة من الأب، وهو مذهب الحنفية والمالكية ووجه عند الشافعية والمذهب عند الحنابلة (١)، وهو اختيار الصيدلاني (٢). القول الثاني: الخالة من الأب أحق من الخالة من الأم، وهو الأصح عند الشافعية ووجه عند الحنابلة (٣). تعليل القول الأول: لإدلائها بقرابة الأم؛ فالخالة من الأم بنت أم الأم، وأم الأم أصل الحضانة، فالإدلاء بها أولى بالاعتبار (٤). تعليل القول الثاني: لأن الخالات أخوات الأم، فيجرين في الاستحقاق، والتقديم فيما بينهن مجرى الأخوات المفترقات (٥). الترجيح: هناك تقارب بينهما، إلا أن الخالة من الأم صلتها بالأم أقوى؛ لكونها غالبًا مع الأم أكثر عشرة ومعافسة (٦)، وتحت سقفٍ واحد، وفي حِجرٍ واحد مما يجعلها تحقق الحكمة
следующие страницы →