← Фикх общий

Фикх общий · id 143157

الاختيارات الفقهية لمحمد بن داود الصيدلاني

خالد بن عبد الله عفيف

Полный текст (638 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

للأزد وعبد قيس» (١). مع أن البدن يطلق على البعير والبقر، كما ورد عن عطاء وسعيد بن المسيب - رحمهما الله - (٢). * * *

стр. 422

المسألة الثالثة: لو حلف لا يأكل الخبز، هل يحنث بأي خبز كان ؟ هذه المسألة كسابقتها فيما لم ينو. اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: يمينه على ما اعتاده أهل مصره خبزًا، وتعارفوا عليه، وهو قول الحنفية، وقول عند المالكية. قالوا: فيحنث بأكل خبز الحنطة والشعير في بلد من عادتهم أكلهما خبزًا، ولو كان أهل بلده لا يعتادون أكل الشعير لا يحنث به. ولو اعتادوا خبز الذرة كالحجاز واليمن حنث بأكله (١). القول الثاني: يحنث بأي خبز كان، سواء فيه خبز البر، والشعير، والذرة، والباقلاء، والأرز، والحمص، ولا يضر كونه غير معهود بلده (٢)، وهو ما صرح به الصيدلاني (٣).

стр. 423

تعليل القول الأول: قالوا: لأن العرف الفعلي يخصص القول المطلق كالعرف القولي (١). نوقش: بأن العادة الفعلية لا تعتبر في الأيمان، فلا تخصص عامًا ولا تقيد مطلقًا (٢). تعليل القول الثاني: ١. أن العرف القولي ناسخ للغة وناقل للفظ، والفعل لا ينقل ولا ينسخ، ولا معارضة بينه وبين اللغة (٣). ٢. أن هذا كله خبز حقيقة وعرفًا، وهو مأكول، فيحنث بأكله لتناول الاسم له (٤). الترجيح: الراجح - والعلم عند الله- هو القول الثاني؛ لتناول اسم الخبز جميع الأنواع، ولو سئل رجل في بلدة لا تَعرِف خبز الذرة، وقد حلف ألا يأكل خبزًا، ولم ينو نوعًا معينًا، لو سألناه: ما هذا؟ لقال: هذا خبز. ومن عادة الشرع-والله أعلم- قطع النزاعات،

стр. 424

وحسمها بالجزم بحكمٍ، وإن لم تتحقق المصلحة كاملة؛ بل بتكميلها؛ فالشريعة جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها (١)، وقد حكم الشرع في بيع المصراة (٢) برد صاعٍ من تمر (٣) بدل اللبن، لمن أراد أن يردّ المصراة قطعًا للنزاع (٤)، وحدد

стр. 425

الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، مع اختلاف أسعارها (١)، وحدد الديات والكفارات ... الخ، لا سيما في مثل هذه الصورة التي يندر وجودها؛ بأن يحلف ألا يأكل خبزًا، ولم ينو شيئًا. فالعبرة بالغالب الشائع، لا بالقليل النادر (٢)، والله أعلم. * * *

стр. 426

المسألة الرابعة: إذا حلف لا يأكل طعامًا اشتراه زيد، أو من طعام اشتراه زيد، ثم ملكه زيد بالصلح . قبل الخوض في المسألة نتعرف على أقوال المذاهب في الأصل الذي يُرجَع إليه الحلف واليمين في البر والحنث، هل إلى النية، أو إلى العرف، أو إلى اللغة، أو إلى السبب؟ اختلف الفقهاء على ثلاثة أقوال: القول الأول: يرجع إلى العرف في الجملة، وهو قول الحنفية (١). القول الثاني: لا تعتبر النية في اليمين ولا سببه؛ بل يعتبر ظاهر اللفظ، لكن قد يتطرّق التقييد أو التخصيص بنية تقترن أو اصطلاح خاص، والشافعية (٢). القول الثالث: يرجع في الأيمان إلى نية الحالف إذا احتملها اللفظ، فإن عدمت النية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها، وهو قول المالكية والحنابلة (٣). قال المالكية: فإن عدم السبب المثير لليمين أجرى اللفظ على ما يقتضيه إطلاقه في عرف اللغة، وعادة التخاطب دون عادة الفعل (٤). وقال الحنابلة: فإن عدم رجع إلى التعيين، فإن عدم ذلك رجع إلى ما يتناوله الاسم

стр. 427

(الشرع ثم العرف ثم اللغة) (١). وعند بحث ما نص عليه الفقهاء في المسألة، واجهتني إشكالات في اعتبار النية في المذهب الحنفي والشافعي، لأنهم أحيانًا ينصون على أن النية يُرجع إليها أولًا، وتارة لا يرجعون إليها في الحنث. ففي فتح القدير للكمال ابن الهمام: "الأصل أن الأيمان مبنية على العرف عندنا لا على الحقيقة اللغوية كما نقل عن الشافعي ﵀، ولا على الاستعمال القرآني كما عن مالك ﵀، ولا على النية مطلقًا، كما عن أحمد ﵀ " ... ثم قال: "وظهر أن مرادنا بانصراف الكلام إلى العرف أنه إذا لم يكن له نية كان موجب الكلام ما يكون معنى عرفيًا له، وإن كان له نية شيء واللفظ يحتمله انعقد اليمين باعتباره" (٢). وقال الكاساني (٣): "وأما بيان أن اليمين بالله على نية الحالف أو المستحلف فقد روي عن أبي يوسف عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال: اليمين على نية الحالف إذا كان مظلومًا، وإن كان ظالماً فعلى نية المستحلف وذكر الكرخي (٤) أن هذا قول أصحابنا جميعًا" (٥). وقال الإمام الشافعي ﵀ في فتوى حول موجب الحنث في أكثر من موطن:

стр. 428

"جوابنا في هذه الأيمان كلها إذا حلف لا نية له إنما خرجت اليمين منه بلا نية، فأما إذا كانت اليمين بنية فاليمين على ما نوى" (١). وقال النووي ﵀: "واعلم أن كل هذه الصور فيمن أطلق ولم ينو، فأما إن نوى أن لا يفعل ولا يفعل بإذنه، أو لا يفعل ولا يأمر به فيحنث إذا أمر به ففعل، هكذا أطلقوه مع قولهم إن اللفظ حقيقة لفعل نفسه واستعماله في المعنى الآخر مجاز" (٢). وهذه النقول تثبت أن للنية أثرًا في إيجاب الحنث. ولذا ذهب بعض الباحثين إلى أن القول بأن (مبنى الأيمان على العرف، كما يقوله الأحناف، أو أن مبناها على حقائق الألفاظ اللغوية، كما يقوله الشافعية) من جهة التنظير والتقعيد قول صريح في كتبهم، أما من جهة التطبيق على قواعدهم فبعد تتبع تفريعاتهم على هذه القواعد النظرية نجد أنهم يبنون على مقتضى الضابط المقرر عند المالكية والحنابلة: بأنه يرجع في اليمين إلى نية الحالف إذا احتملها لفظه، ولم يخالف الظاهر أو خالفه وكان مظلومًا (٣). وقد صرح الإمام ابن تيمية ﵀ باتفاق الفقهاء على ذلك، فقال: "واتفقوا على أنه يرجع في اليمين إلى نية الحالف إذا احتملها لفظه، ولم يخالف الظاهر أو خالفه وكان مظلومًا. وتنازعوا هل يرجع إلى سبب اليمين وسياقها وما هيجها؟ على قولين: فمذهب المدنيين كمالك وأحمد وغيره أنه يرجع إلى ذلك، والمعروف في مذهب أبي حنيفة والشافعي أنه لا يرجع، لكن في مسائلهما ما يقتضي خلاف ذلك" (٤). المسألة المراد بحثها: إذا حلف لا يأكل طعامًا اشتراه زيد، أو من طعام اشتراه زيد، ثم ملكه زيد بالصلح، فهل إذا أكل منه يحنث؟ اختلفوا إلى قولين: القول الأول: يُرجع فيه إلى نيته في الحلف؛ فإن أراد قطع المنة فيصدق الحنث بكل

стр. 429

طريق ملك زيد به الطعام ومنه طريق الصلح، فإن عدمت النية فإلى سبب اليمين المهيج (فقد يكون الحلف بسبب طريقة أو مصدر الشراء)، فإن لم يكن سبب لليمين مهيج نرجع إلى ما يتناوله الاسم شرعًا أو لغة أو عرفًا، والصلح بيع، وهو ظاهر قول المالكية والحنابلة، ووجه عند الشافعية (١). والحنفية: يعدون البيع صلحًا إلا أنهم ينظرون إلى ظاهر اللفظ عرفًا، دون النظر إلى النية وسبب اليمين في الجملة، وظاهر مذهبهم الحنث بمجرد أكل الطعام (٢). القول الثاني: لا يحنث، وهو الصحيح من مذهب الشافعية (٣)، واختاره

стр. 430

الصيدلاني (١). تعليل القول الأول: ١. يُرجع أولًا إلى النية؛ لأنه نوى بكلامه ما يحتمله، ويسوغه في اللغة التعبير به عنه، فينصرف يمينه إليه كالمعاريض، وبيان احتمال اللفظ، أنه يسوغ في كلام العرب التعبير بالخاص عن العام، قال الله تعالى: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٢)، ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (٣)، ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ (٤)، والقطمير: لفافة النواة. والفتيل ما في شقها. والنقير: النقرة التي في ظهرها. ولم يرد ذلك بعينه، بل نفي كل شيء. وقال أحدهم يهجو قبيلة (٥): ولا يظلمون الناس حبَّة خردل ولم يرد الحبة بعينها، إنما أراد لا يظلمونهم شيئًا. وقد يذكر العام، ويراد به الخاص، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (٦) -يعني رجلًا واحدًا- ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (٧)، يعني أبا سفيان، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٨)، ولم يرد السماء والأرض ولا مساكنهم، وإذا احتمله اللفظ، وجب صرف اليمين إليه؛ لقول النبي ﷺ : «وإنما لكل امرئ ما نوى» (٩)، ولأن كلام

стр. 431

الشارع يحمل على مراده، إذا ثبت ذلك بالدليل، فكذلك كلام غيره (١). ٢. إذا عدمت النية، نظرنا في سبب اليمين، وما أثارها؛ لدلالته على النية، وقد دللنا على تعلق اليمين بما نواه، والسبب دليل على النية، فيتعلق اليمين به، وقد ثبت أن كلام الشارع إذا كان خاصًا في شيء لسبب عام تعدى إلى ما يوجد فيه السبب، كتنصيصه على تحريم التفاضل في أعيان ستة (٢)، أثبت الحكم في كل ما يوجد فيه معناها، كذلك في كلام الآدمي مثله (٣). ٣. فإن عدم ما تقدم من النية والسبب والتعيين رجع في اليمين إلى ما تناوله الاسم؛ لأنه مقتضاه ولا صارف عنه، ولأن اللفظ دليل الحكم، فيجب الاعتبار به في الخصوص والعموم، كما في لفظ الشارع، والصلح بيع؛ لأنه عوض عن مال (٤). تعليل القول الثاني: لأن الصلح لا يسمى بيعًا على الإطلاق، ولفظ الصلح موضوع للرضا بترك بعض الحق (٥). الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ لقوة تعليلهم. * * *

стр. 432

المسألة الخامسة: لو قال: "والله لا أكلم امرأة تزوجها زيد"، فوكل زيد من يقبل له نكاح امرأة، فكلمها الحالف . هذه المسألة فيمن حلف وقال: "والله لا أكلم امرأة تزوجها زيد"، فوكل زيد رجلًا لنكاح امرأة وحصل عقد نكاح المرأة، فكلمها الحالف، فهل يحنث؟ علمًا بأن هذه المسألة "فيمن أطلق ولم ينو" كما صرح به النووي ﵀ (١). اختلف الفقهاء على قولين: القول الأول: يحنث، وهو مقتضى قول الحنفية والمالكية ومذهب الحنابلة (٢)، واختاره الصيدلاني (٣). القول الثاني: لا يحنث، وهو المعتمد عند الشافعية (٤). تعليل القول الأول: ١. لأن حقوق العقد في النكاح تتعلق بالآمر دون العاقد (٥). ٢. ولأن الوكيل لا يضيف العقد إلى نفسه، وإنما يضيف إلى الموكل فكان بمنزلة الرسول، فانضاف العقد كله لفظًا وحكمًا إليه فيحنث به؛ ألا ترى أنه يقال في العرف للمتكلم بكلام غيره من شعرٍ أو حكمة: "هذا ليس كلام هذا الرجل، بل كلام فلان" فكان المعقود عليه عدم لزوم أحكام هذا العقود، نظرًا إلى الفرض وهو أعم مما يلزم بمباشرته

стр. 433

أو مباشرة مأموره، وليس فيه جمع بين الحقيقة والمجاز (١). ٣. القياس على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (٣). وكان هذا متناولًا للاستنابة فيه، فكذلك هنا؛ فقبول الوكيل لعقد النكاح كقبول الموكّل (٤). ٤. قولنا: امرأة "تزوجها فلان" نزل في الاستعمال بمنزلة قولنا: "زوجة فلان" (٥). تعليل القول الثاني: ١. قالوا: ليس ما جاء به تزوّجًا منه، وإنما هو سفارة، والنكاح مضاف إلى الموكل، وسِرُّ الفصل أنه عقد اليمين على التزوج المطلق، ولا يصح من الوكيل بالتزوج مطلقُ لفظ التزوج حتى يضيفَه، وما لا يستقل إلا مضافًا لا يندرج تحت المطلق الذي لم يضف (٦). ٢. ولأنه حلف على فعل نفس زيد حقيقة، فلا يحنث بغيره (٧). الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول بأنه يحنث؛ لقوة تعليلهم، وضعف تعليل القول الثاني. * * *

стр. 434

المسألة السادسة: لو حلف: لا يتزوج، أو لا ينكح، فوكل من قبل له نكاح امرأة . وهذه المسألة كسابقتها "فيمن أطلق ولم ينو" كما صرح به النووي ﵀ (١). اختلف الفقهاء على قولين: القول الأول: يحنث، وهو قول المذاهب الأربعة (٢). القول الثاني: لا يحنث، وهو وجهٌ عند الشافعية (٣)، واختاره الصيدلاني (٤). تعليل القول الأول: ١. لأن حقوق العقد في النكاح تتعلق بالآمر دون العاقد (٥). ٢. ولأن الوكيل لا يضيف العقد إلى نفسه، وإنما يضيف إلى الموكل فكان بمنزلة الرسول، فانضاف العقد كله لفظًا وحكمًا إليه فيحنث به؛ ألا ترى أنه يقال في العرف للمتكلم بكلام غيره من شعرٍ أو حكمة: "هذا ليس كلام هذا الرجل، بل كلام فلان" فكان المعقود عليه عدم لزوم أحكام هذا العقود، نظرًا إلى الفرض وهو أعم مما يلزم بمباشرته أو مباشرة مأموره، وليس

стр. 435

فيه جمع بين الحقيقة والمجاز (١). تعليل القول الثاني: ١. لأنه حلف على نفسه، ولم يتحقق (٢). ٢. قياسًا على البيع؛ فلو حلف ألا يبيع، فوكل من يبيع عنه لا يحنث (٣). ونوقش: ١. بأن هذا تعليل في موطن النزاع، فيحنث ببيع وكيله عند طائفة (٤). ٢. وعلى القول بأنه في البيع لا يحنث؛ لأن حقوق العقد في البيع والشراء تتعلق بالعاقد، والعاقد لغيره بمنزلة العاقد لنفسه فيما يرجع إلى حقوق العقد، فلا يصير الحالف بفعل الوكيل عاقدًا، إلا أن يكون نوى أن لا يأمر غيره فحينئذ قد شدد الأمر على نفسه بنيته، وكذلك إن كان الحالف ممن لا يباشر البيع والشراء بنفسه؛ لأن اليمين تتقيد بما عرف من مقصود الحالف. وأما إن حلف لا يتزوج امرأة فأمر غيره فزوَّجَه حنث؛ لأن حقوق العقد في النكاح تتعلق بالآمر دون العاقد، ولأن الوكيل لا يضيف العقد إلى نفسه، وإنما يضيف إلى الموكل فكان بمنزلة الرسول، كما تقدم (٥). الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ لأن الوكيل يقوم مقام موكله فيما وكله في العقد، ولقوة تعليلهم، وإمكان مناقشة تعليل القول الثاني. * * *

стр. 436

المسألة السابعة: لو حلف لا يبيع بيعًا فاسدًا، فباع فاسدًا . للعلماء في ذلك قولان: القول الأول: يحنث، وهو مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة، ووجه عند الشافعية (١). القول الثاني: لا يحنث، وهو وجه عند الشافعية (٢)، واختاره الصيدلاني (٣). تعليل القول الأول: ١. قالوا: لأنه قد فعل المحلوف عليه بعينه (٤). ٢. لأنه يتعذر حمل يمينه على عقد صحيح، فيتعين الفاسد مَحَلًّا له (٥). ٣. ولأن اسم البيع يتناول الصحيح والفاسد؛ وهو مبادلة شيء مرغوب بشيء مرغوب (٦). وقال بعضهم: لأن الاسم يطلق عليه في اللغة، فأشبه ما يقتضيه الشرع (٧). ٤. والبيع الفاسد بيع تام؛ إذ ليس في المحل ما ينافي انعقاده، إلا أنه ينافي حكمهُ وهو الملك، وأنه لا يدل على نقصان فيه، كالبيع بشرط الخيار، يبقى هذا القدر لا يفيده

стр. 437

الحل لا في الحال ولا في الثاني (١). ٥. ولأن المقصود من البيع هو الوصول إلى العوض، وهذا يحصل بالبيع الفاسد إذا اتصل به القبض؛ لأنه يفيد الملك بعد القبض (٢). ونوقش: بأنَّ ما ذكروه من ثبوت الملك به غير مسلَّم (٣). تعليل القول الثاني: قالوا: لأنه ليس ببيع في الشرع، فلا يحنث (٤). الترجيح: الراجح - والله أعلم- القول بالحنث؛ لأنه قد فعل المحلوف عليه بعينه. وإن لم يثبت كونه بيعًا شرعًا؛ فإن النية ههنا مؤثرة. * * *

стр. 438

المسألة الثامنة: لو حلف عمرو لا يدخل دار زيد، فباعها زيد، واشترى دارًا أخرى، ثم دخلها عمرو . هذه المسألة لم أجدها كاملة بأطرافها إلا عند الشافعية، وإن وجدت الحلف على الجملة الأولى فقط في بعض المذاهب. وبناء على ما سبق من تأصيل المسألة يمكن تخريج المسألة على خلاف العلماء: القول الأول: يرجع إلى العرف، فلا يحنث بدخوله الدار الأولى، ويحنث بدخول الدار الثانية، وهو قول الحنفية (١). القول الثاني: نرجع إلى نية الحالف؛ إن قال: أردت الأولى بعينها، لم يحنث بدخول الثانية، وإن قال: أردت أي دار تكون في ملكه، حنث بالثانية دون الأولى، وإن قال: أردت أي دار جرى عليها ملكه، حنث بأيتها دخل، وهو مذهب الشافعية (٢) واختيار الصيدلاني (٣)، ومقتضى قول المالكية والحنابلة، وإن لم يكن نية ينظر إلى السبب المهيج، كما هو مذهب المالكية والحنابلة، فإن لم يكن يرجع إلى المعنى، فيحنث بدخوله الدار الأولى أو الثانية (٤).

стр. 439

تعليل القول الأول: ١. قالوا: إذا باعها فقد زال الملك والسكنى، فلم تبق إضافة الدار إليه (١). ٢. ولهذا قال أصحابنا: القياس على ما لو قال: لأرفعن فلانًا إلى الوالي. فرفعه بعدما عزل، لم يبر؛ فاليمين تعلقت ببقاء ذلك الدار ملكًا لزيد، فإذا زال زالت اليمين (٢). ٣. ولأن الإنسان يمنع من دخول مالكها، فإذا عقد على عينها وأضافها إليه، فكل واحد من الأمرين مقصود، فإذا زالت، بطلت اليمين (٣). تعليل القول الثاني: ١. يُرجع أولًا إلى النية؛ لأنه نوى بكلامه ما يحتمله، ويسوغه في اللغة التعبير به عنه، فينصرف يمينه إليه، وإذا احتمله اللفظ، وجب صرف اليمين إليه؛ لقول النبي ﷺ «وإنما لكل امرئ ما نوى»، ولأن كلام الشارع يحمل على مراده، إذا ثبت ذلك بالدليل، فكذلك كلام غيره (٤). ٢. إذا عدمت النية، نظرنا في سبب اليمين، وما أثارها؛ لدلالته على النية، وقد دللنا على تعلق اليمين بما نواه، والسبب دليل على النية، فيتعلق اليمين به، وقد ثبت أن كلام الشارع إذا كان خاصًا في شيء لسبب عام تعدى إلى ما يوجد فيه السبب، كتنصيصه على تحريم التفاضل في أعيان ستة (٥)، أثبت الحكم في كل ما يوجد فيه معناها، كذلك في كلام الآدمي مثله (٦). ٣. فإن عدم ما تقدم من النية والسبب والتعيين (٧) رجع في اليمين إلى ما تناوله الاسم؛ لأنه مقتضاه ولا صارف عنه، ولأن اللفظ دليل الحكم، فيجب الاعتبار به في

стр. 440

الخصوص والعموم، كما في لفظ الشارع (١). الترجيح: الراجح - والله أعلم-: هو القول الثاني - لأثر النية في المؤاخذة كما سبق. * * *

стр. 441

المسألة التاسعة: لو حلف لا يفارق غريمه حتى يستوفي حقه منه، ففارقه الغريم وفرَّ منه . القول الأول: لا يحنث، وهو قول الحنفية والشافعية، ورواية عن أحمد (١). القول الثاني: يحنث، وهو قول المالكية (٢) والصحيح عند الحنابلة (٣). القول الثالث: يحنث إن أمكنه منعه فلم يفعل، وهو قول بعض الحنابلة (٤)، واختيار الصيدلاني (٥). والظاهر من مذهب المالكية والحنابلة الحنث ما لم ينو بقوله: لا أفارق غريمي لا أفارقه أنا في خاصتي، فلا يحنث. كما هي قاعدتهم في موجب الكفارة. ففي المدونة: "قلت: أرأيت إن حلفتُ أن لا أفارق غريمي حتى أستوفي حقي فيفر مني أو أفْلَتَ، أأحنث في قول مالك أم لا؟ قال: قال مالك: إن كان إنما غلبه غريمه، وإنما نوى أن لا يفارقه مثل أن يقول: لا

стр. 442

أخلي سبيله ولا أتركه إلا أن يفر مني، فلا شيء عليه" (١). و"قال عنه ابن وهب: وإن حلف لا فارق غريمه حتى يقضين حقه، فأتى أهل المطلوب فخلصوه منه قسرًا وضربوه فله نيته، فإن نوى لا فارقته طائعًا ولا أرسلته وأنا قادر على إمساكه فلا شيء عليه. قال أشهب: إذا فرّ منه أو أفْلتَ حنث، إلا أن تكون له نية فيدين ويحلف" (٢). "وقال ابن القاسم: ومن حلف لا فارق غريمه فهرب منه، أو لا قبّل امرأته فقبَّلَتْه (٣) وهو غافل فلا شيء عليه ما لم يكن على التهاون

стр. 443

فيهما" (١). وقال ابن رشد الجد (٢): "فإذا نوى هو بقوله لا أفارق غريمي لا أفارقه أنا في خاصتي لم يكن عليه شيء إن فر عنه غريمه؛ لأنه يحصل بما نواه كالقائل لا أفارق غريمي إلا أن يفر عني ولو حلف ألا يفارق غريمه ونوى إلا أن يبدو له أو إلا أن يرى خيرًا من ذلك وما أشبه ذلك لم ينتفع بذلك على مذهب مالك" (٣). تعليل القول الأول: ١. قالوا: لأن الحالف قد عقد يمينه على فعل نفسه في المفارقة، وهو ما فارق غريمه، ولا فُعل باختياره، إنما الغريم هو الذي فارقه (٤). ٢. ولأن المفارقة مفاعلة منهما جميعًا؛ فالحكم هنا منوط بالتفرق، وهو يحصل

стр. 444

بوجود الفرقة من كل منهما (١). ٣. القياس على إذا ما حلف وقال: لا قمت، فقام غيره، لا يحنث (٢). تعليل القول الثاني: ١. لأن معنى يمينه المقصود من نحو هذه اليمين أن لا تحصل بينهما فرقة، وقد حصلت، واليمين توجهت على فعل الحالف والمحلوف فيحنث (٣). ٢. القياس على ما لو حلف وقال: لا افترقنا (٤). الترجيح: الراجح - والله أعلم- أنه يُنظر إلى نيته، فإن نوى بقوله لا أفارق غريمي لا أفارقه أنا في خاصتي لم يكن عليه شيء إن فرّ عنه غريمه؛ لأن الأمور بمقاصدها، فإن لم تكن نية، فلا يحنث ما لم يتساهل؛ لأن فرار الغريم كالإكراه على عدم ملازمته، والشريعة لا تؤاخذ المكره، ومؤاخذة الحالف بفرار غريمه منه، وليس منه تفريط من تكليف ما لا يطاق، قال الإمام ابن تيمية ﵀: «فمن استقرأ ما جاء به الكتاب والسنة تبين له أن التكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل، فمن كان عاجزًا عن أحدهما سقط عنه ما يعجزه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها» (٥). ولأن الحنث: هو الإثم في الأصل، فكيف يأثم بفعل غيره، ونلزمه بالكفارة، ولا قدرة عليه؟ ! . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «واليمين بالله عقد بالله فيجب الوفاء به، كما يجب في سائر العقود وأشد؛ لأن قوله: أحلف بالله، وأقسم بالله، وأولي بالله ونحو ذلك، في معنى قوله: أعقد بالله؛ لهذا عُدّي بحرف الإلصاق الذي يستعمل في الربط والعقد، فينعقد المحلوف عليه بالله، كما تنعقد إحدى اليدين بالأخرى في المعاقدة، ولهذا

стр. 445

سماه الله سبحانه "عقدًا" في قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (١)، فإذا كان قد عقدها بالله فإن الحنث فيها نقض لعهد الله وميثاقه، لولا ما فرضه الله من التحلة. ولهذا سمي حلها حنثًا، والحنث: هو الإثم في الأصل. فالحنث فيها سبب للإثم لولا الكفارة الماحية، وإنما الكفارة منعته أن يوجب إثمًا» (٢). * * *

стр. 446

المسألة العاشرة: لو قال: لأقضين حقك إلى أيام . في المسألة قولان: القول الأول: يحمل لفظ (أيام) على ثلاثة أيام؛ فإن أخَّر القضاء عنها حنث، وهو مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية في الأصح والحنابلة (١)، واختاره الصيدلاني (٢). إضافة: إن عين بحلفه أيامًا تبعها الليالي (٣). وذَكَر المالكية أنه لا يُحسب يوم الحلف إن سبق بالفجر (٤). وقد نص المالكية والحنابلة والشافعية على أنه لو نوى أطول من ثلاث فله ما نوى (٥). بخلاف الحنفية فلا أثر للنية عندهم (٦). القول الثاني: لا يتقدَّر بزمن، فإن مات قبل أن يقضيه حنث، وهو وجه عند الشافعية (٧).

стр. 447

تعليل القول الأول: لأنه ذَكَر لفظ الجمع منَكَّرًا فيقع على أقل الجمع المتفق عليه وهو ثلاثة أيام، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (١)، وهي أيام التشريق، والزائد عن الثلاث مشكوك فيه (٢). تعليل القول الثاني: القياس على ما لو أطلق؛ وقال: لأقضين حقك (٣). الترجيح: الراجح -والله أعلم- أنه يرجع إلى نيته، فإن لم يكن نية فتحمل الأيام على ثلاثة أيام، وهو القول الأول لقوة تعليلهم، ولأنه إذا لم نحدد لأدى ذلك إلى ضياع الحقوق، وهو أبرأ للذمة، وأولى من أن يموت وعليه دين. * * *

стр. 448

المطلب الثاني: كفارة اليمين وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: من عقد يمينه على مباح، فهل الأولى أن يبرّ بيمينه، أو يحنث ويفعل المباح ويكفر؟ المسألة الثانية: لو ملَّك عبده عبدًا، وأذن له في أن يعتقه عن كفارته، وقلنا: أن ولاء ذلك المعتَق موقوف: فإن عَتَق هذا العبدُ الذي أعتقه، فيكون ولاء ذلك المعتَق له تبينًا، وإن مات رقيقًا، فيكون ولاؤه لسيده. فهل الكفارة موقوفة أيضًا؟ المسألة الثالثة: ولو أعتق المكاتب عن كفارته بإذن سيده، وصححنا تبرعاته بإذن سيده، هل تبرأ ذمته عن الكفارة؟

стр. 449

المسألة الأولى: من عقد يمينه على مباح، فهل الأولى أن يبرّ بيمينه، أو يحنث ويفعل المباح ويكفر ؟ من المقرر أن من عقد يمينه على مباح لا يجب عليه الوفاء به (١). قال الإمام ابن القيم ﵀: "وأما إذا حلف يمينًا مجردةً ليفعلنَّ كذا فهذا حضٌّ منه لنفسه، وحثٌّ على فعله باليمين، وليس إيجابًا عليها، فإن اليمين لا تُوجب شيئًا ولا تُحرمه، ولكن الحالف عَقدَ اليمين باللَّه ليفعلنَّه، فأباح اللَّه سبحانه له حَلَّ ما عقده بالكفارة، ولهذا سَمَّاها اللَّه تَحِلَّة؛ فإنها تَحلُّ عقد اليمين، وليست رافعة لإثم الحنث كما يتوهَمه بعضُ الفقهاء؛ فإنَّ الحنث قد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًا، فيؤمر به أمر إيجاب أو استحباب، وإن كان مباحًا، فالشارع لم يُبح سببَ الإثم، وإنما شرعها اللَّه حِلًّا لعقد اليمين، كما شرع اللَّه الاستثناءَ مانعًا من عقدها؛ فظهر الفرق بين ما التزمه للَّه وبين ما التزم باللَّه؛ فالأول ليس فيه إلا الوفاء، والثاني يُخَيرُ فيه بين الوفاء وبين الكفارة حيث يسوغ ذلك" (٢). لكن هل الأولى أن يبرّ بيمينه، أو يحنث ويفعل المباح ويكفر؟ القول الأول: الأولى أن يبرّ بيمينه، وهو قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية

стр. 450

والحنابلة (١)، واختاره الصيدلاني (٢). القول الثاني: ينبغي أن يحنث، وهو وجه عند الشافعية (٣). القول الثالث: يتخير بين الوفاء والحنث، وهو وجه عند الشافعية (٤). أدلة القول الأول: ١. ظاهر قوله تعالى ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (٥). ٢. وقوله تعالى ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ (٦). ٣. ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأتها، وليكفر عن يمينه» (٧). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ خصص حَلّ اليمين بما لو كان حَلُّها خيرًا وطاعة، فدل مفهوم الحديث على أن الحَلَّ إذا لم يكن طاعة، فلا ينبغي أن يختاره ويؤثره الحالف (٨).

стр. 451

٤. ولما في البر باليمين من تعظيم الله تعالى (١). تعليل القول الثاني: ١. قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ (٢)، ثم استحثه على الحل، فقال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٣). ٢. ليتبين أنه بيمينه لم يغير حكمَ الله تعالى (٤). ٣. ولينتفع المساكين بإخراج الكفارة (٥). تعليل القول الثالث: القاعدة الكلية بأن الأيمان لا تغير الأحكام (٦). الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول (قول الجمهور)؛ لقوة دليلهم وتعليلهم. * * *

стр. 452

المسألة الثانية: لو ملَّك عبده عبدًا، وأذن له في أن يعتقه عن كفارته، وقلنا: أن ولاء ذلك المعتَق موقوف: فإن عَتَق هذا العبدُ الذي أعتقه، فيكون ولاء ذلك المعتَق له تبينًا، وإن مات رقيقًا، فيكون ولاؤه لسيده. فهل الكفارة موقوفة أيضًا ؟ لو ملَّك السيدُ عبده عبدًا ليعتقه عن كفارة نفسه (١) لم يجزئ عن الكفارة عند المذاهب الأربعة (٢) "فإن ملكه عبدًا، وأذن في إعتاقه متبرعًا، فلمن الولاء فيه؟ أقوال: أحدها: للسيد؛ لقصور العبد عن استحقاق حقوق الولاء من الإرث والولاية. والثاني: يوقف؛ فإن عتق العبد، بان أن الولاء له، وإن مات رقيقًا، فلسيده. والثالث: للعبد، فعلى هذا، إن أذن له في الإعتاق عن الكفارة، وقع عنها، وثبت له الولاء" (٣). فإن قلنا بالتوقف في الولاء، فهل يجزئ العتق عن الكفارة؟ قولان لأهل العلم: القول الأول: يجزئ عن الكفارة، ويقع العتق عن كفارته ناجزًا في الحال، وهو وجه عند الشافعية (٤). القول الثاني: التوقف في الوقوع عن الكفارة، تبعًا للولاء، وهو وجه عند الشافعية (٥)، واختاره الصيدلاني (٦).

стр. 453

دليل القول الأول: لم أجد لهم دليلًا أو تعليلًا. تعليل القول الثاني: قالوا: لأنا إذا حكمنا بوقف الولاء، فينبغي أن تكون الكفارة موقوفة أيضًا، فإن الإجزاء في هذه المسألة يتبع الولاء، ويبعد أن نقطع بالإجزاء مع التوقف في الولاء (١). الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الثاني لقوة تعليلهم. فائدة: في المهذب: "إن أعتق المكاتب عبدًا بإذن المولى، وصححنا عتقه ففي ولائه قولان: أحدهما: أنه للسيد؛ لأن العتق لا ينفك من الولاء، والمكاتب ليس من أهله، فوجب أن يكون للسيد. والثاني: أنه موقوف؛ فإن عتق فهو له، فإن عجز فهو للسيد؛ لأن المعتِق هو المكاتب، فوقف الولاء عليه، فإن مات العبد المعتق قبل عجز المكاتب أو عتقه ففي ماله قولان: أحدهما: أنه موقوف على ما يكون من أمر المكاتب كالولاء. والثاني: أنه للسيد؛ لأن الولاء يجوز أن ينتقل فجاز أن يقف، والإرث لا يجوز أن ينتقل فلم يجز أن يقف" (٢). * * *

стр. 454

المسألة الثالثة: ولو أعتق المكاتب عن كفارته بإذن سيده، وصححنا تبرعاته بإذن سيده، هل تبرأ ذمته عن الكفارة ؟ والمسألة هنا تختلف عن سابقتها بأنها تفريع عن تصحيح تبرعات المكاتب. للفقهاء في ذلك قولان: القول الأول: أنه تبرأ ذمته عن الكفارة، وهو وجه عند الشافعية (١). القول الثاني: يجب التوقف في الكفارة، فإن عتق المكاتب برئت ذمته، فإن عجز فهو للسيد، وهو وجه عند الشافعية (٢)، واختاره الصيدلاني (٣). تعليل القول الأول: لم أجد لهم تعليلًا، ولعله مما يُعلَّل لهم: بأن مالك العبد ومالكه أجاز العتق فصح عن الكفارة، كمن أدى الزكاة عن ولده المقتدر. تعليل القول الثاني: ١. لأن الإجزاء عن الكفارة في هذه المسألة يتبع الولاء، ويبعد أن نقطع بالإجزاء مع التوقف في الولاء (٤). ٢. لأن المعتِق هو المكاتب، فوقف الولاء عليه (٥).

стр. 455

الترجيح: الراجح -والله أعلم- على القول بصحة تبرعات المكاتب أنها تجزئ عن الكفارة وتبرأ ذمته للتعليل المذكور. * * *

стр. 456

الفصل السادس: القضاء، والشهادات، والدعوى والبينات، والعتق وكتاب المكاتب وأمهات الأولاد وفيه مبحثان: المبحث الأول: القضاء، والشهادات، والدعوى والبينات المبحث الثاني: العتق وكتاب المكاتب وأمهات الأولاد

стр. 457

المبحث الأول: القضاء، والشهادات، والدعوى والبينات وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: القضاء المطلب الثاني: الشهادات المطلب الثالث: الدعوى والبينات

стр. 458

المطلب الأول: القضاء وفيه مسألتان: المسألة الأولى: حكم سماع الدعوى والبينة على المدعى عليه إذا كان في البلد، ولم يحضر مجلس القضاء مع القدرة على إحضاره. المسألة الثانية: لو قال الإمام للقاضي: "إذا قرأت كتابي، فأنت معزول"، فلم يقرأه بنفسه، وقرئ عليه.

стр. 459

المسألة الأولى: حكم سماع الدعوى والبينة على المدعى عليه إذا كان في البلد، ولم يحضر مجلس القضاء مع القدرة على إحضاره . اتفق العلماء على أنه لا يجوز للقاضي أن يسمع بينة مدعي، حتى يحضر معه خصمه، ويسأله عن دعوى خصمه إذا كان في البلد، ولم يحضر مجلس القضاء مع القدرة على إحضاره (١)، وهو ما قطع به الصيدلاني (٢). عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى

стр. 460

ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» (١). قال الفقهاء: ولأنه أمكن سؤاله فلم يجز الحكم عليه قبله؛ لسهولة إحضاره، وليأمن الحاكم خطأ البينة فيه؛ ولأن أمر القضاء مبني على الفصل بأقرب الطرق ولو أحضر ربما أقر فيغني عن سماع البينة والنظر فيها (٢). * * *
следующие страницы →