المبحث الأول: القضاء، والشهادات، والدعوى والبينات
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: القضاء
المطلب الثاني: الشهادات
المطلب الثالث: الدعوى والبينات
стр. 458
المطلب الأول: القضاء
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: حكم سماع الدعوى والبينة على المدعى عليه إذا كان في البلد، ولم يحضر مجلس القضاء مع القدرة على إحضاره.
المسألة الثانية: لو قال الإمام للقاضي: "إذا قرأت كتابي، فأنت معزول"، فلم يقرأه بنفسه، وقرئ عليه.
стр. 459
المسألة الأولى: حكم سماع الدعوى والبينة على المدعى عليه إذا كان في البلد، ولم يحضر مجلس القضاء مع القدرة على إحضاره .
اتفق العلماء على أنه لا يجوز للقاضي أن يسمع بينة مدعي، حتى يحضر معه خصمه، ويسأله عن دعوى خصمه إذا كان في البلد، ولم يحضر مجلس القضاء مع القدرة على إحضاره (١)، وهو ما قطع به الصيدلاني (٢).
عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى
стр. 460
ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» (١).
قال الفقهاء: ولأنه أمكن سؤاله فلم يجز الحكم عليه قبله؛ لسهولة إحضاره، وليأمن الحاكم خطأ البينة فيه؛ ولأن أمر القضاء مبني على الفصل بأقرب الطرق ولو أحضر ربما أقر فيغني عن سماع البينة والنظر فيها (٢).
* * *
стр. 461
المسألة الثانية: لو قال الإمام للقاضي: "إذا قرأت كتابي، فأنت معزول"، فلم يقرأه بنفسه، وقرئ عليه .
في ذلك قولان:
القول الأول: يعزل، وهو ظاهر مذهب الحنفية والمالكية وهو المذهب عند الشافعية وظاهر مذهب الحنابلة (١)، وهو قول الصيدلاني (٢).
القول الثاني: لا ينعزل، وهو وجه عند الشافعية (٣).
تعليل القول الأول:
لأن المقصود إعلامه بالحال، وليس المراد تعليق العزل؛ لأن العزل لا يجوز تعليقه فلم يبق إلا مجرد العلم بالعزل، وهو حاصل بقراءة غيره عليه (٤).
تعليل القول الثاني:
١. لأن صورة اللفظ وحقيقته أن يقرأه هو لا يقرأ عليه (٥).
ويمكن أن يناقش:
بأن المقصود هو وصول علمه بالعزل، وقد حصل.
الترجيح:
الراجح- والله أعلم- القول الأول؛ لقوة تعليلهم وإمكان مناقشة تعليل القول الثاني.
* * *
стр. 462
المطلب الثاني: الشهادات
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: حكم خروج الشاعر إلى حد الكذب في وصفٍ، أو مدحٍ وإطراء (بدون أن يهجو، ولا يتعرض لعرضٍ، ولا يشبب بامرأة معيّنة).
المسألة الثانية: هل تقبل شهادة الحسبة في الوقف إن كان على معيّنين، وقلنا: الملك في الرقبة لله تعالى؟
المسألة الثالثة: حكم قبول البيِّنة حسبة إذا شهد شاهدان أن المرأة ولدت الولد على فراش زوجها لستة أشهر فصاعدًا، والزوج يقول: أتت به لأقل من ستة أشهر.
стр. 463
المسألة الأولى: حكم خروج الشاعر إلى حد الكذب في وصفٍ، أو مدحٍ وإطراء (بدون أن يهجو، ولا يتعرض لعِرضٍ، ولا يشبب بامرأة (١) معيّنة).
أصل الشعر مباحٌ بلا خلاف (٢)، "والتحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه أن الشعر كلامٌ، حسنه حسن، وقبيحه قبيح" (٣)، قال رسول الله ﷺ : "الشعر بمنزلة الكلام، حَسَنه كحُسنِ الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام" (٤).
وأما قوله ﷺ : «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا» (٥).
"فالمراد به أن يكون الشعر غالبًا عليه مستوليًا عليه، بحيث يشغله عن القرآن وغيره من العلوم الشرعية وذكر الله تعالى، وهذا مذموم من أي شعر كان، فأما إذا كان القرآن والحديث وغيرهما من العلوم الشرعية هو الغالب عليه فلا يضرُّ حفظ اليسير من الشعر مع هذا؛ لأنّ جوفه ليس ممتلئًا شعرًا، والله أعلم" (٦)، "وقيل: المراد به ما كان
стр. 464
هجاءً وفحشًا" (١)، والتحقيق أن الخبر محمول على المعنيين (٢).
وأما قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ (٣).
"فالمراد بالآية من أسرف وكذب؛ بدليل وصفه لهم بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ (٤)، ثم استثنى المؤمنين؛ فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٥)، ولأن الغالب على الشعراء قلة الدين، والكذب، وقذف المحصنات، وهجاء الأبرياء، سيما من كان في ابتداء الإسلام، ممن يهجو المسلمين، ويهجو النبي ﷺ ويعيب الإسلام، ويمدح الكفار، فوقع الذم على الأغلب، واستثنى منهم من لا يفعل الخصال المذمومة، فالآية دليل على إباحته، ومدح أهله المتصفين بالصفات الجميلة" (٦).
والناس من أهل الأدب في قيمة الكذب في الشعر مشارب؛ فمنهم من يرى "أن
стр. 465
أحسن الشعر أكذبه" (١)، وقيل: "أعذبه أكذبه" (٢)، "وقال بعض الحكماء: لم يُر متديّنٌ صادق اللهجة مفلقًا (٣) في شعره" (٤). ولذا قيل: "أن كل شاعر ترك الكذب، والتزم الصدق نزل شعره، ولم يكن جيدًا" (٥). "قال الأصمعي: الشعر نكد؛ يقوى في الشر، وسهل، فإذا دخل في الخير ضعف، ولأن هذا حسان (٦) فحل من فحول الشعراء في الجاهلية فلما جاء الإسلام سقط شعره"، وقال مرة أخرى: "شعر حسان في الجاهلية من أجود الشعر، وقيل لحسان: "لان شعرُك أو هرم شعرك في الإسلام يا أبا الحسام؟ ! ". فقال للقائل: "يا ابن أخي إن الإسلام يحجز عن الكذب أو يمنع من الكذب، وإن الشعر يزينه الكذب"؛ يعني: إن شأن التجويد في الشعر الإفراط في الوصف والتزيين بغير الحق، وذلك كله كذب" (٧).
وقال بعضهم: "لا والله، ما أجوده إلا أصدقه" (٨)، "وقد قال الحذاق: خير الكلام الحقائق، فإن لم يكن فما قاربها وناسبها" (٩)، و"الشعر تميَّز بأن أساسه التأثير بواسطة
стр. 466
التخييلات البيانية من تشبيه واستعارة وكناية ونحو ذلك. ولما كان الخيال صورة من صور الكذب قيل: إن أعذب الشعر أكذبه، ولكن ليس ذلك على إطلاقه، فإن العمدة في حسن الشعر وجودته على صدق الشعور وجمال التعبير. وكم من أبيات اعتبرت من عيون الشعر بينما هي لا تعتمد على أي صورة كاذبة، وإنما تتجلى بلاغتها في حسن إصابتها للمعنى الصحيح وحسن صياغتها في تعبير جميل، ولعل حسان ﵁ كان يعني هذا الميزان حينما قال:
وإن أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقًا (١)
ومناسبة ذكر هذه المسألة في باب الشهادات هو الشاعر إذا كذب هل تقبل شهادته؟
ومسألتنا: في حكم خروج الشاعر إلى حد الكذب في وصفٍ، أو مدح وإطراء (بدون أن يهجو، ولا يتعرض لعرضٍ، ولا يشبب بامرأة معيّنة).
فالكذب في الشعر إما أن يمكن حمله على المبالغة، وإما ألا يمكن حمله على المبالغة، وكان كذبًا محضًا، فإن لم يمكن حمله على المبالغة، وكان كذبًا محضًا فهل يُلحق بالكذب؟
للعلماء في ذلك قولان:
القول الأول: أنه كذب، وهو قول بعض المالكية والصحيح عند الشافعية، وظاهر مذهب الحنابلة (٢).
القول الثاني: ليس كذبًا، وهو قول بعض الشافعية (٣)، واختيار
стр. 467
الصيدلاني (١).
دليل القول الأول:
الشعر حكمه حكم الكلام، فالكذب فيه كسائر أنواع الكذب (٢).
تعليل القول الثاني:
لأن الكاذب يُري الكذبَ صدقًا، ويروجه، وليس غرض الشاعر أن يُصدَّق في شعره، وإنما هو صناعة (٣).
الترجيح:
الراجح - والله أعلم- القول بأنه كذب مذموم، لعموم نصوص النهي الكذب، ولقول الرسول ﷺ : "الشعر بمنزلة الكلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام" (٤)، ولذا أحجم حسان بن ثابت ﵁ عن الكذب في شعره بعد دخوله
стр. 468
الإسلام كما تقدم.
* * *
стр. 469
المسألة الثانية: هل تقبل شهادة الحسبة في الوقف إن كان على معيّنين، وقلنا: الملك في الرقبة لله تعالى ؟
الحسبة: مأخوذة من الاحتساب، وهو طلب الأجر، لا لإجابة مدعٍ (١).
وشهادة الحسبة: أداء الشاهد ما شهده في حقٍّ من حقوق غيره ابتداءً منه طلبًا للثواب، لا بطلب طالب، ولا بتقدّم دعوى مدعٍ (٢).
وكيفية شهادة الحسبة أن يجيء الشهود إلى القاضي ويقولون: نحن نشهد على فلان بكذا، فأحضره لنشهد عليه (٣).
والشهادة تكون غالبًا بطلب المدعي بعد دعواه، فإن شهد شاهد حسبة قبل الدعوى هل تقبل شهادته؟
لتحرير المسألة نقول:
الحقوق على ضربين: حق لله تعالى، أو حق لآدمي.
وحقوق الآدمي على ضربين:
أحدهما: حق لآدمي معين كالحقوق المالية، والنكاح، وغيره من العقود، والعقوبات، كالقصاص والحد والقذف والوقف على آدمي.
الضرب الثاني: ما كان حقًا لآدمي غير معين، كالوقف على الفقراء والمساكين أو جميع المسلمين، أو على مسجد، أو سقاية، أو مقبرة مسبلة، أو الوصية لشيء من ذلك، ونحو هذا (٤).
فالوقف إما إلى جهة عامة كالوقف على الفقراء، أو إلى جهة معينة.
ثم إن الفقهاء تكلموا على مسألة الوقف هل هو ناقل لملك رقبة الموقوف إلى
стр. 470
الموقوف عليهم، أم مزيل للملك عنها فقط فينتقل ملكها إلى الله؟ فيه قولان (١).
ومسألتنا على القول بانتقال الملك في الرقبة لله تعالى.
والمسألة المراد بحثها: هل تقبل شهادة الحسبة في الوقف إن كان على معيّنين، وقلنا: الملك في الرقبة لله تعالى؟ (٢)
القول الأول: لا تقبل شهادته، وهو قول بعض الحنفية، وقول المالكية والشافعية والحنابلة (٣).
القول الثاني: تقبل شهادته، وهو وجه عند الشافعية (٤) اختاره الصيدلاني (٥).
تعليل القول الأول:
١. لأن الشهادة فيه حق لآدمي، فلا تستوفي الحق إلا بعد مطالبته وإذنه (٦).
٢. ولأن الشهادة حجة على الدعوى، ودليلُ لها، فلا يجوز تقدمها عليها (٧).
٣. ولأن الغالب على هذا الوقف حظوظٌ خاصة، متعلقة بأشخاص، فيبعد قبول
стр. 471
شهادة الحسبة فيها (١).
٤. ولأنه حق آدمي له إسقاطه حتى بعد قبوله، ولأنه يقضي له به (٢).
تعليل القول الثاني:
١. قالوا: لأن شهادة الحسبة مجراةٌ مجرى الإعانة والإرشاد والتنبيه على استحقاق الحقوق (٣).
٢. وإذا لم يعلم صاحب الحق بحقه تجري الشهادة مجرى الإعلام والإثباتِ لحقٍّ مُشرفٍ على الضياع (٤).
الترجيح:
الراجح - والله أعلم- أن ذلك يرجع إلى القاضي فإن رأى أن القرائن تدل على صدق الشهود، وليس هناك تهمة قُبِلت الشهادة، وإلا فله أن يُعرض عنها، ولا يقبلها؛ لأنه إذا مُنع قبول الحسبة في الشهادة مطلقًا هنا، ربما ضاعت بسببها الحقوق، لا سيما مع جهل صاحب الحق حقه، أو عدم علمه بوجود الشهادة.
وإن كان الأولى إعلام الشهود صاحب الحق بالشهادة خروجًا من الخلاف.
قال بعض الفقهاء: "يجب على الشاهد أن يخبر صاحب الحق بالشهادة" (٥).
والقبول هنا نتاج لجواز أداء الشهادة قبل طلبها (٦)، وقد قال ﷺ : «ألا أخبركم
بخير
стр. 472
الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها» (١). وهذا عام قبل الدعوى وبعدها وقبل طلبها وبعد الطلب، ويرى بعض الفقهاء التفصيل في أداء الشهادة قبل طلبها؛ فإن كان المدعي عالماً بها، لم يجز للشاهد أداؤها حتى يسأله ذلك، وإن كان المشهود له غير عالم بها، جاز للشاهد أداؤها قبل طلبها، وهذا تفصيل وجيه (٢).
* * *
стр. 473
المسألة الثالثة: حكم قبول البيِّنة حسبة إذا شهد شاهدان أن المرأة ولدت الولد على فراش زوجها لستة أشهر فصاعدًا، والزوج يقول: أتت به لأقل من ستة أشهر .
أجمع أهل العلم على أن المرأة إذا جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من يوم تزوجها زوجها أن الولد غير لاحق به (١).
وقد «رُفع إلى عمر ﵁ امرأة وَلَدت لستة أشهر فسأل عنها أصحابَ النبي ﷺ ، فقال علي: ألا ترى أنه يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٢)، وقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (٣) فكان الحمل هاهنا ستة أشهر فتركها، ثم قال: بلغنا أنها ولدت آخر لستة أشهر» وفي رواية: «فالحمل ستة أشهر، والفصل أربعة وعشرون شهرًا» (٤).
стр. 474
والواقع والطب يؤيدان ذلك (١).
والمسألة: في حكم قبول البيِّنة حسبة إذا شهد شاهدان أن المرأة ولدت الولد على فراش زوجها لستة أشهر فصاعدًا، والزوج يقول: أتت به لأقل من ستة أشهر.
اختلف العلماء في المسألة على القولين:
القول الأول: تقبل البينة حسبة، وهو ظاهر قول الحنفية والمالكية، وبعض الشافعية (٢) واختاره الصيدلاني (٣).
القول الثاني: لا تسمع الشهادة حسبة فيه إلا بعد الدعوى، وهو وجه عند الشافعية
стр. 475
وظاهر قول الحنابلة (١).
تعليل القول الأول:
١. قالوا: لأنه مولودٌ في فراشه، فيلحقه في النسب (٢).
٢. لأن الظاهر يشهد لها؛ فإنها تلد ظاهرًا من نكاح لا من سفاح (٣).
فإن نوقش:
بأن الظاهر يشهد له أيضًا؛ لأن الحوادث تضاف إلى أقرب الأوقات، والنكاح حادث؟ (٤).
أجيب بأنه:
إذا تعارض ظاهران في ثبوت نسب قُدِّم المثبت له لوجوب الاحتياط فيه، حتى إنه يثبت بالإيماء مع القدرة على النطق بخلاف سائر التصرفات، مع أن ظاهرها متأيد بظاهره؛
стр. 476
وهو عدم مباشرته النكاح الفاسد إن كان الولد من زوج أو حبل من الزنا على الخلاف (١).
تعليل القول الثاني:
ولعله يعلل لهم بتعليلات القول الأول في المسألة الماضية؛ منها:
١. لأن الشهادة فيه حق لآدمي، فلا تستوفي الحق إلا بعد مطالبته وإذنه (٢).
٢. ولأن الشهادة حجة على الدعوى، ودليل لها، فلا يجوز تقدمها عليها (٣).
٣. ولأنه حق آدمي له إسقاطه حتى بعد قبوله (٤).
الترجيح:
لعل الأقوى-والله أعلم- القول الأول؛ لقوة ما استدلوا به، ولأن الطفل لا يمكن أن يدّعي لنفسه، وإذا وافقت المرأة الشهود فقولها هو المتعين؛ لأن الأصل أن الولد لصاحب الفراش، وإن احتمل أنه لغيره فلا يلحق به؛ ولا يُنقل من هذا الأصل إلا بأمر متيقن.
وقد ورد أن عائشة ﵂ قالت: «كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد: أن يقبض ابن وليدة زمعة، وقال عتبة: إنه ابني، فلما قدم رسول الله ﷺ مكة في الفتح، أخذ سعد بن أبي وقاص ابن وليدة زمعة، فأقبل به إلى رسول الله ﷺ ، وأقبل معه عبد بن زمعة، فقال سعد بن أبي وقاص: هذا ابن أخي عهد إليَّ أنه ابنه، قال عبد بن زمعة: يا رسول الله، هذا أخي هذا ابن زمعة ولد على فراشه، فنظر رسول الله ﷺ إلى ابن وليدة زمعة، فإذا أشبه الناس بعتبة بن أبي وقاص فقال رسول الله ﷺ : «هو لك هو أخوك يا عبد بن زمعة» من أجل أنه ولد على فراشه، وقال رسول الله ﷺ : «احتجبي
стр. 477
منه يا سودة» لما رأى من شبه عتبة بن أبي وقاص، قال ابن شهاب: قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، وقال ابن شهاب: وكان أبو هريرة يصيح بذلك» (١).
* * *
стр. 478
المطلب الثالث: الدعوى والبينات
وفي مسألتان:
المسألة الأولى: لو أقام المدعي بينة على الملك المطلق، وأقام صاحب اليد بينة على أن الدار ملكُه اشتراها من المدعي.
المسألة الثانية: إذا ادعى الرجل جهةً في الاستحقاق على شخص، فلم يتعرض المدَّعَى عليه لها، واقتصر على قوله: لا يلزمني تسليمُ شيء إليك.
стр. 479
المسألة الأولى: لو أقام المدعي بينة على الملك المطلق، وأقام صاحب اليد بينة على أن الدار ملكُه اشتراها من المدعي .
"أراد بالملك المطلق: أن يدعي الملك من غير أن يتعرض للسبب؛ بأن يقول: هذا ملكي، ولا يقول: هذا ملكي بسبب الشراء أو الإرث أو نحو ذلك؛ هذا لأن المطلق ما يتعرض للذات دون الصفات لا بالنفي ولا بالإثبات، وقُيِّد الملك بالمطلق احترازًا عن المقيد بدعوى النتاج، وعن المقيد بما إذا ادعيا تلقي الملك من واحد وأحدهما قابض، وبما إذا ادعيا الشراء من اثنين وأرّخا وتاريخ ذي اليد أسبق، فإن في هذه الصورة تقبل بينة ذي اليد بالإجماع" (١).
ومن ادعى شيئًا في يد غيره، فأنكر صاحب اليد الدعوى، ولكل واحد منهما بينة، فإن بينة المدعي تسمى بينة الخارج، وبينة المدعى عليه تسمى بينة الداخل (٢).
والدعوى في اللغة: إضافة الإنسان إلى نفسه شيئًا، ملكًا، أو استحقاقًا، أو صفقة، أو نحو ذلك (٣).
ولما كان مدار القضاء وعموده والفصل بين الخصوم هو التمييز بين المدعِي والمدَّعى عليه، اهتم الفقهاء في تعريفهما في الشرع:
فقال بعضهم: المدعي: من لا يُجبَر على الخصومة إذا تركها. والمدعى عليه: من يُجبَر على الخصومة (٤).
وقيل: المدعي: من تجردت دعواه عن أمر يصدّقه، أو كان أضعف المتداعيين أمرًا في الدلالة على الصدق، واقترن بها ما يوهنها عادة (٥).
стр. 480
وقيل: المدعي: من يدعي أمرًا خفيًا يخالف الظاهر، والمدعى عليه: من يوافق قولُه الظاهرَ (١).
وقيل: المدعي: إضافته إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره، أو في ذمته.
والمدعى عليه: مَنْ يضاف إليه استحقاق شيء عليه (٢).
وقيل المدعي: مَنْ إذا سكت عن الطلب تُرك، والمدعى عليه: مَنْ إذا سكت عن الجواب لم يُترك (٣).
لو أقام المدعي بينة على الملك المطلق، وأقام صاحب اليد بينة على أن الدار ملكُه اشتراها من المدعي.
وهذه المسألة من صور تعارض البينات.
اختلف الفقهاء فيها على قولين:
القول الأول: بينة المدعي أولى بالقبول، وهو قول الحنفية والحنابلة (٤).
القول الثاني: تُقدَّم بينة صاحب اليد، وهو قول المالكية والشافعية (٥)، واختاره الصيدلاني (٦).
стр. 481
أدلة القول الأول:
١. قول النبي ﷺ : «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» (١). فجعل البينة حجة المدّعي، وذو اليد ليس بمدعٍ، فلا تكون البينة حجته، والدليل على أنه ليس بمدع لأن المدعي: اسم لمن يُخبر عما في يد غيره لنفسه. والموصوف بهذه الصفة هو الخارج-أي المدِّعي- لا ذو اليد؛ لأنه يخبر عما في يد نفسه لنفسه، فلم يكن مدعيًا، فالتحقت ببينته بالعدم فبقيت بينة الخارج بلا معارض، فوجب العمل بها (٢).
ونوقش:
بأنَّ قول الرسول ﵊: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» يقتضي أنه ليس للمدعى عليه بينة، ولو أخذنا بظاهر الحديث لقلنا في المسألة التي ذكرتم: إنه إذا كان للمدعى عليه بينة سقطت اليمين.
وهذا لا يصح؛ لأن الرسول ﷺ جعل اليمين على المدعى عليه، وأنتم تقولون: إذا كان له بينة لا حاجة لليمين، فتبين أن الرسول ﷺ أراد دعوى فيها بينة للمدعي، وليس فيها بينة للمدعى عليه، وحينئذٍ ما يبقى إلا اليمين إذا لم يكن لديه بينة. ولم يُرد الرسول ﵊ إذا تعارضت البينتان، فإنّ مقتضى الشرع القيام بالعدل، والقيام بالعدل أن نقول: كل بينة عارضت الأخرى أسقطتها، فيبقى كأن الرجلين ليس معهما بينة، وحينئذٍ نرجع إلى الأصل، ونقول للمدعى عليه وهو الداخل: احلف، فإذا حلف قُضي بأن العين التي بيده له، وألغيت الدعوى (٣).
стр. 482
٢. ولأن بينة الخارج -المدِّعي- أظهرت له سبق الملك، فكان القضاء بها أولى، كما إذا وقتت البينتان نصًا ووقتت بينة الخارج دلالة، ودلالة الوصف أنها أظهرت له سبق اليد؛ لأنهم شهدوا له بالملك المطلق (١).
٣. ولا تحل لهم الشهادة بالملك المطلق إلا بعلمهم به، ولا يحصل العلم بالملك إلا بعد العلم بدليل الملك، ولا دليل على الملك المطلق سوى اليد، فإذا شهدوا للخارج فقد أثبتوا كون المال في يده، وكون المال في يد ذي اليد ظاهرًا ثابت للحال، فكانت يد الخارج سابقة على يده، فكان ملكه سابقًا ضرورة، وإذا ثبت سبق الملك للخارج يقضي ببينته؛ لأنه لما ثبت له الملك واليد في هذه العين في زمان سابق، ولم يعرف لثالث فيها يد وملك علم أنها انتقلت من يده إليه، فوجب إعادة يده وردّ المال إليه، حتى يقيم صاحب اليد الآخر الحجة أنه بأي طريق انتقل إليه، كما إذا عاين القاضي كون المال في يد إنسان ويدعيه لنفسه، ثم رآه في يد غيره، فإنه يأمره بالرد إليه إذا ادعاه ذلك الرجل إلى أن يبين سببًا صالحًا للانتقال إليه، وكذا إذا أقر المدَّعَى عليه أنَّ هذا المال كان في يد المدَّعي، فإنه يؤمر بالرد إليه إلى أن يبين بالحجة طريقًا صالحًا للانتقال إليه، كذلك هذا، وصار كما إذا أرَّخَا نصًا، وتاريخُ أحدهما أسبق؛ لأن هذا تاريخ من حيث المعنى (٢).
نوقش بأن:
الأصل عدم الانتقال، وحينئذٍ تبقى العين في يد المدَّعى عليه مع اليمين (٣).
٤. ولأن بينة المدَّعي أكثر فائدة، فوجب تقديمها، كتقديم بينة الجرح على التعديل. ودليل كثرة فائدتها، أنها تُثبت شيئًا لم يكن، وبينة المنكر إنما تثبت ظاهرًا تدل اليد عليه، فلم تكن مفيدة (٤).
٥. ولأن الشهادة بالملك يجوز أن يكون مستندها رؤية اليد والتصرف، فإن ذلك جائز عند كثير من أهل العلم، فصارت البينة بمنزلة اليد المفردة، فتُقدَّم عليها بينة المدعي،
стр. 483
كما تقدم على اليد، كما أن شاهدي الفرع لما كانا مبنيين على شاهدي الأصل، لم تكن لهما مزية عليهما (١).
أدلة القول الثاني:
١. قول النبي ﷺ : «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» (٢).
٢. ما ورد عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ في ناقة، فقال كل واحد منهما نُتجت هذه الناقة عندي وأقام بينة، «فقضى بها رسول الله ﷺ للذي هي في يده» (٣). فهذا يدل على أن جانب المدَّعى عليه أقوى؛ لأن الأصل معه، ويمينه تقدم على يمين المدَّعي (٤).
٣. ولأن المدَّعى عليه مع بينته زيادة علم، وهو الانتقال (٥).
٤. ولأنه عند الإطلاق مقدم، فهنا أولى (٦).
٥. جانب المدعى عليه أقوى؛ لأن الأصل معه، ويمينه تقدم على يمين المدعي، فإذا تعارضت البينتان تساقطتا، وليست إحداهما بأولى من الأخرى، ووجب إبقاء يده على ما فيها، وتقديمه، كما لو لم تكن بينة لواحد منهما (٧).
كما لو اختلف الجماعة على الإمام فقال بعضهم: سبحان الله، يريدون أن يقوم، وقال آخرون: سبحان الله، يريدون أن يجلس، قال العلماء: يسقط قولهما جميعًا، ويرجع
стр. 484
الإمام إلى ما في نفسه، وهنا لما تعارضت البينتان تساقطتا، فقلنا للخارج: نلغي بينتك وللداخل نلغي بينتك، ويبقى اليمين على مَنْ أنكر، فيحلف المدَّعى عليه بأنها له، ولم ينتقل ملكه عنها، وتكون له (١).
الترجيح:
الأدلة فيها تكافؤ، والعمل بأثر جابر بن عبد الله ﵄ أولى، وإن كان فيه ضعف، فهو أقدم ما دُوّن نصًا في المسألة، فهو قول صحابي، واحتمال صحته في نفس الأمر وارد، وإن وصل إلينا ضعيفًا، والأصل انتقال المال إلى مَنْ بيده الدار، والناقل مقدّم على الأصل، كما هو قول الجمهور والمشهور عند الأصوليين (٢)، والله أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.
* * *
стр. 485
المسألة الثانية: إذا ادعى الرجل جهةً في الاستحقاق على شخص، فلم يتعرض المدَّعَى عليه لها، واقتصر على قوله: لا يلزمني تسليمُ شيء إليك .
في الدعاوي ينبغي أن يثبت القاضي في الكتاب اسم المحكوم له، والمحكوم عليه، وكنيتهما، واسم أبويهما، وجديهما، وحليتهما، وصنعتهما، وقبيلتهما ليسهل التمييز، وإن كان مشهورًا ظاهر الصيت، وحصل الإعلام ببعض ما ذكرنا، أُكتفي به. وإذا أثبت الأوصاف كما ذكرنا، فحمل الكتاب إلى المكتوب إليه، وأحضر الحامل عنده من زعم محكومًا عليه، نُظر: إن شهد شهود الكتاب والحكم على عينه؛ لأن القاضي الكاتب حكم عليه، طولب بالحق، وإن لم يشهدوا على عينه، لكن شهدوا على موصوف بالصفات المذكورة في الكتاب، فأنكر المحضَر أن ما في الكتاب اسمه ونسبه، فالقول قوله مع يمينه، وعلى المدعي البينة على أنه اسمه ونسبه، فإن لم تكن بينة، ونكل المحضَر، حلف المدعي، وتوجه له الحكم (١).
ولو قال: لا أحلف على أنه ليس اسمي ونسبي، ولكن أحلف على أنه لا يلزمني تسليم شيء إليه، فهل تُقبل منه اليمين؟
كأن يدعي أنَّ عليه قرضًا فلم ينكر، ولكن قال: لا يلزمني تسليم شيء (٢).
اختلف الفقهاء على قولين:
القول الأول: تُقبل منه اليمين، ويدفع القضاء، وهو اختيار الصيدلاني (٣).
القول الثاني: لا تُقبل منه اليمين، ويجب عليه الحق إن ثبت كونه المسمى، وهو
стр. 486
المعتمد عند الشافعية (١).
تعليل القول الأول:
١. القياس على ما لو ادعى عليه قرضًا، فأنكر، وأراد أن يحلف على أنه لا يلزمه شيء، فإنه يقبل (٢).
ونوقش:
بالتفريق بين المسألتين؛ بأن مجرد الدعوى، ليس بحجة عليه، وهاهنا قامت البينة على المسمى بهذا الاسم، وذلك يوجّه الحق عليه إن ثبت كونه مسمى بهذا الاسم (٣).
٢. بناء على الأصل المعروف: وهو أن الرجل إذا ادعى جهةً في الاستحقاق على شخص، فلم يتعرض المدعَى عليه لها، واقتصر على قوله لا يلزمني تسليمُ شيء إليك. فهذا مقبول، واليمين بِحَسَبه مسموعةٌ (٤).
ونوقش:
كسابقه.
تعليل القول الثاني:
القياس على مَنْ يقول: أقرضتك ألفًا، وكان المدَّعى عليه اقترض الألف ولكن أداه، ولو اعترف بالأصل لا يقبل قوله في دعوى الأداء (٥).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- القول الثاني؛ لقوة تعليلهم، وضعف تعليل القول الأول، وإمكان مناقشته.
المطلب الأول: العتق
وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: عبد يملكه اثنان بالسوية، فأعتق أحدهما نصيبه من العبد، فطالب الشريكُ المعتقَ بالقيمة، فتعذرت القيمة بإفلاس أو هرب، فهل يثبت العتق؟
المسألة الثانية: إن أعتق في مرض موته عبدًا لا مال له سواه، ومات قبل موت السيد، فهل يموت كله رقيقًا، أم كله حرًا، أم ثلثه حرًا وباقيه رقيقًا؟
المسألة الثالثة: الحكم فيما لو أوصى بعتق عبيد، وكان الثلث لا يفي بهم، ولم يوص بتقديم بعضهم.
стр. 489
المسألة الأولى: عبد يملكه اثنان بالسوية، فأعتق أحدهما نصيبه من العبد، فطالب الشريكُ المعتِقَ بالقيمة، فتعذرت القيمة بإفلاس أو هرب، فهل يثبت العتق ؟
من أعتق حصته من مملوك قد اشترك في ملكه مع آخر، فإن كان المعتِق موسرًا بقيمة نصيب شريكه أو جزء منه، عتق نصيبه، ثم سرى العتق إلى باقيه بالإجماع (١)، وعليه لشريكه قيمة ما أعتق من نصيبه يوم الإعتاق. وإن كان معسرًا بقي نصيب الشريك في الرق، وليس على العبد سعاية، ولا للشريك استسعاء العبد عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: وإن كان
стр. 490
المعتق معسرًا فالشريك بالخيار إن شاء أعتق، وإن شاء استسعى (١)
العبد (٢).
قال ﷺ : «من أعتق شِركًا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قُوِّم عليه العبد قيمة عدل، فأعطى شركاءَه حصصهم، وعَتُق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق»،
стр. 491
وفي رواية: «من أعتق شِركًا له في عبد، عتق ما بقي في ماله، إذا كان له مال يبلغ ثمن العبد»، وفي رواية: «إذا كان العبد بين اثنين، فعتق أحدهما نصيبه، وكان له مال؛ فقد عتق كله»، وفي رواية: «من أعتق شركًا له في عبد، وكان له مال يبلغ قيمة العبد، فهو عتيق»، متفق عليه بهذه الألفاظ كلها (١).
وللشريك مطالبة المعتِق بالقيمة (٢).
إذا أفلس (٣)
أو هرب المعتِق فهل يبقى نصيب الشريك رقيقًا، ويبقى الحجر عليه (٤)؟
المشهور في المذاهب الأربعة: إذا أعتق نصيبه من العبد، استقر فيه العتق، ولم يسر
стр. 492
إلى نصيب شريكه، بل يبقى على الرِّق؛ فيعتق نصفه ويبقى الباقي رقيقًا (١)، وهو اختيار الصيدلاني، وقال: "ويرتفع الحجر عنه " (٢).
يعتق نصفه ويبقى الباقي رقيقًا لقوله ﷺ : «وإلا فقد عتق منه ما عتق» (٣).
أي: وإلا فإن كان المعتِق لا مال له يبلغ قيمة بقية العبد فقد تنجَّز عتق الجزء الذي كان يملكه، وبقي الجزء الذي لشريكه على ما كان عليه (٤).
ويرتفع عنه الحجر؛ إذ لا وجه لتعطيل ملكه عليه من غير بدل (٥).
* * *
стр. 493
المسألة الثانية: إن أعتق في مرض موته عبدًا لا مال له سواه، ومات العبد قبل موت السيد، فهل يموت كله رقيقًا، أم كله حرًا، أم ثلثه حرًا وباقيه رقيقًا ؟
إنَّ حُكم تبرع المريض _مرض الموت_ حكم وصيته؛ تنفّذ من الثلث، وتكون موقوفة على إجازة الورثة فيما زاد عن الثلث (١)، وحُكي في ذلك الإجماع (٢).
عن عمران بن حصين ﵄ (٣): «أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ ، فجزَّأهم أثلاثًا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرَقّ أربعة، وقال له قولًا شديدًا» (٤).
فالنبي ﷺ لم يُجِز من عتق الذي أعتق ستة مملوكين في مرضه إلا ثلثهم، ورد سائر ماله ميراثًا وهذا متفق عليه عند أهل العلم (٥).
اختلف الفقهاء في المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يعتق من العبد مقدار ثلث مال سيده، وهو قول الحنفية والحنابلة ووجه عند الشافعية (٦).
القول الثاني: تبطل الوصية، ويموت كله رقيقًا، وهو ظاهر قول المالكية ووجه عند
стр. 494
الشافعية (١)، واختاره الصيدلاني (٢).
القول الثالث: نفذ عتقه في جميعه، ويموت حرًا، وهو وجه عند الشافعية (٣).
وتظهر فائدة الخلاف في شيئين:
أحدهما: لو وهب في المرض عبدًا لا يملك غيره، وأقبضه، ومات العبد قبل السيد، فإن قلنا في مسألة العتق: يموت رقيقًا مات هنا على ملك الواهب، ويلزمه مؤنة تجهيزه.
وإن قلنا: يموت حرًا، مات هنا على ملك الموهوب له، فعليه تجهيزه. وإن قلنا بالثالث: وُزِّعت المؤنة عليهما.
الثاني: إذا كان لهذا العبد ولد من معتقه، كان ولاء الولد لموالي أمه، فإن قلنا: يموت حرًا، أنجز الولاء إلى معتق الأب، وإن قلنا: يعتق ثلثه، أنجز ولاء ثلثه. ولو أعتق في مرضه
стр. 495
عبدًا، وله مال سواه، ومات العتيق قبل موت السيد (١).
تعليل القول الأول (٢):
١. قالوا: لأنه حصل مسلَّمًا إلى العبد بنفسه.
٢. ولأنه لزم على وجه لا يصح الرجوع عنه.
٣. قالوا: فهو بمنزلة هبة أو صدقة في المرض مقبوضة، لا تبطل بموت المتصدق عليه قبل موت المتصدق.
تعليل القول الثاني:
١. لأنه مات قبل النظر في الثلث، والنظر في الثلث يكون عند موت السيد، فكأنه لم يوصَ فيه بشيء؛ لأنه لا يُقَوَّمُ ميت، ولا يُقَوَّمُ على ميت (٣).
٢. لأن ما يعتق ينبغي أن يحصل لورثة مثلاه، ولم يحصل لهم هنا شيء (٤).
ونوقش هذا القول بأنه:
لا وجه للقول بأنه مات رقيقًا؛ لأن تصرف المريض غير ممتنع على الإطلاق (٥).
تعليل القول الثالث:
يموت حرًا تنزيلًا له منزلة عتقه في الصحة (٦).