← Фикх общий

Фикх общий · id 143157

الاختيارات الفقهية لمحمد بن داود الصيدلاني

خالد بن عبد الله عفيف

Полный текст (638 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

المسألة الرابعة: حكم الذمة إذا قال عاقد الذمة: إن أظهرتم خموركم، فلا عهد، أو انتقض العهد . مذهب الحنفية وظاهر مذهب المالكية ومذهب الشافعية وظاهر مذهب الحنابلة (١): لا ينتقض العهد بذلك، بل يفسد الشرط، ويتأبد العقد، فإذا فعلوها عُزِّروا عليها، وهو قول الصيدلاني (٢). قالوا: لأنهم يتدينون بها من غير ضرر على المسلمين فيها، ويحمل ما جرى في عقد الذمة على تخويفهم (٣). * * * المسألة الخامسة: لو تعرض أهل الذمة لرسولنا ﷺ بسوء، وقدحوا في الإسلام، وأظهروا ذلك . ليس في المسألة اختيار للصيدلاني، ففي نهاية المطلب: (١٨/ ٤٤) "وذكر الصيدلاني".

стр. 352

المسألة السادسة: حكم من سبَّ رسولَ الله ﷺ بما هو قذفٌ صريح، ولم يتب . هذه المسألة في حكم المسلم إذا سبَّ رسولَ الله ﷺ بما هو قذفٌ صريح، ولم يتب (١). "السب: الشتم الوجيع" (٢). يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "السب هو: الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف، وهو ما يفهم منه السب في عقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم كاللعن والتقبيح ونحوه" (٣). وقال: "وإذا لم يكن للسب حد معروف في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى عُرف الناس، فما كان في العرف سبًّا للنبي ﷺ فهو الذي يجب أن ننزل عليه كلام الصحابة والعلماء، وما لا فلا" (٤). وقال: "فيجب أن يرجع في الأذى والشتم إلى العرف، فما عدَّه أهل العرف سبًّا أو انتقاصًا أو عيبًا أو طعنًا ونحو ذلك فهو من السب" (٥). أنواع السبّ وصُوَره: يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "التكلم في تمثيل سب رسول الله ﷺ وذكر صفته، ذلك مما يثقل على القلب واللسان، ونحن نتعاظم أن نتفوه بذلك ذاكرين، لكن الاحتياج

стр. 353

إلى الكلام في حكم ذلك، نحن نفرض الكلام في أنواع السب مطلقًا من غير تعيين، والفقيه يأخذ حظه من ذلك فنقول: السب نوعان: دعاء وخبر، أما الدعاء: فمثل أن يقول القائل لغيره: لعنه الله، أو قبحه الله، أو أخزاه الله، أو لا ﵀، أو لا ﵁، أو قطع الله دابره، فهذا وأمثاله سبٌّ للأنبياء ولغيرهم، وكذلك لو قال عن نبي: لا صلَّى الله عليه، أو لا سلم، أو لا رفع الله ذكره، أو محا الله اسمه، ونحو ذلك من الدعاء عليه بما فيه ضرر عليه في الدنيا أو في الدين أو في الآخرة ... النوع الثاني: الخبر فكل ما عدَّه الناس شتمًا أو سبًا أو تنقصًا فإنه يجب به القتل، كالتسمية باسم الحمار، أو الكلب، أو وَصْفه بالمسكنة والخزي والمهانة، أو الإخبار بأنه في العذاب، وأن عليه آثام الخلائق، ونحو ذلك، وكذلك إظهار التكذيب على وجه الطعن في المكذَّب؛ مثل وصفه بأنه ساحر خادع محتال، وأنه يضر من اتبعه، وأن ما جاء به كله زور وباطل، ونحو ذلك. فإنْ نَظَم ذلك شعرًا كان أبلغ في الشتم؛ فإن الشعر يُحفظ ويُروى، وهو الهجاء، وربما يؤثر في نفوس كثيرة، مع العلم ببطلانه أكثر من تأثير البراهين، فإنْ غُنِّي به بين ملأ من الناس فهو الذي قد تفاقم أمره " (١). حكم ساب الرسول ﷺ : ساب الرسول ﷺ كافر مرتد ارتكب ناقضًا من نواقض الإيمان، سواء استحل ذلك أو لم يستحله. قال الإمام الصيدلاني ﵀: "إذا سبّ الرسول ﷺ ، استوجب القتل، والقتلُ للردّة لا للسبّ" (٢). يقول الإمام ابن تيمية ﵀ "إنْ سبَّ اللهَ أو سبَّ رسوله كَفَرَ ظاهرًا وباطنًا، وسواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلًا له، أو كان ذاهلًا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل" (٣).

стр. 354

وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع. أولًا: الكتاب: ورد في القرآن الكريم نصوص كثيرة تدل على ردة سابِّ الرسول ﷺ ، منها: ١. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ (١). وجه الدلالة: تُخبر الآية أن إيذاء رسول الله محادة لله ورسوله؛ لأن ذكر الإيذاء هو الذي اقتضى ذكر المحادة (٢)، فيجب أن يكون داخلًا فيه، ولولا ذلك لم يكن الكلام مؤتلفًا إذا أمكن أن يقال: أنه ليس بمحادّ، ودل ذلك على أن الإيذاء والمحادة كفر؛ لأنه أخبر أن له نار جهنم خالدًا فيها، ولم يقل: هي جزاؤه. وبين الكلامين فرق، بل المحادة: هي المعاداة والمشاقة، وذلك كفر ومحاربة، فهو أغلظ من مجرد الكفر، فيكون المؤذي لرسول الله ﷺ كافرًا عدوًا لله ورسوله، محاربًا لله ورسوله؛ لأن المحادَّة اشتقاقها من المباينة؛ بأن يصير كل منهما في حدّ، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ (٣). ولو كان مؤمنًا معصومًا لم يكن أذل، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ

стр. 355

وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) والمؤمن لا يكبت (٢) كما كُبت مكذبو الرسل قط، ولأنه قد قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٣)، فإذا كان من يوادّ المحادّ ليس بمؤمن، فكيف بالمحادّ نفسه؟ " (٤). ١. وقول الله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (٥). وجه الدلالة: الآيات "نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر، فالسب المقصود بطريق الأولى، وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقَّص رسول الله ﷺ جادًا أو هازلًا فقد كفر" (٦). ٢. قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (٧).

стр. 356

وجه الدلالة: أن الله سبحانه نهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته، وعن الجهر له كجهر بعضهم لبعض؛ لأن هذا الرفع والجهر قد يفضي إلى حبوط العمل، ولا يحبط الأعمال كلها غير الكفر؛ لأن من مات على الإيمان فإنه لابد من أن يدخل الجنة ويخرج من النار إن دخلها، ولو حبط عمله كله لم يدخل الجنة قط، ولأن الأعمال إنما يحبطها ما ينافيها، ولا ينافي الأعمال مطلقًا إلا الكفر (١)، فإذا ثبت أن رفع الصوت فوق صوت النبي ﷺ ، والجهر له بالقول يخاف منه أن يكفر صاحبه، وهو لا يشعر ويحبط عمله بذلك، ورفع الصوت قد يشتمل على أذى له، أو استخفاف به، وإن لم يقصد الرافع ذلك. فإن الأذى والاستخفاف المقصود المتعمد كفر بطريق الأولى (٢). ثانيًا: من السنة، الأحاديث في ذلك كثيرة منها: ١. عن ابن عباس ﵄: "أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ ، وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المِغْوَل (٣)، فوضعه في بطنها، واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل (٤)، فلطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح، ذُكر ذلك لرسول الله، فجمع الناس، فقال: «أنشد الله رجلًا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام»، فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل، حتى قعد بين يدي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها، كانت تشتمك، وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين،

стр. 357

وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلتها، فقال النبي ﷺ : «ألا اشهدوا أن دمها هدر» (١). في الحديث: بيان أن ساب النبي ﷺ مهدر الدم (٢). ٢. عن أنس ﵁ "أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه المغفر (٣)، فلما نزعه جاء رجل فقال: إنّ ابن خطل (٤) متعلق بأستار الكعبة، فقال: «اقتلوه» (٥). وجه الدلالة:

стр. 358

استدل بقصة ابن خطل طائفة من الفقهاء على أن من سب النبي ﷺ من المسلمين يقتل-وإن أسلم- حدًّا (١). واعترض عليه: بأن ابن خطل كان حربيًا، فقُتل لذلك (٢). وأجيب: بأنه كان مرتدًا بلا خلاف بين أهل العلم بالسير (٣)، وحتم قتله بدون استتابة مع كونه مستسلمًا منقادًا، قد ألقى السلم كالأسير، فعلم أن من ارتد وسب يقتل بلا استتابة بخلاف من ارتد فقط. يؤيده أن النبي ﷺ آمن عام الفتح جميع المحاربين إلا ذوي جرائم مخصوصة، وكان ابن خطل ممن أهدر دمه دون غيره، فعلم أنه لم يُقتل لمجرد الكفر والحراب (٤). ٣. عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: بعث علي ﵁، وهو باليمن بذهبة في تربتها، إلى رسول الله ﷺ ، فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة نفر: الأقرع بن

стр. 359

حابس الحنظلي (١)، وعيينة بن بدر الفزاري (٢) وعلقمة بن علاثة العامري (٣) ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي (٤)، ثم أحد بني نبهان، قال: فغضبت قريش، فقالوا: أتعطي

стр. 360

صناديد نجد وتدعنا؟ فقال رسول الله ﷺ : «إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم» فجاء رجل فقال: اتق الله، يا محمد، قال: فقال رسول الله ﷺ : «فمن يطع الله إن عصيته، أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟ » قال: ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجل من القوم في قتله - يرون أنه خالد بن الوليد - فقال رسول الله ﷺ : «إن من ضئضئ (١) هذا قومًا يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» (٢). وجه الدلالة: أن كل من لمز النبي ﷺ في حكمه أو قسمه، فإنه يجب قتله، كما أمر به في حياته، وبعد موته، وأنه إنما عفا عن ذلك اللامز في حياته، كما قد كان يعفو عمن يؤذيه من المنافقين، لما علم أنهم خارجون في الأمة لا محالة، وأن ليس في قتل ذلك الرجل كثير فائدة، بل فيه من المفسدة ما في قتل سائر المنافقين وأشد (٣). وقد يناقش: بأن عدم قتله يشكل على هذا الاستدلال؛ إذ لو ارتد ما نفعته صلاته. أجيب: بأنه إنما مُنع قتله، وإن كان قد استوجب القتل؛ لئلا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه، ولا سيما من صلى (٤).

стр. 361

ثالثًا: الإجماع: أجمع العلماء ﵏ على كفر ساب وشاتم الرسول ﷺ (١). وأجمعوا على وجوب قتل من سب النبي ﷺ ، ولم يتب من ذلك (٢)، لقوله ﷺ : «من بدَّل دينه فاقتلوه» (٣). * * *

стр. 362

المسألة السابعة: حكم من سبّ رسول الله ﷺ بما هو قذفٌ صريح، ثم تاب . المراد بالمسألة هل تقبل توبة من سب الرسول ﷺ في الدنيا، فلا يُقتل، وتثبت له أحكام الإسلام أم لا؟ أما في الآخرة فإن صدقت توبته فهي مقبولة بلا خلاف (١). أما في الدنيا فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: تقبل توبته، وهو مذهب الحنفية (٢)

стр. 363

والشافعية (١)، ورواية عن أحمد (٢)، وهو اختيار الصيدلاني (٣). القول الثاني: لا تقبل توبته، وهو مذهب المالكية والحنابلة (٤). أدلة القول بقبول التوبة: ١. عموم الأدلة الدالة على قبول توبة المرتد، كقول الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ الآية (٥)، فكل من كفر بعد إسلامه فإن توبته تقبل، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٦)، وقوله ﷺ : «الإسلام يهدم ما كان قبله» (٧)، يوجب أن من أسلم غفر له كل ما مضى (٨). ٢. نزل في بعض المنافقين قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ

стр. 364

وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، وقد قيل فيهم: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ (١). وجه الدلالة: أن هؤلاء المنافقين قد آذوا النبي ﷺ بألسنتهم وأيديهم، ثم العفو مرجو لهم، وإنما يرجى العفو مع التوبة، فعُلم أن توبتهم مقبولة، ومن عفى عنه لم يعذب في الدنيا ولا في الآخرة. ٣. وأيضا فقوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ الآية (٢)، فإنها تدل على أن المنافق إذا كفر بعد إسلامه ثم تاب قُبِلت توبته. ٤. عن ابن عباس ﵄: "أيما مسلم سبّ الله أو سبَّ أحدًا من الأنبياء فقد كذَّب برسول الله ﷺ ، وهي ردة يستتاب منها، فإن رجع وإلا قُتل" (٣). وجه الدلالة: الأثر نص في أن سابّ الرسول ﷺ يستتاب، فإن تاب قُبِلت توبته (٤). ٥. الأعمى الذي كانت له أم ولد تَسبُّ النبي ﷺ كان ينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر فقتلها بعد ذلك (٥). وجه الدلالة: إن كانت السابة مسلمة فلم يقتلها حتى استتابها، وإن كانت ذمية وقد استتابها فاستتابة المسلم أولى (٦). ٦. إن السابّ إما أن يُقتل لكونه كفر بعد إسلامه، أو لخصوص السب، والثاني

стр. 365

لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (١)، وهذا الرجل لم يزن ولم يقتل، فإن لم يكن قتله لأجل الكفر بعد الإسلام امتنع قتله، فثبت أنه إنما يقتل؛ لأنه كفر بعد إسلامه، وكل من كفر بعد إسلامه فإن توبته تُقبل (٢). ٧. إن السب نوع من الكفر؛ فإن من سب الرسول ﷺ ، أو جحد نبوته، أو كذب بآية من كتاب الله، أو تهوّد أو تنصّر ونحو ذلك، كل هؤلاء قد بدّلوا دينهم، وتركوه وفارقوا الجماعة فيستتابون، وتقبل توبتهم كغيرهم (٣). ٨. ذهب كثير من العلماء إلى أن كفارة الغيبة الاستغفار لمن استغيبه، فجاز أن يكون ما أتى به من الإيمان برسول الله ﷺ الموجب لأنواع الثناء عليه والتعظيم له موجبًا لما ناله من عرضه ﷺ (٤). ٩. أن حق الأنبياء تابعٌ لحق الله، وإنما عظمت الوقيعة في أعراضهم لما يتضمن ذلك من الكفر والوقيعة في دين الله وكتابه ورسالته، فإذا تبعت حق الله في الوجوب تبعته في السقوط؛ ليكون أعظم منه، ومعلوم أن الكافر تصح توبته من حقوق الله، فكذلك من حقوق الأنبياء المتعلقة بنبوتهم، بخلاف التوبة من الحقوق التي تجب للناس بعضهم على بعض (٥). ١٠. أن الرسول ﷺ قد علم منه أنه يدعو للتأسي به واتِّباعه، ويخبرهم أن من فعل ذلك فقد غفر الله له كل ما أسلفه في كفره، فيكون قد عفا لمن قد أسلم عما ناله من

стр. 366

عرضه (١). أدلة القول بعدم قبول التوبة: ١. قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٢). وجه الدلالة: أن هذا يقتضي قتله، ويقتضي تحتم قتله وإن تاب بعد الأخذ؛ لأنه سبحانه ذكر الذين يؤذون الله ورسوله والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات، فإذا كانت عقوبة أولئك لا تسقط إذا تابوا بعد الأخذ، فعقوبة هؤلاء أولى وأحرى؛ لأن عقوبة كليهما على الأذى الذي قاله بلسانه، لا على مجرد كفر هو باق عليه (٣). ٢. وقول الله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ (٤). وجه الدلالة: يقتضي هذا أن من لم ينته فإنه يؤخذ ويقتل، فعلم أن الانتهاء العاصم ما كان قبل الأخذ (٥). وأيضًا فإنه جعل ذلك تفسيرًا للعن، فعلم أن الملعون متى أخذ قتل إذا لم يكن انتهى قبل الأخذ، وهذا ملعون فدخل في الآية. يؤيد ذلك ما ورد عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٦)

стр. 367

قال: «هذه في عائشة وأزواج النبي ﷺ (١)، ولم يجعل لمن فعل ذلك توبة، وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير أزواج النبي ﷺ التوبة»، ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢)، «فجعل لهؤلاء توبة»، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣)، «فجعل لمن قذف امرأة من المؤمنين التوبة، ولم يجعل لمن قذف امرأة من أزواج النبي ﷺ توبة»، ثم تلا هذه الآية ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٤)، «فهمَّ بعض القوم أن يقوم إلى ابن عباس؛ ليقبِّل رأسه من حُسن ما فسّر» (٥). فهذا ابن عباس قد بيَّن أن من لعن هذه اللعنة لا توبة له، واللعنة الأخرى أبلغ منها. يقرره أن قاذف أمهات المؤمنين إنما استحق هذه اللعنة على قوله لأجل النبي ﷺ ، فعلم أن مؤذيه لا توبة له (٦). ٣. وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (٧). وهذا السابّ محاربٌ لله ورسوله محادٌّ لله ورسوله، وأن المحادّ لله ورسوله مشاق لله ورسوله محارب لله ورسوله، ولأن المحارب ضد المسالم، والمسالم الذي تسلم منه ويسلم منك، ومن آذاه لم يسلم منه فليس بمسالم فهو محارب، وإذا كان هذا الساب محاربًا لله ورسوله، ساعيًا في الأرض بفساد، وجب أن يعاقب بإحدى العقوبات المذكورة في الآية، إلا أن يتوب قبل القدرة عليه، وقد تقرر أنَّ عقوبته متعينة بالقتل كعقوبة من قتل في قطع الطريق، فيجب أن يقام ذلك عليه إلا أن يتوب قبل القدرة عليه، وهذا

стр. 368

الساب الذي قامت عليه البينة، ثم تاب بعد ذلك إنما تاب بعد القدرة فلا تسقط العقوبة عنه (١). ٤. عن أبي برزة الأسلمي ﵁ (٢) قال: "أتيت على أبي بكر وقد أغلظ لرجل، فرد عليه، فقلت: ألا أضرب عنقه؟ فانتهرني، فقال: «إنها ليست لأحد بعد رسول الله ﷺ » (٣). وجه الدلالة: يُعلم من كلام الصديق ﵁ أنه كان له قتل من شتم النبي ﷺ من غير استتابة (٤).

стр. 369

٥. عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: ارتد عبد الله بن سعد بن أبى سرح (١)، ولما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبى سرح عند عثمان بن عفان فجاء به حتى أوقفه على النبى ﷺ ، فقال: يا رسول الله، بايع عبد الله. فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثًا، كل ذلك يأبى فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه، فقال: «أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني؟ ! كففت يدى عن بيعته فيقتله». فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟ ! قال: «إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين» (٢). وجه الدلالة: هذا الحديث نص في أن مثل هذا المرتد الطاعن لا يجب قبول توبته، بل يجوز قتله وإن جاء تائبًا، وإن تاب، والذي عصم دمه عفو رسول الله ﷺ عنه، لا مجرد إسلامه، وأن بالإسلام والتوبة انمحى الإثم، وبعفو رسول الله ﷺ احتقن الدم، والعفو بطل بموته ﷺ ، وليس للأمة أن تعفوا عن حقه. وامتناعه من بيعته حتى يقوم إليه بعض القوم فيقتله نصٌّ في جواز قتله وإن جاء تائبًا. وأما عصمة دمه بعد ذلك فليس دليلًا لنا على أن نعصم دم من سب وتاب بعد أن قدرنا عليه؛ لأنا قد بينا من غير وجه أن النبي ﷺ قد

стр. 370

كان يعفو عمن سبه ممن لا خلاف بين الأمة في وجوب قتله إذا فعل ذلك، وتعذر عفو النبي ﷺ عنه، وقد ذكرنا أيضًا أن حديث عبد الله بن خطل (١) يدل على قتل الساب؛ لأنه كان مسلمًا فارتد وكان يهجوه فقتل من غير استتابة (٢). ٦. واستدلوا بكثير من مثل هذه الأحاديث والآثار التي تفيد قتل المرتد من غير استتابة (٣). ٧. وقالوا: إن سب النبي ﷺ قد تعلق به حق آدمي، والعقوبة الواجبة لآدمي لا تسقط بالتوبة، والرسول ﷺ تلحقه المعرة والغضاضة بالسب، فلا تقوم حرمته وتثبت في القلوب مكانته إلا باصطلام سابه؛ لِمَا أنّ هجوه وشتمه ينقص من حرمته عند كثير من الناس، ويقدح في مكانه في قلوب كثيرة، فإن لم يحفظ هذا الحمى بعقوبة المنتهك وإلا أفضى الأمر إلى فساد، وتقبل توبة سابّ الله تعالى؛ لأنه لا تلحقه بالسب غضاضة، ولا معرة وإنما يعود ضرر السب على قائله وحرمته في قلوب العباد أعظم من أن يهتكها جرأة الساب، وبهذا يظهر الفرق بينه وبين الرسول ﷺ (٤). الترجيح: لا شك أن المسألة تتجاذبها أدلة قوية من كلا الطرفين، والذي يظهر رجحانه-والعلم عند الله- القول بقبول توبته، وعدم قتله (٥)، وذلك لأمور منها: ١. عموم الأدلة التي تنص على قبول توبة المرتد. ٢. إذا كان الإسلام والتوبة تهدم الكفر فالسب متضمن للكفر؛ إذ الكافر أقل أحواله الاستخفاف وعدم الاقتناع بما جاء به النبي ﷺ ، وهو رمي بالعيب والتنقص لدعوة النبي ﷺ ، وبالتالي تنقص بكمال عقله ﷺ ، وقد صرّح جلُّ الكافرين بسبِّه، كما قال

стр. 371

تعالى: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (١)، ومع ذلك قَبل النبي ﷺ توبة من تاب منهم، ولم يرد نصٌّ منه بأن من تاب منهم بعد موته لا تُقبل توبته. ٣. عند التنازع نرجع إلى الأصل، والأصل في ذلك: قبول توبة المرتد. واستثناء سب الرسول ﷺ من ذلك لا يقوى على معارضة هذا الأصل؛ إذ الأصل منصوص، وليس هناك نصٌ بأن سابّ الرسول ﷺ لا تقبل توبته هكذا بالعموم الصريح؛ إنما هي نصوصٌ وآثارٌ محتملة قد تتخلَّف الأحكام فيها أحيانًا مع وجود العلة في كلٍّ. ٤. من أقوى ما استدل به القائلون بعدم قبول توبة سابِّ النبي ﷺ حادثة عبد الله بن أبي سرح. وهي ليست ظاهرة الدلالة؛ فكون النبي ﷺ لم يقتله، وقد قَبِلَ توبته آخرًا يدلّ على أن حكم قتل التائب لمن سبَّه ليس مطَّردًا؛ لأن ابن أبي سرح له أحوال وإشكالات لا يمكن طردها على كل مرتد؛ مما يدلُّ عليه ما جاء في الرواية الأخرى: «لما كان يوم فتح مكة أمَّن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين». وقال: «اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح» (٢)، فهو نص في الاستثناء فهذا الحال لا تتكرر بعد وفاته ﷺ ، ثم الحديث نصٌ على قبول توبته؛ إذ "بايعه بعد ثلاث" (٣)، وفوق هذا فالرسول ﷺ مسدّدٌ بالوحي فلا يقرّ على خطأ، واستحلال الحرم لم يكن إلا للنبي ﷺ ساعة من نهار. ٥. أكثر الأدلة خارجة عن محل النزاع -والله أعلم-؛ فمعظمها في قتل المرتد وعدم استتابته، ومسألتنا ليست في حكم الاستتابة، وإنما في قبول توبة المرتد إذا تاب. ٦. أما قولهم: إن سب النبي ﷺ قد تعلق به حق آدمي، والعقوبة الواجبة لآدمي

стр. 372

لا تسقط بالتوبة، ... الخ. إن أرحم الناس بالناس هو نبينا ﷺ ، فمن تمام رحمته صلاته على عبد الله بن أبيّ ابن سلول صلاة الجنازة، مع كونه أعظم من آذى النبي ﷺ في المدينة في دعوته وجهاده وعِرضه، والناظر في القضية يجد أمورًا: أ- أن الدّافع لعدم الصلاة على ابن سلول أقوى بكثير من الصلاة عليه؛ فالآية التي فَهم منها ﷺ التخيير تُبيِّن أن استغفار النبي ﷺ للمنافقين لن ينفعهم: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (١). ب- جدال عمر ﵁ للنبي ﷺ في صلاته على ابن سلول (٢). ج- شهرة نفاق عبد الله بن أبيّ ابن سلول. مع كل هذا فإنّ رحمة النبي ﷺ غلبت، فاستغفر له. فينبغي أن ننزِّل من أراد قتله قبل توبته على السياسة الشرعية، وهي خاصة بالأحياء دون الأموات. وإذا تاب السابّ في الدنيا وصدقت توبته، قد يهيئ الله له أمرًا رشدًا في الآخرة برحمته سبحانه. قال الحافظ ابن كثير ﵀ في توبة القاتل: "والذي عليه الجمهور من سلف

стр. 373

الأمة وخلفها: أن القاتل له توبة فيما بينه وبين ربه ، فإن تاب وأناب وخشع وخضع، وعمل عملًا صالحًا، بدَّل الله سيئاته حسنات، وعوَّض المقتول من ظلامته وأرضاه عن طلابته ... وقال: وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة فإنه حق من حقوق الآدميين، وهي لا تسقط بالتوبة، ولا فرق بين المقتول والمسروق منه، والمغضوب منه والمقذوف وسائر حقوق الآدميين، فإن الإجماع منعقد على أنها لا تسقط بالتوبة، ولا بد من أدائها إليهم في صحة التوبة، فإن تعذر ذلك فلا بد من الطلابة يوم القيامة، لكن لا يلزم من وقوع الطلابة وقوع المجازاة، وقد يكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول أو بعضها، ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة، أو يعوض الله المقتول من فضله بما يشاء، من قصور الجنة ونعيمها، ورفع درجته فيها ونحو ذلك، والله أعلم" (١). وقال: "وقد ثبتت السنة الصحيحة، عن رسول الله ﷺ بصحة توبة القاتل، كما ذكر مقررًا من قصة الذي قتل مائة رجل ثم تاب، وقُبِل منه (٢)، وغير ذلك من الأحاديث" (٣). * * *

стр. 374

المسألة الثامنة: حكم منع الذمي من إطالة ارتفاع الدار إذا كان داره في طرف البلد لا تجاور أبنية المسلمين . لا خلاف بين الفقهاء في الجملة في أن أهل الذمة ممنوعون من أن تعلو أبنيتهم على أبنية جيرانهم المسلمين (١)، لقوله ﷺ : «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» (٢). أما إطالة الذمي ارتفاع الدار في محل لا يجاور فيها مسلمًا لا من قريب ولا من بعيد، أو ينفرد أهل الذمة بقرية، فللعلماء في ذلك قولان: القول الأول: لا يمنع من ذلك، وهو قول الحنفية، والمالكية والحنابلة والأصح عند الشافعية (٣)، واختاره الصيدلاني (٤).

стр. 375

القول الثاني: يمنع من ذلك، وهو وجه عند الشافعية (١). تعليل القول الأول: ١. قالوا: لأنه يؤمن مع البُعد أن يعلوا على المسلمين (٢). ٢. الممنوع هو معنى المطاولة، وهو من قولهم: طاولته، فطلته، وإنما يتحقق ذلك عند فرض تناسب، ومن ضرورته أن يكون بين بنائه وبناء المسلم تقارب، فلا معنى للمطاولة هنا، فلا يمنع من التعلية (٣). تعليل القول الثاني: ١. يمنعون؛ لأنهم يتطاولون على المسلمين (٤). ٢. يمنع الكافر أن يُظهر في تطويله البناء ما يبين منه التميّزُ بالخيلاء والسرف في الزينة والمسكن، كما يمنع من مساواة المسلمين في ركوب الخيل واتخاذ السُّرُج والمراكب النفيسة (٥). الترجيح: الذي يظهر -والله أعلم- أن يُقال بالتفصيل؛ فإن كان ارتفاع بنيانهم بشيء غير ظاهر كالذراع ونحوه، فلا بأس لانتفاء علة المنع؛ وهي العلو والتفاخر والخيلاء، ومنعهم عند حدوث التفاخر والخيلاء حاثٌ على إسلامهم، أما إن كان ظاهرًا فيمنعون من ذلك، كما يمنعون من مساواة المسلمين في ركوب الخيل واتخاذ السُّرُج والمراكب النفيسة. * * *

стр. 376

المطلب الثالث: الأمان وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: إقامة الكافر في موضع من جزيرة العرب (الحجاز) أكثر من ثلاثة أيام. المسألة الثانية: إن أقام الكافر في موضع من جزيرة العرب ثلاثة أيام، ثم انتقل منه إلى موضع آخر، وأقام فيه ثلاثة أيام، ثم كذلك يقيم في كل موضع ثلاثًا فما دون. المسألة الثالثة: بذل الإمام مالًا للكفار إذا خاف استئصال المسلمين وإبادتهم.

стр. 377

المسألة الأولى: إقامة الكافر في موضع من جزيرة العرب (١) (الحجاز) (٢) أكثر من ثلاثة أيام. لما كانت جزيرة العرب منبت الإسلام وعرينه، وفيها بيت الله ومهبط الوحي،

стр. 378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 379

فقد اختصت عن سائر البلاد الإسلامية بأربعة أحكام: الأول: أنها لا يسكنها غير المسلمين. والثاني: أنه لا يدفن بها أحد من غير المسلمين. والثالث: أنها لا يبقى فيها دار عبادة لغير المسلمين. والرابع: أنها لا يؤخذ من أرضها خراج. وفي كل من هذه الأحكام تفصيل (١). وقد اختلف الفقهاء فيما ينطبق عليه هذا الحكم من جزيرة العرب، على أقوال (٢):

стр. 380

القول الأول: أن الكفار يمنعون من سكنى جزيرة العرب كلها (١)، وهو مذهب الحنفية والمالكية (٢). القول الثاني: أن المراد بأرض العرب ليس كل ما تشمله جزيرة العرب في اللغة؛ بل أرض الحجاز خاصة، مكة والمدينة واليمامة وقراها (٣)، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٤) (٥).

стр. 381

أما عن المدة التي يجوز أن يقيم فيها الكافر في جزيرة العرب غير الحرم المكي (١): اختلف أهل العلم في ذلك: القول الأول: إن قَدَّر له الإمام مدة فلا يزيد عليها، (فإن زاد جعله الإمام ذميًا، وإن لم يُقدَّر له مدة فالمعتبر هو الحول (السَّنَة)، فإن زاد صار ذميًا) تُضرب عليه الجزية، ولا يمكَّن من الخروج، وهو قول الحنفية (٢). القول الثاني: تقدر بقدر الحاجة والمصلحة، وهو قول المالكية (٣). القول الثالث: لا يؤذن لهم في الإقامة أكثر من ثلاثة أيام، وهو قول الشافعية والحنابلة (٤)، واختاره الصيدلاني (٥).

стр. 382

والمذهب عند الشافعية: لا يحسب من المدة يومي الدخول والخروج كما في صلاة المسافر؛ لأن أكثر من ذلك مدة الإقامة (١). واستثنى الحنابلة مسألة: فيما إن كان للكافر الداخل أرض الحجاز لتجارة أو غيرها دينٌ حال أُجبر غريمه على وفائه ليخرج. فإن تعذر وفاؤه، لمطلٍ أو تغيب أو غيرهما. جازت له الإقامة ليستوفي حقه. ولو أمكن الاستيفاء بوكيل: منع من الإقامة حتى يحلّ. وإن كان دينه مؤجلًا لم يُمَكَّن من الإقامة، ويوكل من يستوفيه، وإذا تعذر الوكيل يُمَكَّن من الإقامة (٢). تعليل القول الأول: ١. قالوا: الأصل أن الحربي لا يمكن من إقامة دائمة في دارنا إلا بالاسترقاق أو الجزية؛ لأنه يصير عينًا وجاسوسًا لهم، وعونًا علينا، فتلتحق المضرة بالمسلمين (٣). ٢. ويمكَّن من الإقامة اليسيرة؛ لأن في منعها قطع الميرة والجلب (٤)، وسد باب

стр. 383

التجارة (١). ٣. فلا بد من الحد الفاصل بين المدة اليسيرة والدائمة، فقدرناه بالسنة؛ لأنها مدة تجب فيها الجزية فتكون الإقامة لمصلحة الجزية (٢). تعليل القول الثاني: قالوا: تخصيص عمر ﵁ ثلاثة أيام لكون الثلاثة كانت إذ ذاك مظنة لقضاء الحاجة، وإلا فلو كانت الحاجة تقتضي أكثر لكان ذلك كذلك (٣). دليل القول الثالث: ١. أن عمر بن الخطاب «أجلى اليهود، والنصارى من جزيرة العرب، وضرب لمن قدم منهم أجلًا ثلاثًا، قدر ما يبيعون سلعهم» (٤). ٢. الأصل منع الكافر من الاستيطان في الحجاز كما في حديث: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» (٥)، وغيره، فكان قدر ثلاثة أيام مستثنى من الحظر.

стр. 384

٣. ولأن أكثر من ثلاثة أيام مدة الإقامة وهو ممنوع منها (١). ٤. ولأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (٢)، ويكفيه أن يهتدي بسماع كلام الله تعالى في مدة ثلاث (٣). ٥. ولأنه لما انخفضت حرمة الحجاز عن الحرم، وفضلت على غيره أبيح لهم من مقام ما لم يستبيحوه في الحرم، وحرم عليهم من استيطان الحجاز ما استباحوه في غيره، فإذا كان كذلك اختصت الإباحة بمقام المسافر، وهو ثلاثة أيام لا يتجاوزونها (٤). ٦. وقال الحنابلة (٥): أ. إن كان للكافر الداخل أرض الحجاز لتجارة أو غيرها دَينٌ حالّ أُجبر غريمه على وفائه؛ ليخرج، ولوجوبه على الفور، فإن تعذَّر وفاؤه، لمطلٍ أو تغيُّب أو غيرهما جازت له الإقامة ليستوفي حقه؛ لأنّ العذر والتعدي من غيرهم، وفي إخراجهم قبل استيفائه ذهاب أموالهم. ب. قالوا: ولو أمكن الاستيفاء بوكيل مُنع من الإقامة حتى يحلّ؛ لئلا يتخذ ذريعة للإقامة. ج. وإن كان دَينه مؤجلًا لم يُمَكَّن من الإقامة، ويوكِّل من يستوفيه، لإمكان الاستيفاء، وإذا تعذر الوكيل يُمَكَّن من الإقامة؛ لأن في إخراجهم قبل استيفائه ذهاب

стр. 385

أموالهم. الترجيح: الراجح -والله أعلم- قول المالكية: يقدِّر الإمام المدة بقدر الحاجة والمصلحة؛ لأنَّ عمر ﵁ «أجلى اليهود، والنصارى من جزيرة العرب، وضرب لمن قدم منهم أجلًا ثلاثًا، قدر ما يبيعون سلعهم» (١). وتخصيص عمر ﵁ ثلاثة أيام لكون الثلاثة كانت إذ ذاك مظنة لقضاء الحاجة، وإلا فلو كانت الحاجة تقتضي أكثر لكان ذلك كذلك (٢). * * *

стр. 386

المسألة الثانية: إن أقام الكافر في موضع من جزيرة العرب ثلاثة أيام، ثم انتقل منه إلى موضع آخر، وأقام فيه ثلاثة أيام، ثم كذلك يقيم في كل موضع ثلاثًا فما دون . إقامة الكافر في موضع من جزيرة العرب (الحجاز) ثلاثة أيام، ثم انتقاله إلى موضع آخر يبعد فرسخًا ثلاثة أيام، وهكذا كل فرسخ يقيم ثلاثة أيام. مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة وظاهر مذهب المالكية، وهو قول الصيدلاني: لا يمنع ولا يُحجر من ذلك (١). وقد نص المالكية: أن مرجع ذلك إلى المصلحة يقدرها الإمام (٢). في نهاية المطلب: "قال الصيدلاني وغيره: لا نكلفهم أن يجروا في انتقالهم على المنازل المعهودة، فلو قطعوها فرسخًا فرسخًا، وكانوا يقيمون على منتهى كل فرسخ ثلاثة، فلا منع ولا حجر" (٣). ولعل ما ذكره الإمام الجويني ﵀ عن الإمام الصيدلاني ﵀ من تحديد الفرسخ فقط خاصٌ بالصيدلاني، وإلا فقد صرَّح الشافعية: بأن الكافر لا يُمنع من الإقامة في الحجاز ثلاثة أيام فأقل إن كان بين كل محلين مسافة قصر (٤). وقالوا في تعليلهم جواز إقامة الكافر في موضع من جزيرة العرب (الحجاز) ثلاثة أيام: لأنه لم يَصِر مقيمًا في موضع من المواضع التي نزل فيها (٥). وقد اختلف الفقهاء في مقدار مسافة السفر الذي عُلقت به الأحكام، فذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن مسافة السفر التي تتغير بها الأحكام أربعة

стр. 387

برد؛ وكل بريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال هاشمية؛ فهي ثمانية وأربعون ميلًا= ٧٧ كيلو متر، وقيل ٨٠ كلم، كما أفتت به اللجنة الدائمة بالسعودية. وذهب الحنفية: إلى أن مسافة السفر الذي تتغير به الأحكام هو مسيرة ثلاثة أيام (١). * * * المسألة الثالثة: بذل الإمام مالًا للكفار إذا خاف استئصال المسلمين وإبادتهم . ليس في المسألة اختيار للصيدلاني. قال الجويني: "وهذا إذا لم يَخَفْ الإمامُ اصطلاماً، واستئصالاً (٢)؛ فإن خاف ذلك، فلا خلاف أن البذل سائغ، ذكره الصيدلاني وغيره، وهو مقطوع به" (٣). * * *

стр. 388

الفصل الخامس: الصيد والذبائح، والعقيقة، والأطعمة، والأيمان وفيه مبحثان: المبحث الأول: الصيد والذبائح، والعقيقة، والأطعمة. المبحث الثاني: الأيمان.

стр. 389

المبحث الأول: الصيد والذبائح، والعقيقة، والأطعمة وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الصيد والذبائح. المطلب الثاني: العقيقة. المطلب الثالث: الأطعمة.

стр. 390

المطلب الأول: الصيد والذبائح وفيه مسألتان: المسألة الأولى: إذا رمى صيدًا، أو أرسل كلبه المعلَّم، ولم يبلغ سلاحه أو معلَّمه ما يبلغ الذبح من الصيد، ويمكن ذبحه، فهل يلزمه أن يعدوَ، أم يكفيه أن يمشي، حتى تحل؟ المسألة الثانية: حكم ملك صاحب الأرض الصيد فيما لو سقى الرجل أرضًا له، أو وقع الماء على أرضه من غير قصده، فتخطى فيها صيدٌ وتوحَّل، وصار مقدورًا عليه.
следующие страницы →