← Фикх общий

Фикх общий · id 143157

الاختيارات الفقهية لمحمد بن داود الصيدلاني

خالد بن عبد الله عفيف

Полный текст (638 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ونوقش: بأنَّ ذلك منسوخ بشريعتنا. لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (١). وقال مجاهد: هي لأيوب خاصة (٢). ٤. ولقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣). وجه الدلالة: توجب الآية أن لا يُجلد أحد إلا على حسب طاقته من الألم. فيؤلم الشيخ الكبير، والغلام الصغير، من الجلد ما لا يؤلم ابن الثلاثين الشاب القوي. ووجدنا المريض يؤلمه أقل شيء مما لا يحسه الصحيح أصلًا، إلا كما يحس بثيابه التي ليس لحسه لها في الألم سبيل أصلًا (٤). ٥. قالوا: ولأنه لا يمكن ضربه بالسوط؛ لأنه يتلف به، ولا يمكن تركه؛ لأنه يؤدي إلى تعطيل الحد (٥). ٦. قال الإمام الشافعي ﵀: "ولأنه إذا كانت الصلاة تختلف باختلاف حاله؛ فنأمره أن يصلي قائمًا، فإن لم يستطع فجالسًا، فإن لم يستطع فعلى جنبه. فالصلاة أكبر من الحد، فالحد بذلك أولى" (٦).

стр. 247

دليل القول الثاني: ١. عموم قول الله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (١). وجه الدلالة: عموم الآية في الضعيف والقوي (٢). ٢. قالوا: لأن العمل جرى في الضرب بالسوط في الحدود من عهد النبي ﷺ والسلف، ولم يرد خلافه بعد استقرار الشرع وترتيبه (٣). ٣. ولأنه ضرب في حدّ فلم يجز إلا بالسوط (٤). ٤. ولأن كل ما لا يجوز الضرب به في حدّ الصحيح القوي لم يجز في حدّ الضعيف كالضرب باليد والقصب (٥). ٥. ولأن الغرض بالضرب بأن يرتدع مرتكب الكبيرة عن مثلها وينزجر، فذلك يقتضي أن يقرر بضرب من الأوجاع والآلام؛ لردع مثله، وما ذكروه لا يقع به الردع، ولأن الزجر مما ينب عن الواجب (٦). ٦. ولأن نوع ما يضرب به يعتبر في الصحيح القوي، فلم يكن الضعف مؤثرًا في

стр. 248

إسقاطه (١). ٧. وقالوا: إن الضرب بمائة شمراخ هذه جَلدة واحدة؛ لأنها ضربة واحدة (٢). ونوقش: بأنه يجوز أن يقام ذلك في حال العذر مقام مائة، لنص الحديث، وكما قال الله تعالى في حق أيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (٣). وهذا أولى من ترك حده بالكلية، أو قتله بما لا يوجب القتل (٤). الترجيح: الذي يظهر -والله أعلم- القول الأول للنص الوارد في ذلك، والآية عامة يخصصها الحديث، ولا اجتهاد مع النص، والله أعلم. ولا يشترط أن تمسه الفروع كلُّها، بل يكفيه أن ينكبس بعضها على بعض؛ لثقل الغصن كما ذكر الشافعية، وهو ظاهر الحديث المتقدم: «فخذوا له عثكالًا فيه مائة شمراخ، فاضربوه ضربة واحدة» (٥)؛ فكونه يضرب بشماريخ وهي في العذق يدل أنه لا يشترط وصول الكل إلى بدنه، بل الأصل عدم إمكان وصول الكل. قال الإمام ابن حزم: "صح أن الواجب أن يجلد كل واحد على حسب وسعه الذي كلفه الله تعالى أن يصبر له، فمن ضعف جدًا جلد بشمراخ فيه مائة عثكول جلدة واحدة، أو فيه ثمانون عثكالًا كذلك - ويجلد في الخمر وإن اشتد ضعفه بطرف ثوب: على حسب طاقة كل أحد ولا مزيد - وبهذا نقول ونقطع: أنه الحق عند الله تعالى بيقين، وما عداه فباطل عند الله تعالى - وبه التوفيق" (٦). وهذا كله إذا احتمل المريض الضرب بالشماريخ، وما دونها فإن لم يحتمله، سقط

стр. 249

الحد -والله أعلم-. قال الإمام الشوكاني ﵀: "إذا لم يحتمله كان ذلك عذرًا في ترك الحد فإن عاش أقيم عليه" (١). ومن المتعين الرجوع في ذلك إلى لجنة طبية تحدِّد ما إذا كان المجلود يستحق التخفيف. وقد رأيت مرارًا الحدَّ والتعزير بالجلد، ورأيت أكثر من مرة بيانًا طبيًا يلقيه العسكري على الحضور قبل الجلد يبين أن القرار الطبي قرر التخفيف على المجلود. * * *

стр. 250

المسألة الثانية: هل يشترط أن يكون السيد عالماً عند إقامة الحد على مملوكه ؟ اختلف العلماء ﵏: هل للسيد أن يقيم الحدَّ على مملوكه أو مملوكته، فذهب الجمهور إلى جوازه في الجلد (١) بشروطه، وذهب الحنفية إلى أن حكم العبيد كحكم الأحرار، لا يقيم الحدود عليهم إلا الإمام أو نائبه (٢). وعلى قول الجمهور هل من شروط إقامة السيد الحد على مملوكه أن يكون السيد عالماً؟ السيد إما أن يكون عالماً أو جاهلًا، فإن كان عالماً فإما أن يكون مجتهدًا أو غير مجتهد، أما الاجتهاد فلا يشترط عند الأئمة أن يكون السيد مجتهدًا (٣). والجاهل قد يكون جاهلًا مطلقًا، وقد يكون جاهلًا في عامة الأبواب عالماً بقدر الحد وكيفيته. أما كون السيد عالماً بأحكام الحدود، فقد اشترطه الشافعية والحنابلة (٤)، واختيار الصيدلاني (٥).

стр. 251

قالوا: ١. لأن الجاهل بالحد لا يمكنه إقامته على الوجه الشرعي فلا يفوض إليه (١). ٢. لأنها ولاية في إقامة الحد، فيمنع الجاهل من إقامته، كولاية الحاكم (٢). ولم أجد نصًا للمالكية في المسألة، وقد ذكروا شروطًا لإقامة السيد الحدود (٣)، ولم يذكروا كونه عالماً؛ وعدم الذكر ليس ذكرًا للعدم (٤)، أما مذهب الحنفية فهم لا يجيزون للسيد إقامة الحد مطلقًا كما تقدم. وأما إذا كان السيد عالماً بأحكام الحدود وبقَدْرها وكيفيتها، وما يجب فيها وما لا يجب جاهلًا بغيرها ففيه وجهان: الوجه الأول: لا يصح أن يكون السيد جاهلًا، وهو وجه عند الشافعية (٥). الوجه الثاني: يصح أن يكون السيد جاهلًا بغير أحكام الحدود عالماً بها، وهو قول الشافعي في القديم (٦).

стр. 252

تعليل الوجه الأول: قالوا: لأنها ولاية في إقامة الحد، فيمنع الجاهل من إقامته، كولاية الحاكم (١). أدلة الوجه الثاني: ١. قوله ﷺ : «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» (٢). وجه الدلالة: أن هذا خطاب يعم الجميع، العالم والجاهل (٣). ٢. ولأنها ولاية بحق الملك، فلم يمنع الجهل منها، كولاية النكاح (٤). ٣. ولأنها استصلاح وليست ولاية، فلا يشترط فيها العلم (٥). الترجيح: الراجح -والله أعلم- الوجه الثاني؛ لقوة دليلهم وتعليلهم؛ ولأن المراد هو إقامة الحدّ الذي أراده الله تعالى، وهذا يتحقق وقوعه ممن هو عالم بالحدود، وشروطها. وإن كان الواقع يشهد بأن مَنْ جهل أحكام الدّين فجهله بأحكام الحدود وشروطها من باب أولى. * * *

стр. 253

المسألة الثالثة: إقامة مالك الرق الحدَّ على من نِصْفُه حر ونصفه مملوك . من نِصْفُه حر ونصفه مملوك (المبعَّض)، هل يقيم مالك الرق منه الحدَّ؟ مذهب المالكية والشافعية والحنابلة: لا يملك السيد أن يقيم الحد على من بعضه حر (١). قال ابن أبي زيد القيرواني ﵀ (٢): "قال مالك في جميع هذه الكتب: وأما العبد بعضه حر فلا يضربه إلا السلطان" (٣). أدلتهم: ١. قالوا: لأنه لا ولاية للسيد على بعضه، والحد يتعلق بجملته (٤). ٢. إقامة السيد الحدّ على المبعَّض إقامة في غير ملكه؛ فإن الجزء المملوك لغيره

стр. 254

ليس بمملوك له وهو يقيم الحد عليه (١). ٣. القياس على المشترَك (وهو العبد الذي يشترك في ملكه أكثر من شخص) لا يقيم عليه السيد الحدّ (٢). ويمكن أن يناقش: بأن هذا استدلال وقياس في محل النزاع؛ فعند الشافعية العبد المشترك يقيم حده مُلّاكه، وتوزع السياط على قدر الملك (٣). في نهاية المطلب "المبعّض، ومن نصفه حر ونصفه مملوك، لا يقيم مالك الرق منه الحدَّ عليه أصلاً؛ فإنه يقع بجملته وبعضها حرٌّ، ورأيت في نسخة من نسخ الصيدلاني إلحاقَه بالمدبر، وأمِّ الولد، وهذا خطأ صريح، وأحسبه من خلل النسخة، وسأراجع نسخة أخرى، إن شاء الله تعالى" (٤). * * * المسألة الرابعة: إذا قال الرجل لزوجته: زنيت بكِ، أو قالت المرأة لزوجها: زنيتُ بكَ، فهل يكون قذفًا ؟ ليس فيها اختيار للصيدلاني، وإنما فيها: "ذكر الصيدلاني" كما في نهاية المطلب (١٥/ ٨٨). * * *

стр. 255

المطلب الثاني: حد السرقة وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: حكم إقامة حد السرقة فيما لو اشترك رجلان في نقب جدار، ثم دخل أحدهما الحرز ووضع المتاع في وسط النقب، وأخذه الآخر من حيث وضعه الداخل. المسألة الثانية: إذا أقر بالسرقة الموجبة للقطع، ثم رجع عن إقراره. المسألة الثالثة: لو سرق عبد من مال ولد سيده أو والده، هل تقطع يده؟

стр. 256

المسألة الأولى: حكم إقامة حد السرقة فيما لو اشترك رجلان في نقب (١) جدار، ثم دخل أحدهما الحرز ووضع المتاع في وسط النقب، وأخذه الآخر من حيث وضعه الداخل. من المقرّر أن من شروط إقامة حد السرقة أخذ المال من حرزه (٢)، وأن يؤخذ المال خفية واستتارًا (٣)، وأن يبلغ المال المسروق نصابًا (٤). فما حكم إقامة حد السرقة فيما لو اشترك رجلان في نقب جدار، ثم دخل أحدهما الحرز ووضع المتاع في وسط النقب، وأخذه الآخر من حيث وضعه الداخل. في المسألة قولان: القول الأول: لا قطع على كل واحد منهما، وهو قول أبي حنيفة، والأظهر عند الشافعية (٥)، وهو اختيار الصيدلاني (٦).

стр. 257

القول الثاني: عليهما القطع، وهو قول المالكية ووجه عند الشافعية، ومذهب الحنابلة (١). أدلة القول الأول: ١. لأن كل واحد منهما لم يخرج المال من كمال الحرز، والخارج لم يتناوله من داخل الحرز، فلم يجب عليهما القطع، كما لو دخل أحدهما وأخرج المال إلى قرب النقب ولم يخرجه، وقد مَضَى وتركه (٢). ٢. لأن الأول لم يخرج المال قبل خروجه والثاني لم يوجد منه هتك الحرز، فلم تتم السرقة من كل واحد، ألا ترى أنه خرج من الحرز وليس معه في يده مال حقيقة ولا حكمًا؟ إذ المال في يد الآخذ منه (٣). ٣. قال الإمام الصيدلاني: "كل واحدٍ منهما يسمى السارق اللطيف" (٤). ولعله يقصد السارق الذي تحيّل بحيلة حتى لا تُقطع يده، بناء على ما روي عن علي ﵁ أنه قال: "اللص إذا كان ظريفًا لا يقطع، قيل: وكيف ذلك؟ قال أن ينقب البيت فيدخل يده ويخرج المتاع من غير أن يدخله" (٥). ويجاب -إن كان يقصد أثر علي ﵁: ١. أن هذه الرواية لا توجد في الدواوين المعتمدة، وتارة تُروى عن عمر ﵁

стр. 258

وتارة عن الحسن، والذي وجدته مسندًا من قول عبيدة (١). ٢. أن المعنى المتواتر عند أهل الغريب واللغة أن الظريف هنا، البليغ الجيد الكلام الذي ربما يسقط بكلامه الحد، وقد يطلق الظريف على حسن الوجه والهيئة. قال الأصمعي (٢): "الظريف البليغ الجيد الكلام"، وقالا: "الظرف في اللسان". واحتجا بقول عمر ﵁: إذا كان اللص ظريفًا لم يقطع معناه، إذا كان بليغًا جيد الكلام احتج عن نفسه بما يسقط عنه الحد، وقال غيرهما: الظريف الحسن الوجه والهيئة (٣). قال الحسن: "إذا كان اللص ظريفًا لم يُقطَع، أي إذا كان فصيحًا بليغًا احتجّ عن نفسه بما يُسقِطُ عنه الحدَّ" (٤). أدلة القول الثاني: ١. يقطع الداخل؛ لأن سرقته قد تمت بأخذ المال المحرز، والخروج بعد ذلك ليس

стр. 259

تتميم فعل السرقة بل للنجاة من صاحبه (١). ٢. القياس على حد الزنا يجب بنفس الإيلاج، وإن أخذ على ذلك قبل أن ينزع نفسه (٢). ونوقش: بأنَّ هناك يحصل مقصوده في الإيلاج، وهاهنا يحصل مقصوده في صرف المسروق إلى شهواته وحاجاته، وذلك يكون بعد الإخراج، فلا يقطع إذا أخذ قبل أن يخرج (٣). ٣. لأنهما اشتركا في النقب وإخراج المال فلزمهما القطع، كما لو نقبا معًا ودخلا معًا وخرجا معًا فأخرجا المال (٤). الترجيح: الذي يظهر -والله أعلم- القول الأول بعدم القطع للشبهة القوية في ذلك، وتدرأ الحدود بالشبهات، عن عمر بن الخطاب ﵁: «لئن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات» (٥)، وعن ابن مسعود ﵁ قال: «ادرؤوا الجلد والقتل عن المسلمين ما استطعتم» (٦)، والله أعلم. * * *

стр. 260

المسألة الثانية: إذا أقر بالسرقة الموجبة للقطع، ثم رجع عن إقراره . حدُّ السرقة يثبت إما ببينة وشهود أو بإقرار، فإن أقر على نفسه بالسرقة ورجع عن إقراره، فإما أن يكون قبل الشروع في إقامة الحد، أو بعد الشروع فيه. والمراد هنا بحثه عن حكم رجوع المقر بالسرقة قبل الشروع في إقامة الحد. اختلف أهل العلم في حكم رجوع المقر بالسرقة عن إقراره على قولين: القول الأول: يصح رجوعه في حق القطع، ويسقط الحدّ، ويجب عليه المال ويضمنه، وهو قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (١)، واختيار الصيدلاني (٢). القول الثاني: لا يقبل رجوع المقر بالسرقة عن إقراره مطلقًا، فيقام عليه الحد، ويجب عليه المال، وهو رواية عن مالك ووجه عند الشافعية، والظاهرية (٣).

стр. 261

أدلة القول الأول: ١. ما رواه أبي هريرة ﵁: «جاء ماعز الأسلمي إلى رسول الله ﷺ فقال: إنه قد زنى، فأعرض عنه، ثم جاء من شقه الآخر، فقال: يا رسول الله، إنه قد زنى، فأعرض عنه، ثم جاء من شقه الآخر، فقال: يا رسول الله، إنه قد زنى، فأمر به في الرابعة، فأخرج إلى الحَرَّة فرجم بالحجارة، فلما وجد مس الحجارة فرَّ يشتد، حتى مرَّ برجل معه لحي جمل (١) فضربه به، وضربه الناس حتى مات، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ أنه فرّ حين وجد مس الحجارة ومس الموت، فقال رسول الله ﷺ : هلا تركتموه». وفي رواية «لعلك قبلت أو غمزت»، «هلا تركتموه لعله أن يتوب، فيتوب الله عليه» (٢). وجه الدلالة: ١. قوله له: "لعلك قبَّلت أو غمزت". كان يلقنه ويعرض عليه بعد اعتراف قد سبق منه، فلو أنه قال: نعم قبلت أو غمزت لسقط عنه حد الرجم، وإلا لم يكن لتعريضه لذلك معنى، فعلم أنه إنما لقنه لفائدة وهي الرجوع (٣). ٢. قوله: (هلا تركتموه) استدل به على أنه يقبل من المقر الرجوع عن الإقرار ويسقط عنه الحد؛ إذ لا معنى لذلك إلا قبول رجوعه (٤).

стр. 262

ونوقش: بأنه لا يصح الاستدلال بهذا على سقوط الحد بالرجوع عن الإقرار؛ لأنه لا يدل على أنه قد سقط عنه الحد بذلك؛ بل على أنه إذا ترك ورجع إلى رسول الله ﷺ قد يأتي بشبهة مقبولة (١). وأجيب عنه: بقوله: "هلا تركتموه". ولم يزد على ذلك، ولأنه وقت الحاجة إلى بيان الحكم، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، فدل على العموم (٢). وأجيب عنه: بأنه لا دلالة في الحديث على الرجوع عن الإقرار؛ لأنه لم يقل الرسول ﷺ : هلا تركتموه؛ لأنه ارتفع إقراره، بل قال: «هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه» (٣). ٢. واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أتي بلص، فاعترف اعترافًا، ولم يوجد معه متاع فقال له رسول الله ﷺ : "ما إخالك سرقت؟ " قال: بلى مرتين أو ثلاثًا. قال: فقال رسول الله ﷺ : "اقطعوه، ثم جيئوا به". قال: فقطعوه، ثم جاءوا به فقال له رسول الله ﷺ : "قل: أستغفر الله وأتوب إليه". قال: أستغفر الله وأتوب إليه. فقال ﷺ : "اللهم تب عليه" (٤).

стр. 263

وجه الدلالة: في قوله ﷺ : "ما إخالك سرقت"، عَرْضٌ له ليرجع، ولو لم يسقط الحد برجوعه لم يكن في قوله ﷺ فائدة (١). ونوقش: بأن النبي ﷺ ظن بالمعترف غفلة عن السرقة وأحكامها، أو لأنه استبعد اعترافه بذلك؛ لأنه ما وجد معه متاع (٢). أدلتهم من المعقول: ١. أن الحد الواجب بالسرقة حق لله تعالى خالصًا، فصح الرجوع عن الإقرار كحد الزنا (٣). ٢. أن الحدود تدرأ بالشبهات، ورجوعه عن الحد شبهة لاحتمال أن يكون كذب على نفسه في اعترافه (٤). وناقش ذلك الإمام ابن حزم ﵀ فقال: "أما "ادرؤوا الحدود بالشبهات" (٥).

стр. 264

فما جاء عن النبي ﷺ قط من طريق فيها خير، ولا نعلمه أيضًا جاء عنه ﵇ أيضًا، لا مسندًا، ولا مرسلًا، وإنما هو قول روي عن ابن مسعود، وعمر، فقط - ولو صح لكانوا أول مخالف له؛ لأن الحنفيين، والمالكيين لا نعلم أحدًا أشد إقامة للحدود بالشبهات منهم" (١). ٣. ولأن الرجوع كالإقرار الأول كلاهما خبر يحتمل الصدق والكذب، ولا مرجع للأخذ بالإقرار دون الرجوع وتلك شبهة يدرأ بها الحد (٢).

стр. 265

٤. القياس على ثبوت الحد بالشهادة؛ فإنه يسقط الحد برجوع الشهود عن شهادتهم قبل إقامة الحد، أو بعد إقامة بعضه بالإجماع، فكذلك يسقط الحد برجوع المقر عن إقراره، والجامع بينهما أن كلًا منهما حجة للقطع (١). أما المال فاستدلوا على عدم سقوطه: أنه حق آدمي فلم يؤثر الرجوع عن الإقرار في إسقاطه بلا خلاف (٢). أدلة القول الثاني: ١. استدلوا بحديث ماعز ﵁ (٣). وجه الدلالة: أ - لأن ماعزًا هرب فقتلوه، ولم يتركوه (٤). ب - ولو قُبِل رجوعه، للزمتهم ديته (٥). ونوقش: بأنه لم يجب ضمان ماعز على الذين قتلوه بعد هربه؛ لأنه ليس بصريح في الرجوع. فلو رجع عن إقراره صراحةً، وقال: كذبت في إقراري. أو: رجعت عنه. أو: لم أفعل ما أقررت به. وجب تركه، فإن قتله قاتل بعد ذلك، وجب ضمانه؛ لأنه قد زال إقراره بالرجوع عنه، فصار كمن لم يقر (٦). ١. قالوا: ولأنه حق وجب بإقراره، فلم يقبل رجوعه، كسائر الحقوق (٧).

стр. 266

٢. قياس عدم سقوط القطع على عدم سقوط المال (١). ونوقش: بأن بينهما فرقًا: أ-فإن حق الآدمي مبناه على الشح والضيق (٢). ب- أن الرجوع عن الإقرار في حقوق الآدميين لم يصح لوجود خصم يصدقه في الإقرار ويكذبه في الرجوع، وذلك غير موجود فيما هو خالصُ حق الله تعالى، فيتعارض كلا من الإقرار والرجوع، وكل واحد منهما متمثل بين الصدق والكذب، والشبهة تثبت بالمعارضة (٣). الترجيح: الراجح - والله أعلم- القول الأول؛ لقوة أدلتهم وإمكان مناقشة أدلة القول الثاني. والخطأ في العفو خير من الخطأ في الظلم، وقد وردت آثار في تلقين الصحابة ﵃ لمن أقر بأمر يلزم به حد (٤). وأما إلزام ابن حزم الجمهور بفروع لم يدرؤوا بها الحدود مع كون الشبهة فيها قائمة فهذا ليس على إطلاقه عندهم، فعلى سبيل المثال قد يقوم الدليل على إقامة الحد كالحَبل كونه علامة على الزنا ما لم تدع الإكراه وعُرف صدقها، وكالقذف بالتعريض ودليله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (٥)، ﴿وَبِكُفْرِهِمْ

стр. 267

وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (١)، وقضى عمر ﵁ بحد القذف فيمن استبّا وقال أحدهما للآخر: "والله ما أبي بزان، ولا أمي بزانية" (٢)، وقد يشترطون بينة كالشهود في رائحة الخمر، ... الخ، وأقصد هنا الجواب على الإمام ابن حزم في إلزامه الجمهور بتناقضهم وعدم اطرادهم في القاعدة، وليس المقام هو الترجيح في الفروع التي ألزمهم بها ابن حزم في عدم أخذهم بالقاعدة فيها. وأما قول ابن حزم أنه لم يصح في درء الحدود بالشبهات حديث لا مرفوعًا ولا موقوفًا، فهذا غير مسلَّم فقد ورد موصولًا كما نقله البيهقي وغيره. وأما نكارته لمتن الحديث؛ لأنه ليس فيه بيان ما هي تلك "الشبهات" فليس لأحد أن يقول في شيء يريد أن يسقط به حدًا "هذا شبهة" إلا كان لغيره أن يقول: ليس بشبهة". فيجاب: بأن المراد الشبهة الشرعية كما في الحديث: «إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن، وبينهما مشتبهات (٣)» (٤). ويكفينا ورود درء الحدود بالشبهات عن ثلة من كبار الصحابة ﵃، ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعًا (٥)، وقد نقل الإجماع على العمل بهذا الحديث غير واحد

стр. 268

من أهل العلم (١). * * *

стр. 269

المسألة الثالثة: لو سرق عبد من مال ولد سيده أو والده، هل تقطع يده ؟ أجمع أهل العلم على أن لا قطع على العبد إذا سرق من مال مولاه (١). واختلفوا فيما لو سرق عبد من مال ولد سيده أو والده إلى قولين: القول الأول: لا تقطع يده، وهو قول الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة (٢). والقاعدة عندهم: كل من لا يقطع الإنسان بسرقة ماله لا يقطع عبده بسرقة ماله، كآبائه وأولاده وغيرهم. وبعبارة أخرى: من لا يقطع الإنسان بسرقته من مال لا يقطع عبده بسرقته من ذلك المال. فقد أجرى جمهور الفقهاء العبد مجرى مولاه في الحكم، فالعبد في هذا ملحقٌ بمولاه فلا يُقطع في سرقةٍ لا يقطع فيها سيده لو كان مكانه (٣)، وعليه فلا يقطع عبد بسرقة مال أحدٍ من عمودي (٤) نسب سيده. القول الثاني: تقطع يد العبد بسرقته من مال ولد سيده أو والده، وهو قول المالكية، ووجه عند الشافعية (٥)، واختيار الصيدلاني (٦). أدلة القول الأول:

стр. 270

١. أن عبد الله بن عمرو الحضرمي (١) جاء إلى عمر ﵁ بغلام له فقال له: إن غلامي هذا سرق فاقطع يده، فقال عمر: ما سرق؟ قال: مرآة امرأتي، قيمتها ستون درهمًا، قال: «أرسله فلا قطْع عليه، خادمكم أخذ متاعكم، ولكنه لو سرق من غيركم قطع» (٢). وجه الدلالة: أن عمر ﵁ لم يقطع يد العبد الذي سرق زوجة سيده، فكذلك ولده ووالده (٣). قال ابن عبد البر: "هذا لا يقوله عمر من رأيه، وهو يتلو الآية في السارق والسارقة إلا بتوقيف ... ، وثبت عن ابن مسعود أنه قال في عبد سرق من مال سيده: «مالك سرق بعضه بعضًا». ولا أعلم لعمر وابن مسعود مخالفًا من الصحابة ولا من التابعين بعدهم إلى ما ذكرنا من اتفاق العلماء أئمة الفتوى بالأمصار على ذلك" (٤). ٢. سأل معقل بن مقرن ابن مسعود، فقال: عبد لي سرق من عبدي؟ قال: «اقطعه»، ثم قال: «لا، مالك أخذ مالك»، وفي رواية "مالك سرق بعضه بعضًا، لا قطع

стр. 271

عليه" (١) قال البيهقي: "وهو قول ابن عباس" (٢). وجه الدلالة: لما لم تقطع يد عبد سرق من عبد آخر لسيده؛ لأن يد العبد كيد سيده، فلا يقطع كذلك بسرقة والد سيده وولده (٣). ٣. لوجود الإذن بالدخول عادة، فاختلّ الحرز (٤). ٤. يُدرأ الحد لقيام الشبهة (٥). ٥. سرقة العبد لوالد سيده وولده خيانة وليست سرقة؛ لأنها ليست من حرز لاختلاطه بهم، ولأن مال العبد للسيد، فكأنه لم يخرجه من حرزه (٦). ٦. ولأن مالهم ينزل منزلة ماله في قطعه، فكذلك في قطع عبده (٧). ٧. قال الإمام ابن عبد البر ﵀: "وقد قال مالك ﵀: من أدخل رجلًا منزله، فعمد إلى تابوت في البيت صغير أو كبير، فدقه، فأخذ ما فيه فلا قطع عليه. قال: وكذلك إذا عمد إلى خزانة مغلقة، فكسرها وأخذ ما فيها فلا قطع عليه. ومن أغلق حانوته ورفع مفاتحه إلى أجيرٍ له فخالفه إليه فسرق منه فلا قطع عليه قال أبو عمر: الغلام السارق من متاع امرأة سيده وهو معهما في دار واحدة أولى بهذا الحكم؛ لأنه كله خيانة لا سرقة، والله أعلم" (٨). ومثله سرقة مال ولد السيد ووالده.

стр. 272

دليل القول الثاني: عموم قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (١) فالآية شاملة لسرقة العبد لوالد سيده وولده (٢). ونوقش: بأن أثر عمر يَخصُّ عموم الآية، ولم ينقل عن أحد من الصحابة خلافه، فحلَّ محل الإجماع (٣). الترجيح: الذي يظهر -والله أعلم- رجحان قول الجمهور؛ لقوة استدلالهم وتعليلهم، وعموم الآية مخصوص بأثر عمر ﵁. * * *

стр. 273

المطلب الثالث: حد قطاع الطريق وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: مدة الصلب فيما لو أخذ قاطع الطريق المال على وجهٍ يوجب القطع، والقتل، فإذا صلب قتيلًا، أو قتل مصلوبًا، فكم يترك على الصليب؟ المسألة الثانية: وقت غسله وكفنه والصلاة عليه إن قلنا: يترك على الصليب حتى يسيل ودكه. المسألة الثالثة: حكم قتل السيد المحارب عبدَه، إذا كان العبد في الرفقة.

стр. 274

المسألة الأولى: مدة الصلب فيما لو أخذ قاطع الطريق المال على وجهٍ يوجب القطع، والقتل، فإذا صلب قتيلاً، أو قتل مصلوبًا، فكم يترك على الصليب ؟ قطاع الطريق: هم المكلفون الملتزمون من المسلمين وأهل الذمة الذين يعرضون للناس بسلاح -ولو كان سلاحهم عصا أو حجرًا في صحراء أو بنيان أو بحر- فيغصبون مالًا محترمًا مجاهرة (١). وعقوبة الصلب (٢) إحدى العقوبات الأربع التي ذكرها الله في آية الحرابة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ (٣). والصَّلْب يطلق في أصل اللغة: على الشيء الشديد والقوي، وفقار الظهر، ويطلق على استخراج الودك والدسم من العظم (٤). والصليب اسم للودك، والاصطلاب استخراج الودك، ومنه قول القائل: *وبات شيخ العيال يَصْطَلِبُ * (٥).

стр. 275

وتلك الخشبة على هيئتها سميت صليبًا لسيلان الصليب عليها (١). وكيفية الصلب في الشرع: أن تغرز خشبة في الأرض، ثم يربط عليها خشبة أخرى عرْضًا، فيضع قدميه عليها، ويربط من أعلاها خشبة أخرى ويربط عليها يديه (٢). وبعضهم لم يذكر خشبة معترضة إلا واحدة في الأعلى لليدين (٣). واختلف العلماء في حد الحرابة هل هو للتخيير وهو قول المالكية (٤)، أو أن العقوبة تتنوع بتنوع الجريمة، كما هو مذهب الجمهور (٥). واختلفوا هل يصلب حيًا أو ميتًا؟ (٦). ومحل البحث فيما لو أخذ قاطع الطريق المال على وجهٍ يستحق به القطع، والقتل، والصلب، فإذا صلب قتيلاً، أو قتل مصلوبًا، فكم يترك على الصليب؟ اختلف العلماء على ستة أقوال: القول الأول: يصلب ثلاثة أيام من وقت موته، ولا يصلب أكثر من ذلك، وهو مذهب الحنفية في ظاهر الرواية والشافعية في الأصح، وهو وجه عند الحنابلة. وقيّد الشافعية ذلك بما إذا لم يخف التغير أو الانفجار قبلها وإلا أنُزل وجوبًا (٧).

стр. 276

القول الثاني: يصلب قدر ما يشتهر أمره، وهو قول الحنابلة (١). القول الثالث: يترك على خشبة حتى يتقطع ويتفتت ويسيل صديده (٢) وودكه (٣) عليه فيسقط، وهو قول أبي يوسف (٤) ووجه عند الشافعية (٥)، واختيار الصيدلاني (٦).

стр. 277

وقريبًا منه: قول ابن الماجشون (١): لا يُمَكَّن منه أهله ولا غيرهم حتى تفنى الخشبة وتأكله الكلاب (٢). القول الرابع: يُصلب بقدر ما يقع عليه اسم الصلب، ثم ينزل بعد ذلك، ومنهم من قال ينزل تلك الساعة، ومنهم من قال قليلًا (وكلها ألفاظ متقاربة)، وهو قول بعض المالكية وبعض الشافعية وبعض الحنابلة (٣). القول الخامس: يصلب ثم ينزل إذا خيف تغيره، وهو قول بعض المالكية (٤). القول السادس: يُصلب حيًا ويترك حتى يموت، وييبس كله ويجف، فإذا يبس وجف أنزل، فغسل، وكفن، وصلي عليه، ودفن، وهو قول بعض الظاهرية وابن حزم (٥). تعليل القول الأول (يصلب ثلاثة أيام من وقت موته) (٦): ١. لأنه بعد الثلاث يتغير؛ فلو تُرك كذلك تغير وتأذى بهم المارة (٧). ٢. ولأنَّ الغالب أن القليل يحمل على ثلاثة أيام (٨). ٣. ليشتهر الحال ويتم النكال (٩).

стр. 278

٤. ولأن للثلاث اعتبارًا في الشرع؛ كما في مهلة المرتد، ومدة خيار الشرط، وليس لما زاد عليها غاية (١). ونوقش: بأنه توقيت بغير توقيف، فلا يجوز، مع أنه في الظاهر يفضي إلى تغيره، ونتنه، وأذى المسلمين برائحته ونظره، ويمنع تغسيله وتكفينه ودفنه، فلا يجوز بغير دليل (٢). تعليل القول الثاني (يصلب قدر ما يشتهر أمره): لأن المقصود من الصلب زجر غير المصلوب ولا يحصل إلا به (٣). تعليل القول الثالث (يترك على خشبة حتى يتقطع ويتفتت): ١. لأنه أبلغ في اعتبار غيره به وتغليظًا عليه وتنفيرًا عن فعله (٤). ونوقش بـ: أ- أنه يتغير بعد الثلاث فيتأذى الناس به، والإرداع قد حصل بالثلاث، فما دونه وغايته غير مطلوبة. ويحصل الاعتبار بما ذكرناه والنهاية غير مطلوبة (٥). ب- أنّ هذا فاسد؛ لأن هذا يؤدي إلى إبطال وجوب غسله وتكفينه ودفنه (٦). ٢. وأنّ الصليب اسم للودك، والاصطلاب استخراج الودك، ومنه قول القائل: *وبات شيخ العيال يَصْطَلِبُ * وتلك الخشبة على هيئتها سميت صليبًا؛ لسيلان الصليب عليها (٧). تعليل القول الرابع (يُصلب بقدر ما يقع عليه اسم الصلب):

стр. 279

قالوا: لأن الله تعالى أمر بصلبه، فيصدق بأدنى ما يقع عليه اسم الصلب (١). تعليل القول الخامس (يصلب ثم ينزل إذا خيف تغيره): لم أجد لهم تعليلًا أو دليلًا، وقد يعللون: بأن به يحصل الردع والزجر، ولئلا يتأذى الناس من نتنه ورائحته. تعليل القول السادس (يُصلب حيًا ويترك حتى يموت): لأن الصلب في كلام العرب يقع على معنيين، أحدهما: من الأيدي، والربط على الخشبة، قال الله تعالى حاكيًا عن فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٢). والوجه الآخر: التيبيس، قال الشاعر، يصف فلاة مضلة: بها جيف الحسرى فأما عظامها فبيض وأما جلدها فصليب (٣) يريد أن جلدها يابس. وقال الآخر: جَذِيمَةُ نَاهِضٍ فِي رَأْسِ نِيق ترى لعظام ما جَمَعَتْ صَلِيبًا يريد: ودكًا سائلًا؟ فوجب جمع الأمرين معًا، حتى إذا أنفذنا أمر الله تعالى فيه وجب به ما افترضه الله تعالى للمسلم على المسلم: من الغسل، والتكفين، والصلاة، والدفن، على ما قد ذكرنا قبل هذا (٤). قال الإمام ابن حزم ﵀: "وجدنا الله تعالى قد قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ (٥) فصح يقينًا أن الله تعالى لم يوجب قط عليهم حكمين من هذه الأحكام، ولا أباح

стр. 280

أن يجمع عليهم خزيان من هذه الأخزاء (١) في الدنيا، وإنما أوجب على المحارب أحدها لا كلها، ولا اثنين منها، ولا ثلاثة. فصح بهذا يقينًا لا شك فيه: أنه إن قتل فقد حرم صلبه، وقطعه، ونفيه. وأنه إن قطع، فقد حرم قتله، وصلبه، ونفيه. وأنه إن نفي، فقد حرم قتله، وصلبه وقطعه وأنه إن صلب، فقد حَرُمَ قتله، وقطعه، ونفيه، لا يجوز البتة غير هذا، فحرم بنص القرآن صلبه إن قُتل. وحرم أيضًا بنص القرآن قتله إن صُلب وحَرُمَ هذا الوجه أيضًا بسنن رسول الله ﷺ التي ذكرنا من «إن أعف الناس قِتلةً أهلُ الإيمان» (٢)، و«إذا قتلتم فأحسنوا القتلة» (٣)،

стр. 281

و «لعن الله من اتخذ شيئًا فيه الروح غَرَضًا (١)» (٢)، والنهي عن ذلك. فلما حرم قتله مصلوبًا بيقين؛ لما ذكرنا من وجوب اللعنة على من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا، وحرم صلبه بعد القتل لما ذكرنا أنه لا يجوز عليه جمع الأمرين معًا وجب ضرورة أن الصلب الذي أمر الله تعالى به في المحارب إنما هو صلبٌ لا قَتلَ مَعه؟ ولو لم يكن هكذا لبطل الذي أمر الله تعالى به، ولكان كلامًا عاريًا من الفائدة أصلا، وحاش لله تعالى من أن يكون كلامه تعالى هكذا! ولكان أيضًا تكليفًا لما لا يطاق، وهذا باطل. فصح يقينًا أن الواجب أن يخير الإمام صلبه إن صلبه حيًا، ثم يدعه حتى ييبس ويجف كله؛ لأن الصلب في كلام العرب يقع على معنيين: ... " (٣). الترجيح: أَرْجح الأقوال فيما يظهر -والله أعلم- هو القول المشهور عند الحنابلة أنه يصلب قدر ما يشتهر أمره (٤)؛ لأن فيه مراعاةً للفظ في النصوص، ومراعاةً للمعنى المقصود من حد الحرابة وهو الردع والزجر. وأما في عصرنا هذا فالتشهير قد يحدث في دقائق بواسطة الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي. وينبغي مراعاة عدم تغير المصلوب وظهور رائحته ونتنه، وهذا يختلف باختلاف الهواء حرارةً وبرودةً واعتدالًا؛ فإذا خيف التغير ينزل. وتحديد ثلاثة أيام يفتقر إلى دليل، والقول بأن الصَّلب يَصدُق بأدنى توقيت وإن قلَّ قد لا يراعي المقصدَ من الحدّ، وأما قول الظاهرية يُصلب حيًا ويترك حتى يموت، مرجوح؛ فهو جمع بين القتل المضاعف مع الصلب، وليس مجرد صلب فقط، كما قاله ابن حزم -

стр. 282

رحمه الله -. وببحثي القاصر فالذي يظهر-والله أعلم- أن قول الظاهرية قولٌ محدث مخالف لمن سبقه فقد خالف الإجماع الضمني، ولا يجوز إحداث قولٍ جديد لأقوال سابقة، كما هو مذهب عامة الفقهاء (١) إلا إذا كان تفصيلًا لأقوالٍ سابقة ولم يبطلها (٢) كما هو مذهب الحنابلة (٣). * * *

стр. 283

المسألة الثانية: وقت غسله وكفنه والصلاة عليه إن قلنا: يترك على الصليب حتى يسيل ودكه . في المسألة قولان: القول الأول: يقتل ثم يغسل ويصلى عليه، ثم يصلب، وهو اختيار الصيدلاني (١). القول الثاني: لا يصلى على قاطع الطريق أصلًا، وهو قول بعض الحنفية (٢). تعليل القول الأول: لأن في تأجيل الغسل والصلاة عليه بعد الصلب إبطالٌ لوجوب غسله وتكفينه ودفنه، فيتعين غسله والصلاة عليه قبل صلبه (٣). تعليل القول الثاني: قياس قطاع الطريق بالبغاة (٤)؛ بجامع السعي في الأرض بالفساد، فكانوا في استحقاق الإهانة مثلهم (٥). الترجيح: الراجح-والله أعلم- القول الأول إن قلنا يقتل ثم يصلب؛ أما إن قلنا يصلب ثم يقتل فلا إشكال حينئذٍ؛ فبعد القتل يغسل ويصلى عليه. ولا تشكل هذه المسألة على القول بتحديد مدة الصلب بثلاثة أيام أو أقل أو قدر ما يشتهر أمره. * * *

стр. 284

المسألة الثالثة: حكم قتل السيد المحارب عبدَه، إذا كان العبد في الرفقة . المحارب: أي من ذوي الحرابة. لتحرير المسألة، هناك أربع مسائل متتالية: ١. حكم قتل الحر بالعبد. ٢. حم قتل السيد بعبده. ٣. حكم قتل الحر المحارب بالعبد. ٤. حكم قتل السيد المحارب بعبده إذا كان العبد مهجومًا عليه. اختلف الفقهاء في قتل الحر بالعبد؛ فمذهب الجمهور (١): أنه لا يقتل الحر بالعبد، ومذهب الحنفية: يقتل الحر بالعبد (٢). واتفقتِ المذاهب الأربعة على أنه لا يقتل السيد بعبده (٣). وأما إذا قَتل الحرُّ المحاربُ العبدَ، فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يقتل الحر المحارب بالعبد، وهو مذهب المالكية، وقول عند الشافعية، والصحيح عند الحنابلة (٤). قالوا: لعموم النصوص، ولأنه حدٌ لله تعالى، فلم تعتبر فيه المكافأة، كقطع السارق (٥).

стр. 285

القول الثاني: لا يقتل الحر المحارب بالعبد، وهو قول عند الشافعية، ورواية عن أحمد (١). قالوا: لأنه حق للآدمي (٢)، ولقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ (٣) يفيد الحصر، أي: لا يقتل الحر إلا بالحر (٤)، ولحديث: «لا يقتل حر بعبد» (٥). وأما الحنفية فلم أجد لهم ذكرًا لهذه المسألة في الحرابة. ومحل البحث حكم قتل السيد المحارب عبدَه، إذا كان العبد مع الرفقة المهجوم عليها. للعلماء في المسألة قولان: القول الأول: يقتل السيد المحارب، وهو وجه عند الشافعية (٦). القول الثاني: لا يقتل، وهو وجه عند الشافعية (٧)، وهو اختيار الصيدلاني (٨).
следующие страницы →