← Фикх общий

Фикх общий · id 143157

الاختيارات الفقهية لمحمد بن داود الصيدلاني

خالد بن عبد الله عفيف

Полный текст (638 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وفي رواية: «من أعتق شِركًا له في عبد، عتق ما بقي في ماله، إذا كان له مال يبلغ ثمن العبد»، وفي رواية: «إذا كان العبد بين اثنين، فعتق أحدهما نصيبه، وكان له مال؛ فقد عتق كله»، وفي رواية: «من أعتق شركًا له في عبد، وكان له مال يبلغ قيمة العبد، فهو عتيق»، متفق عليه بهذه الألفاظ كلها (١). وللشريك مطالبة المعتِق بالقيمة (٢). إذا أفلس (٣) أو هرب المعتِق فهل يبقى نصيب الشريك رقيقًا، ويبقى الحجر عليه (٤)؟ المشهور في المذاهب الأربعة: إذا أعتق نصيبه من العبد، استقر فيه العتق، ولم يسر

стр. 492

إلى نصيب شريكه، بل يبقى على الرِّق؛ فيعتق نصفه ويبقى الباقي رقيقًا (١)، وهو اختيار الصيدلاني، وقال: "ويرتفع الحجر عنه " (٢). يعتق نصفه ويبقى الباقي رقيقًا لقوله ﷺ : «وإلا فقد عتق منه ما عتق» (٣). أي: وإلا فإن كان المعتِق لا مال له يبلغ قيمة بقية العبد فقد تنجَّز عتق الجزء الذي كان يملكه، وبقي الجزء الذي لشريكه على ما كان عليه (٤). ويرتفع عنه الحجر؛ إذ لا وجه لتعطيل ملكه عليه من غير بدل (٥). * * *

стр. 493

المسألة الثانية: إن أعتق في مرض موته عبدًا لا مال له سواه، ومات العبد قبل موت السيد، فهل يموت كله رقيقًا، أم كله حرًا، أم ثلثه حرًا وباقيه رقيقًا ؟ إنَّ حُكم تبرع المريض _مرض الموت_ حكم وصيته؛ تنفّذ من الثلث، وتكون موقوفة على إجازة الورثة فيما زاد عن الثلث (١)، وحُكي في ذلك الإجماع (٢). عن عمران بن حصين ﵄ (٣): «أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ ، فجزَّأهم أثلاثًا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرَقّ أربعة، وقال له قولًا شديدًا» (٤). فالنبي ﷺ لم يُجِز من عتق الذي أعتق ستة مملوكين في مرضه إلا ثلثهم، ورد سائر ماله ميراثًا وهذا متفق عليه عند أهل العلم (٥). اختلف الفقهاء في المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: يعتق من العبد مقدار ثلث مال سيده، وهو قول الحنفية والحنابلة ووجه عند الشافعية (٦). القول الثاني: تبطل الوصية، ويموت كله رقيقًا، وهو ظاهر قول المالكية ووجه عند

стр. 494

الشافعية (١)، واختاره الصيدلاني (٢). القول الثالث: نفذ عتقه في جميعه، ويموت حرًا، وهو وجه عند الشافعية (٣). وتظهر فائدة الخلاف في شيئين: أحدهما: لو وهب في المرض عبدًا لا يملك غيره، وأقبضه، ومات العبد قبل السيد، فإن قلنا في مسألة العتق: يموت رقيقًا مات هنا على ملك الواهب، ويلزمه مؤنة تجهيزه. وإن قلنا: يموت حرًا، مات هنا على ملك الموهوب له، فعليه تجهيزه. وإن قلنا بالثالث: وُزِّعت المؤنة عليهما. الثاني: إذا كان لهذا العبد ولد من معتقه، كان ولاء الولد لموالي أمه، فإن قلنا: يموت حرًا، أنجز الولاء إلى معتق الأب، وإن قلنا: يعتق ثلثه، أنجز ولاء ثلثه. ولو أعتق في مرضه

стр. 495

عبدًا، وله مال سواه، ومات العتيق قبل موت السيد (١). تعليل القول الأول (٢): ١. قالوا: لأنه حصل مسلَّمًا إلى العبد بنفسه. ٢. ولأنه لزم على وجه لا يصح الرجوع عنه. ٣. قالوا: فهو بمنزلة هبة أو صدقة في المرض مقبوضة، لا تبطل بموت المتصدق عليه قبل موت المتصدق. تعليل القول الثاني: ١. لأنه مات قبل النظر في الثلث، والنظر في الثلث يكون عند موت السيد، فكأنه لم يوصَ فيه بشيء؛ لأنه لا يُقَوَّمُ ميت، ولا يُقَوَّمُ على ميت (٣). ٢. لأن ما يعتق ينبغي أن يحصل لورثة مثلاه، ولم يحصل لهم هنا شيء (٤). ونوقش هذا القول بأنه: لا وجه للقول بأنه مات رقيقًا؛ لأن تصرف المريض غير ممتنع على الإطلاق (٥). تعليل القول الثالث: يموت حرًا تنزيلًا له منزلة عتقه في الصحة (٦).

стр. 496

الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول بأنه يُعتق منه بمقدار ثلث مال السيد، وهو ثلث مقدار قيمة العبد في مسألتنا؛ لأنه لا مال له غيره، لحديث عمران بن حصين ﵄: «أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ ، فجزَّأهم أثلاثًا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرَقّ أربعة، وقال له قولًا شديدًا» (١). فالنبي ﷺ لم يُجِز من عتق الذي أعتق ستة مملوكين في مرضه إلا ثلثهم، ورد سائر ماله ميراثًا وهذا متفق عليه عند أهل العلم (٢). ولحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: كان النبي ﵁ يعودني وأنا مريض بمكة، فقلت: لي مال، أوصي بمالي كله؟ قال: «لا»، قلت: فالشطر؟ قال: «لا»، قلت: فالثلث؟ قال: «الثلث والثلث كثير، أن تَدَعَ ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تدعَهم عالة يتكفّفون الناس في أيديهم، ومهما أنفقت فهو لك صدقة، حتى اللقمة ترفعها في فيِّ امرأتك، ولعل الله يرفعك، ينتفع بك ناس، ويضر بك آخرون» (٣). فلا يزاد عن الثلث. * * *

стр. 497

المسألة الثالثة: الحكم فيما لو أوصى بعتق عبيد، وكان الثلث لا يفي بهم، ولم يوص بتقديم بعضهم . أجمع الفقهاء على القول بأنه لا تجوز وصية بأكثر من الثلث، وأن من وصى بأكثر من الثلث تنفّذ ثلث وصيته بعد موته، وما زاد فهو للورثة (١). والمراد من المسألة: كيف يتم تنفيذ الثلث؟ هل هو بالقرعة بين العبيد أو غير ذلك؟ القول الأول: جُزِّئوا ثلاثة أجزاء بالعدد إن تماثلوا، أو بالقيمة إن تفاضلوا، وأقرع بينهم لتتميز الحرية بها، ويُعتق منهم جزء بالقرعة، وهو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة (٢)، واختاره الصيدلاني (٣). القول الثاني: يعتق من كل واحد منهم ثلثه، ويسعى في ثلثي قيمته، وهو قول الحنفية (٤). وهناك وجه عند الشافعية بتوزيع الثلث مثل قول الحنفية، إلا أنهم لم يذكروا الاستسعاء (٥). أدلة القول الأول: ١. حديث عمران بن حصين ﵄: «أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ ، فجَّزأهم أثلاثًا، ثم أقرع بينهم،

стр. 498

فأعتق اثنين، وأرَقّ أربعة، وقال له قولًا شديدًا» (١). وهذا نص في محل النزاع، وحجة في الأمرين المختلف فيهما؛ وهما: جمع الحرية واستعمال القرعة (٢). مناقشة الحديث: ١. عمدة الحنفية في ردّ مثل هذه الأحاديث ما جرت به عادتهم من رد الآثار التي تأتي بطرق الآحاد إذا خالفتها الأصول الثابتة بالتواتر (٣). وأجيبوا (٤): أولًا: بمنع ذلك، بل هو موافق للقياس، وقياسهم فاسد؛ لأنه إذا كان ملكه ثلثهم وحده، لم يمكن جمع نصيبه، والوصية لا ضرر في تفريقها، بخلاف مسألتنا. ثانيًا: إن سلمنا مخالفته قياس الأصول، فقول رسول الله ﷺ واجب الاتباع، سواء وافق القياس أو خالفه؛ لأنه قول المعصوم، الذي جعل الله تعالى قوله حجة على الخلق أجمعين، وأمرنا باتباعه وطاعته، وحذر العقاب في مخالفة أمره، وجعل الفوز في طاعته، والضلال في معصيته، وتطرق الخطأ إلى القائس في قياسه أغلب من تطرق الخطأ إلى أصحاب رسول الله ﷺ والأئمة بعدهم في روايتهم. ثالثًا: أن الحنفية قد خالفوا قياس الأصول بأحاديث ضعيفة، فأوجبوا الوضوء بالنبيذ في السفر دون الحضر، ونقضوا الوضوء بالقهقهة في الصلاة دون خارجها؛ وقولهم في مسألتنا في مخالفة القياس والأصول، أشد وأعظم، والضرر في مذهبهم أعظم؛ وذلك لأن الإجماع منعقد على أن صاحب الثلث في الوصية وما في معناها، لا يحصل له شيء حتى يحصل للورثة مثلاه، وفي مسألتنا يعتقون الثلث، ويستسعون العبد في الثلثين، فلا يحصل للورثة شيء في الحال أصلًا، ويحيلونهم على السعاية، وربما لا يحصل منها شيء أصلًا،

стр. 499

وربما لا يحصل منها في الشهر إلا درهم أو درهمان، فيكون هذا في حكم من لم يحصل له شيء، وفيه ضرر على العبيد؛ لأنهم يجبرونهم على الكسب والسعاية، عن غير اختيار منهم، وربما كان المجبر على ذلك جارية، فيحملها ذلك على البغاء، أو عبدًا، فيسرق أو يقطع الطريق، وفيه ضرر على الميت، حيث أفضوا بوصيته إلى الظلم والإضرار، وتحقيق ما يوجب له العقاب من ربه، والدعاء عليه من عبيده وورثته. قال ابن عبد البر: "في قول الكوفيين ضروب من الخطأ والاضطراب، مع مخالفة السنة الثابتة. وأشار إلى ما ذكرناه" (١). ٢. وقال بعض الحنفية: هذا الحديث غير صحيح؛ لأن فيه أن الرجل كان له ستة أعبد قيمتهم سواء، ولم يكن له معهم شيء آخر، وهذا من أندر ما يكون. ولو ثبت فيحتمل أن الرجل أوصى إلى رسول الله ﷺ أن يعتقهم، وفي الحديث دليل عليه؛ لأنه قال: فأعتق اثنين منهم، وكان لرسول الله ﷺ أن يعتق أي الاثنين شاء منهم، فأقرع تطييبًا لقلوبهم، وذكر الجصاص (٢): أن معنى قوله: "فأعتق اثنين"، أي: قدر اثنين منهم، وبه نقول، فإنا إذا أعتقنا من كل واحد منهم ثلثه، فقد أعتقنا قدر اثنين منهم، ومعنى قوله فأقرع، أي: دقق النظر، يقال: فلان قَرِيعُ دَهْرِهِ، أي: دقيق النظر في الأمور، ودقَّقَ الحساب؛ بأن جعل قدر الرقبتين بينهم أسداسًا، هذا تأويل الحديث إن صح" (٣). ٣. قالوا: وعلى فرض قبول الحديث نوقش الحديث من أوجه: أ- أن هذا الخبر مقبول عندنا، محمول على معنى لا يخالف الأصول؛ فقد جاء في رواية "أن رجلًا في زمن النبي ﷺ أعتق أعبدًا له ستة عند موته، لم يكن له مال غيرهم،

стр. 500

فأثبتهم النبي ﵊، فأعتق ثلث ذلك الرقيق" (١). وفي رواية: "جَّزأهم رسول الله ﷺ ، وأعتق الثلث" (٢). قوله: "ثلث ذلك الرقيق"، يقتضي حقيقته ثلثًا شائعًا في الجميع، كما لو أقرّ، فقال: له ثلث هذا الرقيق: كان شائعًا في الكل، ولم يصدق على أنه أراد واحدًا بعينه (٣). ب- ليس في هذا الخبر بيان موضع الخلاف بيننا؛ وذلك لأن تلك كانت قضية من النبي ﵊ في شيء بعينه، وليس بعموم اسم يتناول ما تحته (٤). ج- نعم، الخبر مقدم على القياس، وإنما ورد الخبر في تنجيز العتق في الحياة؛ فبقّينا الوصية على القياس في اقتضاء التشريك، ورأينا بين العتق في الحياة وبين الوصية بالعتق فرقًا يقطع أحدَهما عن الثاني، ويُخرج الوصية عن كونها في معنى العتق المنجز، والفرق الذي نبديه ناشئ من عين المقصود. وبيانه أن القرعة تقتضي تكميل العتق لعبدٍ وتكميل الرق في عبد، وكأن للشرع غرضًا في رفع تبعّض الرق والحرية، وهذا لائق بحالة الحياة؛ فإن المريض لو أعتق بعضًا من عبد، وكان العبد بكماله خارجًا من الثلث، فعتقه الموجّه على بعض العبد يسري إلى كماله؛ فلم يبعد التكميل في الحياة، والقرعة تنبني عليه، والتكميل بعد الموت ممتنع؛ فإنه لو أوصى بإعتاق بعضٍ من عبد، وكان الثلث وافيًا بتمام العبد، فالعتق لا يسري من بعض العبد إلى كماله، فإذا جرت الوصية على القياس، وانقطعت عن مورد الخبر، تعين قياس الاشتراك في الوصية حتى لا يحرم البعض (٥). د- وقالوا: لا وجه لتعيين المستحق بالقرعة؛ لأن تعيين المستحق بمنزلة ابتداء

стр. 501

الاستحقاق، فإن الاستحقاق في المجهول في حكم العين كأنه غير ثابت، فكما أن تعليق ابتداء الاستحقاق بخروج القرعة يكون قمارًا، فكذلك تعيين المستحق، وإنما يجوز استعمال القرعة عندنا فيما يجوز الفعل فيه بغير القرعة كما في القسمة، فإن للقاضي أن يعين نصيب كل واحد منهم بغير قرعة، فإنما يقرع؛ تطييبًا لقلوبهم، ونفيًا لتهمة الميل عن نفسه (١). هـ- ثم إن القرعة في هذا الحديث منسوخة؛ لأن القرعة قد كانت في بدء الإسلام تستعمل في أشياء فيحكم بها فيها (٢). وأجيبوا (٣): بأن إنكارهم للقرعة غير مسلّم؛ فقد جاءت في الكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ (٥).

стр. 502

وأما السنة؛ فقال أحمد: في القرعة خمس سنن (١): أقرع بين نسائه (٢)، وأقرع في ستة مملوكين. وقال لرجلين: «استهما» (٣)، وقال: «مثل القائم على حدود الله والمداهن فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة» (٤)، وقال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، لاستهموا عليه» (٥). وفي حديث الزبير، أن صفية جاءت بثوبين؛ ليكفن فيها حمزة ﵁، فوجدنا إلى جنبه قتيلًا، فقلنا: لحمزة ثوب، وللأنصاري ثوب. فوجدنا أحد الثوبين أوسع من الآخر، فأقرعنا عليهما، ثم كفَّنَّا كل واحد في الثوب الذي صار له (٦)، وتشاح الناس يوم القادسية في الأذان، فأقرع بينهم سعد (٧). قال ابن قدامة: "وأجمع العلماء على استعمالها في القسمة، ولا أعلم بينهم خلافًا في أن الرجل يقرع بين نسائه إذا أراد السفر بإحداهن، وإذا أراد البداية بالقسمة بينهن،

стр. 503

وبين الأولياء إذا تساووا وتشاحّوا فيمن يتولى التزويج أو من يتولى استيفاء القصاص، وأشباه هذا" (١). ٢. "ومما علل به الجمهور قالوا: لأنه حق في تفريقه ضرر، فوجب جمعه بالقرعة، كقسمة الإجبار إذا طلبها أحد الشريكين، ونظيره من القسمة ما لو كانت دار بين اثنين، لأحدهما ثلثها، وللآخر ثلثاها، وفيها ثلاثة مساكن متساوية، لا ضرر في قسمتها، فطلب أحدهما القسمة، فإنه يجعل كل بيت سهمًا، ويقرع بينهم بثلاثة أسهم؛ لصاحب الثلث سهم، وللآخر سهمان" (٢). أدلة القول الثاني: ١. عن أبي قلابة «أن رجلا أعتق عبدًا له عند موته، ولا مال له غيره فأجاز رسول الله ﷺ ثلثه، واستسعاه في ثلثي قيمته» (٣).

стр. 504

ونوقش: أ- بضعفه (١). ب- على فرض صحته فإنه في عتق عبد واحد، ومسألتنا في عتق أعبد. ٢. قال السرخسي (٢): "أن العبيد استووا في سبب الاستحقاق، وذلك موجب للمساواة في الاستحقاق فلا يجوز إعطاء البعض، وحرمان البعض. ٣. كما لو أوصى برقابهم لغيرهم لكل رجل برقبة بل أولى؛ لأن ملك الوصية يحتمل الرجوع من الموصي والرد من الموصى له، وهذه الوصية لا تحتمل ذلك، فإذا لم يجز حرمان البعض هناك فهنا أولى. ٤. ثم فيما قاله الخصم ضرر الإبطال في حق بعض الموصى لهم، وفيما قلنا ضرر التأخير في حق الورثة، وضرر التأخير متى قوبل بضرر الإبطال كان ضرر التأخير أهون، وإذا لم نجد بدًا من نوع ضرر رجحنا أهون الضررين على أعظمهما، مع أنه ليس في هذا تعجيل حق الموصى له؛ لأن عند أبي حنيفة ﵀ المستسعى مكاتب فلا يعتق شيء منهم ما لم يصل إلى الورثة السعاية. ٥. وعلى قول الصاحبين، وإن تعجل العتق للعبيد، وذلك ليس بصنع منا بل بإعتاق الموصي، ولزوم تصرفه شرعًا، ولو أبطلنا حق بعض العبيد كان ذلك بإيجاب منا، ثم كلامه يشكل بما لو كان ماله دينًا على مفلس فأوصى به له، فإنه يسقط نصيبه، والباقي دين عليه إلى أن يقدر على أدائه" (٣).

стр. 505

٦. وقالوا: إنه قد أوجب السيد لكل واحد منهم العتق تامًا، فلو كان له مال لنفذ بإجماع، فإذا لم يكن له مال وجب أن ينفذ لكل واحد منهم بقدر الثلث الجائز فعل السيد فيه (١). ونوقش: بأن هذا الأصل ليس بيِّنًا من قواعد الشرع في هذا الموضع، وذلك أنه يمكن أن يقال له: إنه إذا أعتق من كل واحد منهم الثلث دخل الضرر على الورثة والعبيد المعتقين، وقد ألزم الشرع مُبعَّض العتق أن يتم عليه، فلما لم يمكن هاهنا أن يتمم عليه جمع في أشخاص بأعيانهم، لكن متى اعتبرت القيمة في ذلك دون العدد أفضت إلى هذا الأصل، وهو تبعيض العتق، فلذلك كان الأولى أن يعتبر العدد وهو ظاهر الحديث، وكان الجزء المعتق في كل واحد منهم هو حق لله، فوجب أن يجمع في أشخاص بأعيانهم أصله حق الناس (٢). الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول لحديث عمران ﵁، وهو نصٌّ في الباب، وكما قيل: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل (٣)، فلا يُنظر إلى قياس أو تعليل يخالف النص. ولا يصح التفريق بين الوصية حال الحياة، وبين العتق في مرض الموت؛ إذ يتفق الجميع على عتق الثلث فقط في كليهما، إلا أنهم اختلفوا في كيفية تجزئ العتق. * * *

стр. 506

المطلب الثاني: كتاب المكاتب وفيه ثلاث عشرة مسألة: المسألة الأولى: حكم الكتابة على دم أو ميتة. المسألة الثانية: إذا كاتب السيد المكاتب كتابة فاسدة، ثم أوصى برقبته، وكان عالماً بفساد الكتابة، فهل تصح الوصية فتفسخ الكتابة. المسألة الثالثة: حكم الكتابة فيما إذا مات رجل وخلف ابنين وعبدًا، فادعى العبد عليهما أن أباهما كاتبه، فصدقه أحدهما وكذبه الثاني، فشهد المصدِّق بالكتابة، وانضم إليه شاهد آخر. المسألة الرابعة: حكم العتق فيما إذا قبض السيد النجم الأخير للمكاتبة، وتلف ما قبضه، ثم اطلع على ما كان به من نقص، ورضي به. المسألة الخامسة: إذا أتى المكاتب بالنجوم، فقال السيد: هذا حرام، أو مغصوب، وأقام بينة بذلك. المسألة السادسة: إذا حل النجم، والمكاتب غائب، أو غاب بعد حلوله بغير إذن السيد، فإذا قلنا: (إن للسيد الفسخ إن شاء بنفسه، وإن شاء بالحاكم، وإن رفع إلى الحاكم، فلا بد أن يثبت عنده حلول النجم وتعذر التحصيل، ويحلفه الحاكم مع ذلك)، فكيف يحلفه الحاكم؟ المسألة السابعة: حكم الأروش لو مات المكاتب قبل قسمة ما في يده، وانفسخت الكتابة، وسقطت النجوم.

стр. 507

المسألة الثامنة: إذا كاتب السيد عبدين من عبيده في صفقتين أو في صفقة، وقلنا بجواز الصفقة، فإذا أقرَّ السيد أنه استوفى نجوم أحدهما، أو أنه أبرأ أحدهما، ثم مات، فلو ادعى أحد المكاتبين على الوارث الأداء أو الإبراء، فأنكر، وقال: لست المؤدي، فهل يحصل بإنكاره الإقرار للآخر؟ المسألة التاسعة: إذا اجتمع للسيد على مكاتبه نجومُ الكتابة، وأرشُ جنايةٍ كانت صدرت منه على السيد، أو على ماله، وأدى المكاتب ما في يده إلى سيده مطلقًا، ولم يتعرض واحد منهما للجهة، فإذا قال المكاتب: نويت به أداء النجوم، وأنكر السيد ذلك، وقال: بل قبضته عن الأرش. المسألة العاشرة: إذا ثبت دين المعاملة لأجنبي على مكاتب، وضاق ما في يده، فهل للأجنبي حقُّ تعجيزه؟ المسألة الحادية عشرة: إذا جنى العبد المرهون على طرف من يرثه السيد كأبيه وابنه خطأ، ومات قبل الاستيفاء وورثه السيد. المسألة الثانية عشرة: المكاتبة المشتركة بين اثنين، إذا وطئها أحدهما، وقد كان موسرًا، ثم أحبلها، وانفصل الولد حيًا، فما حكم ولد المكاتبة وقيمته؟ المسألة الثالثة عشرة: لو قال لورثته: ضعوا عن هذا المكاتب أكثرَ ما بقي عليه، ووفَّى الثلثُ واتَّسع، فإن زاد الورثة ووضعوا أكثر من الوصية، فهل كل ما يضعونه محمول على الوصية، أو هو تبرع منهم؟

стр. 508

تمهيد: الكتابة: عقد يشتري به العبد نفسه من سيده، بمال مؤجل في ذمته، مباح معلوم، يصح فيه السلم منجمًا (١). والأصل في الكتابة قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (٢). وأجمع الفقهاء على أن الرجل إذا كاتب عبده على ما يجوز، مما له عدد أو وزن أو كيل، على نجوم معروفة من شهور العرب، ويوصف ما يكاتب عليه كما يوصف في باب السلم أن ذلك جائز، واختلفوا في الكتابة على نجم واحد (٣). واتفقوا أنه إذا كاتب السيد عبده أو أمته كما ذكرنا، وأَدَّيا في نجومهما لا قبلها ولا بعدها ما كاتبهما إليه بنفسه، أو إلى وكيله في حياة السيد، على الصفة التي تعاقداها أنهما حران، كذا إذا أدى ذلك عنهما (٤). * * * المسألة الأولى: حكم الكتابة على دم أو ميتة . اتفق العلماء على أن الكتابة بما لا يحل فاسدة، واختلفوا أيقع بها عتق أم لا؟ (٥) والكتابة التي لا تصح، تنقسم عند بعض الفقهاء إلى باطلة وفاسدة. أما الباطلة: فهي التي اختل بعض أركانها، بأن كان السيد صبيًا، أو مجنونًا، أو مكرهًا على الكتابة، أو كان العبد كذلك، أو كاتب ولي الصبي والمجنون عبدهما، أو لم يجر ذكر عوض، أو ذكر ما لا يقصد، ولا مالية فيه، كالحشرات، أو اختلت الصيغة؛ بأن فقد الإيجاب أو القبول، أو لم يوافق أحدهما الآخر.

стр. 509

وأما الفاسدة، فهي التي اختلت صحتها لشرط فاسد في العوض، بأن ذكر خمرًا، أو خنزيرًا، أو مجهولًا، أو (لم يؤجله، أو لم ينجِّمه -عند بعضهم-) (١)، أو كاتب بعض العبد. وضبطها بعضهم فقال: إذا صدرت الكتابة إيجابًا وقبولًا ممن تصح عبارته، وظهر اشتمالها المالية، لكنها لم تجمع شرائط الصحة، فهي الكتابة الفاسدة، فيفسد العوض ويحصل العتق بقيمته (٢). والمسألة المراد بحثها: حكم الكتابة على دم أو ميتة. اختلف العلماء على قولين: القول الأول: الكتابة باطلة إلا إن صرح بالتعليق عليها، كقوله: "إن أعطيتني دمًا أو ميتة فأنت حر"، وهو أهل للتعليق فأعطاه دمًا أو ميتة فلا تبطل، بل يثبت لها حكم التعليق، وهو قول الحنفية، والصحيح من مذهب الشافعية، وقولٌ عند الحنابلة (٣). القول الثاني: الكتابة فاسدة، وتم عتقه، وعلى العبد قيمة رقبته، وهو قول المالكية، وهو وجه عند الشافعية والمذهب عند الحنابلة (٤)، واختاره

стр. 510

الصيدلاني (١). وعند المالكية: هذا إذا وقعت الكتابة على محرم موصوف في الذمة، فإن وقعت على معين بطلت بالكلية ولا يرجع لكتابة المثل، ولا يتبع بقيمة ولا غيرها (٢). وعند الحنابلة: لا يلزم المكاتب قيمة نفسه إذا أدى ما كوتب عليه وعتق (٣). تعليل القول الأول: ١. لأن الميتة والدم ليسا بمال في حق أحد، لا في حق المسلم ولا في حق الذمي. ألا ترى أن المشتري بهما لا يملك وإن قبض؟ ولا تنعقد عليهما المكاتبة حتى لا يعتق، وإن أدى (٤). ٢. لأن التصرف الباطل لا حكم له، فكان ملحقًا بالعدم (٥). تعليل القول الثاني: ١. لأن الكتابة جمعت معاوضة وصفة، فإذا بطلت المعاوضة، بقيت الصفة، فعتق بها (٦). ٢. وحجة الحنابلة بأنه: لا يلزم المكاتب قيمة نفسه إذا أدى ما كوتب عليه وعتق، ولم يرجع بما أداه: أ- لأنه عقد كتابة حصل العتق فيه بالأداء فلم يجب فيه تراجع، كما لو كان صحيحًا. ب- ولأن العبد عتق بالصفة فلم يجب عليه قيمة نفسه كالمعلق عتقه على صفة

стр. 511

وجدت. وما أخذه السيد فهو من كسب عبده الذي يملك كسبه فلم يجب رده (١). الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الثاني بصحة العقد مع فساد الشرط، فيعتق وعلى العبد قيمته؛ وذلك لتشوف الشرع إلى العتق، ولأنه يحصل به مراد الطرفين: العبد والسيد، وهي كتابة، فإن كان عوضها صحيحًا كانت الكتابة صحيحة، فوجب أن يكون العتق صحيحًا وإن كان عوضه فاسدًا (٢). وقياسًا على ما إذا سُمِّي في النكاح صداقًا محرمًا، كالصداق بالميتة أو الدم فمذهب عامة الفقهاء: صحة عقد النكاح مع وجوب مهر المثل (٣). * * *

стр. 512

المسألة الثانية: إذا كاتب السيد المكاتب كتابة فاسدة، ثم أوصى برقبته، وكان عالمَا بفساد الكتابة، فهل تصح الوصية فتفسخ الكتابة . إذا كاتب السيد المكاتب كتابة فاسدة، ثم أوصى السيد برقبة العبد، إما أن يكون السيد عالماً بفساد الكتابة، أو جاهلًا بها، فإن كان السيد عالماً بفساد الكتابة، وقلنا بصحة الوصية فهل تفسخ الكتابة؟ قولان: القول الأول: تفسخ الكتابة، وهو اختيار الصيدلاني (١). القول الثاني: للسيد فسخها، وهو المشهور عند الشافعية (٢). لعل تعليل القولين: لأن المكاتب عبد ما زال عليه درهم، ووصية سيده برقبته مع فساد العوض فسخ لها. ولو قيل بعدم صحة الوصية كان أوجه؛ لأن الوصية أضعف من الكتابة فلا تدخل عليها؛ لأن الأضعف لا يدخل على الأقوى، ووجه ضعفها أي الوصية صحة بيع الموصى به دون المكاتب (٣). * * *

стр. 513

المسألة الثالثة: حكم الكتابة فيما إذا مات رجل وخلف ابنين وعبدًا، فادعى العبد عليهما أن أباهما كاتبه، فصدقه أحدهما وكذبه الثاني، فشهد المصدِّق بالكتابة، وانضم إليه شاهد آخر . ظاهر مذهب الحنفية وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (١): يقبل قول العبد، وثبتت الكتابة في جميعه، وهو قول الصيدلاني (٢). فإن شهد المصدق له على الكتابة، وكان عدلًا وشهد معه شاهد ذكر، حكم للعبد بالكتابة في جميعه. وإن لم يكن المصدق عدلًا، أو لم يشهد معه غيره، فالقول قول المنكر مع يمينه: أنه لا يعلم أن أباه كاتبه، فإذا حلف له صار نصفه مملوكًا للمنكر، ونصفه مكاتبًا للمصدَّق (٣). وتعليل الفقهاء في ثبوت الكتابة للعبد جميعه، قالوا: لأن الشهادة اكتملت بشاهدين (٤)، وأجمع الفقهاء على اشتراط عدالة الشهود (٥)، لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٦). * * *

стр. 514

المسألة الرابعة: حكم العتق فيما إذا قبض السيد النجم الأخير للمكاتبة، وتلف ما قبضه، ثم اطلع على ما كان به من نقص . إذا رضي به فالعتق نافذ، وهو قول المذاهب الأربعة (١)، وقاله الصيدلاني (٢). ووجهه: أن الأرش (٣) كالعوض في الرد، والرد يكفي في سقوطه الرضا، فكذا الأرش (٤). قال الإمام ابن قدامة ﵀: "فإن كان قد رضي بذلك وأمسكها استقر العتق، فإن قيل: كيف يستقر العتق ولم يعطه جميع ما وقع عليه العقد؟ فإن ما يقابل العيب لم يقبضه فأشبه ما لو كاتبه على عشرة فأعطاه تسعة؟ قلنا: إمساكه المعيب راضيًا به رضى منه بإسقاط حقه، فجرى مجرى إبرائه من بقية كتابته" (٥). وإذا لم يرضَ به وأراد الرجوع إلى الأرش فللفقهاء في ذلك قولان: القول الأول: أن عتقه يمضي، وللسيّد الرجوع عَلَى المكاتب بمثل ذلك من الأرش إن قدر، وإلا كان عليه دينًا ولم يبطل عتقه، وهو مذهب المالكية والحنابلة (٦).

стр. 515

القول الثاني: إن لم يرض به وأراد الرجوع إلى الأرش، تبين أن العتق لم يحصل، فإذا أدى الأرش حصل العتق حينئذ، وهو مذهب الشافعية (١)، واختيار الصيدلاني (٢). تعليل القول الأول: ١. لأن الكتابة إنما تكون بغير معين، والأعواض غير المعينة إذا اطلع فيها على عيب قضي بمثلها (٣). ٢. للسيد أرشه؛ لأن إطلاق عقد الكتابة يقتضي سلامة العوض فيها، وقد تعذر رد المكاتب رقيقًا، فوجب أرش العيب؛ جبرًا لما اقتضاه إطلاق العقد (٤). ٣. لا يبطل العتق وله الأرش؛ لأن العتق إتلاف واستهلاك، فإذا حكم بوقوعه لم يبطل كعقد الخلع، ولأنه ليس المقصود منه المال فأشبه الخلع (٥). تعليل القول الثاني: ١. إنْ طلب الأرش فأدى إليه، استقر العتق. وإن لم يؤد إليه بطل العتق؛ لأن ذمته لم تتم براءتها من المال (٦). ٢. وإن طلب السيد حقه تقرر الأرش، ولم يسقط إلا بالإسقاط، لأنه حقه (٧). الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو التوسط بين القولين بأن يقال: للسيد طلب الأرش، فإن

стр. 516

أدى الأرش حصل العتق، وإن لم يؤد الأرش عتق بقدر ما أدَّى؛ لعموم قول علي ﵁ في المكاتب: «يعتق بقدر ما أدى» (١). وترجيح هذا الأثر على ما ورد: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» (٢)؛ لأن الأثر الأخير فيمن عجز عن الوفاء ببقية نجوم الكتابة، أما المسألة التي نحن بصددها في رجل استكمل النجم الأخير، وبه أُعتق، ثم ظهر للسيد عيب في نجم من النجوم، فالأصل أنه حرٌ، ولكن لما كان عتقه مشروطًا ومعلقًا بالسداد، وقد أعتق ظنًا ألَّا عيب ترجح التوسط بين العتق والوفاء بالشرط، والله أعلم. * * *

стр. 517

المسألة الخامسة: إذا أتى المكاتب بالنجوم، فقال السيد: هذا حرام، أو مغصوب، وأقام بينة بذلك . للعلماء في ذلك قولان: القول الأول: القول قول السيد، وهو مذهب الحنفية والحنابلة (١). القول الثاني: إنما تقبل البينة إذا عين للمال المنجَّم مالكًا أما إذا لم يعين، فلا تتصور البينة للمجهول، وهو قول الصيدلاني (٢). تعليل القول الأول: ١. لوجود البينة للمدعي، وهو السيد (٣). ٢. وتسمع منه هذه البينة؛ لأن في إقامتها غرضًا ظاهرًا، وهو الامتناع عن الحرام (٤). تعليل القول الثاني: لأن المكاتبة تكون على موصوف في الذمة، فلا تتصور البينة للمجهول (٥). الترجيح:

стр. 518

الذي يظهر-والعلم عند الله- أن القول الأول أقوى؛ لأن السيد هو المدعي، وقد أتى بالبينة، وقد تقوم الشهادة على سرقة المكاتب المال من رجل، وهو مجهول، وإن كان الأصل أن تكون البينة لمعلوم. * * *

стр. 519

المسألة السادسة: إذا حل النجم، والمكاتب غائب، أو غاب بعد حلوله بغير إذن السيد، فإذا قلنا: إن للسيد الفسخ إن شاء بنفسه، وإن شاء بالحاكم، وإن رفع إلى الحاكم، فلا بد أن يثبت عنده حلول النجم، وتعذّر التحصيل، ويحلِّفه الحاكم مع ذلك، فكيف يحلِّفه الحاكم ؟ يحلف الحاكم السيد بأنه ما قبض النجوم منه، ولا من وكيله، ولا أبرأه، ولا أحال به، ولا يعلم له مال حاضر، وهو ما قرره الشافعية (١)، وقاله الصيدلاني (٢). ولم أجد من نص على هذه المسألة من المالكية والحنابلة. وأما الحنفية: فلا تنفسخ الكتابة عندهم في حق الغائب، وإن كان مرتدًا في دار الحرب (٣)، بل لا يقضى عندهم على غائب بالبينة مطلقًا، إلا أن يحضر من يقوم مقامه كالوكيل والوصي، أو يكون ما يدعي على الغائب سببًا لما يدعي على الحاضر، كمن ادعى عينًا في يد غيره أنه اشتراه من فلان الغائب (٤). وقالوا: لا يقضى على غائب بالبينة سواء كان غائبًا وقت الشهادة أو بعدها، وبعد التزكية، وسواء كان غائبًا عن المجلس أو عن البلد، وأما إذا أقرّ عند القاضي، فيقضي عليه وهو غائب (٥). * * *

стр. 520

المسألة السابعة: حكم الأروش لو مات المكاتب قبل قسمة ما في يده، وانفسخت الكتابة، وسقطت النجوم . اختلف الفقهاء فيما إذا مات المكاتب قبل أداء نجوم الكتابة هل تنفسخ الكتابة، وتسقط النجوم، فيصير رقيقًا بالموت؟ على قولين؛ أحدهما: تنفسخ الكتابة، وتسقط النجوم، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (١). فعلى قول الشافعية والحنابلة هل تسقط الأروش؟ للعلماء في ذلك قولان: القول الأول: تسقط الأروش، وهو وجه عند الشافعية والمعتمد عند الحنابلة (٢). القول الثاني: لا تسقط الأروش، وهو المعتمد عند الشافعية (٣)، واختيار الصيدلاني (٤). وثمرة الخلاف أنه لو قيل بسقوط الأروش تُقدّم قضاء الديون التي على العبد لأجنبي على أروش الجنايات، ولو قيل بعدم سقوط الأروش صارت الديون والأروش سواء في أداء

стр. 521

الحقوق لأهلها، وبعضهم يقدم أرش الجناية (١). تعليل القول الأول: ١. لأن أروش الجنايات متعلقة برقبة المكاتب، وقد فاتت بتلفها (٢). ٢. ولأنها أيضًا متعلقة بما في يد المكاتب بحكم الكتابة، فقد بطلت؛ لأن الكتابة عقد معاوضة على المكاتب، وقد تلف المعقود عليه قبل التسليم (٣). ٣. القياس على العبد الجاني إذا مات، فإن جنايته هدر تسقط بموته؛ لفوات محل الحق الواجب، والجامع بينهما أن كليهما مات وهو عبد؛ فالمكاتب عبد ما بقي درهم، وقد مات وبقي عليه نجم أو أكثر لم يوف بها، فبموته صار رقيقًا (٤). تعليل القول الثاني: لأن لكل واحد من الديون وأروش الجنايات تعلقًا بالكسب، وكنا نؤخر في حياة المكاتب أرش الجناية في التعلق بالكسب لتعلقه بالرقبة، وقد فاتت الرقبة بالموت، فاستويا (٥). الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ لقوة تعليلهم. * * *

стр. 522

المسألة الثامنة: إذا كاتب السيد عبدين من عبيده في صفقتين أو في صفقة، وقلنا بجواز الصفقة (١)، فإذا أقرَّ السيد أنه استوفى نجوم أحدهما، أو أنه أبرأ أحدهما، ثم مات، فلو ادعى أحد المكاتبين على الوارث الأداء أو الإبراء، فأنكر وقال: لست المؤدي، فهل يحصل بإنكاره الإقرار للآخر؟ الوارث الذي أنكر ادعاء أحد المكاتبين الأداء أو الإبراء إما أن يقول للمدعي: لا أعلم ونحوه، فليس المنكر حينئذٍ مقرًا للآخر بلا شك (٢). والمسألة المراد بحثها فيما إذا قال المنكر في إنكاره للمدعي: "لست المؤدي" (٣). مذهب الشافعية: يحصل بإنكاره الإقرار للمكاتب الآخر بالأداء أو الإبراء (٤)، وهو قول الصيدلاني (٥). لإقرار السيد أنه استوفى نجوم أحدهما (٦). * * *

стр. 523

المسألة التاسعة: إذا اجتمع للسيد على مكاتبه نجومُ الكتابة، وأرشُ جنايةٍ كانت صدرت منه على السيد، أو على ماله، وأدى المكاتب ما في يده إلى سيده مطلقًا، ولم يتعرض واحد منهما للجهة، فإذا قال المكاتب: نويت به أداء النجوم، وأنكر السيد ذلك، وقال: بل قبضته عن الأرش . اختلف الفقهاء في المسألة على قولين: القول الأول: القول قول المكاتب مع يمينه أنه قصد ذلك، وهو الأصح عند الشافعية (١). القول الثاني: القول قول السيد، وهو وجه عند الشافعية (٢)، اختاره الصيدلاني (٣). تعليل القول الأول: القياس على ما لو كان على الحرّ نوعان من الدين، فأدى أحدُهما مطلقًا، ثم زعم أنه أراد به الدينَ الذي به الرهن، ورام فكاكه، فقوله مقبول (٤). تعليل القول الثاني: لأن للسيد تعجيزه وردُّه إلى الرق، ولا يتوقف جواز التعجيز على أن يأخذ ما في يده عن الأرش (٥). ونوقش:

стр. 524

بأن هذا غير مسلّم؛ فليس له تعجيزه (١). الترجيح: القولان فيهما تكافؤ، ولعل الأقوى القول بأن القول قول السيد؛ لأن الله تعالى جعل أصل عقد الكتابة في يد السيد، وأنه أمين في مشروعية الكتابة، قال تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (٢)، فدلّ على أن السيد مؤتمن في معرفة الخيرية بالمكاتبة، فكذلك هنا هو أمين فنرجع إلى قوله- والله أعلم- ونسبة العلم إليه أسلم. * * *

стр. 525

المسألة العاشرة: إذا ثبت دين المعاملة لأجنبي على مكاتب، وضاق ما في يده، فهل للأجنبي حقُّ تعجيزه ؟ إذا كان على المكاتب ديون مالية -كدين بيع وتجارة ونحوها- لغريم غير السيد، ولا مال للمكاتب، فهل لهذا الغريم حق في تعجيز المكاتب؛ فتفسخ الكتابة، ويرجع المكاتب رقيقًا؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: ليس له تعجيزه، وهو قول في مذهب مالك ومذهب الشافعية والحنابلة (١)، واختاره الصيدلاني (٢). القول الثاني: له تعجيزه، وهو قول الحنفية وقول عند المالكية، ورواية عن أحمد (٣). قال الحنفية: لو كان العبد قد أدى بعض الكتابة فللغرماء أن يطلبوا الكتابة، ويباع العبد لهم في دَينهم؛ فإن كان سيده قد أخذ البدل فللغرماء أن يأخذوا من المولى ما أخذ من بدل الكتابة، والعتق واقع إما من طريق المعاوضة لسلامة العوض للمولى، وإما من طريق التعليق بالشرط لوجود الشرط وهو أداء بدل الكتابة، فإن بقي من دينهم شيء كان لهم أن يضمنوا المولى قيمته، ولهم أن يبيعوا العبد ببقية دينهم، فكان لهم أن يبيعوه، ولا يرجع المولى على العبد بما أخذ منه من بدل الكتابة. ولو أرادوا رد المكاتبة، فأعطاهم المولى دينهم، أو أعطاهم ذلك المكاتب، فأبوا أن

стр. 526

يقبلوا وأرادوا رد المكاتبة لم يكن لهم ذلك؛ لأن حقهم في ديونهم، فإذا وصل إليهم كمال حقهم فقد زال المانع من نفوذ الكتابة، وهم متعنتون في الإباء؛ لأنهم يفسخون الكتابة ليبيعوه في ديونهم، وقد وصلت إليهم ديونهم، فلهذا لا يكون لهم أن يفسخوا الكتابة (١). تعليل القول الأول: ١. لأن دين المعاملة لا يتعلق برقبة المكاتب؛ بل بذمته (٢). ٢. لأنه لا يلزم من كون المكاتب لا مال له أن يعجز فتفسخ الكتابة، بل قد يكون من لا مال له قويًا على السعي، فلا تفسخ الكتابة (٣). تعليل القول الثاني: لأن دين المعاملة يتعلق برقبته (٤). الترجيح: التعليل بكون دين المعاملة له تعلق بالرقبة من عدمه تعليل في محل النزاع، ولعل الأقوى القول بعدم التعجيز؛ لأنه لا يلزم من كون المكاتب لا مال له أن يعجز فتفسخ الكتابة، بل قد يكون من لا مال له قويًا على السعي، فلا تفسخ الكتابة، والله أعلم. * * *

стр. 527

المسألة الحادية عشرة: إذا جنى العبد المرهون على طرف من يرثه السيد كأبيه وابنه خطأ، ومات المجني عليه قبل الاستيفاء وورثه السيد . إذا جنى العبد المرهون، لم يخل: إما أن يجني على أجنبي، أو على سيده، أو على من يرثه سيده، أو على عبد سيده. وإن جنى العبد المرهون على من يرثه سيده: إما على أبيه، أو ابنه، أو غيرهما، نظرت: إما أن تكون الجناية في النفس أو فيما دون النفس، وإما أن تكون عمدًا أو خطأ، والمسألة المراد بحثها: إذا جنى العبد المرهون على طرف من يرثه السيد كأبيه وابنه خطأ، ومات المجني عليه بسبب آخر (١)؛ بل أوجبت دية الطرف قبل أن يستوفي حقه، وورثه السيد، فهل يثبت للسيد على عبده استدامة الدين، أو يسقط؟ (٢) للعلماء في ذلك قولان: القول الأول: يسقط، ولا يجوز أن يثبت له على عبده استدامة الدين، وهو قول للحنفية ووجه عند الشافعية (٣)، وهو اختيار الصيدلاني (٤). القول الثاني: لا يسقط؛ بل يثبت للسيد على عبده استدامة الدين، وله بيع العبد في الجناية، كما كان للمورِّث، وهو رواية عن أبي حنيفة، ووجه عند الشافعية، ومذهب

стр. 528

الحنابلة (١). تعليل القول الأول: ١. كما أنه لا يجوز ثبوت دين للسيد على عبده، فكذلك لا يجوز استدامته (٢). ٢. لأنه بمنزلة جنايته على نفسه (٣). تعليل القول الثاني: ١. كما أنه كان يثبت لموروثه المجني عليه، فكذلك يثبت للسيد الوارث له (٤). ٢. للقاعدة الفقهية: الاستدامة أقوى من الابتداء، فجاز أن يثبت بها ما لا يثبت في الابتداء (٥). الترجيح: الراجح- والله أعلم- القول الأول؛ لأنه بمنزلة جنايته على نفسه. * * *

стр. 529

المسألة الثانية عشرة: المكاتبة المشتركة بين اثنين، إذا وطئها أحدهما، وقد كان موسرًا، ثم أحبلها، وانفصل الولد حيًا، فما حكم ولد المكاتبة وقيمته ؟ يصح مكاتبة الأمة، كما تصح مكاتبة العبد، بلا خلاف بين أهل العلم (١). وولد المكاتبة الذين ولدتهم في الكتابة، يدخلون معها في الكتابة، ويعتقون بعتقها (٢). ووطء المكاتبة محرم عند أكثر الفقهاء (٣). وإذا كانت الأمة بين شريكين فكاتباها، ثم وطئها أحدهما أُدِّب فوق أدب الواطئ؛ لمكاتبته الخالصة له؛ لأن الوطء هاهنا حرم من وجهين: الشركة والكتابة، فهو آكد، وإثمه أعظم وأدبه أكثر، وعليه مهر مثلها (٤). والمكاتبة إما أن تكون ملكًا لسيد واحد، أو مشتركة بين اثنين فأكثر، فإذا كانت مشتركة بين اثنين وقد وطئها أحدهما، فإما أن يحصل من هذا الوطء إحبالًا أو لا يحصل، فإن أحبلها، وانفصل الولد حيًا، فإما أن يكون الواطئ موسرًا أو يكون معسرًا، فإن كان موسرًا فما حكم ولد المكاتبة وقيمته (٥)؟ اختلف الفقهاء في ذلك على أقوال: القول الأول: الولد حر، ولا يضمن الواطئ من قيمة الولد شيئًا، وهو قول الحنفية،

стр. 530

والمالكية (١). القول الثاني: الولد حر، وعلى الواطئ للشريك نصف قيمة الولد، سواء أدت إليهما النجوم أو عجزت، وهو قول المالكية الشافعية والحنابلة. وعند الشافعية: ولم يسرِ الاستيلاد (٢) إلى نصيب شريكه إلا عند عجزها. وعند الحنابلة: صارت أم ولد الواطئ ولو لم تعجز، فتبقى على كتابتها (٣). القول الثالث: "والولد حر ثابت النسب، وينظر في قيمة الولد، فإن جاءت به قبل أن عجزت، فنصف قيمة الولد واجب عليه، وإن جاءت به بعد أن عجزت وأدى القيمة، فلا يلزمه من قيمة الولد شيء". وهو قول الصيدلاني بالنص (٤). وقال الإمام الجويني بعد نقله لكلام الصيدلاني: الملاحظ أن الفقهاء يكاد يجمعون على أن الولد حر ثابت النسب؛ منسوب إلى الواطئ. وقد عللوا ذلك وقالوا: لأنه لما ثبت النسب في نصفه لمصادفته ملكه ثبت في الباقي؛ لأنه لا يتجّزأ ضرورة؛ إذ الولد الواحد لا ينعلق من ماءين (٥). وأما التعليل في مسألة قيمة ولد المكاتبة:
следующие страницы →