← Фикх общий

Фикх общий · id 143157

الاختيارات الفقهية لمحمد بن داود الصيدلاني

خالد بن عبد الله عفيف

Полный текст (638 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

و «لعن الله من اتخذ شيئًا فيه الروح غَرَضًا (١)» (٢)، والنهي عن ذلك. فلما حرم قتله مصلوبًا بيقين؛ لما ذكرنا من وجوب اللعنة على من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا، وحرم صلبه بعد القتل لما ذكرنا أنه لا يجوز عليه جمع الأمرين معًا وجب ضرورة أن الصلب الذي أمر الله تعالى به في المحارب إنما هو صلبٌ لا قَتلَ مَعه؟ ولو لم يكن هكذا لبطل الذي أمر الله تعالى به، ولكان كلامًا عاريًا من الفائدة أصلا، وحاش لله تعالى من أن يكون كلامه تعالى هكذا! ولكان أيضًا تكليفًا لما لا يطاق، وهذا باطل. فصح يقينًا أن الواجب أن يخير الإمام صلبه إن صلبه حيًا، ثم يدعه حتى ييبس ويجف كله؛ لأن الصلب في كلام العرب يقع على معنيين: ... " (٣). الترجيح: أَرْجح الأقوال فيما يظهر -والله أعلم- هو القول المشهور عند الحنابلة أنه يصلب قدر ما يشتهر أمره (٤)؛ لأن فيه مراعاةً للفظ في النصوص، ومراعاةً للمعنى المقصود من حد الحرابة وهو الردع والزجر. وأما في عصرنا هذا فالتشهير قد يحدث في دقائق بواسطة الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي. وينبغي مراعاة عدم تغير المصلوب وظهور رائحته ونتنه، وهذا يختلف باختلاف الهواء حرارةً وبرودةً واعتدالًا؛ فإذا خيف التغير ينزل. وتحديد ثلاثة أيام يفتقر إلى دليل، والقول بأن الصَّلب يَصدُق بأدنى توقيت وإن قلَّ قد لا يراعي المقصدَ من الحدّ، وأما قول الظاهرية يُصلب حيًا ويترك حتى يموت، مرجوح؛ فهو جمع بين القتل المضاعف مع الصلب، وليس مجرد صلب فقط، كما قاله ابن حزم -

стр. 282

رحمه الله -. وببحثي القاصر فالذي يظهر-والله أعلم- أن قول الظاهرية قولٌ محدث مخالف لمن سبقه فقد خالف الإجماع الضمني، ولا يجوز إحداث قولٍ جديد لأقوال سابقة، كما هو مذهب عامة الفقهاء (١) إلا إذا كان تفصيلًا لأقوالٍ سابقة ولم يبطلها (٢) كما هو مذهب الحنابلة (٣). * * *

стр. 283

المسألة الثانية: وقت غسله وكفنه والصلاة عليه إن قلنا: يترك على الصليب حتى يسيل ودكه . في المسألة قولان: القول الأول: يقتل ثم يغسل ويصلى عليه، ثم يصلب، وهو اختيار الصيدلاني (١). القول الثاني: لا يصلى على قاطع الطريق أصلًا، وهو قول بعض الحنفية (٢). تعليل القول الأول: لأن في تأجيل الغسل والصلاة عليه بعد الصلب إبطالٌ لوجوب غسله وتكفينه ودفنه، فيتعين غسله والصلاة عليه قبل صلبه (٣). تعليل القول الثاني: قياس قطاع الطريق بالبغاة (٤)؛ بجامع السعي في الأرض بالفساد، فكانوا في استحقاق الإهانة مثلهم (٥). الترجيح: الراجح-والله أعلم- القول الأول إن قلنا يقتل ثم يصلب؛ أما إن قلنا يصلب ثم يقتل فلا إشكال حينئذٍ؛ فبعد القتل يغسل ويصلى عليه. ولا تشكل هذه المسألة على القول بتحديد مدة الصلب بثلاثة أيام أو أقل أو قدر ما يشتهر أمره. * * *

стр. 284

المسألة الثالثة: حكم قتل السيد المحارب عبدَه، إذا كان العبد في الرفقة . المحارب: أي من ذوي الحرابة. لتحرير المسألة، هناك أربع مسائل متتالية: ١. حكم قتل الحر بالعبد. ٢. حم قتل السيد بعبده. ٣. حكم قتل الحر المحارب بالعبد. ٤. حكم قتل السيد المحارب بعبده إذا كان العبد مهجومًا عليه. اختلف الفقهاء في قتل الحر بالعبد؛ فمذهب الجمهور (١): أنه لا يقتل الحر بالعبد، ومذهب الحنفية: يقتل الحر بالعبد (٢). واتفقتِ المذاهب الأربعة على أنه لا يقتل السيد بعبده (٣). وأما إذا قَتل الحرُّ المحاربُ العبدَ، فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يقتل الحر المحارب بالعبد، وهو مذهب المالكية، وقول عند الشافعية، والصحيح عند الحنابلة (٤). قالوا: لعموم النصوص، ولأنه حدٌ لله تعالى، فلم تعتبر فيه المكافأة، كقطع السارق (٥).

стр. 285

القول الثاني: لا يقتل الحر المحارب بالعبد، وهو قول عند الشافعية، ورواية عن أحمد (١). قالوا: لأنه حق للآدمي (٢)، ولقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ (٣) يفيد الحصر، أي: لا يقتل الحر إلا بالحر (٤)، ولحديث: «لا يقتل حر بعبد» (٥). وأما الحنفية فلم أجد لهم ذكرًا لهذه المسألة في الحرابة. ومحل البحث حكم قتل السيد المحارب عبدَه، إذا كان العبد مع الرفقة المهجوم عليها. للعلماء في المسألة قولان: القول الأول: يقتل السيد المحارب، وهو وجه عند الشافعية (٦). القول الثاني: لا يقتل، وهو وجه عند الشافعية (٧)، وهو اختيار الصيدلاني (٨).

стр. 286

تعليل القول الأول: تغليب لحق الله تعالى، أو تمحيضه حقًا لله -تعالى-؛ لأنه لا يصح العفو عن المحارب، ويتعلق استيفاؤه بالإمام (١). تعليل القول الثاني: ١. لأن فيه رعاية لحقِّ الآدمي، مع حق الله تعالى، وهو الأظهر عند الشافعية (٢). ٢. لأن القتل في الحرابة للفساد لا للقصاص (٣). ٣. أنه لو قتل في غير المحاربة لثبت القصاص للآدمي، فيبعد أن يبطل حقه بوقوع القتل في المحاربة (٤). ٤. ولأنه إذا اجتمع حق الله -تعالى- وحق الآدمي يغلَّب حق الآدمي، فكيف ينتظم هنا إبطاله بالكلية (٥). ٥. إذا أخذ السيد المحارب مال نفسه لا تقطع يده، كذلك هنا لا يقتل بقتل عبده الذي هو من ماله (٦). ولم أجد لهذه المسألة نصًا فيها لغير الشافعية غير ما تقدم من مسائل، فيمكن أن يُخرَّج على أصولهم ويقال: يقتل السيد المحارب عند الجمهور، تخريجًا على قولهم بأن القتل في الحرابة حقٌ لله.

стр. 287

قال ابن رشد: "وأما ما يجب على المحارب فاتفقوا على أنه يجب عليه حق لله وحق للآدميين، واتفقوا على أن حق الله هو القتل والصلب وقطع الأيدي وقطع الأرجل من خلاف، والنفي على ما نص الله تعالى في آية الحرابة" (١). الترجيح: الراجح -والله أعلم- لا يُقتل السيد المحارب في قتل عبده: ١. لأنه لا ولي له من البشر إلا هو، وكيف يُقتل بإتلاف مال نفسه. ٢. ولأن الأصل ألا يقتل السيد بعبده، فيتفرع عنه ألا يُقتل به في الحرابة. * * *

стр. 288

الفصل الرابع: الجهاد والسير، والجزية، وما يجب على أهل الذمة وما يجب لهم، والأمان وفيه مبحثان: المبحث الأول: الجهاد والسير. المبحث الثاني: الجزية، وما يجب على أهل الذمة وما يجب لهم، والأمان.

стр. 289

المبحث الأول: الجهاد والسير وفيه مطلبان: المطلب الأول: استئجار المجاهد. المطلب الثاني: الغنائم، والتولي يوم الزحف، وحكم تحكيم الإمام مسلمًا على العدو.

стр. 290

المطلب الأول: استئجار المجاهد وفيه مسألتان: المسألة الأولى: حكم استئجار السلطان من أراد استئجاره من المسلمين في الجهاد، وإعطاءهم الأجرة من سهم المصالح. المسألة الثانية: لو قهر الإمام طائفةً من المسلمين، وأخرجهم إلى الجهاد، هل يستحقون أجر المثل؟

стр. 291

المسألة الأولى: حكم استئجار السلطان من أراد استئجاره من المسلمين في الجهاد، وإعطاءهم الأجرة من سهم المصالح . الجهاد: هو قتال الكفار؛ لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى. وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (١). والأصل في حكم الجهاد في سبيل الله أنه فرض كفاية، كما نقل الإجماع على ذلك غير واحدٍ من أهل العلم (٢)، وقد يتعين في حالاتٍ ذَكرَها الفقهاء (٣). فإذا كان الجهاد فرض عين، فإنه لا يجوز الاستئجار عليه باتفاق أهل العلم، حكمه في ذلك حكم فروض الأعيان التي لا يجوز الاستئجار عليها؛ كصلاة الإنسان لنفسه،

стр. 292

وصيامه لنفسه، وحجه لنفسه (١). واختلفوا فيما إذا كان الجهاد فرض كفاية إلى قولين: القول الأول: لا يجوز الاستئجار وأخذ الأجرة على الجهاد مطلقًا؛ سواء كان المستأجر هو السلطان أو غيره من الرعية، وسواء كان الأجير ممن يلزمه الجهاد في الأصل كالحر المسلم، أو كان ممن لا يلزمه الجهاد في الأصل كالعبد والمرأة، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والأصح عند الحنابلة (٢). القول الثاني: يجوز الاستئجار على الجهاد إذا كان فرض كفاية؛ سواء كان المستأجر هو السلطان أو غيره، وسواء كان الأجير ممن يلزمه الجهاد في الأصل كالحر المسلم، أو كان ممن لا يلزمه الجهاد في الأصل كالعبد والمرأة، وهو وجه عند الشافعية ورواية عن أحمد (٣)، وخصه الصيدلاني (٤) وابن عبد البر (٥) بالإمام خاصة.

стр. 293

أدلة القول الأول: ١. لأن الجهاد عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة كالحج والصلاة (١). ٢. أنه إذا لم يكن الجهاد متعينًا عليه فإنه متى حضر صف القتال تعين عليه، ولا يجوز أخذ الأجرة على فرض العين، كالاستئجار للصلاة (٢). ٣. ولأنه إذا تعين عليه الفرض، لم يجز أن يفعله عن غيره، كمن عليه حجة الإسلام، لا يجوز أن يحج عن غيره (٣). نوقش: بأنَّ هناك فرقًا بين الجهاد والحج، إذ إن الجهاد ليس بفرض عين، وإن الحاجة داعية إليه، وفي المنع من أخذ الجعل (٤) عليه تعطيل له، ومنع له مما فيه للمسلمين نفع، وبهم إليه حاجة، فينبغي أن يجوز، بخلاف الحج (٥). ٤. أن المجاهد يستحق السهم من الغنيمة، فلا يستحق الأجر مع ذلك (٦). ٥. لأن الجهاد حق الله تعالى، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه (٧). أدلة القول الثاني: ١. عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "للغازي أجره،

стр. 294

وللجاعل أجره وأجر الغازي" (١). وجه الدلالة: أن الحديث دل على جواز الجعل (٢) على الجهاد، فالإجارة كذلك (٣). ونوقش هذا الاستدلال بـ: أ- أنّ الحديث محمول على من جهز غازيًا تطوعًا لا استئجارًا (٤). ب- أنّ قياس الإجارة على الجعل قياس مع الفارق: أولًا: لأن الجعالة تعطى للمجاهد تبرعًا لا استئجارًا، وتطوعًا لا اشتراطًا، وإعانة له على القتال لطلب الأجر والثواب من الله ، فلا يلزم من جواز الجعالة جواز الإجارة (٥). ثانيًا: إن باب الجعالة أوسع من باب الإجارة؛ فتصح الجعالة مع جهالة العمل، والمدة والعامل، بخلاف الإجارة. قال الإمام الماوردي ﵀: "فأما جعالة السلطان إذا بذلها للغزاة، من بيت المال

стр. 295

فجائز لأمرين: أحدهما: أنه بذلها للجهاد عن الكافة دونه، ولو بذلها للنيابة عنه لم تصح. والثاني: أنه بذلها لهم من مال هو مستحق لهم؛ لأنهم إن كانوا من مرتزقة أهل الفيء كان لهم حق في مال الفيء، وإن كانوا من متطوعة الأعراب وأهل الصدقات كان لهم حق في سهم سبيل الله من أموال الصدقات، ولذلك إذا رجعوا عن الحرب لمانع لم يسترجع منهم ما أخذوه لحقهم فيه" (١). ١. عن جبير بن نفير (٢)؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل الذين يغزون من أمتي، ويأخذون الجعل يتقوون به على عدوهم مثل أم موسى ترضع ولدها، وتأخذ أجرها» (٣). وجه الاستدلال: أ- في الحديث صحة الاستئجار على الغزو لمن لم يتعين عليه، وللغازي أجرته وثوابه (٤). ب- ويدل هذا الحديث كسابقه على قياس الإجارة في الجهاد على الجعالة في الجواز بجامع أن كلًّا منهما من عقود المعاوضة. يناقش بـ: أولًا: يناقش هذا الحديث بما نوقش به الحديث السابق.

стр. 296

قال الإمام السرخسي في تفسير هذا الحديث: "يعني أن الغزاة يعملون لأنفسهم. قال الله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ (١)، ثم يأخذون الجعل من إخوانهم من المؤمنين؛ ليتقووا به على عدوهم، وذلك لهم حلال. كما أن أم موسى كانت تعمل لنفسها في إرضاع ولدها وتأخذ الأجرة من فرعون تتقوى به على الإرضاع، وكان ذلك حلالًا لها" (٢). ثانيًا: أن الحديث مرسل (٣)؛ فهو أحد أنواع الحديث الضعيف، فلا يحتج به (٤).

стр. 297

٢. ولأنه أمر لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، فصح الاستئجار عليه،

стр. 298

كبناء المساجد (١). ونوقش: بأن قياس الجهاد على بناء المساجد قياس مع الفارق؛ فلا يصح، وبيان ذلك: أ- أن الجهاد فرض على المسلمين في الجملة؛ فهو إما فرض كفاية، وإما فرض عين، فإذا كان الجهاد بهذه المثابة فهو من هذا الجانب قربة يختص بفعلها المسلم دون الكافر، وأما جواز فعله من الكافر فمحل خلاف بين العلماء في جواز الاستعانة بالكافر في الحرب مع المسلمين، وإن جاز فللضرورة، وحكم الضرورة حكم خاص يختلف عن الحكم في الحالات العادية (٢). ثم إن فعل الكفار حين الاستعانة بهم ليس بجهاد، فإن الجهاد ينال به الثواب، والكافر ليس من أهل الثواب، والجهاد مما يتقرب به العبد إلى ربه، وهم لا يتقربون بذلك، بخلاف المسلم (٣). ب- أن القياس على بناء المساجد لا يصح؛ لأن البناء لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، ولهذا جاز فعله من الكافر (٤). ٣. ولأنه لم يتعين عليه الجهاد، فصح أن يؤجر نفسه عليه كالعبد (٥). ونوقش: بأن الجهاد يكون في حقه فرض كفاية إذا لم يحضر، أما إذا حضر الصف فإنه يتعين عليه، ولا يجوز أخذ الأجرة على فرض العين (٦). وهناك فرق بين العبد والمسلم الحر في الجهاد، والقياس بينهما قياس مع الفارق؛ إذ

стр. 299

الجهاد لا يجب على العبد مطلقًا بالإجماع (١)، بخلاف الحر فإنه إذا حضر ساحة القتال تعين عليه، كما تقدم. ٤. ولأنه لا يفترض عليه حضور الوقعة (٢). ويناقش: نعم لا يفترض عليه حضور الوقعة عينًا، فإذا حضرها تعينت عليه كما تقدم (٣). الترجيح: بعد عرض الأدلة ومناقشتها فالذي يظهر - والعلم عند الله- أن الراجح هو القول الأول قول الجمهور بعدم جواز استئجارِ الإمام الحرَّ المسلم في الجهاد مطلقًا، وذلك لما يلي: ١. قوة تعليلهم، وإمكان مناقشة أدلة القول الثاني. ٢. وجود مصارف أخرى في الشرع تسدّ حاجة المجاهد، كالزكاة والنَّفَلِ (٤) والعطايا وغيرها. ٣. أن فتح باب الأجرة واشتراط عوض معين فيه قد يزاحم الإخلاص؛ فلا يكون للمجاهد نية إلا ليصيب الدنيا، ولا بأس أن يبتغي الإنسان الغنيمة ويأخذها مع نقصان الثواب (٥)، وربما أدى إلى تخلف الجيش من بعض الأفراد بسبب قلة المال مما يهدد أمن

стр. 300

البلاد، ويعرضها للضياع والجوع والخوف والفساد. وما انتصر المسلمون في الرعيل الأول، وما فتحوا الفتوحات وأذعن لهم العرب والعجم إلا لأن أفرادها قصدوا بجهادهم الجنة؛ إن فتحت لهم الدنيا حمدوا الله وشكروه، وإن لم تفتح لهم وأصابهم الفقر استمروا وصبروا وصابروا؛ لأنه ستفتح لهم الجنان. نعوذ بالله من الخذلان. * * *

стр. 301

المسألة الثانية: لو قهر الإمام طائفةً من المسلمين، وأخرجهم إلى الجهاد، هل يستحقون أجر المثل ؟ لو أكره الإمام جماعة من المسلمين على الجهاد والغزو هل يستحقون أجرة المثل؟ للعلماء في ذلك قولان: القول الأول: لا يستحقون أجرة المثل، وهو المذهب عند الشافعية (١)، واختاره الصيدلاني (٢). القول الثاني: إن تعين عليهم الجهاد فلا أجرة لهم، وإن لم يتعين عليهم فعلى الإمام أجرتهم من حين أخرجهم إلى حضور الوقعة، ولا يجب لما بعده أجرة الرجوع (٣)، وهو وجه عند الشافعية (٤). ولعل القول الأول بإطلاق أحكم على قاعدة المذهب الشافعي؛ لأن الجهاد يتعين بحضور الوقعة؛ فلا أجرة على المعتمد عندهم بدون إكراه، ومع الإكراه فهو استنفار الإمام فيتعين. ولم أجد نصًا لهذه المسألة عند غير الشافعية، وأصول المذاهب الأربعة تقتضي أنهم

стр. 302

لا يستحقون أجرة المثل؛ كما في المسألة السابقة، ولأنه تعين عليهم الجهاد من جهتين: من جهة حضورهم ميدان المعركة، ومن جهة استنفار الإمام لهم قال ﷺ : «وإذا استنفرتم فانفروا» (١)، فلا يعطون إلا من الغنائم أو الرَّزق أو النَّفَل أو من العطايا أو من الزكاة أو الجعائل أو غيرها. وهذا هو الراجح -والله أعلم- وأما كونهم خرجوا كارهين، فالكره هنا علة غير مؤثرة في الحكم؛ لأن الجهادَ والقتالَ كرهُه طَبعي وجبلي: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ (٢)، لا سيما مع قوة العدو: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (٣)، قال القرطبي: " ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ كراهة للقاء القوم" (٤)، فلا يبعد أن يخرج ثلة منهم مكرهين، فيعامَلون كغيرهم، ولا يستحقون سهمًا أكثر من غيرهم؛ بل إن من خرج في سبيل الله ممتثلًا لأمره خيرٌ ممن أُكره على الغزو، فمن خرج طائعًا أولى بالزيادة والعطاء ممن خرج مكرهًا متثاقلًا متبرمًا، فقد ذم الله تعالى التثاقل عند نداء الجهاد ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٥)، والله أعلم. * * *

стр. 303

المطلب الثاني: الغنائم، والتولي يوم الزحف، وحكم تحكيم الإمام مسلمًا على العدو وفيه خمس مسائل: المسألة الأولى: لو أخذ بعض الغانمين شيئًا من الطعام، وأقرضه غانمًا آخر، فهل الإقراض يتعلق به حكم؟ المسألة الثانية: لو أخذ بعض الغانمين شيئًا من الطعام، وباعه غانمًا آخر، فهل البيع يتعلق به حكم؟ المسألة الثالثة: الحكم فيما إذا أخذ الإمام من المقترض ما استقرضه من غنيمة غانم، وكانت العين باقية، وتفرق الجند وعَسُر فضّ مُدٍّ من طعامٍ على مائة ألف. المسألة الرابعة: طُرق التحيُّز الجائزة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ (١). المسألة الخامسة: إذا حاصر صاحب الراية قلعة، فرضُوا بأن ينزلهم على حكم رجل عيّنوه، فأنزلهم الإمام على حكم أمين عدل، وحكم المحكَّم بالقتل، فأراد الإمام أن يسترق.

стр. 304

المسألة الأولى: لو أخذ بعض الغانمين شيئًا من الطعام، وأقرضه غانمًا آخر، فهل الإقراض يتعلق به حكم ؟ الغنيمة: هي المال المأخوذ من أهل الحرب بالقتال على سبيل القهر والغلبة (١). "وقد أجمع العلماء على إباحة طعام الحربيين ما دام المسلمون في أرض الحرب، يأكلون منه قدر حاجتهم، ويجوز بإذن الإمام وبغير إذنه، ولم يشترط أحد من العلماء استئذانه إلا الزهري. وجمهورهم على أنه لا يجوز أن يخرج معه منه شيئًا إلى عمارة دار الإسلام، فإن أخرجه لزمه رده إلى المغنم (٢)، وقال الأوزاعي (٣): لا يلزمه. وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع شيء منه في دار الحرب ولا غيرها، فإن بيع منه شيء لغير الغانمين كان بدله غنيمته، ويجوز أن يركب دوابهم، ويلبس ثيابهم، ويستعمل سلاحهم في حال الحرب

стр. 305

بالإجماع، ولا يفتقر إلى إذن الإمام وشرط الأوزاعي إذنه وخالف الباقين" (١). قال ابن عمر ﵄: "كُنَّا نصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكل ولا نرفعه" (٢). قال الإمام الجويني: "قال المحققون: لو قلَّ الطعام، واستشعر الأمير الازدحام والتنازع فيه، جعله تحت يده، وقسمه على المحتاجين على قدر حاجاتهم، وله أن يمنع من معه كفايته مزاحمة المحتاجين" (٣). والغانم إذا أخذ طعامًا قبل القسمة، وأراد أن يقرضه لغيره، فإما أن يقرضه لغير غانم، أو لغانم. وأما قرضه لغير الغانم فقد قال النووي ﵀: "ليس للغانم أن يقرض ما أخذه من الطعام والعلف لغير الغانمين" (٤).

стр. 306

وأما إقراضه لغانمٍ آخر، وهل الإقراض يتعلق به حكم؟ فهي المسألة المراد بحثها. في المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: ليس على المستقرض شيء إذا استهلكه، فإن لم يستهلكه بعد، فالمقرض أحق به إذا أراد استرداده، وإن كان الآخذ محتاجًا إليه والمعطي غنيًا عنه فليس له أن يأخذه منه، وإن كانا غنيين عنه حين أقرضه، ثم احتاجا إليه قبل الاستهلاك، فالمعطي أحق به، وإن احتاج إليه الآخذ أولًا، ثم احتاج إليه المعطي أو لم يحتج إليه، فلا سبيل له على الآخذ، وهذا هو قول الحنفية (١). القول الثاني: لا يحل أن يقرض غانمٌ طعامًا لغانم آخر، فإن أقرضه وأخذه المستقرض فلا شيء عليه، وهو أحق به، ولا يلزمه إيفاؤه، وهو قول المالكية، والحنابلة، ووجه عند الشافعية (٢). قال الحنابلة: إن باعه به نسيئة، أو أقرضه إياه، فأخذه، فهو أحق به، ولا يلزمه إيفاؤه، فإن وفَّاه، أو رده إليه، عادت اليد إليه كما كانت (٣). وقول الحنفية قريب من قول المالكية والحنابلة؛ إذ جميعهم يقولون: إذا اقترض الغانم طعامًا من الغنيمة لا يلزمه الوفاء، إلا أن الحنفية يستثنون من ذلك مسألتين: أولها: إذا لم يستهلك المقترض الطعام، وثانيها: إذا كان المقرض والمقترض غنيين، ثم احتاجا إليه قبل الاستهلاك فالمعطي أحق به في المسألتين عندهم، والله أعلم. القول الثالث: أن للمقرض مطالبة المقترض بعينه أو بمثله من المغنم، لا من خالص ماله، ما داما بدار الحرب ولم يدخلوا دار الإسلام، ولم تزل يده عنه إلا ببدل، وليس ذلك قرضًا محققًا، فإن نفد وفرغ الطعام ولم يوجد في المغنم بدله سقطت المطالبة، فإذا دخلوا

стр. 307

دار الإسلام، ولم يَعِزَّ الطعام ردَّه المقترض إلى الإمام، فإن بقي عين المقترَض رده إلى المغنم. وهو الصحيح عند الشافعية (١)، واختيار الصيدلاني (٢). ففي الجملة تكاد تتفق المذاهب على أنه ليس قرضًا محققًا مع اختلافهم في بعض التفاصيل. تعليل القول الأول: ١. قالوا: ليس على المستقرض شيء؛ لأن حقيقته تناولٌ من طعام الغنيمة، وهو مال مباح ملك للجميع، وإنما الاستقراض كان لتطيب نفسُ صاحبه بالتسليم إليه، فلا يلزمه ضمان باستهلاكه (٣). ٢. قالوا: وقولنا: إن لم يستهلكه بعد، فالمقرض أحق به إذا أراد استرداده؛ لأن المقرض لم يرضَ بتحويل اليد إلى صاحبه، إلا بشرط أن يلتزم ويوجب على نفسه أن يردَّ مثله، وقد تعذّر إيجاب هذا الشرط فينعدم رضاه، ويصير حكمه كما لو أخذه صاحبه

стр. 308

منه بغير رضاه؛ يلزمه رده لا لكونه مالكًا له، ولكن لكون أحق به لسبقه (١). ٣. وقولنا: وإن كان الآخذ محتاجًا إليه والمعطي غنيًا عنه فليس له أن يأخذه منه؛ لأنه لو أخذه منه بغير رضاه كان هو أحق به لحاجته إليه، وغنى صاحبه عنه، فإذا أخذه برضى كان أولى ألا يأخذه منه (٢). ٤. وقولنا: إن كانا غنيين عنه حين أقرضه، ثم احتاجا إليه قبل الاستهلاك فالمعطي أحق به؛ لأن حاجتهما إذا اعترضت قبل حصول المقصود، فهو في حكم الموجود عند ابتداء الأخذ، وقد بينا أن رضى المعطي لم يتم به حين لم يسلم له الشرط، فهو أحق بالاسترداد (٣). ٥. قولنا: وإن احتاج الآخذ أولًا ثم احتاج إليه المعطي، أو لم يحتج إليه فلا سبيل له على الآخذ؛ لأن باعتبار حاجة الآخذ قد اتصفت يده بالحقيقة، فلا يكون لأحد أن يزيلها بغير رضاه، وإن احتاج إلى ذلك (٤). تعليل القول الثاني: ١. لأن الغانم لا يملك ما يأخذه، وإنما له حق الانتفاع، والغانمون في أطعمة المغنم كالضِّيفان (٥)؛ لا يتصرفون فيما قُدِّم إليهم إلا بالأكل، فأما الإقراض والبيع، فلا مجيز له (٦). ٢. قالوا: لأن الآخذ (المقترض) من جملة المستحقين، وإذا حصل الطعام في يده، فكأنه أخذه بنفسه (٧).

стр. 309

تعليل القول الثالث: ١. قالوا: للمقرض مطالبة المقترض بعينه أو بمثله من المغنم؛ لأنه إذا أخذه صار أحق به، ولم تزل يده عنه إلا ببدل (١). ٢. قولنا: وليس له مطالبته به من خالص ماله، إذ ليس ذلك قرضًا محققًا؛ لأن الآخذ لا يملك المأخوذ حتى يَمْلِكَهُ غيرُه، ولا تمليك هنا (٢). ٣. قولنا: لو رد المقترض ما أخذه من ماله لم يأخذه المقرض؛ لأن الذي أخذه غير المملوك، وماله الخاص مملوك، فغير المملوك لا يقابل بالمملوك (٣). ٤. قولنا: إذا دخلوا دار الإسلام، ولم يَعِزَّ الطعام، ردَّه المقترض إلى الإمام لانقطاع حقوق الغانمين عن أطعمة المغنم (٤). ٥. قولنا: فإن بقي عين المقترَض رده إلى المغنم؛ لأن فضل الزاد يجب رده إلى المغنم (٥). الترجيح: الناظر للأقوال وتعليلاتها، يجدها متجاذبة، وأرجحها -والعلم عند الله- القول الثاني؛ بأنه لا يحل القرض، ولا يلزم الآخذ الوفاء. وكون المعطي مستحقًا أولًا لا يلزم منه الضمان؛ لأن المال في الأصل مباح؛ فهو يتعلق بالجميع، وكونه انتقل إلى غيره فقد زالت

стр. 310

يده إلى من له أحقية بالطعام أصلًا. وعلى القول بأن من قتل كلبًا فلا ضمان عليه؛ لأنه لا قيمة له، وليس له عوضٌ شرعي؛ لأنه لا يجوز بيعه (١)، وهذا مع استحقاق صاحبه له بالانتفاع، فمن باب أولى هنا، والله أعلم. * * *

стр. 311

المسألة الثانية: لو أخذ بعض الغانمين شيئًا من الطعام، وباعه غانمًا آخر، فهل البيع يتعلق به حكم ؟ هذه المسألة في بيع الغنيمة قبل القسمة. اتفقت المذاهب في الجملة بالقطع بفساد البيع؛ فإنه تعاطٍ وتبادل، كإبدال الضِّيفان لقمة بلقمة؛ فيسلم ضيفٌ لقمة إلى صاحبه، ويأخذ لقمة، ولا مؤاخذة، وعلى حسب هذا قيل: إذا تبايع الغانمان بما أخذاه صاعًا بصاعين، فلا بأس بذاك، ولم يكن ذلك ربا، وهو تبادل وليس بتبايع (١)، وهو ما قطع به الصيدلاني (٢). قال السرخسي: "إلا أن قيام حاجة صاحبه كان يمنعه من الأخذ منه بغير رضاه، فيسترضي كل واحد منهما صاحبه بهذه المبايعة، ثم يتناول بأصل الإباحة، بمنزلة الأضياف على المائدة إذا تناول اثنان طعامًا بين يدي كل واحد منهما لم يكن ذلك بيعًا، ولكن كل واحد منهما كان ممنوعًا من أن يمدَّ يده إلى ما بين يدي غيره بغير رضاه، فبعد وجود التراضي بهذا السبب يتناول كل واحد منهما على ملك المضيف باعتبار الإباحة منه. وإن كان كل واحد منهما محتاجًا إلى ما أعطى صاحبه، وصاحبه محتاج إلى ذلك أيضًا، فأراد أحدهما نقض ما صنع فليس له ذلك؛ لأنه اعترض على يده يد محقة؛ فإن صاحبه أخذه بطيبة نفسه، فقيام حاجته يمنعه من الأخذ منه، كما لو كان هو الذي بدر إليه في الابتداء. وإن كان البائع محتاجًا إلى ما أعطى، وكان المشتري غنيًا عنه، فللبائع أن يأخذ ما

стр. 312

أعطى ويرد ما أخذ؛ لأن صاحبه لو كان هو الذي بدر إليه في الابتداء، وهو غني عنه، كان له أن يأخذه منه لحاجته إليه، فكذلك إذا كان هو الذي سلمه إليه، إلا أن هناك يأخذه منه من غير أن يعطيه شيئًا، وهاهنا يرد عليه ما أخذه منه بمقابلته؛ لأنه لو لم يرد ذلك عليه كان غرورًا منه، والغرور حرام، حتى لو كان وهبه له كان له أن يأخذه لحاجته إليه إذا كان الموهوب له غنيًا عنه، من غير أن يعطيه شيئًا بمقابلته. وإن كان حين قصد الاسترداد من صاحبه أعطاه صاحبه محتاجًا إليه لم يكن له أن يأخذه منه؛ لأنه هو الذي سلطه على الدفع إلى غيره، فكأنه دفعه بنفسه إلى هذا المحتاج، ثم أراد أن يأخذه منه، وقيام حاجة من في يده في مثل هذا يمنعه من الأخذ منه. ولو تبايعا، وهما غنيان أو محتاجان أو أحدهما غني والآخر محتاج، فلم يتقابضا حتى بدا لأحدهما ترك ذلك فله أن يتركه؛ لأن هذه المبايعة ما كانت معتبرة شرعًا فإنها لم تصادف محلها، فكان الحال بعدها كالحال قبلها، ما لم يتقابضا، فإن هذا الحكم يبتني على اليد، وبمجرد المبايعة قبل القبض لا تتحول اليد من أحدهما إلى الآخر" (١). وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الغنائم حتى تُقسَم (٢).

стр. 313

قال الحافظ ابن عبد البر في الكافي: "ولا يجوز له بيعه، فإن باعه فلا بد من وضع ثمنه في المغنم، ولا يحل أخذ ثمنه وهو غلول" (١). * * *

стр. 314

المسألة الثالثة: الحكم فيما إذا أخذ الإمام من المقترض ما استقرضه من غنيمة غانم، وكانت العين باقية، وتفرق الجند وعسر فضّ وتوزيع مُدٍّ من طعامٍ على مائة ألف . هذه المسألة في الطعام يقرضه غانمٌ لغانم آخر، وكانت العين باقية، وأخذ الإمام الطعام من المقترض، وقد تفرق الجيش وعسُر توزيع الطعام؛ لقلته وكثرة الجند، كأن يكون مدًّا، والجيش مائة ألف. للعلماء في ذلك أقوال: القول الأول: إن لم تُقسم الغنائم رَدُّوها إلى المغنم، وإن قُسمت الغنيمة فإن كانوا أغنياء تصدقوا به على الفقراء، وإن كانوا فقراء انتفعوا به، وهو قول الحنفية (١). القول الثاني: تصدق به على الفقراء، بعد إخراج خُمسه للإمام، وهو قول المالكية (٢). القول الثالث: يصرفه الإمام إلى خُمس الخمس (سهم المصالح)، ويجعل كأن الغانمين أعرضوا عنه، وهو المعتمد عند الشافعية (٣) واختاره الصيدلاني (٤). القول الرابع: سبيله سبيل الفيء، وهو وجه عند الشافعية (٥).

стр. 315

القول الخامس: أقرع الإمام بين الجند فيها، وهو قول الحنابلة (١). تعليل القول الأول: ١. قالوا: يرد الثمن إلى الغنيمة؛ لأن الثمن بدل مال تعلق به حق الغانمين، فكان مردودًا إلى المغنم (٢). ٢. ولتعذر قسمته على الغزاة؛ لكثرتهم وقلته، فأشبه اللقطة (٣). ٣. وإن كانت لم تقسم الغنائم ردوها إلى المغنم؛ لزوال حاجته واندفاع الضرورة (٤). تعليل القول الثاني: قالوا: لأنه كمالٍ جُهلت أربابه، فيعطى الإمام الخمس، ويتصدق عنهم الباقي (٥). تعليل القول الثالث: القياس على الغانمين إذا أعرضوا عن الغنيمة (٦). تعليل القول الرابع: قالوا: لأنه خرج عن حكم المغنم؛ فيكون مثل الفيء (٧). ونوقش: بأنه ضعيف لا أصل له؛ إذ لو كانوا كذلك، لما وجب الرّد إلى المغنم إذا أمكن الردّ. وقد اتفق الشافعية على وجوب ذلك (٨).

стр. 316

تعليل القول الخامس: قالوا: لأنه لا مرجح غير القرعة (١). الترجيح: الذي يظهر -والله أعلم- القول الأخير؛ وهو أن يقرع الإمام بين الجند؛ لأن الاستحقاق مشاع بين الجند، ولا مرجِّح لبعضهم دون بعض غير القرعة. * * *

стр. 317

المسألة الرابعة: طُرق التحيُّز الجائزة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١) لا خلاف بين الفقهاء في أنه يجب الثبات في الجهاد، ويحرم الفرار منه لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ (٢)، وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣). والفرار كبيرة موبقة بظاهر القرآن وإجماع الأكثر من الأئمة (٤). وقد عدّ رسول الله ﷺ الفرار من الزحف من السبع الموبقات بقوله: «اجتنبوا السبع الموبقات -ثم ذكر منها-: التولي يوم الزحف» (٥). وذهب الجمهور إلى أنه يحرم الفرار، ويجب الثبات بشرطين: أحدهما: أن يكون الكفار لا يزيدون على ضعف المسلمين، فإن زادوا عليه جاز الفرار؛ لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ

стр. 318

وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١). وذهب الحنفية والمالكية إلى أنه يحرم الفرار إن بلغ عدد الجيش اثني عشر ألفًا ولو كثر الكفار جدًا ما لم تختلف كلمتهم (٢)، لما روى ابن عباس ﵄: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفًا مِنْ قِلَّةٍ» (٣). قال ابن رشد: "وأما معرفة العدد الذين لا يجوز الفرار عنهم فهم الضِّعْف، وذلك مجمع عليه؛ لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٤). وذهب ابن الماجشون، ورواه عن مالك أن الضعف إنما يعتبر في القوة لا في العدد،

стр. 319

وأنه يجوز أن يفرَّ الواحد عن واحد إذا كان أعتق جوادًا منه، وأجود سلاحًا وأشد قوة" (١). وقال الكاساني: "فإن غلب على ظن الغزاة أنهم يقاومونهم يلزمهم الثبات، وإن كانوا أقل عددًا منهم، وإن كان غالب ظنهم أنهم يغلبون فلا بأس أن ينحازوا إلى المسلمين؛ ليستعينوا بهم، وإن كانوا أكثر عددًا من الكفرة، وكذا الواحد من الغزاة ليس معه سلاح مع اثنين منهم معهما سلاح، أو مع واحد منهم من الكفرة ومعه سلاح، لا بأس أن يولِّي دبره متحيزًا إلى فئة" (٢). الشرط الثاني لوجوب الثبات: أن لا يقصد بفراره التحيز إلى فئة ولا التحرُّف لقتال، فإن قصد أحد هذين فالفرار مباح له. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ (٣)، يعني تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في القتال ﴿زَحْفًا﴾، أي: في صف القتال، وتزاحف الرجال، واقتراب بعضهم من بعض، ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ يقول: فلا تولوهم ظهوركم فتنهزموا عنهم، ولكن اثبتوا لهم، فإن الله معكم عليهم. ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ يقول: ومن يولهم منكم ظهره، فيفرّ (٤)

стр. 320

﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾، واستثنى الله من الوعيد اثنين: المتحرِّف إلى قتال، والمتحيِّز إلى فئة. فأما التحرُّف للقتال: فهو أن يعدل عن القتال إلى موضع هو أصلح للقتال، بأن ينتقل من مضيق إلى سعة، ومن أرضٍ غليظة إلى أرض سهلة، ومن معطشة إلى ماء، ومن استقبال الريح والشمس إلى استدبارهما، ومن موضع كمين إلى حرز، أو من نزلة إلى علو، أو ليستند إلى جبل، أو يولي هاربًا ليعود طالبًا؛ لأن الحرب هرب وطلب وكرّ وفرّ، فهذا وما شاكله هو التحرُّف لقتال (١). وأما التحيز إلى فئة: فهو أن يولي؛ لينضم إلى طائفة من المسلمين؛ ليعود معهم محاربًا وسواء كانت الطائفة قريبة أو بعيدة (٢). ومذهب عامة الفقهاء أن من فرّ من موقع المعركة مع كون العدو لا يصل إلى ضعف المسلمين قوة أو عددًا، وبلا قصد التحرّف لقتال أو التحيز إلى فئة؛ بل بقصد الفرار من المعركة مطلقًا على ألا يعود أنه عاصٍ لله تعالى (٣)، وهو ما قرره الإمام الصيدلاني ﵀ (٤). * * *
следующие страницы →