المطلب الأول: الرضاع والحضانة
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: حكم تصريح الشاهد في الرضاع بوصول اللبن إلى الجوف.
المسألة الثانية: حق الحضانة فيما لو امتنعت الأم عن الحضانة.
المسألة الثالثة: مَن أحقُّ بالولد في الحضانة، الخالة من الأم أم الخالة من الأب؟
стр. 178
المسألة الأولى: حكم تصريح الشاهد في الرضاع بوصول اللبن إلى الجوف .
ليس فيها اختيار للصيدلاني، ففي نهاية المطلب: "وهذا ما ذكره الصيدلاني" (١).
المسألة الثانية: حق الحضانة فيما لو امتنعت الأم عن الحضانة .
الحضانة لغة: الحفظ والتربية (٢).
وشرعًا: هي حفظ الولد والقيام بمصالحه (٣).
وقيل: هي حفظ من لا يستقل بنفسه، وتربيته حتى يستقل بنفسه (٤).
اتفق الفقهاء على أن أحق الناس بحضانة الطفل أمه ما لم تتزوج (٥)؛ لأن الأم أرفق، وأشفق وأحن عليه، وقدرتها على ذلك بلزوم البيت، والأم أخبر بتغذية الولد وحمله، وأصبر على ذلك وأرحم به (٦).
المسألة: فيمن يلي الأم مباشرة في الحضانة فيما لو امتنعت عن الحضانة .
القول الأول: تنتقل الحضانة إلى الجدة أم الأم، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والمشهور عند الحنابلة (٧).
القول الثاني: تنتقل الحضانة إلى الأب، وهو وجه عند الشافعية والحنابلة (٨)، واختيار
стр. 179
الصيدلاني (١).
تعليل القول الأول:
١. قالوا: لأن الأب أبعد، فلا تنتقل إليه مع وجود أقرب منه (٢).
٢. القياس على ما إذا سقط حقها لكونها من غير أهل الحضانة، أو لتزوجها؛ فلا يوجب ذلك سقوط حقوق فروعها بسقوط حقها، فكذلك هنا (٣).
٣. القياس على الأب إذا أسقط حقه، لا يسقط حق أمهاته في أحد الوجهين، فكذلك هنا (٤).
تعليل القول الثاني:
١. قالوا: لأن أمهات الأم فرع عليها في الاستحقاق، فإذا أسقطت حقها سقط فروعها (٥).
٢. ولأن الجدة إنما تتولى الحضانة إذا بطل حق الأم، وهي وإن كانت ممتنعة، فحقها قائمٌ متى تشاء، والأب في القيام بالحضانة بمثابة السلطان في القيام بولاية التزويج عند عضل القريب؛ إذ سلطان القاضي عامّ، وسلطان الأب في المال والبدن والحضانة عام (٦).
الترجيح:
الراجح - والله أعلم- القول الأول بأن أمهات الأم أحق بالحضانة؛ لقوة تعليلهم والمتضمن الإجابة على تعليل القول الثاني، ولأنهن أقوى في تحقيق الحكمة من الحضانة،
والأب مشغول بالمعاش، بعيدٌ عن المحضون ساعات يوميًا، إذا لم يكن ثمة أعمال توجب عليه كثرة السفر.
* * *
стр. 180
المسألة الثالثة: مَن أحقُّ بالولد في الحضانة، الخالة من الأم أم الخالة من الأب ؟
قولان لأهل العلم:
القول الأول: الخالة من الأم أحق من الخالة من الأب، وهو مذهب الحنفية والمالكية ووجه عند الشافعية والمذهب عند الحنابلة (١)، وهو اختيار الصيدلاني (٢).
القول الثاني: الخالة من الأب أحق من الخالة من الأم، وهو الأصح عند الشافعية ووجه عند الحنابلة (٣).
تعليل القول الأول:
لإدلائها بقرابة الأم؛ فالخالة من الأم بنت أم الأم، وأم الأم أصل الحضانة، فالإدلاء بها أولى بالاعتبار (٤).
تعليل القول الثاني:
لأن الخالات أخوات الأم، فيجرين في الاستحقاق، والتقديم فيما بينهن مجرى الأخوات المفترقات (٥).
الترجيح:
هناك تقارب بينهما، إلا أن الخالة من الأم صلتها بالأم أقوى؛ لكونها غالبًا مع الأم أكثر عشرة ومعافسة (٦)، وتحت سقفٍ واحد، وفي حِجرٍ واحد مما يجعلها تحقق الحكمة
стр. 181
من الحضانة بشكل أوسع في الشفقة والحنونة، هذا عند التساوي، وإلا فإن للقاضي دراسة الأفضلية في ذلك من حيث المقدرة على النفقة، والبيئة المناسبة من جميع الوجوه -والله أعلم-.
* * *
стр. 182
المطلب الثاني: النفقات
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: إذا احتاجت الخادمة إلى إزالة الوسخ عن نفسها، ولو لم تفعل ذلك، لتأذت بالهوامّ والوسخ، ثم تأذت المخدومة بها، فهل يجب على الزوج أن يكفي الخادمة؟
المسألة الثانية: حكم سقوط حق المرأة لو أبرأت زوجها عن نفقة سنة مثلا، وانقضت المدة، ورضيت بالمقام تحت الزوج، ثم عادت إلى طلب النفقة.
стр. 183
المسألة الأولى: إذا احتاجت الخادمة إلى إزالة الوسخ عن نفسها، ولو لم تفعل ذلك، لتأذت بالهوامّ والوسخ، ثم تأذت المخدومة بها، فهل يجب على الزوج أن يكفي الخادمة ؟
اتفق الفقهاء (١) على أنه يلزم للزوجة نفقة الخادم إذا كان الزوج موسرًا، وكانت المرأة ممن تُخدَم في بيت أبيها مثلاً، ولا تخدُم نفسَها لكونها من ذوي الأقدار أو مريضة؛ لأنه من المعاشرة بالمعروف، ولأن كفايتها واجبة عليه، وقال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢).
وعلى الزوج أن يعطي الزوجة ما تتنظف به وتزيل الأوساخ التي تؤذيها أو تؤذي بها؛ كالمشط والدهن، وما تغسل به الرأس من السدر وغيره، على عادة البقعة، والرجوع في قدره إلى العادة، ويجب من الدهن ما يعتاد استعماله غالبًا (٣).
ولا يجب على الزوج للخادمة آلات التنظف؛ لأنها لا تتنظف له بخلاف المخدومة، بل اللائق بالخادمة أن تكون شعثة، لئلا تمتد إليها العين، لكن لو كثر الوسخ، وتأذت بالهوامّ (٤) فللعلماء فيها قولان:
القول الأول: يجب على الزوج بذل النفقة بما ينظفها ويزيل الأذى، وهو مذهب الشافعية، وقول عند الحنابلة (٥)، وهو اختيار الصيدلاني (٦).
стр. 184
القول الثاني: لا يلزم الزوج بذل النفقة للخادمة بما يعود بنظافتها، وهو مقتضى (قول الحنفية والمالكية) (١)، والصحيح من مذهب الحنابلة، ووجه عند الشافعية (٢).
قالوا: إلا إذا كانت الخادمة ليست أمة؛ وإنما تخدم بأجرة، أو كانت عارية فنفقتها وما تحتاج إليه على المؤجر والمعير (٣).
تعليل القول الأول:
قالوا: إن ركوب الدرن والوسخ وتلبد الشعر، ووقوع الهوام، مما يقع وقوعَ الجوع، فيجب أن تُكفَى هذه الجهة، كما يُكفَى الحر والبرد (٤).
تعليل القول الثاني:
١. قالوا: لأن ذلك يراد للزينة والتنظيف، وهذا غير مراد من الخادم أو الخادمة (٥).
٢. قالوا: وتجب على المؤجر والمعير؛ لأن المكري ليس له إلا الأجرة؛ والمعير لا تسقط عنه النفقة بإعارته (٦).
٣. وقد يعللون بالقياس الأولوي على عدم وجوب نفقة الزوج لعلاج زوجته
стр. 185
المريضة (١).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- القول بوجوب نفقة الزوج على الخادمة لإزالة الوسخ والهوام الذي تتأذى منه الزوجة، لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢).
والقياس على المريضة فيه نظر؛ فإن النفقة في علاج الزوجة أولى وأظهر وجوبًا من النفقة في الكسوة والطعام، لا سيما في مثل هذه الأزمنة وقد غلت أثمان الأدوية والعلاجات.
قال د. وهبة الزحيلي ﵀: "ويظهر لدي أن المداواة لم تكن في الماضي حاجة أساسية، فلا يحتاج الإنسان غالبًا إلى العلاج؛ لأنه يلتزم قواعد الصحة والوقاية، فاجتهاد الفقهاء مبني على عرف قائم في عصرهم، أما الآن فقد أصبحت الحاجة إلى العلاج كالحاجة إلى الطعام والغذاء، بل أهم؛ لأن المريض يفضل غالبًا ما يتداوى به على كل شيء، وهل يمكنه تناول الطعام وهو يشكو ويتوجع من الآلام والأوجاع التي تبرح به وتجهده وتهدده بالموت؟ ! لذا فإني أرى وجوب نفقة الدواء على الزوج كغيرها من النفقات الضرورية، ومثل وجوب نفقة الدواء اللازم للولد على الوالد بالإجماع، وهل من حسن العشرة أن يستمتع الزوج بزوجته حال الصحة، ثم يردها إلى أهلها لمعالجتها حال المرض؟ ! " (٣).
* * *
المسألة الثانية: حكم سقوط حق المرأة لو أبرأت زوجها عن نفقة سنة مثلا، وانقضت المدة، ورضيت بالمقام تحت الزوج، ثم عادت إلى طلب النفقة .
ليس في المسألة اختيار للصيدلاني.
стр. 186
الفصل الثالث:
الجراح، ودعوى الدم والقسامة، والديات، والحدود
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الجراح، ودعوى الدم والقسامة والديات
المبحث الثاني: الحدود
المطلب الأول: الجراح، ودعوى الدم والقسامة
وفيه خمس مسائل:
المسألة الأولى: حكم القصاص فيما لو ألقى زيد رجلاً في النار وكان من الممكن للرجل أن يتخطاها ويتعدّاها، فلبث حتى أحاط به الوهجُ واللّفحُ.
المسألة الثانية: نوع القتل فيما إذا رمى جماعةٌ حجرًا بالمنجنيق، وقصدوا شخصا أو جماعة بأعيانهم فأصابوا من قصدوه.
المسألة الثالثة: لو سلمنا السيف إلى ولي القصاص في القتل، فضرب غير الرقبة؛ فلم يصبها السيف.
المسألة الرابعة: الضمان فيما قتل الجلاّدُ رجلًا بالجلد وقد أَخبر الإمامُ الجلادَ بأنه ظالم، فتابعه الجلاد.
المسألة الخامسة: حكم القسامة مع عدم وجود أثر القتل.
стр. 189
المسألة الأولى: حكم القصاص فيما لو ألقى زيد رجلاً في النار وكان من الممكن للرجل أن يتخطاها ويتعدّاها، فلبث حتى أحاط به الوهجُ واللّفحُ .
ليس في المسألة اختيار للصيدلاني، وإنما قال: "ذكره الصيدلاني" (١).
المسألة الثانية: نوع القتل فيما إذا رمى جماعةٌ حجرًا بالمنجنيق، وقصدوا شخصًا أو جماعة بأعيانهم فأصابوا من قصدوه .
المنجنيق: بفتح الميم وكسرها وفتح الجيم، وهي آلة ترمى بها الحجارة (٢).
والمنجيق بمنزلة المِدفع في وقتنا الحاضر، وكانوا سابقًا يضعون المنجنيق بين خشبتين وعليهما خشبة معترضة، وفيها حبال قوية، ثم يُجعل الحجر بحجم الرأس أو نحوه في شيء مقبب، ثم يأتي رجال أقوياء يشدونه ثم يطلقونه، وإذا انطلق الحجر انطلق بعيدًا، فكانوا يستعملونه في الحروب (٣).
فمن رمى شخصًا أو جماعة بالمنجنيق، إما أن يقصدهم بأعيانهم أو لا يقصدهم بأعيانهم،
والمراد في مسألتنا هو أن يقصدهم بأعيانهم، فهل قتله هذا قتل عمد أو شبه عمد؟
في المسألة قولان:
القول الأول: شبه عمد (٤)،
وهو ظاهر مذهب أبي حنيفة، ووجه عند الشافعية (٥)،
стр. 190
وقول عند الحنابلة (١).
القول الثاني: عمد، وهو قول الصاحبين، ومذهب المالكية والشافعية (٢)، وقول عند الحنابلة (٣)، واختيار الصيدلاني (٤).
أدلة القول الأول:
١. قوله ﷺ : "ألا وإن قتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا والحجر مائة من الإبل" (٥).
وجه الدلالة:
أن المنجنيق حجر، وقد صرح الحديث بأن القتل بالحجر شبه عمد.
ونوقش:
بأن الحجر المذكور في هذا الحديث هو الحجر الذي لا يقتل مثله من جنس السوط، والعصا الذي لا يقتل أمثالهما (٦).
стр. 191
٢. عن النعمان بن بشير ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا قود إلا بالسيف» (١).
وفي لفظ: «لا قود إلا بسلاح» (٢).
وفي لفظ: «كل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرش (٣)» (٤).
وجه الدلالة:
أن هذا نص على نفي القصاص والقود بغير السيف والسلاح، وكل قتل بغير السلاح فليس بعمد (٥).
ونوقش:
بأن الأحاديث في ذلك ضعيفة (٦).
٣. عن علي ﵁ قال: «شبه العمد الضربة بالخشبة، أو القذفة بالحجر
стр. 192
العظيم» (١).
والمنجنيق قذفة بالحجر العظيم.
٤. قالوا: ولأنه لا يتحقق قصد معين بالمنجنيق، وقصد الواحد بالمنجنيق يندر إصابته (٢).
٥. ولأن قصد الواحد بعينه بالمنجنيق لا يكاد يفضي إلى إتلافه (٣).
أدلة القول الثاني:
١. عن أنس بن مالك ﵁ قال: "خرَجَت جارية عليها أوضاح (٤) بالمدينة، قال: فرماها يهودي بحجر، قال: فجيء بها إلى النبي ﷺ وبها رمق، فقال لها رسول الله ﷺ : «فلان قتلك؟ » فرفعَت رأسها، فأعاد عليها، قال: «فلان قتلك؟ » فرفعت رأسها، فقال لها في الثالثة: «فلان قتلك؟ » فخفضت رأسها، فدعا به رسول الله ﷺ فقتله بين الحجرين" (٥).
وجه الدلالة:
أن الحديث يدل على أن القتل بالحجر ومنه المنجنيق من قتل العمد لقتل النبي ﷺ اليهودي قصاصًا (٦).
٢. لأنهم قصدوا القتل بما يقتل غالبًا، كما لو ضربوه بمثقل يقتل غالبًا فصار
стр. 193
عمدًا (١).
الترجيح:
الراجح - والله أعلم - القول بأن الرمي بالمنجنيق لمن قصد جماعة بأعيانهم أو شخصًا بعينه أنه من قبيل القتل العمد:
١. لحديث أنس في اليهودي الذي قتل الجارية بحجر.
٢. ولأن المنجنيق لا يكون إلا في القتال؛ فهو موضوع للقتال ابتداءً.
٣. ولإمكان مناقشة أدلة القول الأول وضعف المسند منها.
٤. وأما أثر علي ﵁ (٢) فهو موقوف لا ينهض لمعارضة المرفوع، وعلى القول به يحمل على ما لا يقتل غالبًا، والله أعلم.
* * *
стр. 194
المسألة الثالثة: لو سلمنا السيف إلى وليّ القصاص في القتل، فضرب غير الرقبة؛ فلم يصبها السيف .
مذهب الجمهور أن للإمام أن يفوّض ولي المقتول بقتل الجاني بشرط أن يُحْسِنُه وأن يستوفيه بآلة صالحة (١).
فإذا فوّض الإمام أو نائبه القتلَ إلى الولي، فضرب ضربة على غير عنقه وأصاب غير الموضع المقصود ففي المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: إن تعمّد عُزِّر ولا يعزل ولا يمنع من الاستيفاء، وإن ادعى أنه أخطأ - نُظر: إن ضرب على موضع لا يقع الخطأ بمثله: من رِجل، أو وسط- عُزِّر، ولا يمنع من القتل.
وإن ضرب على موضع يقع الخطأُ بمثله: من رأس، أو كتفٍ - حُلّف أنه أخطأ، ولا يعزر إذا حَلف، ويؤمر بالتفويض إلى غيره، وهو مذهب الشافعية (٢)، واختيار الصيدلاني (٣).
стр. 195
القول الثاني: المتعمِّد يُعزَّر ويؤخذ السيفُ منه، والمخطئ يعزّر، ولا يُعزل، وهو وجه عند الشافعية (١).
القول الثالث: إن أقر بتعمد ذلك عُزِّر، ومنع إن أراد العود، فإن قال: أخطأت وكانت الضربة قريبة من العنق كالرأس والمنكب قُبِل قوله مع يمينه، وإن كان بعيدًا عن العنق كالوسط والرجلين لم يقبل، ثم إن أراد العود للاستيفاء لا يُمَكَّن، وهو مذهب الحنابلة (٢).
تعليل القول الأول:
١. إذا وقع في موضع لا يجوز الغلط في مثله كضربه لرجله أو ظهره أو بطنه، فيعزر لتعديه، ولا تقبل دعوى الغلط فيه، ولا يحلف عليه لاستحالة صدقه، واليمين تدخل فيما احتمل الصدق (٣).
ولا يُعزل المتعمّد لأمور:
أ- لأنه أهل لاستيفاء القصاص (٤).
ب- قياسًا على من جرحَ الجاني قبل الارتفاع إلى مجلس الحاكم؛ فإن له الحق في الاستيفاء بعد الارتفاع إلى مجلس الحاكم (٥).
ج- لأن الظاهر تحرزه عن مثل ذلك ثانيًا (٦).
٢. لو ادعى الخطأ فيما يمكن فيه الخطأ، بأن ضرب كتفه، أو رأسه مما يلي الرقبة، حلف، ولا يعزر إذا حلف، لكن يعزل؛ لأن حاله يشعر بعجزه، وتبين أنه ليس يحسن
стр. 196
الأمر، ولا ينفع زجره (١).
تعليل القول الثاني:
١. قالوا: يُعزل المتعمد؛ لأنا لا نأمن أن يفعل ثانيًا مثلَ ما فعل أولًا (٢).
٢. المخطئ لا يعزل؛ لأنه لم يقصد، ويعزّر حتى يرتدع (٣).
تعليل القول الثالث:
١. يعزر المتعمد؛ لتعديه، ولأنه فعل فعلًا ليس مأذونا له فيه (٤).
٢. يعزل المتعمد؛ لاحتمال أن يعود إلى مثل فعله، ويعزل المخطئ؛ لأنه تبين منه أنه لا يحسن الاستيفاء (٥).
٣. إن كان الضرب بعيدًا لا يقبل قوله: "أخطأت"؛ لأنه خلاف الظاهر (٦).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- القول الثالث، وذلك لما يلي:
١. قوة تعليلهم.
٢. ولأن عزل المتعمد والمخطئ فيه احتياط وسلامة من الحيف في القصاص والسلامة لا يعدلها شيء.
٣. وعزلهما عود إلى الأصل؛ وهو أن يباشر الحاكم استيفاء القصاص.
* * *
стр. 197
المسألة الرابعة: الضمان فيما إذا قتل الجلّادُ رجلًا بالجلد، وقد أَخبر الإمامُ الجلادَ بأنه ظالم، فتابعه الجلاد .
ولتحرير المسألة، لا بد من بيان أمور:
١. أجمع العلماء على أن السلطان إذا تعدى على أحد من رعيته متعمدًا فإنه يُقتَص منه، إذ هو واحد منهم (١).
٢. قال الإمام القرطبي ﵀: "أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله، ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة" (٢).
٣. اتفق الفقهاء على أن من جلد ظلمًا فتلف المجلود ففيه الضمان (٣).
٤. ليعلم أن من أمر غيره بقتل نفسٍ ظلمًا بغير حق لا يخلو من ثلاثة أقسام (٤):
أحدها: أن يكون إمامًا ملتزم الطاعة.
والثاني: أن يكون متغلبًا نافذ الأمر.
والثالث: أن يساوي المأمور، لا يعلو عليه بطاعة ولا قدرة.
فأما القسم الأول، وهو أن يكون الآمر بالقتل إمامًا ملتزم الطاعة. فلا يخلو حال المأمور في قتله من أحد أمرين:
إما أن يجهل حال المقتول ولا يعلم أنه مظلوم، ويعتقد أن الإمام لا يقتل إلا بحق فلا قود على المأمور، ولا دية، ولا كفارة؛ لأن طاعة الإمام واجبة عليه لقول الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٥)، وعلى الإمام القود؛ لأن أمْره إذا كان
стр. 198
ملتزم الطاعة يقوم مقام فعله؛ لنفوذه، وحدوث الفعل عنه، وجرى المأمور معه مجرى الآلة.
والحالة الثانية: أن يكون المأمور عالماً بأنه مظلوم، يقتل بغير حق فبهذا المأمور حالتان:
إحداهما: أن يقتله مختارًا.
والثانية: مكرهًا.
فلو قتل الجلّادُ رجلًا بالجلد وقد أَخبر الإمامُ الجلادَ بأنه ظالم، فتابعه الجلاد، فالضمان على مَن؟
اختلف العلماء في المسألة على أقوال (١):
القول الأول: الضمان على الإمام دون الجلاد، وهو قول أبي حنيفة، ووجه عند الحنابلة (٢).
القول الثاني: إن كان قد قَتَله مختارًا غير مكره فهو القاتل دون الإمام، فعلى الجلَّاد الضمان، وإن قتله مكرهًا فعلى الإمام
والجلاد الضمان، وهو قول جمهور الشافعية (٣)، ومنهم
стр. 199
الصيدلاني (١).
القول الثالث: الضمان على الإمام والجلَّاد معًا، وهو قول المالكية، ووجه عند الشافعية (٢).
القول الرابع: الضمان على الجلَّاد، وهو وجه عند الحنابلة (٣).
أدلة القول الأول:
١. قوله ﷺ : «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٤).
стр. 200
وجه الدلالة:
أن الشرع قد تجاوز عن أفعال المكرَه، والتجاوز عن الشيء تجاوز عن موجَبه، وهو الضمان هنا (١).
نوقش:
بأن استدلال الحنفية بهذا الحديث لا يستقيم؛ ذلك أن مذهب الحنفية عدم عموم المقتضى لجميع أفراده؛ بل ينحصر أثره عندهم في رفع المؤاخذة الأخروية، وهي المأثم، فالاحتجاج بهذا الحديث مخالف لأصول مذهبهم (٢).
٢. قالوا: ولأن القاتل هو المكرِه من حيث المعنى، وإنما الموجود من المكرَه صورة القتل فأشبه الآلة، فلا دية على المكرَه (٣).
٣. القياس على مسألة: إذا أكره على قَطع يد نفسِه له أن يقتص من المكرِه، ولو كان هو القاطع حقيقة لما اقتصَّ (٤).
٤. قالوا: لأن أمر السلطان إكراه؛ إذ المأمور يعلم عادة أنه يعاقبه إن لم يمتثل أمره، فلا دية عليه (٥).
ونوقش:
стр. 201
بأن قولهم: (إن المكرَه ملجأ) غير صحيح؛ فإنه متمكن من الامتناع، ولذلك أَثِم بقتله، وحَرُم عليه، وإنما قتله عند الإكراه ظنًا منه أنّ في قتله نجاة نفسه، وخَلاصُه من شر المكرِه، فأشبه القاتل في المخمصة ليأكله (١).
أدلة القول الثاني:
١. عند الاختيار يضمن الجلاد، لأنه مباشر للقتل، والقاعدة الفقهية تقول: (إذا اجتمع المباشر والمتسبب يُضاف الحكم إلى المباشر) (٢).
٢. عند الاختيار وعدم الإكراه يكون الجلاد القاتل دون الإمام؛ لأن طاعة الإمام لا تلزم في المعاصي قال النبي ﷺ : "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" (٣).
٣. عند الإكراه يضمن الإمام والجلاد؛ أما الإمام فلأنه تسبب إلى قتله، فأشبه ما لو ألسعه حية، أو ألقاه على أسد في زُبْية (٤).
وأما الجلاد فلأنه باشر قتله عمدًا ظلمًا لاستبقاء نفسه، فأشبه ما لو قتله في
стр. 202
المخمصة ليأكله (١).
٤. إنما هما شريكان، يجب القصاص عليهما جميعًا، فوجبت الدية عليهما، كالشريكين بالفعل، وكما يجب الجزاء على الدال على الصيد في الإحرام والمباشر، والرِّدْء والمباشر في المحاربة (٢).
تعليل القول الثالث:
١. يضمن الإمام لتسببه، ويضمن الجلاد لمباشرته (٣).
٢. يضمن المباشر؛ إذ لا خلاف أن الإكراه لا يبيح له قتل مسلم ظلمًا، ويضمن الإمام أيضًا؛ لأن الجلاد كآلة له (٤).
٣. في تضمين الإمام اعتبارٌ للمصلحة، وحسمٌ لعدوان الأئمة (٥).
стр. 203
دليل القول الرابع:
القاعدة السابقة: (إذا اجتمع المباشر والمتسبب يُضاف الحكم إلى المباشر) (١).
والجلاد هو المباشر، فهو الضامن.
الترجيح:
الذي يظهر- والله أعلم- أن الراجح التوسط بين الأقوال بما يلي:
١. الضمان على الإمام والجلاد معًا عند الاختيار؛ لأن كثيرًا ما يكون أمر السلطان إكراه؛ فإن السلطان لا يُؤمن تغيًّره بتغيُّر البطانة والنقَلة، ثم إن المأمور يعلم عادة أنه يعاقبه إن لم يمتثل أمره (٢). ويضمن الجلاد؛ لأنه مباشر كما تقدم.
٢. الضمان على الإمام فقط عند الإكراه الملجئ؛ لأنه ليس إكراهًا على القتل مباشرة، ولكنه إكراه على الجلد الذي أفضى إلى الموت، ولأنه يصح نسبة الجلد والقتل إلى الإمام وإضافة الفعل إليه لأنه الآمر به كقوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (٣) أي أمر بذبحهم (٤)، وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٥) فهو الذي خرج ﷺ ، قال الإمام القرطبي ﵀: "في هذه الآية دليل على أن نسبة الفعل الموجود من الملجأ المكرَه إلى الذي ألجأه وأكرهه، لأن الله تعالى نسب الإخراج إلى الكفار" (٦).
ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير، قال: "كنت مع ابن عمر حين أصابه سنان الرمح في أخمص قدمه، فَلَزِقَتْ قدمه بالركاب، فَنَزَلْت، فنزعتها، وذلك بمنى، فبلغ الحجاج فجعل يعوده، فقال الحجاج: لو نعلم من أصابك، فقال ابن
стр. 204
عمر: «أنت أصبتني» قال: وكيف؟ قال: «حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه، وأدخلت السلاح الحرم ولم يكن السلاح يدخل الحرم» (١) ".
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "قوله "أنت أصبتني" فيه نسبة الفعل إلى الآمر بشيء يتسبب منه ذلك الفعل وإن لم يَعْنِ الآمر" (٢). والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 205
المسألة الخامسة: حكم القسامة مع عدم وجود أثر القتل .
القسامة: أن يقسم خمسون من أولياء القتيل على استحقاقهم دية قتيلهم، إذا وجدوه قتيلًا بين قوم، ولم يعرف قاتله. فإن لم يكونوا خمسين رجلًا أقسم الموجودون خمسين يمينًا. فإن امتنعوا وطلبوا اليمين من المتهمين ردها القاضي عليهم، فأقسموا بها على نفي القتل عنهم. فإن حلف المدعون استحقوا الدية. وإن حلف المتهمون لم تلزمهم الدية. على خلاف وتفصيل (١).
وأجمع جمهور العلماء القائلون بالقسامة أنها لا تجب إلا بشبهة. واختلفوا في الشبهة ما هي؟ (٢).
واشترط الفقهاء لثبوت القسامة شروطًا منها المتفق عليه ومنها المختلف فيه (٣)، ومما اختلفوا فيه:
هل يشترط في ثبوت القسامة أن يكون في القتيل أثر قتل من دم أو جراحة أو أثر ضرب أو خنق؟
في المسألة قولان:
القول الأول: يشترط في القسامة أن يكون في القتيل أثر القتل من جراحة أو أثر ضرب أو خنق، فإن لم يكن شيء من ذلك فلا قسامة فيه، ولا دية، وهو قول الحنفية، والصحيح عند الشافعية -كما في الروضة وأصلها- ورواية عن أحمد (٤)، واختيار
стр. 206
الصيدلاني (١).
قال الحنفية: "إذا وجد والدم يخرج من فمه أو من أنفه أو من دبره أو ذكره لا شيء فيه؛ لأن الدم يخرج من هذه المواضع عادة بدون الضرب بسبب القيء والرعاف وعارض آخر، فلا يعرف كونه قتيلًا، وإن كان يخرج من عينه أو أذنه ففيه القسامة والدية؛ لأن الدم لا يخرج من هذه المواضع عادة" (٢).
القول الثاني: لا يشترط في القسامة ظهور أثر القتل، وهو ظاهر قول المالكية، والمنصوص عن الشافعي والمعتمد عند الحنابلة (٣).
стр. 207
تنبيه:
عند الشافعية في أسنى المطالب (١)، ومغني المحتاج (٢) وغيرهما: "فلو لم يوجد أثر أصلًا فلا قسامة على الصحيح في الروضة وأصلها، وإن قال في المهمات: إن المذهب المنصوص وقول الجمهور ثبوت القسامة" (٣).
تعليل القول الأول:
١. قالوا: لأنه ليس بقتيل؛ فإذا لم يكن به أثر القتل فالظاهر أنه مات حتف أنفه، فلا يجب فيه شيء، فإذا احتمل أنه مات حتف أنفه، واحتمل أنه قتل احتمالًا على السواء فلا يجب شيء بالشك والاحتمال (٤).
٢. القياس على من وجد قَتِيلًا في المعركة، ولم يكن به أثر القتل لم يكن شهيدًا ويغسل؛ لأن المقتول إنما يفارق الميت حتف أنفه بالأثر، فإذا لم يكن به أثر فالظاهر أنه لم يكن بفعل مضاف إلى العدو، فكذلك هنا (٥).
٣. والأصل عدم تعرض غيره له، فلا بد أن يعلم أنه قتيل ليبحث عن القاتل (٦).
تعليل القول الثاني:
١. أن النبي ﷺ لم يسأل الأنصار، هل كان بقتيلهم أثر أو لا؟ ، ولو اشترط،
стр. 208
لاستفصل (١) ﵇، وسأل عنه (٢).
قال الإمام الشافعي ﵀: "ترك الاستفصال في وقائع الأحوال مع قيام الاحتمال يتنزل منزلة العموم في المقال" (٣).
стр. 209
٢. ولأن القتل يحصل بما لا أثر له، كغمّ الوجه، والخنق، وعصر الخصيتين، وضربة الفؤاد، فأشبه من به أثر (١).
٣. ولأن مَن به أثر قد يموت حتف أنفه؛ لسقطته، أو صرعته، أو يقتل نفسه (٢).
الترجيح:
الراجح - والله أعلم- هو القول بأنه يشترط لثبوت القسامة وجود أثر القتل؛ لأن الأصل أن تكون اليمين على من أنكر إذا لم يكن بينة، ولا تكون على المدعي.
والقسامة جرت على خلاف القياس لقوله ﷺ : «لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» (٣).
والقسامة لا تكون إلا في القتل، فإذا شككنا في السبب-وهو القتل- رجعنا إلى الأصل وهو البينة على المدعي واليمين على من أنكر.
وقد جاء الحديث في رواية: «البينة على من ادعى واليمين على مَنْ أنكر إلا في
стр. 210
القسامة» (١).
وأما قاعدة الاستفصال، فإن الرواية تنص أنه كان مقتولًا، وهذا لا يكون إلا بأثر.
ففي الصحيحين: "ووجدوا أحدهم قتيلًا، وقالوا للذي وجد فيهم: قد قتلتم صاحبنا، قالوا: ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا، فانطلقوا إلى النبي ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، انطلقنا إلى خيبر، فوجدنا أحدنا قتيلًا، ... فقال لهم: «تأتون بالبينة على من قتله»، قالوا: ما لنا بينة، قال: «فيحلفون»، قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه، فوداه مائة من إبل الصدقة" (٢).
فأولياء الدم والمدعى عليهم والنبي ﷺ كلهم يقرُّون بأنه قتيل، والقتيل هو المقتول، والحكم عليه بأنه مقتول لا يكون إلا بوجود أثر القتل.
قال الليث: القتل معروف، يقال: قتله: إذا أماته بضرب أو حجر أو سم أو علة (٣).
ومع تقدُّم الطب في هذا الزمن، وتطوُّر الأجهزة والأشعة والتحاليل يمكن معرفة أثر القتل إن كان قتلًا، والله أعلم.
* * *
стр. 211
المطلب الثاني: الديات
وفيه ثماني مسائل:
المسألة الأولى: إن قال ولي الدم: "عفوت عن الدم على أنْ لا مال لي".
المسألة الثانية: إن عفا المبذِّر عن الدية.
المسألة الثالثة: إن قَصُر الزمان، ولم يمكن فيه الاندمال، فقال الوارث: مات بسبب آخر، ولم يمت بالجرح، ولم يذكر سببًا مفصلاً من سقطةٍ وغيرها، فهل يقبل قوله؟
المسألة الرابعة: إذا اختلف الجاني ومستحق الدم؛ فقال الجاني: مات بالسراية، أو قتلته أنا قبل الاندمال، وقال الولي: بل مات بسبب آخر، بأن قال: قتل نفسه، أو قتله آخر، أو شرب سمًا قاتلًا، فإذا قلنا: يصدق الولي، فهل يلتفت إلى قوله إن قصر الزمان ولم يمكن فيه الاندمال؟
المسألة الخامسة: إذا شج رأس إنسان موضِحتين، فارتفع الحاجز بينهما، وقد طال الزمان، فقال المشجوج: رفعتَ الحاجز بعد الاندمال، واستقرار الأرشين، [وأُلزمك رفع الحاجز] أرشًا ثالثًا، وقال الشاج: رفعتُ الحاجزَ قبل الاندمال، وقد طال الزمان، هل يثبت الأرش الثالث الذي يتعلق برفع الحاجز بعد الاندمال؟
المسألة السادسة: لو طعن رجلًا في بطنه، فنفذ السنان من الظهر، على القول بأن من ضرب بطن إنسان بمشقص وأجافه في موضعين بينهما حائل [في الاتصال]، وجعلنا الطعنة النافذةَ جائفة واحدة، فهل في الزيادة حكومة؟ أم تجب الدية فقط؟
المسألة السابعة: إذا اندملت الجراحة، وبقي في موضعها أثر وحواليها شين.
المسألة الثامنة: وجوب الغرة فيما لو جُني على كافرة حامل بجناية أفضت إلى قتلها، وكان الجنين محكومًا له بالكفر والحرية.
стр. 212
المسألة الأولى: إن قال ولي الدم: "عفوت عن الدم على أنْ لا مال لي ".
لا خلاف بين الفقهاء في أن الدية تسقط بالعفو عنها (١).
لكن إذا قال ولي الدم: "عفوت عن الدم على أنْ لا مال لي".
وجهان عند الشافعية:
الوجه الأول: تسقط به المطالبة بالمال (٢).
الثاني: لا تسقط به المطالبة بالمال (٣)، ومال إليه الصيدلاني (٤).
تعليل الوجه الأول:
القياس على العفو المطلق عن القصاص والدية (٥).
تعليل الوجه الثاني:
لأن قوله على أن لا مال شرط انتفاء، وليس بنفيٍ على الحقيقة (٦).
стр. 213
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- قول الصيدلاني ﵀؛ لوجهين:
١. لأن إعمال الكلام أولى من إهماله (١)؛ فيجب صون الكلام الصادر عن المكلف عن الإهمال والإلغاء.
٢. لأنه حق لا يسقط إلا بيقين.
ويجب أن يُستفصل عن قصده ونيته حين تلفظه بذلك حتى لا يحصل النزاع.
* * *
стр. 214
المسألة الثانية: إن عفا المبذِّر عن الدية .
التبذير يستعمل في المشهور بمعنى الإسراف، والتحقيق: أن بينهما فرقًا؛ وهو أن الإسراف: صرف الشيء فيما ينبغي زائدًا على ما ينبغي، بخلاف التبذير: صرفه فيما لا ينبغي (١).
وقال الماوردي: "السرف: هو الجهل بمقادير الحقوق، والتبذير: هو الجهل بمواقع الحقوق. وكلاهما مذموم، وذم التبذير أعظم؛ لأن المسرف يخطئ في الزيادة، والمبذر يخطئ في الجهل" (٢).
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه ليس من الإسراف صرف المال إلى وجوه الخيرات (٣)، ومن رشيق كلام بعض المتقدمين: "لا خير في السرف ولا سرف في الخير" (٤).
ويرى بعض الفقهاء أن الإسراف كما يكون في الشر، يكون في الخير، فمن الإسراف
стр. 215
عندهم مجاوزة القدر في العطية إلى ما يجحف برب المال (١).
وهذه المسألة فيما إن عفا المبذِّر عن الدية متفرعة عن مسألة حكم الحجر على السفيه.
وهل عفو السفيه نافذ أو ليس له ذلك؟
والمراد بالمبذّر هنا من كان بالغًا.
والمبذر في الأموال يعدّ سفيهًا عند الفقهاء؛ لأن السفه: تبذير المال وتضييعه على خلاف مقتضى الشرع أو العقل (٢).
ولهذا جرى على لسان الفقهاء: أن السفه هو التبذير، والسفيه هو المبذر (٣).
وعلاقة التبذير بالسفه هي علاقة السبب بالمسبب؛ فمن عادة السفيه التبذير والإسراف في النفقة، وأن يتصرف تصرفًا لا لغرض أو عوض لا يعده العقلاء من أهل الديانة عوضًا (٤).
وللعلماء في مسألة حكم عفو المبذِّر عن الدية ثلاثة أقوال:
القول الأول: عفو المبذر نافذ، وهو مقتضى قول أبي حنيفة (٥).
القول الثاني: ليس للمبذِّر العفو عن الدية، ولا أثر لقوله، ولا حكم لعفوه. وهو