← Фикх общий

Фикх общий · id 143157

الاختيارات الفقهية لمحمد بن داود الصيدلاني

خالد بن عبد الله عفيف

Полный текст (638 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

تعليل القول الخامس: قالوا: لأنه لا مرجح غير القرعة (١). الترجيح: الذي يظهر -والله أعلم- القول الأخير؛ وهو أن يقرع الإمام بين الجند؛ لأن الاستحقاق مشاع بين الجند، ولا مرجِّح لبعضهم دون بعض غير القرعة. * * *

стр. 317

المسألة الرابعة: طُرق التحيُّز الجائزة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١) لا خلاف بين الفقهاء في أنه يجب الثبات في الجهاد، ويحرم الفرار منه لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ (٢)، وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣). والفرار كبيرة موبقة بظاهر القرآن وإجماع الأكثر من الأئمة (٤). وقد عدّ رسول الله ﷺ الفرار من الزحف من السبع الموبقات بقوله: «اجتنبوا السبع الموبقات -ثم ذكر منها-: التولي يوم الزحف» (٥). وذهب الجمهور إلى أنه يحرم الفرار، ويجب الثبات بشرطين: أحدهما: أن يكون الكفار لا يزيدون على ضعف المسلمين، فإن زادوا عليه جاز الفرار؛ لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ

стр. 318

وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١). وذهب الحنفية والمالكية إلى أنه يحرم الفرار إن بلغ عدد الجيش اثني عشر ألفًا ولو كثر الكفار جدًا ما لم تختلف كلمتهم (٢)، لما روى ابن عباس ﵄: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفًا مِنْ قِلَّةٍ» (٣). قال ابن رشد: "وأما معرفة العدد الذين لا يجوز الفرار عنهم فهم الضِّعْف، وذلك مجمع عليه؛ لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٤). وذهب ابن الماجشون، ورواه عن مالك أن الضعف إنما يعتبر في القوة لا في العدد،

стр. 319

وأنه يجوز أن يفرَّ الواحد عن واحد إذا كان أعتق جوادًا منه، وأجود سلاحًا وأشد قوة" (١). وقال الكاساني: "فإن غلب على ظن الغزاة أنهم يقاومونهم يلزمهم الثبات، وإن كانوا أقل عددًا منهم، وإن كان غالب ظنهم أنهم يغلبون فلا بأس أن ينحازوا إلى المسلمين؛ ليستعينوا بهم، وإن كانوا أكثر عددًا من الكفرة، وكذا الواحد من الغزاة ليس معه سلاح مع اثنين منهم معهما سلاح، أو مع واحد منهم من الكفرة ومعه سلاح، لا بأس أن يولِّي دبره متحيزًا إلى فئة" (٢). الشرط الثاني لوجوب الثبات: أن لا يقصد بفراره التحيز إلى فئة ولا التحرُّف لقتال، فإن قصد أحد هذين فالفرار مباح له. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ (٣)، يعني تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في القتال ﴿زَحْفًا﴾، أي: في صف القتال، وتزاحف الرجال، واقتراب بعضهم من بعض، ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ يقول: فلا تولوهم ظهوركم فتنهزموا عنهم، ولكن اثبتوا لهم، فإن الله معكم عليهم. ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ يقول: ومن يولهم منكم ظهره، فيفرّ (٤)

стр. 320

﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾، واستثنى الله من الوعيد اثنين: المتحرِّف إلى قتال، والمتحيِّز إلى فئة. فأما التحرُّف للقتال: فهو أن يعدل عن القتال إلى موضع هو أصلح للقتال، بأن ينتقل من مضيق إلى سعة، ومن أرضٍ غليظة إلى أرض سهلة، ومن معطشة إلى ماء، ومن استقبال الريح والشمس إلى استدبارهما، ومن موضع كمين إلى حرز، أو من نزلة إلى علو، أو ليستند إلى جبل، أو يولي هاربًا ليعود طالبًا؛ لأن الحرب هرب وطلب وكرّ وفرّ، فهذا وما شاكله هو التحرُّف لقتال (١). وأما التحيز إلى فئة: فهو أن يولي؛ لينضم إلى طائفة من المسلمين؛ ليعود معهم محاربًا وسواء كانت الطائفة قريبة أو بعيدة (٢). ومذهب عامة الفقهاء أن من فرّ من موقع المعركة مع كون العدو لا يصل إلى ضعف المسلمين قوة أو عددًا، وبلا قصد التحرّف لقتال أو التحيز إلى فئة؛ بل بقصد الفرار من المعركة مطلقًا على ألا يعود أنه عاصٍ لله تعالى (٣)، وهو ما قرره الإمام الصيدلاني ﵀ (٤). * * *

стр. 321

المسألة الخامسة: إذا حاصر صاحب الراية قلعة (١)، فرضُوا بأن ينزلهم على حكم رجل عيّنوه، فأنزلهم الإمام على حكم أمين عدل، وحكم المحكَّم بالقتل، فأراد الإمام أن يسترق. إذا حاصر المسلمون أهل حصن فنزلوا على حكم رجل صح الحكم إذا كان المحكِّم عاقلًا عدلًا بصيرًا بمصالح القتال (٢). والمحكِّم مخيّر بين المن أو الفداء (٣) أو القتل أو الاسترقاق. فإذا حكم بالقتل فهل للإمام أن يسترق؟ القول الأول: ليس له أن يسترق إن حكم بالقتل، وهو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة (٤)، وهو اختيار الصيدلاني (٥). القول الثاني: له ذلك، وهو وجه عند الشافعية (٦). ولم أجد قولًا للحنفية في هذا الفرع. تعليل القول الأول: ١. قالوا: لأنّ الاسترقاق نوع من العذاب، وقد يُؤْثِر الإنسان الموت عليه، وليس

стр. 322

كالمنّ، فإنه تركٌ للعقاب من غير بدل (١). ٢. ولأنه لم ينزل العدو على حكمه على هذا الشرط (٢). ٣. ولأنه نقض حكم نفذ بالاستئناف لحكم مجدد (٣). ٤. ولأن الاسترقاق يتضمن ذلًا مؤبدًا (٤). تعليل القول الثاني: قالوا: لأن الاسترقاق دون القتل، والإمام لا يزيد على حكم المحكم، وله أن ينقص، والاسترقاق دون القتل (٥). الترجيح: الذي يظهر -والله أعلم- القول بأن للإمام أن يسترقهم، لكن بعد رضى المحكوم عليهم بالرِّق؛ لأن الاسترقاق دون القتل، وما دام أن الحكم برضا الطرفين، ولم يخرج عن حكم الله فليكن هو الحكم. * * *

стр. 323

المبحث الثاني: الجزية، وما يجب على أهل الذمة وما يجب لهم، والأمان وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الجزية المطلب الثاني: فيما يجب على أهل الذمة وما يجب لهم المطلب الثالث: الأمان

стр. 324

المطلب الأول: الجزية وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الفرق بين منع الجزية والامتناعَ عنها. المسألة الثانية: نقض العهد بمنع الجزية.

стр. 325

المسألة الأولى: الفرق بين منع الجزية والامتناعَ عنها . ليس فيها اختيار للصيدلاني، ففي نهاية المطلب: " وظاهر ما نقله الصيدلاني أن منع الجزية والامتناعَ متغايران" (١). المسألة الثانية: نقض العهد بمنع الجزية (٢). فهل ينقض الذمي (٣) عهده بمنعه إعطاء الجزية؟ للعلماء في ذلك قولان: القول الأول: لا ينتقض عهد الذمي بامتناعه إعطاء الجزية، وهو قول الحنفية (٤). وانتقد الملا الحنفي صاحب درر الحكام الحنفية، وقال: "قولهم الامتناع فيه إشكال؛ لأن معنى الامتناع عن الجزية التصريح بعدم أدائها كأن يقول: لا أعطي الجزية بعد هذا، وظاهره أنه ينافي بقاء الالتزام، اللهم إلا أن يراد بالامتناع تأخيرها والتعلل في أدائها، ولا يخفى بُعده" (٥).

стр. 326

وتعقبه شيخي زاده الحنفي صاحب مجمع الأنهر، وقال: "لكن يمكن الجواب بأنه بالتزامه يكون دينًا في ذمته؛ كالكفالة بالمال، فقوله بعده لا أعطي الجزية لا فائدة له، فيلزم أن يحبس كسائر الديون، تدبر" (١). القول الثاني: ينتقض عهد الذمي بمنعه إعطاء الجزية، سواء شُرط عليهم ذلك أو لا، وهو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة (٢)، واختاره الصيدلاني (٣). قال الإمام الجويني: "هذا إذا منع مع القدرة، فأما العاجز إذا استمهل فلا ينتقض عهده، قال: ولا يبعد أن يقال: تؤخذ الجزية من الموسر الممتنع قهرًا، ولا يجعل الامتناع ناقضًا كسائر الديون، ويخصص ما قاله الأصحاب بالمتغلب المقاتل" (٤).

стр. 327

وفي الحاوي الكبير: "وإن امتنع واحد منهم من بذلها نظر، فإن امتنع من التزامها كان نقضًا لعهده كالجماعة، وإن امتنع من أدائها مع بقائه على التزامها لم يكن نقضًا لعهده، وأخذت منه بخلاف الجماعة، لأن إجبار الجماعة عليها متعذر، وإجبار الواحد عليها ممكن" (١). تعليلات القول الأول: ١. قالوا: لأن ما يدفع عنه قتالنا التزام الجزية وقبولها لا أداؤها والالتزام باقٍ، فلا ينقض، ويسقط القتال، ويأخذها الإمام منهم جبرًا (٢). ٢. ولأن الامتناع عن أداء الجزية يحتمل أن يكون لعذر عدم المال، فلا ينتقض العهد بالشك والاحتمال (٣). أدلة القول الثاني: ١. قول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٤). وجه الدلالة: فلا يجوز الإمساك عن قتالهم إلا إذا كانوا صاغرين حال إعطاء الجزية. والمراد بإعطاء الجزية من حين بذلها، أو التزامها إلى حين تسليمها وإقباضها، فإنهم إذا بذلوا الجزية شرعوا في الإعطاء، ووجب الكف عنهم إلى أن نقبضها منهم، فمتى لم يلتزموها، أو التزموها وامتنعوا من تسليمها لم يكونوا معطين لها، فليس المراد أن يكونوا صاغرين حال تناول الجزية منهم فقط، ويفارقهم الصغار فيما عدا هذا الوقت، هذا باطل

стр. 328

قطعًا (١). ٢. قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ (٢). وجه الدلالة: أن الله نفى أن يكون لمشرك عهدٌ ممن كان النبي ﷺ عاهدهم إلا قومًا ذكرهم، فجعل لهم عهدًا ما داموا مستقيمين لنا، فعلم أن العهد لا يبقى للمشرك إلا ما دام مستقيمًا (٣). فإن قيل: إن الآية إنما هي في أهل الهدنة المقيمين في دارهم. قيل: الجواب من وجهين (٤): أحدهما: أن لفظها أعم. والثاني: أنها إذا كان معناها في أهل الذمة المقيمين بدارهم فثبوته في أهل الذمة المقيمين بدارنا أولى وأحرى. ٣. أن الأمان يقتضي الكف عن الإضرار وفي هذه الأشياء إضرار، فيجب أن ينتقض العهد بفعلها كما لو شرط ذلك في عقد الأمان (٥). ٤. ولأن عقد الذمة عقد أمان فانتقض بالمخالفة من غير شرط كالهدنة (٦).

стр. 329

٥. وإن لم يشرط عليهم الانتقاض به لمخالفته مقتضى العقد (١). الترجيح: الراجح -والله أعلم- قول الجمهور بأن المنع من إعطاء الجزية يُعدُّ ناقضًا للعهد. وما قاله الإمام الماوردي وجيه؛ وهو قوله: "وإن امتنع واحد منهم من بذلها نظر، فإن امتنع من التزامها كان نقضًا لعهده كالجماعة، وإن امتنع من أدائها مع بقائه على التزامها لم يكن نقضًا لعهده، وأخذت منه بخلاف الجماعة؛ لأن إجبار الجماعة عليها متعذر، وإجبار الواحد عليها ممكن" (٢). وأما تعليل الأحناف بأن ما يدفع عنه قتالنا التزام الجزية وقبولها، لا أداؤها والالتزام باقٍ. فهذا تعليل في محل النزاع؛ إذ التحقيق فيما يدفع عنهم قتالنا هو استقامتهم بجميع العهود ومنها إعطاء الجزية، كما هو نص الآية: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٣)، فقد علق الحكم بإعطاء وأداء الجزية، ولم يعلقه تعالى بمجرد عقد الذمة وقبوله والالتزام. قال ابن قدامة: "فجعل إعطاء الجزية غاية لقتالهم. فمتى بذلوها، لم يجز قتالهم" (٤). وفي تفسير القرطبي: "جعل للقتال غاية؛ وهي إعطاء الجزية بدلا عن القتل" (٥). وقد ورد في صحيح البخاري نص في الموضوع؛ فقد قال المغيرة بن شعبة ﵁ لعامل كسرى قبل معركة نهاوند في بلاد فارس: فأمرنا نبينا رسول ربنا ﷺ : «أن نقاتلكم

стр. 330

حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا ﷺ عن رسالة ربنا، أنه «من قتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم ير مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم» (١). فقال: «تؤدوا الجزية». وأما تعليلهم بأن الامتناع عن أداء الجزية يحتمل أن يكون لعذر عدم المال، فلا ينتقض العهد بالشك والاحتمال. هذا تعليل فيما يظهر أنه نظري أكثر منه عملي؛ فإذا كان أهل الذمة قد عجزوا عن أداء الجزية سيبررون بذلك، ويسارعون في بيان ذلك، وسيبذلون جهدهم لبيان وتوثيق عجزهم، لحقن دمائهم، هذا إذا لم يكن الفقر ظاهرًا عليهم، لعوارض مست البلاد من قحط وجدب وعوامل يدركونها بالحس، فطلبهم الجزية حينذاك من تكليف ما لا يطاق. فإذا كانوا معدومين عاجزين فلا يُعَدُّون ناقضين لعهد الذمة؛ إذ لا جزية على فقير عاجز عن أدائها كما هو قول الجمهور (٢). وإذا لم يظهر منهم فاقة، ولم يبينوا حالهم يسألهم الإمام عن سبب عدم إعطائهم

стр. 331

الجزية، ثم إن زعموا عجزهم وفاقتهم يبحث في أمرهم ويدقّق في حالهم. فالاستفهام قبل الإنكار، كما قال النبي ﷺ : «يا حاطب ما حملك على ما صنعت؟ ! » (١). وكما قيل: إذا عُرف السبب بطل أو زال العجب. * * *

стр. 332

المطلب الثاني: فيما يجب على أهل الذمة وما يجب لهم وفيه ثماني مسائل: المسألة الأولى: الحكم عند امتناع أهل الذمة عن إجراء أحكام الإسلام عليهم. المسألة الثانية: الحكم عند نصبِهم القتال من غير شبهة. المسألة الثالثة: الحكم فيما لو زنى ذمي بمسلمة أو أصابها بنكاح، أو دل أهل الحرب على عورة للمسلمين، أو فَتَنَ مسلمًا عن دينه لم يجرِ شرطٌ بانتقاض العهد بها. المسألة الرابعة: حكم الذمة إذا قال عاقد الذمة: إن أظهرتم خموركم، فلا عهد، أو انتقض العهد. المسألة الخامسة: لو تعرض أهل الذمة لرسولنا ﷺ بسوء، وقدحوا في الإسلام، وأظهروا ذلك. المسألة السادسة: حكم من سبَّ رسول الله ﷺ بما هو قذفٌ صريح، ولم يتب. المسألة السابعة: حكم من سبَّ رسول الله ﷺ بما هو قذفٌ صريح، ثم تاب. المسألة الثامنة: حكم منع الذمي من إطالة ارتفاع الدار إذا كان داره في طرف البلد لا تجاور أبنية المسلمين.

стр. 333

المسألة الأولى: الحكم عند امتناع أهل الذمة عن إجراء أحكام الإسلام عليهم (١). للعلماء في ذلك قولان: القول الأول: لا ينتقض عهدهم بعدم إجراء أحكام الإسلام، وهو قول الحنفية (٢). القول الثاني: ينتقض عهدهم بذلك، وهو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة (٣)، واختاره الصيدلاني (٤). تعليل القول الأول: لم أجد لهم استدلالًا ولا تعليلًا. أدلة القول الثاني: ١. قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ (٥). وجه الدلالة: أن الله نفى أن يكون لمشرك عهدٌ ممن كان النبي ﷺ عاهدهم إلا قومًا ذكرهم،

стр. 334

فجعل لهم عهدًا ما داموا مستقيمين لنا، فعلم أن العهد لا يبقى للمشرك إلا ما دام مستقيمًا. والمراد بالأيمان هنا العهود (١). ٢. ولأن عقد الذمة عقد أمان فانتقض بالمخالفة من غير شرط كالهدنة (٢). ٣. لمخالفته مقتضى العقد (٣). الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الثاني لقوة أدلتهم. * * *

стр. 335

المسألة الثانية: الحكم عند نصبِهم القتال من غير شبهة . إذا نصب أهل الذمة القتال على المسلمين لا يخلو من أمرين: إما أن يكون نصبهم القتال لشبهة، أو لغير شبهة، فإن كان لشبهة؛ كأن أعانوا طائفة من أهل البغي وادَّعوا الجهل، أو صال عليهم طائفة من متلصصي المسلمين وقطاعهم فقاتلوهم دفعًا (١)، أو قاتلوا لظلم ركبهم فلا يكون ذلك نقضًا (٢). أما نصبهم القتال من غير شبهة، إما أن يكونوا منفردين عن البغاة المسلمين، أو يكونوا مع البغاة المسلمين. فإن كانوا منفردين عن البغاة المسلمين فقد اتفقت المذاهب الأربعة على انتقاض عهدهم بذلك (٣)، وهو ما قرره الصيدلاني (٤). أدلتهم: نفس أدلة القول الثاني في المسألة السابقة. ومنها: لإتيانهم بنقيض عهد الذمة، ولمخالفتهم مقتضى العقد (٥). ويمكن أن يُستدل لهم بنقض يهود بني النضير العهدَ؛ بسبب عزمهم على قتل النبي

стр. 336

- ﷺ والغدر به (١). وأما إذا كانوا قد بغوا مع البغاة المسلمين فللفقهاء في ذلك ثلاثة أقوال: القول الأول: لا ينتقض عهدهم، وحكمهم فيما فعلوا كحكم البغاة، وهو مذهب الحنفية (٢). القول الثاني: خروج أهل الذمة مع البغاة المتأولين لا يعدُّ نقضًا للعهد، فلا يضمنوا نفسًا ولا مالًا، وإِن قاتلوا مع أهل العصبية المعاندين المخالفين للإمام العدل فهو نقض لعهدهم يوجب استحلالهم مالم يكره الذمي، وإِن كان السلطان غير عدل وخافوا جوره، واستعانوا بأهل العصبية لم يكن ذلك منهم نقضًا لعهد أهل الذمة، وهذا هو مذهب المالكية (٣). وقال المالكية: " (إعانة الذمي للباغي المعاند ناقض للعهد): محله ما لم يكن المعاند أَكْره ذلك الذميَّ على الخروج معه على الإمام، وإلا فلا يكون ناقضًا، لكن إن قَتل ذلك الذميُّ أحدًا قُتل به ولو كان مكرهًا" (٤). القول الثالث: لو استعان البغاة بأهل الذمة في قتالنا نُظر، إن كانوا عالمين بأنه لا يجوز لهم قتالنا، ولم يكرهوا انتقض عهدهم، وحكمهم حكم أهل الحرب، فيقتلون مقبلين ومدبرين، ولو أتلفوا بعد القتال شيئًا لم يضمنوه، وإن كانوا مكرهين لم ينتقض عهدهم. ويقاتلون مقاتلة أهل البغي، وإن قالوا: ظننا أنه يجوز لنا إعانة بعض المسلمين على بعض، أو أنهم يستعينون بنا على الكفار، أو أنهم المحقون، لم ينتقض، وإن لم يذكروا عذرًا،

стр. 337

انتقض عهدهم، وهو المذهب عند الشافعية والحنابلة (١). وصرح الحنابلة: بأن أهل الذمة والعهد يضمنون ما أتلفوه على المسلمين من نفس ومال، كما لو انفردوا بإتلافه (٢). وظاهر اختيار الصيدلاني: ينتقض عهدهم بذلك (٣). تعليل القول الأول: ١. إن خروج أهل البغي ليس بناقض للإيمان، فكذلك لا يكون من أهل الذمة ناقضًا للعهد (٤). ٢. لأنهم أتباع للبغاة المسلمين، فلهم حكمهم بطريق التبعية (٥). تعليل القول الثاني: لم أجد لهم ما يستدلون به، وقد يعللون بالقياس على البغاة الذين هم سبب القتال، فهم من لهم تأويل فيأخذون حكمهم. أما إذا لم يكن تأويل فلم يلحقوا بالبغاة؛ إذ من صفاتهم التأويل، فينقض عهد أهل الذمة حينئذ. وأما قولهم: وإِن كان السلطان غير عدل وخافوا جوره، ... الخ؛ لأنه عند المالكية ليس للسلطان غير العدل أن يقاتل البغاة أصلًا؛ لاحتمال أن خروجهم لجوره، وإن لم يجز

стр. 338

الخروج عليه (١). فأهل الذمة يأخذون حكم البغاة هنا، والله أعلم. تعليل القول الثالث: ١. أدلتهم في المسائل السابقة من عدم استقامتهم، ومنافاتهم لعقد الذمة ومقتضاه. ٢. قالوا: إذا أعانوا أهل البغي بدون شبهة ولا إكراه ينتقض عهدهم: أولًا: لأنهم إذا قاتلونا، لزمنا قتالهم، وذلك ضد الأمان (٢). ثانيًا: القياس على ما إذا انفرد أهل الذمة بقتال المسلمين (٣). ٣. قولنا: وإن أكرههم البغاة على معونتهم، لم ينتقض عهدهم، وإن ادعوا ذلك، قبل قولهم؛ لأنهم تحت أيديهم وقدرتهم (٤). ٤. قولنا: إن قال أهل الذمة ظننا أنهم من أهل العدل، وأنه يجب علينا القتال معهم، يقبل ذلك منهم؛ لأنه ممكن، ولم يتحقق سبب النقض (٥). الترجيح: الذي يظهر -والله أعلم- القول الثالث لما يلي: ١. لأن قتالهم للمسلمين مع البغاة كقتالهم منفردين. ٢. فيه سدٌ لذرائع تقوية الخوارج والبغاة وأهل الذمة بعضهم لبعض لإسقاط أهل الحق، وإن كانوا ظلمة، يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "كان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة، كما كان عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما

стр. 339

ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث (١). ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم، وإن كان قد قاتل في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين" (٢).

стр. 340

* * *

стр. 341

المسألة الثالثة: الحكم فيما لو زنى ذمي بمسلمة أو أصابها بنكاح، أو دلّ أهل الحرب على عورة للمسلمين، أو فَتَنَ مسلمًا عن دينه لم يجرِ شرطٌ بانتقاض العهد بها . الأمور الثلاثة المذكورة في المسألة إما أن يشترط عاقد الذمة بنقض العهد بفعلها أو لم يشترط، والمسألة المراد بحثها فيما لو لم يجر شرط بانتقاض العهد بها. ولا بد من تقسيم هذه المسألة إلى ثلاث مسائل: المسألة الأولى: لو زنى ذمي بمسلمة أو أصابها بنكاح . للعلماء في ذلك قولان: القول الأول: لم ينتقض عهده، ويقام عليه الحد، وهو مذهب الحنفية والمالكية والأصح عند الشافعية، ورواية عن أحمد (١)، واختيار الصيدلاني (٢). واستثنى المالكية حالتين: إكراه وغصب الحرة المسلمة، أو أن يغرَّها بإخباره إياها أنه مسلم فيتزوجها ويطؤها، فحينئذ ينتقض العهد (٣). القول الثاني: ينتقض العهد، وهو وجه عند الشافعية والمذهب عند الحنابلة (٤). تعليل القول الأول:

стр. 342

١. لو فعل المسلم شيئًا من هذا ليس بناقضٍ لإيمانه، فإذا فعله الذمي لا يكون ناقضًا لأمانه وعهده (١). ٢. إذا بقيت الذمة مع كفر الذمي، فمن باب أولى بقاء الذمة مع معصية هي دون الكفر في القبح والحرمة (٢). ٣. إن لم يشترط عليهم، لم ينتقض عهدهم به؛ لأن العقد لا يقتضيها، ولا ضرر على المسلمين فيها (٣). أدلة القول الثاني: ١. عن عوف بن مالك الأشجعي: أن رجلًا يهوديًا أو نصرانيًا نخس بامرأة مسلمة، ثم حثا عليها التراب، يريد عليها على نفسها، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فقال عمر: «إن لهؤلاء عهدًا ما وفوا لكم بعهدهم، فإذا لم يوفوا لكم بعهدكم فلا عهد لهم». قال: فصلبه عمر. وفي رواية «فنخس (٤) الحمار ليصرعها» (٥). ٢. أن أبا عبيدة بن الجراح وأبا هريرة ﵄ قتلا كتابيين أرادا امرأة على نفسها مسلمة (٦). ٣. وقالوا: لأنه حين دخل إلينا بأمان فقد التزم بأن لا يفعل شيئًا من ذلك، فإذا فعله كان ناقضًا للعهد بمباشرته، مما يخالف موجب عقده، ولو لم يجعله ناقض العهد بهذا رجع إلى الاستخفاف بالمسلمين (٧).

стр. 343

الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الثاني لمنافاته لمقتضى العقد، ولوروده عن الصحابة ﵃، وقضاؤهم حجة، ولا يُعلم مخالف لهم، والله أعلم. يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "وعمر وسائر الصحابة قد جعلوا الذمي الذي تجلل المسلمة بعد أن نخس بها الدابة محاربًا بمجرد ذلك حتى حكموا فيه بالقتل والصلب، فعلم أنه لا يشترط في المحاربة المقاتلة، بل كل ما نقض العهد عندهم من الأقوال والأفعال المضرة فهو محارب داخل في آية الحرابة" (١). * * *

стр. 344

المسألة الثانية: الحكم فيما لو دل الذميُّ أهلَ الحرب على عورة للمسلمين (١). القول الأول: لا ينتقض العهد بذلك، وهو مذهب الحنفية والأصح عند الشافعية، وإحدى الروايتين عن أحمد (٢)، واختيار الصيدلاني (٣). القول الثاني: ينتقض عهده بذلك، وهو مذهب المالكية ووجه عند الشافعية والمعتمد عند الحنابلة (٤). وذهب المالكية: إلى قتل العين والجاسوس مطلقًا، وقتل كل ذميٍّ كاتب أهل الشرك بعورات المسلمين (٥).

стр. 345

أدلة القول الأول: ١. حديث حاطب بن أبي بلتعة، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾، وقصته فيما صنع معروفة في المغازي (٢).

стр. 346

وجه الدلالة: أن الله تعالى سماه الله مؤمنًا مع ما فعله، فدل أنه ليس بناقضٍ لإيمانه، فكذلك الذمي إذا فعله لا يكون ناقضًا لأمانه وعهده (١). ٢. وحديث أبي لبابة بن المنذر ﵁، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وقصته فيما أخبر به بني قريظة معروفة (٣).

стр. 347

وجه الدلالة: أن الله تعالى سماه الله مؤمنًا فعرفنا أن مثل هذا لا يكون نقضًا للإيمان، ولا للذمة (١). ٣. قالوا: لو فعل هذا مسلم لم يكن به ناقضًا لإيمانه، فكذلك إذا فعله ذمي لا يكون ناقضًا لأمانه (٢). تعليل القول الثاني: ١. قالوا: لأنه حين دخل إلينا بأمان فقد التزم بأن لا يفعل شيئًا من ذلك، فإذا فعله كان ناقضًا للعهد بمباشرته، مما يخالف موجب عقده، ولو لم يجعله ناقضَ العهد بهذا

стр. 348

رجع إلى الاستخفاف بالمسلمين (١). ٢. يُقتل الذميّ إذا دلَّ المشركين على عورات المسلمين؛ ليكون نكالًا لغيره (٢). الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول بنقض عهد من دل المشركين على عورات المسلمين، أما قياس الذمي بالمسلم فهو قياس مع الفارق؛ فالنقض لا يلزم منه قتل الإمام للناقض، بل قد يُنفى ويخرج من دار الإسلام كما فعل النبي ﷺ مع بني النضير حيث أجلاهم من المدينة. وأما المسلم لا يُخرج من دار الإسلام؛ فيكون سببًا لردته. نعم قد يقاس ناقض العهد مع المسلم في عدم استحلال دمه؛ ولذا يجب على ولي الأمر ومن ينوبه أن يتفطن، ولا يعقد الذمة مع من يخشى كونه عينًا وجاسوسًا للمشركين، قال الإمام النووي ﵀: "ويشترط لعقدها الإمام أو نائبه، وعليه الإجابة إذا طلبوا إلا جاسوسًا نخافه" (٣)، بل كل "شخص يخاف كيده لا تُقبل الجزية منه" (٤). * * *

стр. 349

المسألة الثالثة: الحكم فيما لو فَتَنَ الذميُّ مسلمًا عن دينه، ولم يجرِ شرطٌ بانتقاض العهد بها . القول الأول: لا ينتقض العهد، وهو ظاهر قول الحنفية والأصح عند الشافعية (١)، واختيار الصيدلاني (٢). القول الثاني: ينتقض العهد بذلك، وهو وجه عند الشافعية والمذهب عند الحنابلة (٣). تعليل القول الأول: قالوا: لأن هذا الأمر وإن اقتضى العقد المنع منها؛ لأنها محرمة لا تحل بمقصوده؛ فلم يمنع تعاطيها من استمرار حكمه (٤). تعليل القول الثاني: قالوا: لأنه حين دخل إلينا بأمان فقد التزم بأن لا يفعل شيئًا من ذلك، فإذا فعله كان ناقضًا للعهد بمباشرته، مما يخالف موجب عقده، ولو لم يجعله ناقضَ العهد بهذا رجع إلى الاستخفاف بالمسلمين (٥). الترجيح: الراجح - والله أعلم- القول بنقض عهد الذمي إذا فتن مسلمًا في دينه، وإذا دعاه

стр. 350

إلى الكفر فالقول بنقضه للعهد أقوى من القتل؛ قال الله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (١). الفتنة: الشرك. فالمعنى: الشرك أعظم وأكبر من القتل (٢). وكذلك فتنة المسلم في دينه بجميع أنواع الفتن كله ناقض للعهد، والله أعلم. * * *

стр. 351

المسألة الرابعة: حكم الذمة إذا قال عاقد الذمة: إن أظهرتم خموركم، فلا عهد، أو انتقض العهد . مذهب الحنفية وظاهر مذهب المالكية ومذهب الشافعية وظاهر مذهب الحنابلة (١): لا ينتقض العهد بذلك، بل يفسد الشرط، ويتأبد العقد، فإذا فعلوها عُزِّروا عليها، وهو قول الصيدلاني (٢). قالوا: لأنهم يتدينون بها من غير ضرر على المسلمين فيها، ويحمل ما جرى في عقد الذمة على تخويفهم (٣). * * * المسألة الخامسة: لو تعرض أهل الذمة لرسولنا ﷺ بسوء، وقدحوا في الإسلام، وأظهروا ذلك . ليس في المسألة اختيار للصيدلاني، ففي نهاية المطلب: (١٨/ ٤٤) "وذكر الصيدلاني".

стр. 352

المسألة السادسة: حكم من سبَّ رسولَ الله ﷺ بما هو قذفٌ صريح، ولم يتب . هذه المسألة في حكم المسلم إذا سبَّ رسولَ الله ﷺ بما هو قذفٌ صريح، ولم يتب (١). "السب: الشتم الوجيع" (٢). يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "السب هو: الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف، وهو ما يفهم منه السب في عقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم كاللعن والتقبيح ونحوه" (٣). وقال: "وإذا لم يكن للسب حد معروف في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى عُرف الناس، فما كان في العرف سبًّا للنبي ﷺ فهو الذي يجب أن ننزل عليه كلام الصحابة والعلماء، وما لا فلا" (٤). وقال: "فيجب أن يرجع في الأذى والشتم إلى العرف، فما عدَّه أهل العرف سبًّا أو انتقاصًا أو عيبًا أو طعنًا ونحو ذلك فهو من السب" (٥). أنواع السبّ وصُوَره: يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "التكلم في تمثيل سب رسول الله ﷺ وذكر صفته، ذلك مما يثقل على القلب واللسان، ونحن نتعاظم أن نتفوه بذلك ذاكرين، لكن الاحتياج

стр. 353

إلى الكلام في حكم ذلك، نحن نفرض الكلام في أنواع السب مطلقًا من غير تعيين، والفقيه يأخذ حظه من ذلك فنقول: السب نوعان: دعاء وخبر، أما الدعاء: فمثل أن يقول القائل لغيره: لعنه الله، أو قبحه الله، أو أخزاه الله، أو لا ﵀، أو لا ﵁، أو قطع الله دابره، فهذا وأمثاله سبٌّ للأنبياء ولغيرهم، وكذلك لو قال عن نبي: لا صلَّى الله عليه، أو لا سلم، أو لا رفع الله ذكره، أو محا الله اسمه، ونحو ذلك من الدعاء عليه بما فيه ضرر عليه في الدنيا أو في الدين أو في الآخرة ... النوع الثاني: الخبر فكل ما عدَّه الناس شتمًا أو سبًا أو تنقصًا فإنه يجب به القتل، كالتسمية باسم الحمار، أو الكلب، أو وَصْفه بالمسكنة والخزي والمهانة، أو الإخبار بأنه في العذاب، وأن عليه آثام الخلائق، ونحو ذلك، وكذلك إظهار التكذيب على وجه الطعن في المكذَّب؛ مثل وصفه بأنه ساحر خادع محتال، وأنه يضر من اتبعه، وأن ما جاء به كله زور وباطل، ونحو ذلك. فإنْ نَظَم ذلك شعرًا كان أبلغ في الشتم؛ فإن الشعر يُحفظ ويُروى، وهو الهجاء، وربما يؤثر في نفوس كثيرة، مع العلم ببطلانه أكثر من تأثير البراهين، فإنْ غُنِّي به بين ملأ من الناس فهو الذي قد تفاقم أمره " (١). حكم ساب الرسول ﷺ : ساب الرسول ﷺ كافر مرتد ارتكب ناقضًا من نواقض الإيمان، سواء استحل ذلك أو لم يستحله. قال الإمام الصيدلاني ﵀: "إذا سبّ الرسول ﷺ ، استوجب القتل، والقتلُ للردّة لا للسبّ" (٢). يقول الإمام ابن تيمية ﵀ "إنْ سبَّ اللهَ أو سبَّ رسوله كَفَرَ ظاهرًا وباطنًا، وسواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلًا له، أو كان ذاهلًا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل" (٣).

стр. 354

وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع. أولًا: الكتاب: ورد في القرآن الكريم نصوص كثيرة تدل على ردة سابِّ الرسول ﷺ ، منها: ١. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ (١). وجه الدلالة: تُخبر الآية أن إيذاء رسول الله محادة لله ورسوله؛ لأن ذكر الإيذاء هو الذي اقتضى ذكر المحادة (٢)، فيجب أن يكون داخلًا فيه، ولولا ذلك لم يكن الكلام مؤتلفًا إذا أمكن أن يقال: أنه ليس بمحادّ، ودل ذلك على أن الإيذاء والمحادة كفر؛ لأنه أخبر أن له نار جهنم خالدًا فيها، ولم يقل: هي جزاؤه. وبين الكلامين فرق، بل المحادة: هي المعاداة والمشاقة، وذلك كفر ومحاربة، فهو أغلظ من مجرد الكفر، فيكون المؤذي لرسول الله ﷺ كافرًا عدوًا لله ورسوله، محاربًا لله ورسوله؛ لأن المحادَّة اشتقاقها من المباينة؛ بأن يصير كل منهما في حدّ، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ (٣). ولو كان مؤمنًا معصومًا لم يكن أذل، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ

стр. 355

وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) والمؤمن لا يكبت (٢) كما كُبت مكذبو الرسل قط، ولأنه قد قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٣)، فإذا كان من يوادّ المحادّ ليس بمؤمن، فكيف بالمحادّ نفسه؟ " (٤). ١. وقول الله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (٥). وجه الدلالة: الآيات "نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر، فالسب المقصود بطريق الأولى، وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقَّص رسول الله ﷺ جادًا أو هازلًا فقد كفر" (٦). ٢. قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (٧).
следующие страницы →