← Фикх общий

Фикх общий · id 143157

الاختيارات الفقهية لمحمد بن داود الصيدلاني

خالد بن عبد الله عفيف

Полный текст (638 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المطلب الثاني: الديات وفيه ثماني مسائل: المسألة الأولى: إن قال ولي الدم: "عفوت عن الدم على أنْ لا مال لي". المسألة الثانية: إن عفا المبذِّر عن الدية. المسألة الثالثة: إن قَصُر الزمان، ولم يمكن فيه الاندمال، فقال الوارث: مات بسبب آخر، ولم يمت بالجرح، ولم يذكر سببًا مفصلاً من سقطةٍ وغيرها، فهل يقبل قوله؟ المسألة الرابعة: إذا اختلف الجاني ومستحق الدم؛ فقال الجاني: مات بالسراية، أو قتلته أنا قبل الاندمال، وقال الولي: بل مات بسبب آخر، بأن قال: قتل نفسه، أو قتله آخر، أو شرب سمًا قاتلًا، فإذا قلنا: يصدق الولي، فهل يلتفت إلى قوله إن قصر الزمان ولم يمكن فيه الاندمال؟ المسألة الخامسة: إذا شج رأس إنسان موضِحتين، فارتفع الحاجز بينهما، وقد طال الزمان، فقال المشجوج: رفعتَ الحاجز بعد الاندمال، واستقرار الأرشين، [وأُلزمك رفع الحاجز] أرشًا ثالثًا، وقال الشاج: رفعتُ الحاجزَ قبل الاندمال، وقد طال الزمان، هل يثبت الأرش الثالث الذي يتعلق برفع الحاجز بعد الاندمال؟ المسألة السادسة: لو طعن رجلًا في بطنه، فنفذ السنان من الظهر، على القول بأن من ضرب بطن إنسان بمشقص وأجافه في موضعين بينهما حائل [في الاتصال]، وجعلنا الطعنة النافذةَ جائفة واحدة، فهل في الزيادة حكومة؟ أم تجب الدية فقط؟ المسألة السابعة: إذا اندملت الجراحة، وبقي في موضعها أثر وحواليها شين. المسألة الثامنة: وجوب الغرة فيما لو جُني على كافرة حامل بجناية أفضت إلى قتلها، وكان الجنين محكومًا له بالكفر والحرية.

стр. 212

المسألة الأولى: إن قال ولي الدم: "عفوت عن الدم على أنْ لا مال لي ". لا خلاف بين الفقهاء في أن الدية تسقط بالعفو عنها (١). لكن إذا قال ولي الدم: "عفوت عن الدم على أنْ لا مال لي". وجهان عند الشافعية: الوجه الأول: تسقط به المطالبة بالمال (٢). الثاني: لا تسقط به المطالبة بالمال (٣)، ومال إليه الصيدلاني (٤). تعليل الوجه الأول: القياس على العفو المطلق عن القصاص والدية (٥). تعليل الوجه الثاني: لأن قوله على أن لا مال شرط انتفاء، وليس بنفيٍ على الحقيقة (٦).

стр. 213

الترجيح: الراجح -والله أعلم- قول الصيدلاني ﵀؛ لوجهين: ١. لأن إعمال الكلام أولى من إهماله (١)؛ فيجب صون الكلام الصادر عن المكلف عن الإهمال والإلغاء. ٢. لأنه حق لا يسقط إلا بيقين. ويجب أن يُستفصل عن قصده ونيته حين تلفظه بذلك حتى لا يحصل النزاع. * * *

стр. 214

المسألة الثانية: إن عفا المبذِّر عن الدية . التبذير يستعمل في المشهور بمعنى الإسراف، والتحقيق: أن بينهما فرقًا؛ وهو أن الإسراف: صرف الشيء فيما ينبغي زائدًا على ما ينبغي، بخلاف التبذير: صرفه فيما لا ينبغي (١). وقال الماوردي: "السرف: هو الجهل بمقادير الحقوق، والتبذير: هو الجهل بمواقع الحقوق. وكلاهما مذموم، وذم التبذير أعظم؛ لأن المسرف يخطئ في الزيادة، والمبذر يخطئ في الجهل" (٢). وذهب بعض الفقهاء إلى أنه ليس من الإسراف صرف المال إلى وجوه الخيرات (٣)، ومن رشيق كلام بعض المتقدمين: "لا خير في السرف ولا سرف في الخير" (٤). ويرى بعض الفقهاء أن الإسراف كما يكون في الشر، يكون في الخير، فمن الإسراف

стр. 215

عندهم مجاوزة القدر في العطية إلى ما يجحف برب المال (١). وهذه المسألة فيما إن عفا المبذِّر عن الدية متفرعة عن مسألة حكم الحجر على السفيه. وهل عفو السفيه نافذ أو ليس له ذلك؟ والمراد بالمبذّر هنا من كان بالغًا. والمبذر في الأموال يعدّ سفيهًا عند الفقهاء؛ لأن السفه: تبذير المال وتضييعه على خلاف مقتضى الشرع أو العقل (٢). ولهذا جرى على لسان الفقهاء: أن السفه هو التبذير، والسفيه هو المبذر (٣). وعلاقة التبذير بالسفه هي علاقة السبب بالمسبب؛ فمن عادة السفيه التبذير والإسراف في النفقة، وأن يتصرف تصرفًا لا لغرض أو عوض لا يعده العقلاء من أهل الديانة عوضًا (٤). وللعلماء في مسألة حكم عفو المبذِّر عن الدية ثلاثة أقوال: القول الأول: عفو المبذر نافذ، وهو مقتضى قول أبي حنيفة (٥). القول الثاني: ليس للمبذِّر العفو عن الدية، ولا أثر لقوله، ولا حكم لعفوه. وهو

стр. 216

مقتضى قول الصاحبين والفتوى عند الحنفية، ومذهب الشافعية والحنابلة (١)، وقطع به الصيدلاني (٢). القول الثالث: له العفو مجانًا عن الدية في جناية عمد أوجبت قصاصًا، وأما الخطأ والعمد الذي يتعين فيه المال كالجائفة فليس له العفو، وهو قول المالكية (٣). أدلة القول الأول: عموم الأدلة التي تدل على عدم الحجر على السفيه المبذِّر، ومنها: ١. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ (٤). وجه الدلالة: أن الله تعالى نهى الولي عن الإسراف في مال اليتيم مخافة أن يكبر، فلا يبقى له عليه ولاية، والتنصيص على زوال ولايته عنه بعد الكبر يكون تنصيصًا على زوال الحجر عنه بالكبر؛ لأن الولاية عليه للحاجة، فهذه الآية تدل على زوال ولاية الولي بالكبر. وتصرف السفيه المبذر تصرف صحيح نافذ (٥). ٢. قال النبي ﷺ للذي يخدع في البيع: «إذا بايعت فقل لا خلابة (٦)»، ولم يأخذ

стр. 217

النبي ﷺ ماله (١). وفي رواية "وأن أهله أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، احجر عليه" (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يحجر عليه (٣). ونوقش: بأن هذا الحديث يدل على استحقاق الحجر على البالغ من وجهين: أحدهما: أنه حجر عليه حجر مثله بأن أثبت له الخيار في عقوده ولم يجعلها منبرمة. والثاني: سؤالهم الحجر عليه وإمساك النبي ﷺ عن الإنكار. فلو كان الحجر لا يجوز على البالغ، لأنكر النبي ﷺ عليهم سؤالهم، وإنما لم يجبهم إلى الحجر عليه؛ لأنه يحتمل أن الذي كان يغبن به مما يتغابن الناس بمثله (٤). ٣. الاستدلال بآيات الكفارات من الظهار، والقتل، وغيرها، ففي هذه العمومات بيان أن هذه الكفارات تجب على كل من يتحقق منه أسبابها شرعا سفيهًا كان أو غير سفيه، وارتكاب هذه الأسباب اختيارًا نوع من السفه، فدل أنه مع السفه يتصور منه السبب الموجب لاستحقاق المال (٥). ٤. أن السفيه المبذر حرٌّ مخاطب، فيكون مطلق التصرف في ماله كالرشيد وفي هذين الوصفين إشارة إلى أهلية التصرف والمحلية فيه؛ لأن بكونه مخاطبًا نثبت أهلية التصرف، فإن التصرف كلام ملزم وأهلية الكلام بكونه مميزًا، والكلام المميز بنفسه بكونه

стр. 218

مخاطبًا والمحلية تثبت بكونه خالص ملكه، وذلك يثبت باعتبار حرية المالك وبعد ما صدر التصرف من أهله في محله لا يمتنع نفوذه إلا لمانع، والسفه لا يصلح أن يكون معارضًا للحرية، والخطاب في المنع من نفوذ التصرف؛ لأن بسبب السفه لا يظهر نقصان عقله، ولكن السفيه يكابر عقله، ويتابع هواه وهذا لا يكون معارضًا في حق التصرف، كما لا يكون معارضًا في توجه الخطاب عليه بحقوق الشرع، وكونه معاقبًا على تركه (١). أدلة القول الثاني: عموم أدلة الحجر على السفيه المبذِّر، ومنها: ١. قول الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٢). ٢. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (٣). يعني: أموالهم (٤). وجه الدلالة: نهانا عن الدفع إليه ما دام سفيهًا، وأمرنا بالدفع إن وجد منه الرشد؛ إذ لا يجوز الدفع إليه قبل وجوده، ولأن منع ماله لعلة السفه، فيبقى المنع ما بقيت العلة؛ لأن الحكم يدور معها (٥). ٣. قالوا: ويدل على ما ذكرناه: إجماع الصحابة ﵃ وأرضاهم؛ فقد قال

стр. 219

عروة بن الزبير ﵄ (١): ابتاع عبد الله بن جعفر (٢) بيعًا، فقال علي: لآتين عثمان فلأحجرن عليك، فأعلم ذلك ابنُ جعفر الزبير، فقال: أنا شريكك في بيعك، فأتى علي عثمان، فقال: احجر على هذا، فقال الزبير: أنا شريكه. قال عثمان: أحجر على رجل شريكه الزبير (٣). وجه الدلالة:

стр. 220

إنما قال هذا في الزبير؛ لأنه كان معروفًا بجودة التجارة والتبصر فيها، فدل على: أن الحجر جائز عندهم؛ إذ إنَّ عليًا ﵁ حاول الحَجْر على عبد الله بن جعفر، وأن الزبير لما وقف على ذلك، سأل عبد الله بن جعفر أن يشركه في ذلك البيع الذي حاول علي الحَجْر عليه من أجله؛ ليرتفع بذلك عنه ما خافه على نفسه من عثمان فيه، ووقوف عثمان على ذلك، ومحاجته عليًا شركة الزبير عبد الله بن جعفر في ذلك، وكان في ذلك ما قد دل أنه لولا شركة الزبير إياه فيه حَجْر، ورأى عبد الله بن جعفر ذلك؛ لخوفه على نفسه من عثمان أن يحجر عليه من أجله، وكان ذلك منهم جميعًا بمحضر من حضرهم من أصحاب رسول الله ﷺ سواهم، فلم ينكروا ذلك عليهم، ولم يخالفوهم فيه، فدل ذلك على متابعتهم إياهم عليه (١). فهذا يدل على أن المبذر يمنع من التصرف في العفو عن الدية. قال الإمام ابن قدامة ﵀: "وهذه قصة يشتهر مثلها، ولم يخالفها أحد في عصرهم، فتكون إجماعًا" (٢). ٤. حدثت عائشة ﵄: "أن عبد الله بن الزبير ﵄ (٣) قال: في بيع أو

стр. 221

عطاء أعطته عائشة: والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها، فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نعم، قالت: هو لله عليّ نذر، أن لا أكلم ابن الزبير أبدًا. فأتاها ابن الزبير، واعتنقها وطفق يناشدها ويبكي ... حتى كلمت ابن الزبير، وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة" (١). وجه الدلالة: وهذا يدل على أن الحَجْر على البالغين مشهور بينهم، وإلا لأنكر عليه ذلك، ولأنكرته هي أيضًا، لا باعتبار أنها صرفت المال في وجهه، بل باعتبار أن الحَجْر على البالغة لا يجوز (٢). قال الإمام البيهقي ﵀: "فهذه عائشة ﵂ لا تنكر الحجر" (٣). وتعقبه ابن التركماني ﵀ وقال: "أي إنكار أشد من قولها: "أهو قال هذا؟ ! لله على نذر أن لا أكلمه" - حتى استشفع ابن الزبير إليها وأعتقت في نذرها أربعين رقبة" (٤). ويجاب: بأن البيهقي ﵀ قال: "لا تنكر الحجر"، ولم يقل: لا تنكر حجرها؛ فعائشة ﵂ أنكرت فعل ابن الزبير ﵁ لكونه أراد الحجر عليها، وهي لا تستحق الحجر؛ لأنها غير مبذرة، بل تنفق في الخير كما كان أبوها ﵁، لا لكون الحَجْر ممنوعًا على السفيه المبذّر. ٥. قالوا: ولأن كل معنى لو قارن البلوغ منع من تسليم المال إليه، فإذا طرأ بعد البلوغ اقتضى إعادة الحَجْر عليه، كالمجنون (٥).

стр. 222

أدلة القول الثالث: قالوا: الواجب في قتل العمد القصاص عينًا، فيصح عفوه؛ لأنه لم يتضمن تضييع المال. فلا يجب للولي إلا أن يقتص أو يعفو عن غير دية، إلا أن يرضى بإعطاء الدية للقاتل، وأنه إذا لم يرد المقتص منه أن يؤدي الدية لم يكن لولي الدم إلا القصاص مطلقًا أو العفو. أولًا: لحديث أنس بن مالك ﵁ في قصة سن الربيع أن رسول الله ﷺ قال: «كتاب الله القصاص» (١). وجه الدلالة: كون النبي ﷺ حكم بالقصاص ولم يخيّر، ولو كان الخيار للولي لأعلمهم النبي ﷺ ؛ إذ لا يجوز للحاكم أن يتحكم لمن ثبت له أحد شيئين بأحدهما من قبل أن يعلمه بأن الحق له في أحدهما (٢). ونوقش: ١. بأن قوله ﷺ : «كتاب الله القصاص»، إنما وقع عند طلب أولياء المجني عليه في العمد القود، فأعلم أن كتاب الله نزل على أن المجني عليه إذا طلب القود أجيب إليه، وليس فيه ما ادُّعي من تأخير البيان (٣). ٢. والواجب في قتل العمد أحد شيئين لا بعينه: القصاص أو الدية. وذلك لأمرين:

стр. 223

أولًا: لحديث "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يفدى، وإما أن يقتل" (١). فلا يصح عفوه عن المال، ووجب المال؛ لأنه ممنوع من التصرف (٢). قال ابن رشد في الجمع بين حديث «كتاب الله القصاص»، وحديث «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين بين أن يأخذ الدية وبين أن يعفو»: "هما حديثان متفق على صحتهما، الأول ضعيف الدلالة في أنه ليس له إلا القصاص. والثاني نص في أن له الخيار، والجمع بينهما يمكن إذا رفع دليل الخطاب من ذلك، فإن كان الجمع واجبًا وممكنًا فالمصير إلى الحديث الثاني واجب" (٣). ثانيًا: للحديث المرفوع: «العمد قود» (٤). وجه الدلالة: دلالة الحديث على أن الواجب في العمد القود فقط ولا تجب الدية إلا بالتراضي (٥). ثانيًا: مما يدل على التخيير: القياس على ما إذا سقط القصاص بعفو أحد الشريكين؛ فلو كان الواجب في العمد القصاص عينًا لما سقط القصاص بعفو أحد الشريكين (٦). الترجيح:

стр. 224

الراجح - والله أعلم- القول الثاني: ليس للمبذِّر العفو عن الدية، ولا أثر لقوله، فلا يصح عفوه عن المال، بل يثبت ويجب؛ لأنه ممنوع من التصرف، محجور عليه؛ وذلك لقوة أدلتهم، وإمكان مناقشة أدلة المعارضين. * * *

стр. 225

المسألة الثالثة: إن قصُر الزمان، ولم يمكن فيه الاندمال (١)، فقال الوارث: مات بسبب آخر، ولم يمت بالجرح، ولم يذكر سببًا مفصّلًا من سقطةٍ وغيرها، فهل يقبل قوله؟ المسألة الرابعة: إذا اختلف الجاني ومستحق الدم؛ فقال الجاني: مات بالسراية (٢)، أو قتلته أنا قبل الاندمال، وقال الولي: بل مات بسبب آخر، بأن قال: قتل نفسه، أو قتله آخر، أو شرب سمًا قاتلًا، فإذا قلنا: يصدق الولي، فهل يلتفت إلى قوله إن قصر الزمان ولم يمكن فيه الاندمال؟ الملاحظ أن المسألة الرابعة هي نفسها الثالثة، فحصل سهو وتكرار. مذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة وصاحبي أبي حنيفة إلى أن من له القصاص في الطرف، إذا استوفاه، ثم سرى إلى النفس ومات، لم يجب ضمان السراية، خلافًا لأبي حنيفة القائل بوجوب دية النفس في ذلك (٣). وعلى قول الجمهور، إذا قطع يديه أو ورجليه مثلًا ومات، فقال الجاني: مات بالسراية، فعلي دية، وقال الولي: بل مات بعد الاندمال، فعليك ديتين، فإذا قلنا: القول قول الولي فإما أن يمكن الاندمال في تلك المدة، أو لا يمكن الاندمال في تلك المدة لقصرها كيوم ويومين، فإذا لم يمكن الاندمال في تلك المدة هل يلتفت إلى قول الولي؟ ذهب عامة الفقهاء إلى أنه لا يلتفت إلى قول الولي، والقول قول الجاني بغير يمين؛

стр. 226

لاستحالة اندمال الجرح في مثل هذه الفترة اليسيرة، وهو الذي قرره الإمام الصيدلاني ﵀ (١)؛ لأن من شروط الدعوى كون المدعَى مما يحتمل الثبوت، فدعوى ما يستحيل وجوده حقيقة أو عادة تكون دعوى كاذبة باطلة (٢). * * * المسألة الخامسة: إذا شج رأس إنسان موضِحتين، فارتفع الحاجز بينهما، وقد طال الزمان، فقال المشجوج: رفعتَ الحاجز بعد الاندمال، واستقرار الأرشين، [وأُلزمك رفع الحاجز] أرشًا ثالثًا، وقال الشاج: رفعتُ الحاجزَ قبل الاندمال، وقد طال الزمان، هل يثبت الأرش الثالث الذي يتعلق برفع الحاجز بعد الاندمال ؟ ليس في المسألة اختيار للصيدلاني، ففي نهاية المطلب: " الذي ذكره الصيدلاني أن القول قولُ الشاج فيه" (٣). * * *

стр. 227

المسألة السادسة: لو طعن رجلًا في بطنه، فنفذ السنان من الظهر، على القول بأن من ضرب بطن إنسان بمشقص وأجافه في موضعين بينهما حائل في الاتصال، وجعلنا الطعنة النافذةَ جائفة واحدة، فهل في الزيادة حكومة؟ أم تجب الدية فقط ؟ الجائفة لغة واصطلاحًا بمعنى واحد: فهي الطعنة التي تنفذ وتصل إلى الجوف، فلو وصلت إلى جوف عظم الفخذ لم تكن جائفة؛ لأن العظم لا يعد مجوفًا (١). فالجائفة: هي الجراحة الواصلة إلى الجوف الأعظم من البطن أو الصدر، أو ثغرة النحر، أو الجنبين، أو الخاصرة، أو الورك، أو العجان إلى الشرج (والعجان: ما بين الدبر والخصية). وكذا الجراحة النافذة إلى الحلق من القفا، أو الجانب المقبل من الرقبة، والنافذة من العانة إلى المثانة، وفي النافذة من الذكر إلى ممر البول (٢). والجائفة عند الحنفية: هي التي تصل إلى البطن من الصدر أو الظهر أو البطن والجنبين أو في الأنثيين والدبر. ومن الجائفة عند الحنفية: ما وصل من الرقبة إلى الموضع الذي إذا وصل إليه الشراب كان مفطرًا؛ لأنه لا يفطر إلا إذا كان وصل إلى الجوف. ولا تكون الجائفة عندهم في الرقبة والحلق واليدين والرجلين (٣). وعند المالكية لا تكون الجائفة إلا في الظهر أو البطن (٤). وتحصل الجائفة بكل ما ينفذ إلى باطن الجوف، فلا فرق بين أن يجيف بحديدة أو خشبة محددة، ولا بين أن تكون الجائفة واسعة أو ضيقة ولو قدر إبرة (٥). واتفقت المذاهب الأربعة-في المشهور عندهم- أنه إذا نفذت الطعنة أو الجرح في

стр. 228

البطن، وخرجت من محل آخر فجائفتان. في كل منهما ثلث الدية (١). وهناك قول عند بعض العلماء أنها جائفة واحدة، وهو وجه عند الحنفية والشافعية والحنابلة (٢). فعلى هذا الوجه لو أجافه في موضعين بينهما حائل، وجعلنا الطعنة النافذةَ جائفة واحدة، فهل في الزيادة حكومة (٣)؟ أم تجب الدية فقط؟ على قولين: القول الأول: يجب فيه ثلث الدية وزيادة حكومة، وهو اختيار الصيدلاني (٤). القول الثاني: لا يجب فيه مزيدٌ؛ بل الواجب ثلث الدية فقط، وهو وجه عند الشافعية (٥).

стр. 229

تعليل القول الأول: لأن هذه الجراحة زائدة على الواصلة إلى الجوف، فاقتضى ذلك مزيد حكومة (١). تعليل القول الثاني: ١. القياس على ما لو أجاف بطن إنسان، ثم زاد، فوسع تلك الجائفة، فلا يجب في التوسع مزيدٌ (٢). ٢. لأنه إنما جعل في الجائفة الواحدة ثلث الدية لغررها وأنها ربما صادفت مقتل القلب أو الكبد أو غير ذلك، وذلك إنما يخشى في حين الضربة من خارج، وهي إذا تمادت حتى بلغت الجانب الآخر لم يكن فيها سوى ثلث واحد، ونفوذها بعد ذلك إذا نفذت من داخل إلى خارج لا غرر فيه (٣). ونوقش: بأن هذا غير صحيح، فإن الاعتبار بوصول الجرح إلى الجوف، لا بكيفية إيصاله؛ إذ لا أثر لصورة الفعل مع التساوي في المعنى، ولأن ما ذكروه من الكيفية ليس بمذكور في خبر، وإنما العادة في الغالب وقوع الجائفة هكذا، فلا يعتبر، كما أن العادة في الغالب حصولها بالحديد، ولو حصلت بغيره لكانت جائفة. ثم ينتقض ما ذكروه بما لو أدخل يده في جائفة إنسان، فخرق بطنه من موضع آخر، فإنه يلزمه أرش جائفة بغير خلاف نعلمه (٤). الترجيح: الراجح - والله أعلم- القول الأول، لأنه تعدٍ على أكثر من عضو وجاء الحديث

стр. 230

بتقدير الجائفة بثلث الدية (١)، وبقي الزائد ففيه حكومة. هذا على التنزّل بأنه إذا نفذت الطعنة أو الجرح في البطن، وخرجت من محل آخر فهي جائفة واحدة. وفيها ثلث الدية، وإلا فالصواب مذهب الجمهور: أنها جائفتان. في كل منهما ثلث الدية لقضاء أبي بكر الصديق ﵁ (٢)، والقياس يتبعه (٣).

стр. 231

المسألة السابعة: إذا اندملت الجراحة، وبقي في موضعها أثر وحواليها شين (١). هذه المسألة ليس فيها اختيار للصيدلاني، ففي نهاية المطلب: "ذكره الصيدلاني" (٢). المسألة الثامنة: وجوب الغُرّة فيما لو جُني على كافرة حامل بجناية أفضت إلى قتلها، وكان الجنين محكومًا له بالكفر والحرية . الغُرَّة لغة: بياض في الجبهة، وأصل الغرة البياض الذي يكون في وجه الفرس وكأنه عبر عن الجسم كله بالغرة (٣). وتعريف الغرة عند الفقهاء: العبد نفسه، أو الأمة. وهي: ضمان يجب في الجناية على الجنين، وتبلغ قيمتها نصف عشر الدية. فصارت الغرة في عرف الشرع اسمًا لعبد أو أمة يعدل خمسمائة أو بخمسمائة. وعند الشافعي ﵀ مقدرة بستمائة (٤). قال الإمام النووي ﵀: "ضبطناه على شيوخنا في الحديث والفقه بغرة بالتنوين، وهكذا قيده جماهير العلماء في كتبهم وفي مصنفاتهم في هذا وفي شروحهم، وقال القاضي عياض الرواية فيه بغرة بالتنوين وما بعده بدل منه، وقد فسر الغرة في الحديث بعبد أو أمة و (أو) هنا للتقسيم لا للشك، والمراد بالغرة عبد أو أمة، وهو اسم لكل منهما" (٥). والغُرَّة تجب إذا سقطت بالجناية ما ظهر فيه صورة آدمي، كعين أو أذن أو يد ونحوها، ويكفي الظهور في طرف ولا يشترط في كلها، ولو لم يظهر شيء من ذلك، فشهد القوابل أن فيه صورة خفية يختص بمعرفتها أهل الخبرة، وجبت الغرة أيضًا، وإن قلن: ليس فيه صورة خفية، لكنه أصل آدمي ولو بقي لتصور، لم تجب الغرة على المذهب، وإن

стр. 232

شككن هل هو أصل آدمي، لم تجب قطعًا (١). وأجمع العلماء على وجوب الغرة في الجناية على الجنين الذي سقط من أمه ميتًا (٢). وقضى رسول الله ﷺ في الجنين بغرة عبد أو أمة (٣). وقد ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قدَّر الغُرّة خمسين دينارًا (٤). وروى مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: "أن الغرة تقوَّم خمسين دينارًا، أو ستمائة درهم، ودية المرأة الحرة خمسمائة دينار، أو ستة آلاف درهم، فدية جنين المرأة الحرة، عشر ديتها، والعشر خمسون دينارًا، أو ستمائة درهم" (٥). ومسألتنا فيما لو جنى شخص على امرأةٍ حرةٍ حاملٍ ذمية تحت ذميٍّ بجناية أفضت إلى قتلها وموت الجنين، وكان الجنين محكومًا له بالكفر والحرية، هل تجب فيه الغرة؟ للعلماء في ذلك أقوال: القول الأول: أن فيها عشر ديةِ أمِّه، أو نصف عشر دية أبيه (وهما سواء)، وهو قول المذاهب الأربعة (٦).

стр. 233

وقد حُكي الإجماع وعدم الخلاف في ذلك (١). لكن أبا حنيفة على أصله في أنَّ دية الذمي دية المسلم، والشافعي على أصله في أن دية الذمي ثلث دية المسلم، ومالك على أصله في أنَّ دية الذمي نصف دية المسلم (٢). إلا أن الحنابلة قالوا: إن كانت أم الجنين ذمية حاملًا من ذمي، ومات الذمي بدار الإسلام، ثم جُني على أمه فأسقطته ففيه غرة؛ لأنه مسلم على قاعدة مذهبنا: إن مات بدار الإسلام وله ولد غير بالغ فهو مسلم تبعًا للدار، فتقدر الذمية مسلمة اعتبارًا بصفة الجنين (٣). القول الثاني: لا يجب فيه شيء أصلًا، وهو وجه عند الشافعية (٤)، وهو اختيار الصيدلاني (٥). القول الثالث: تجب غرةٌ كالمسلم، وهو وجه عند الشافعية (٦). دليل القول الأول:

стр. 234

١. إجماع الفقهاء أن فيها عشر ديةِ أمِّه (١). ٢. قالوا: لأن جنين الحرة المسلمة مضمون بعشر دية أُمِّه، فكذلك جنين الكافرة (٢). ونوقش: بأن القضاء بالغرة مخالف للقياس، فلا يقاس عليه؛ لأن الحمل خلاف الأصول والقياس على خلاف الأصول غير مشروع (٣). ولما قضى رسول الله ﷺ في جنينها بغرة عبد أو أمة. قال عمر ﵁: "الله أكبر لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره" (٤). يجاب عنه: بأنه محجوج بالإجماع المذكور (٥)، فلا قياس ولا اعتبار مع الإجماع. قال في المراقي:

стр. 235

والخلف للنص أو إجماع دعا ... فساد الاعتبار كل من وعى (١) وكان القياس فيه أن لا يجب شيء؛ لأنه يحتمل أنه لم يكن فيه حياة وقت الضرب، ولهذا لو ضرب بطن دابة فألقت جنينًا ميتًا لا يجب الضمان، وفي الاستحسان يجب لإجماع الصحابة على ذلك. تعليل القول الثاني: ١. لأن في إيجاب الغرة تسوية بينه وبين المسلم (٢). ٢. والتجزئة غير ممكن؛ لأن قيمة الغرة غير مقدرة (٣). وأجيب: بل قيمة الغرة مقدرة؛ قدرها عمر وغيره من السلف كما تقدم. ٣. وقد يستدل لهم: كون القياس فيه أن لا يجب شيء؛ لأنه يحتمل عدم حياة الجنين وقت الضرب، ولهذا لو ضرب بطن دابة فألقت جنينًا ميتًا لا يجب الضمان (٤). ويناقش: كما تقدم لا قياس مع إجماع. تعليل القول الثالث: التسوية بين المسلم والكافر في الدية (٥). ولم أجد لهم ما يستدلون به، ولعل مما يُستدل لهم عموم النصوص الدالة على وجوب الدية، فهي عامة للمسلم والكافر، وربما استدلوا بحديث ابن عمر مرفوعًا: "ودى ذميًا دية مسلم" (٦).

стр. 236

ونوقش: بأن الحديث ضعيف؛ فلا يحتج به (١). الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو قول الجمهور بأن فيه عشر دية أمه. للإجماع المذكور. ومذهب عامة الفقهاء ومنهم الأئمة الأربعة وأتباعهم أنه لا يجوز إحداث قول ثالث (٢)، فكيف إذا كانوا على قولٍ واحد. أما ما اشتهر في ألسنة الفقهاء أن الخارج عن القياس لا يقاس عليه غيره (٣)، فليست على إطلاقها؛ بل فيه تفصيل قرره أهل الأصول (٤).

стр. 237

"والذي نمنعه ونأباه من ذلك: هو أن نبتدئ إيجاب حد بقياس، في غير ما ورد فيه التوقيف، فأما استعمال الاجتهاد في شيء قد ورد فيه التوقيف، فيتحرى فيه معنى التوقيف، فهذا جائز، واستعمال اجتهاد السلف في حد الخمر من هذا القبيل، وذلك؛ لأنه قد ثبت عن «النبي ﷺ أنه قد ضرب في حد الخمر بالجريد والنعال» (١)، (٢). * * *

стр. 238

المبحث الثاني: الحدود وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: حد الزنا، والقذف المطلب الثاني: حد السرقة المطلب الثالث: حد قطاع الطريق

стр. 239

المطلب الأول: حد الزنا، والقذف وفيه أربع مسائل: المسألة الأولى: لو حُكم على زان بالجلد، وكان مريضًا مرضًا لا يرجى برؤه، أو كان ضعيفًا بالخلقة لا يحتمل السياط، هل يجلد؟ وإن جُلد كيف يجلد؟ المسألة الثانية: هل يشترط أن يكون السيد عالماً عند إقامة الحد على مملوكه وسماع الشهادة؟ المسألة الثالثة: إقامة مالك الرق الحد على من نصفه حر ونصفه مملوك. المسألة الرابعة: إذا قال الرجل لزوجته: زنيت بكِ، أو قالت المرأة لزوجها: زنيتُ بكَ، فهل يكون قذفًا؟

стр. 240

المسألة الأولى: لو حُكم على زان بالجلد، وكان مريضًا مرضًا لا يرجى برؤه، أو كان ضعيفًا بالخلقة لا يحتمل السياط، هل يجلد؟ وإن جلدها كيف يجلد ؟ أجمع أهل العلم على أن المجلود في حد الزنا والقذف يجلد بالسوط (١). فإن كان المرض مما يرجى برؤه، يؤخَّر جَلْده حتى يبرأ عند الثلاثة ورواية عند أحمد خلافًا للمشهور عند الحنابلة (٢). وإن كان المرض مما لا يرجى برؤه، أو كان الجاني ضعيفًا بالخلقة لا يحتمل السياط فهذا يقام عليه الحد في الحال ولا يؤخر. وهل يجلد وإن جُلد كيف يُجلد؟ اختلف العلماء ﵏ على قولين: القول الأول: يقام عليه الحد ولا يؤخر، ويضرب بسوط يؤمن معه التلف كالقضيب الصغير، وشمراخ النخل، فإن خيف عليه من ذلك جمع ضغثًا (٣) فيه مائة شمراخ فضرب به

стр. 241

ضربة واحدة، وهو قول الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة (١)، وهو قول الصيدلاني (٢). وعند الحنفية: لا بد من وصول كل شمراخ إلى بدنه، وكذا قيل لا بد أن تكون حينئذ مبسوطة (٣). وصرح الشافعية والحنابلة: إن خيف عليه ضُرب بمائة شمراخ مجموعة أو عثكول (٤)

стр. 242

ضربة واحدة أو بخمسين شمراخًا ضربتين، ولا يتعين العثكال، بل له الضرب بأطراف الثياب (١). وعند الشافعية: لا يضرب بسياط؛ لئلا يهلك بل (بعثكال) أي غصن ذي فروع خفيفة (٢). قالوا: ولا يكفي الوضع عليه، بل لا بد مما يسمى ضربًا، ولا يشترط أن تمسه الفروع كلُّها، بل يكفيه أن ينكبس بعضها على بعض؛ لثقل الغصن، ويناله الألم، فإن لم تمسه، ولا انكبس بعضها على بعض، أو شك فيه، لم يسقط الحد (٣). القول الثاني: لا يضرب في الحدّ إلا بالسوط، وعدد الضربات مائة جلدة، حق لا يجوز تركه، يفرَّق الجلد حتى يستكمل ما وجب عليه منه. ولا يجزئ جمع مائة سوط ويُضرب بها ضربة واحدة؛ ولكن سوطًا بعد سوط، وهو قول المالكية (٤). أدلة الجمهور (القول الأول): ١. عن سهل بن حنيف ﵁ قال: "مرض رجلٌ حتى عاد جلدًا على عظم، فدخَلت عليه جارية تعوده، فوقع عليها فضاق صدرًا بخطيئته، فقال لقوم يعودونه: سلوا لي رسول الله ﷺ ، فإني قد وقعت على امرأة حرامًا فليُقم علي الحدَّ وليطهرني، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ثم قالوا: لو حمل إليك لتفسخت عظامه، ولو ضرب مائة لمات قال: «خذوا مائة شمروخ، فاضربوه ضربة واحدة»، وفي لفظ: «فخذوا له عثكالًا فيه مائة شمراخ،

стр. 243

فاضربوه ضربة واحدة»، وفي رواية «رجل مخدج (١) ضعيف» (٢). وجه الدلالة: الحديث صريح بأن من كان مريضًا أو ضعيف الخلقة، ولا يحتمل السياط يضرب بعذق به مائة شمراخ (٣). ونوقش: بما نقله ابن قدامة في المغني عن ابن المنذر أنه قال: في إسناده مقال (٤). ٢. عن عروة "أن عليًا جلد الوليدَ بن عقبة بسوط له ذنبان، أربعين جلدة في الخمر" (٥).

стр. 244

وجه الدلالة: أن عليًا جعل ذَنَبي السوط كالجلدتين، فكذلك هنا مائة شمراخ كمائة جلدة (١). ونوقش: بأن الأثر فيه نكارة، والرواية الصحيحة أن عثمان بن عفان أتي بالوليد إليه وقد صلى الوليد الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم، فشهد عليه رجلان أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ، فقال عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها، فقال: يا علي، قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ولِّ حارَّها من تولى قارَّها (٢)، فكأنه وجَد عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر، قم فاجلده، فجلده وعلي يَعُدُّ حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثم قال: «جلد النبي ﷺ أربعين»، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌ سُنَّة، وهذا أحب إلي (٣). قال الطحاوي: "ففي هذا الحديث أن عليًا ﵁ ضربه ثمانين؛ لأن كل سوط من تلك الأسواط سوطان. فاستحال أيضًا أن يكون علي ﵁ يقول: إن الأربعين أحب إلي من الثمانين ثم يجلد هو ثمانين. فهذا دليل أيضًا على فساد حديث الداناج (٤).

стр. 245

وقد روى آخرون عن علي ﵁، خلاف ذلك كله" (١). قال الإمام النووي ﵀: "ووقع في صحيح البخاري من رواية عبد الله بن عدي بن الخيار أن عليًا جلد ثمانين، وهي قضية واحدة. قال القاضي عياض: المعروف من مذهب علي ﵁ الجلد في الخمر ثمانين، ومنه قوله: "في قليل الخمر وكثيرها ثمانون جلدة"، وروي عنه أنه جلد المعروف بالنجاشي ثمانين، قال: والمشهور أن عليًا ﵁ هو الذي أشار على عمر بإقامة الحد ثمانين كما سبق عن رواية الموطأ وغيره، قال: وهذا كله يرجح رواية من روى أنه جلد الوليد ثمانين، قال: ويجمع بينه وبين ما ذكره مسلم من رواية الأربعين بما روي أنه جلده بسوط له رأسان فضربه برأسه أربعين، فتكون جملتها ثمانين، قال: ويحتمل أن يكون قوله: "وهذا أحب إلي" عائد إلى الثمانين التي فعلها عمر ﵁، فهذا كلام القاضي، وقد قدمنا ما يخالف بعض ما قاله، وذكرنا تأويله، والله أعلم" (٢). ٣. القياس على الأيمان، فقد أمر الله تعالى نبيه أيوب ﵇ وقد حلف ليضربن زوجته مائة، فقال: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (٣). وجه الدلالة: أن الضربة الواحدة بمائة شمراخ تقوم في حال العذر مقام مائة جلدة (٤). وقال عطاء في الآية: الضغث للناس عامة (٥).

стр. 246

ونوقش: بأنَّ ذلك منسوخ بشريعتنا. لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (١). وقال مجاهد: هي لأيوب خاصة (٢). ٤. ولقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣). وجه الدلالة: توجب الآية أن لا يُجلد أحد إلا على حسب طاقته من الألم. فيؤلم الشيخ الكبير، والغلام الصغير، من الجلد ما لا يؤلم ابن الثلاثين الشاب القوي. ووجدنا المريض يؤلمه أقل شيء مما لا يحسه الصحيح أصلًا، إلا كما يحس بثيابه التي ليس لحسه لها في الألم سبيل أصلًا (٤). ٥. قالوا: ولأنه لا يمكن ضربه بالسوط؛ لأنه يتلف به، ولا يمكن تركه؛ لأنه يؤدي إلى تعطيل الحد (٥). ٦. قال الإمام الشافعي ﵀: "ولأنه إذا كانت الصلاة تختلف باختلاف حاله؛ فنأمره أن يصلي قائمًا، فإن لم يستطع فجالسًا، فإن لم يستطع فعلى جنبه. فالصلاة أكبر من الحد، فالحد بذلك أولى" (٦).

стр. 247

دليل القول الثاني: ١. عموم قول الله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (١). وجه الدلالة: عموم الآية في الضعيف والقوي (٢). ٢. قالوا: لأن العمل جرى في الضرب بالسوط في الحدود من عهد النبي ﷺ والسلف، ولم يرد خلافه بعد استقرار الشرع وترتيبه (٣). ٣. ولأنه ضرب في حدّ فلم يجز إلا بالسوط (٤). ٤. ولأن كل ما لا يجوز الضرب به في حدّ الصحيح القوي لم يجز في حدّ الضعيف كالضرب باليد والقصب (٥). ٥. ولأن الغرض بالضرب بأن يرتدع مرتكب الكبيرة عن مثلها وينزجر، فذلك يقتضي أن يقرر بضرب من الأوجاع والآلام؛ لردع مثله، وما ذكروه لا يقع به الردع، ولأن الزجر مما ينب عن الواجب (٦). ٦. ولأن نوع ما يضرب به يعتبر في الصحيح القوي، فلم يكن الضعف مؤثرًا في

стр. 248

إسقاطه (١). ٧. وقالوا: إن الضرب بمائة شمراخ هذه جَلدة واحدة؛ لأنها ضربة واحدة (٢). ونوقش: بأنه يجوز أن يقام ذلك في حال العذر مقام مائة، لنص الحديث، وكما قال الله تعالى في حق أيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (٣). وهذا أولى من ترك حده بالكلية، أو قتله بما لا يوجب القتل (٤). الترجيح: الذي يظهر -والله أعلم- القول الأول للنص الوارد في ذلك، والآية عامة يخصصها الحديث، ولا اجتهاد مع النص، والله أعلم. ولا يشترط أن تمسه الفروع كلُّها، بل يكفيه أن ينكبس بعضها على بعض؛ لثقل الغصن كما ذكر الشافعية، وهو ظاهر الحديث المتقدم: «فخذوا له عثكالًا فيه مائة شمراخ، فاضربوه ضربة واحدة» (٥)؛ فكونه يضرب بشماريخ وهي في العذق يدل أنه لا يشترط وصول الكل إلى بدنه، بل الأصل عدم إمكان وصول الكل. قال الإمام ابن حزم: "صح أن الواجب أن يجلد كل واحد على حسب وسعه الذي كلفه الله تعالى أن يصبر له، فمن ضعف جدًا جلد بشمراخ فيه مائة عثكول جلدة واحدة، أو فيه ثمانون عثكالًا كذلك - ويجلد في الخمر وإن اشتد ضعفه بطرف ثوب: على حسب طاقة كل أحد ولا مزيد - وبهذا نقول ونقطع: أنه الحق عند الله تعالى بيقين، وما عداه فباطل عند الله تعالى - وبه التوفيق" (٦). وهذا كله إذا احتمل المريض الضرب بالشماريخ، وما دونها فإن لم يحتمله، سقط

стр. 249

الحد -والله أعلم-. قال الإمام الشوكاني ﵀: "إذا لم يحتمله كان ذلك عذرًا في ترك الحد فإن عاش أقيم عليه" (١). ومن المتعين الرجوع في ذلك إلى لجنة طبية تحدِّد ما إذا كان المجلود يستحق التخفيف. وقد رأيت مرارًا الحدَّ والتعزير بالجلد، ورأيت أكثر من مرة بيانًا طبيًا يلقيه العسكري على الحضور قبل الجلد يبين أن القرار الطبي قرر التخفيف على المجلود. * * *

стр. 250

المسألة الثانية: هل يشترط أن يكون السيد عالماً عند إقامة الحد على مملوكه ؟ اختلف العلماء ﵏: هل للسيد أن يقيم الحدَّ على مملوكه أو مملوكته، فذهب الجمهور إلى جوازه في الجلد (١) بشروطه، وذهب الحنفية إلى أن حكم العبيد كحكم الأحرار، لا يقيم الحدود عليهم إلا الإمام أو نائبه (٢). وعلى قول الجمهور هل من شروط إقامة السيد الحد على مملوكه أن يكون السيد عالماً؟ السيد إما أن يكون عالماً أو جاهلًا، فإن كان عالماً فإما أن يكون مجتهدًا أو غير مجتهد، أما الاجتهاد فلا يشترط عند الأئمة أن يكون السيد مجتهدًا (٣). والجاهل قد يكون جاهلًا مطلقًا، وقد يكون جاهلًا في عامة الأبواب عالماً بقدر الحد وكيفيته. أما كون السيد عالماً بأحكام الحدود، فقد اشترطه الشافعية والحنابلة (٤)، واختيار الصيدلاني (٥).
следующие страницы →