← Фикх общий

Фикх общий · id 143157

الاختيارات الفقهية لمحمد بن داود الصيدلاني

خالد بن عبد الله عفيف

Полный текст (638 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

يقبلوا وأرادوا رد المكاتبة لم يكن لهم ذلك؛ لأن حقهم في ديونهم، فإذا وصل إليهم كمال حقهم فقد زال المانع من نفوذ الكتابة، وهم متعنتون في الإباء؛ لأنهم يفسخون الكتابة ليبيعوه في ديونهم، وقد وصلت إليهم ديونهم، فلهذا لا يكون لهم أن يفسخوا الكتابة (١). تعليل القول الأول: ١. لأن دين المعاملة لا يتعلق برقبة المكاتب؛ بل بذمته (٢). ٢. لأنه لا يلزم من كون المكاتب لا مال له أن يعجز فتفسخ الكتابة، بل قد يكون من لا مال له قويًا على السعي، فلا تفسخ الكتابة (٣). تعليل القول الثاني: لأن دين المعاملة يتعلق برقبته (٤). الترجيح: التعليل بكون دين المعاملة له تعلق بالرقبة من عدمه تعليل في محل النزاع، ولعل الأقوى القول بعدم التعجيز؛ لأنه لا يلزم من كون المكاتب لا مال له أن يعجز فتفسخ الكتابة، بل قد يكون من لا مال له قويًا على السعي، فلا تفسخ الكتابة، والله أعلم. * * *

стр. 527

المسألة الحادية عشرة: إذا جنى العبد المرهون على طرف من يرثه السيد كأبيه وابنه خطأ، ومات المجني عليه قبل الاستيفاء وورثه السيد . إذا جنى العبد المرهون، لم يخل: إما أن يجني على أجنبي، أو على سيده، أو على من يرثه سيده، أو على عبد سيده. وإن جنى العبد المرهون على من يرثه سيده: إما على أبيه، أو ابنه، أو غيرهما، نظرت: إما أن تكون الجناية في النفس أو فيما دون النفس، وإما أن تكون عمدًا أو خطأ، والمسألة المراد بحثها: إذا جنى العبد المرهون على طرف من يرثه السيد كأبيه وابنه خطأ، ومات المجني عليه بسبب آخر (١)؛ بل أوجبت دية الطرف قبل أن يستوفي حقه، وورثه السيد، فهل يثبت للسيد على عبده استدامة الدين، أو يسقط؟ (٢) للعلماء في ذلك قولان: القول الأول: يسقط، ولا يجوز أن يثبت له على عبده استدامة الدين، وهو قول للحنفية ووجه عند الشافعية (٣)، وهو اختيار الصيدلاني (٤). القول الثاني: لا يسقط؛ بل يثبت للسيد على عبده استدامة الدين، وله بيع العبد في الجناية، كما كان للمورِّث، وهو رواية عن أبي حنيفة، ووجه عند الشافعية، ومذهب

стр. 528

الحنابلة (١). تعليل القول الأول: ١. كما أنه لا يجوز ثبوت دين للسيد على عبده، فكذلك لا يجوز استدامته (٢). ٢. لأنه بمنزلة جنايته على نفسه (٣). تعليل القول الثاني: ١. كما أنه كان يثبت لموروثه المجني عليه، فكذلك يثبت للسيد الوارث له (٤). ٢. للقاعدة الفقهية: الاستدامة أقوى من الابتداء، فجاز أن يثبت بها ما لا يثبت في الابتداء (٥). الترجيح: الراجح- والله أعلم- القول الأول؛ لأنه بمنزلة جنايته على نفسه. * * *

стр. 529

المسألة الثانية عشرة: المكاتبة المشتركة بين اثنين، إذا وطئها أحدهما، وقد كان موسرًا، ثم أحبلها، وانفصل الولد حيًا، فما حكم ولد المكاتبة وقيمته ؟ يصح مكاتبة الأمة، كما تصح مكاتبة العبد، بلا خلاف بين أهل العلم (١). وولد المكاتبة الذين ولدتهم في الكتابة، يدخلون معها في الكتابة، ويعتقون بعتقها (٢). ووطء المكاتبة محرم عند أكثر الفقهاء (٣). وإذا كانت الأمة بين شريكين فكاتباها، ثم وطئها أحدهما أُدِّب فوق أدب الواطئ؛ لمكاتبته الخالصة له؛ لأن الوطء هاهنا حرم من وجهين: الشركة والكتابة، فهو آكد، وإثمه أعظم وأدبه أكثر، وعليه مهر مثلها (٤). والمكاتبة إما أن تكون ملكًا لسيد واحد، أو مشتركة بين اثنين فأكثر، فإذا كانت مشتركة بين اثنين وقد وطئها أحدهما، فإما أن يحصل من هذا الوطء إحبالًا أو لا يحصل، فإن أحبلها، وانفصل الولد حيًا، فإما أن يكون الواطئ موسرًا أو يكون معسرًا، فإن كان موسرًا فما حكم ولد المكاتبة وقيمته (٥)؟ اختلف الفقهاء في ذلك على أقوال: القول الأول: الولد حر، ولا يضمن الواطئ من قيمة الولد شيئًا، وهو قول الحنفية،

стр. 530

والمالكية (١). القول الثاني: الولد حر، وعلى الواطئ للشريك نصف قيمة الولد، سواء أدت إليهما النجوم أو عجزت، وهو قول المالكية الشافعية والحنابلة. وعند الشافعية: ولم يسرِ الاستيلاد (٢) إلى نصيب شريكه إلا عند عجزها. وعند الحنابلة: صارت أم ولد الواطئ ولو لم تعجز، فتبقى على كتابتها (٣). القول الثالث: "والولد حر ثابت النسب، وينظر في قيمة الولد، فإن جاءت به قبل أن عجزت، فنصف قيمة الولد واجب عليه، وإن جاءت به بعد أن عجزت وأدى القيمة، فلا يلزمه من قيمة الولد شيء". وهو قول الصيدلاني بالنص (٤). وقال الإمام الجويني بعد نقله لكلام الصيدلاني: الملاحظ أن الفقهاء يكاد يجمعون على أن الولد حر ثابت النسب؛ منسوب إلى الواطئ. وقد عللوا ذلك وقالوا: لأنه لما ثبت النسب في نصفه لمصادفته ملكه ثبت في الباقي؛ لأنه لا يتجّزأ ضرورة؛ إذ الولد الواحد لا ينعلق من ماءين (٥). وأما التعليل في مسألة قيمة ولد المكاتبة:

стр. 531

تعليل القول الأول: قالوا: لا يضمن ولا يغرم قيمة الولد؛ لأن النسب يثبت مستندًا إلى وقت العلوق، فلم ينعلق شيء منه على ملك الشريك (١). تعليل القول الثاني: ١. لأنه كان من سبيله أن يكون عبدًا، فقد أتلف رقّه بفعله، فكان عليه نصف قيمته (٢). ٢. ولا يلزمه قيمته؛ لأنها وضعته في ملكه (٣). تعليل القول الثالث الذي قاله الإمام الصيدلاني: لم أقف عليه، ولكن ناقش الإمام الجويني قول الصيدلاني بقوله: "وهذا لفظ الصيدلاني في كتابه. وهو خطأ صريح، ومن أحاط بما ذكرناه، لم يخفَ عليه أن ما سواه غلط، ومعنى ما ذكره أن الولد حر لا محالة، وهذا سديد، ثم قال: "فإن جاءت به قبل أن عجزت"، أراد إن ولدته، فنصف قيمة الولد واجب على المستولد. وأين هذا من التفصيل المطلوب في قيمة الولد: وأنها للمكاتبة، أو للمولى، وما وجه الاقتصار على نصف القيمة؟ ثم قال: "إن جاءت به بعد العجز وأداء القيمة عند السريان، فلا يلزمه من قيمة الولد شيء". أراد بذلك أنها إذا عجزت في باقيها ورقت، وربما فرض عجزها في النصف الذي يثبت الاستيلاد فيه ابتداء، فإذا أتت بالولد وهي مستولدة، وقد زالت الكتابة بالتعجيز، فقد تحقق الولاد في ملكه، والاعتبار بحالة الولادة؛ ولهذا قلنا لو انفصل الولد ميتًا، لم يجب الضمان، فإذا وقعت الولادة في حالة خلوصها له، فلا ضمان أصلًا. هذا ما فهمتُه من كلامه، وانقدح لي من توجيهه، وهو ليس بشيء؛ فإنا ذكرنا في قيمة الولد عند جريان الاستيلاد من أحد الشريكين في الجارية المشتركة قولين: أحدهما -

стр. 532

أنه يجب مقدار حصة الشريك من القيمة، وهذا مبني على تقدم العلوق على انتقال الملك، ثم الولادة تقع بعد هذا الحكم، وبعد الانتقال بأشهر، وكذلك الأب إذا استولد جارية الابن، وأوجبنا عليه قيمة الولد على قولٍ، فهو جارٍ على القياس الذي ذكرناه في الجارية المشتركة، وإن كانت الولادة تقع بعد انتقال الملك. وذاك الذي خيّلنا به من تشبيه انفصال الولد في ملكه بانفصاله ميتًا ليس بشيء؛ فإن الحرية إذا تحققنا تقدمها، ثم علمنا حياة الولد -والحر وإن انفصل في حالة كون الأم مملوكة- فلا حق في الحر لمالك الأم" (١). الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الثاني أن الواطئ يضمن نصف قيمة الولد؛ لأن وطء المكاتبة المشتركة غير مأذون فيه، وما ترتب على غير المأذون فهو مضمون (٢)، ولأنه لو كان الولد نتج من وطء أجنبي كان ملكًا للشريكين على قدر حصصهما، فكذلك هنا، إلا أنه اختلفت حرية الولد؛ لأنه منسوب إلى مَنْ له سيادة على أمه، وهو حر. * * *

стр. 533

المسألة الثالثة عشر: لو قال لورثته: ضعوا عن هذا المكاتب أكثرَ ما بقي عليه، ووفى الثلثُ واتَّسع، فإن زاد الورثة ووضعوا أكثر من الوصية، فهل كل ما يضعونه محمول على الوصية، أو هو تبرع منهم ؟ يشرع للسيد أن يعطي مكاتبه من مال الله الذي أعطاه بأن يحط عنه جزء مما كاتبه على دفعه قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (١). "ومال الله الذي أمر بإعطائه منه هو مال الكتابة، والقدر الذي أمر أن يعطيه منه: الربع. وقال آخرون: بل ما شاء من ذلك المولى" (٢). عن عليّ ﵁ في قول الله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قال: "ربع المكاتبة" (٣). وإذا قال السيد لورثته ضعوا عن هذا المكاتب أكثرَ ما بقي عليه من النجوم، فإنهم يضعون عنه أكثر من نصف الباقي؛ لأن أكثر الشيء ما زاد على نصفه، ولو بزيادة حبة، فإن هذا أكثر ما عليه، ويرجع تقدير الزيادة على النصف إلى اختيار الوارث (٤). فلو قال لورثته: ضعوا عن هذا المكاتب أكثرَ ما بقي عليه، ووفى الثلثُ، وكان الثلث متسعًا لأضعاف الوصية، فإن زاد الورثة ووضعوا أكثر من الوصية، فهل كل ما يضعونه محمول على الوصية، أو هو تبرع منهم؟

стр. 534

قولان: القول الأول: محمول على الوصية، وهو اختيار الصيدلاني (١). القول الثاني: تبرع منهم، وهو وجه عند الشافعية (٢). تعليل القول الأول: قالوا: لأن اسم الأكثر، كما يمكن تنزيله على النصف وأدنى زيادة، فهو محتمل لما يزيد على هذا المبلغ، فإلى الورثة أن يحملوا اللفظ على محتملاته، ولهم تنزيلُه على أقل معانيه؛ لأن اللفظ يتناول القليل والكثير (٣). تعليل القول الثاني: ما زاد على الأقل المجزئ، فهو تفضل من الورثة ابتداء؛ إذ لو اقتصروا على الأقل المجزئ، لم يجز أن يقال: إنهم نقصوا من الوصية (٤). الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الثاني؛ لقوة تعليلهم، ولأن الزيادة على الأقل المجزئ موقوف على إجازتهم، فهو تطوع وتبرع منهم. * * *

стр. 535

المطلب الثالث: أمهات الأولاد وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: حكم بيع أم الولد في حياة المولى. المسألة الثانية: حكم تزويج الكافر المستولدة إذا جوزنا تزويجها. المسألة الثالثة: على القول بجواز بيع المستولدة (أم الولد)، فهل تعتق بموت السيد؟ المسألة الرابعة: عتق أم الولد بموت المولى.

стр. 536

"أم الولد: هي التي ولدت من سيدها في ملكه. ولا خلاف في إباحة التسري ووطء الإماء؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (١)، وقد كانت مارية القبطية أم ولد النبي ﷺ (٢) وهي أم إبراهيم بن النبي ﷺ ، التي قال فيها: «أعتَقَها ولدُها» (٣)، وكانت هاجر

стр. 537

أم إسماعيل ﵇ سرية إبراهيم خليل الرحمن ﵇، وكان لعمر بن الخطاب ﵁ أمهات أولاد أوصى لكل واحدة منهن بأربعمائة (١)، وكان لعلي ﵁ أمهات أولاد، ولكثير من الصحابة. وكان علي بن الحسين (٢)، والقاسم بن محمد (٣)، وسالم بن

стр. 538

عبد الله (١)، من أمهات أولاد. وروي أن الناس لم يكونوا يرغبون في أمهات الأولاد، حتى ولد هؤلاء الثلاثة من أمهات الأولاد، فرغب الناس فيهن" (٢). وأم الولد تعتق بموت سيدها من رأس المال وجميعه (٣). والولد الذي تكون به أم ولد أن تضع ما يتبين فيه شيء من خلق الإنسان؛ من رأس، أو يد، أو رجل، أو تخطيط، سواء وضعته حيًا أو ميتًا، وسواء أسقطته، أو كان

стр. 539

تامًا (١). "فإن أسقطت شيئًا مجتمعًا لا يبين أن يكون له خلق سألنا عدولًا من النساء، فإن زعمن أن هذا لا يكون إلا من خلق الآدميين كانت به أم ولد، وإن شككن لم تكن به أم ولد" (٢). قال عمر بن الخطاب ﵁: «الأمة يعتقها ولدها، وإن كان سقطًا (٣)» (٤). وقال غير واحد من التابعين: «إذا أسقطت سقطًا بينًا، فهي من أمهات الأولاد، وإن لم يكن بينًا فهي أَمَة» (٥). "وأجمع أهل العلم على أن الرجل إذا اشترى جارية شراءً صحيحًا، ووطئها وأولدها ولدًا، أن أحكامها في أكثر أمورها أحكام الإماء" (٦). * * *

стр. 540

المسألة الأولى: حكم بيع أم الولد في حياة المولى . اختلف العلماء ﵏ في ذلك على أربعة أقوال: القول الأول: لا يجوز بيع أم الولد، وهو مذهب أكثر الفقهاء ومنهم المذاهب الأربعة (١)، وابن حزم (٢)، وهو قول عمر (٣)، وعثمان (٤)، وعائشة (٥) وغيرهم من الصحابة ﵃. القول الثاني: يجوز بيع أم الولد، وهو (مذهب داود (٦)، ومنسوب إلى الشافعي في

стр. 541

القديم (١)، وروي ذلك عن (الصديق (٢)، وابن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن ثابت) (٣)، وجابر (٤) وأنس (٥)، (وعلي (٦)، وابن عباس (٧)، وابن الزبير (٨)) (٩)، وهو اختيار

стр. 542

الصيدلاني (١). القول الثالث: أنها تحسب من نصيب ولدها؛ فإذا مات سيدها فإن ولدها يرثها مع الورثة، فيُعتق منها ما ملكه ولدها، ويسري العتق في الباقي، وهو قول لابن مسعود، وابن عباس وابن الزبير ﵃ (٢). القول الرابع: الأمة إذا أسلمت، وعفت، وحصنت، فإن ولدها يعتقها، وإن فجرت، وكفرت أو زنت رقَّت، وهو قول لعمر ﵁ (٣). أدلة الجمهور على عدم جواز بيع أم الولد: احتجوا بالكتاب والسنة والأثر والإجماع والنظر: من الكتاب: قول الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا

стр. 543

أَرْحَامَكُمْ﴾ (١). عن بريدة بن الحصيب (٢) ﵁، قال: كنت جالسًا عند عمر بن الخطاب ﵁، إذ سمع صائحة فقال: «يا يرفأ (٣)، انظر ما هذا الصوت؟ » فانطلق فنظر، ثم جاء فقال: جارية من قريش تباع أمها، قال: فقال عمر: "ادع لي أو قال: علي بالمهاجرين والأنصار"، قال: فلم يمكث إلا ساعة حتى امتلأت الدار والحجرة، قال: "فحمد الله عمر وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد فهل تعلمونه كان مما جاء به محمد ﷺ القطيعة»، قالوا: لا، قال: "فإنها قد أصبحت فيكم فاشية، ثم قرأ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾، ثم قال: وأي قطيعة أقطع من أن تباع أم امرئ فيكم، وقد أوسع الله لكم؟ " قالوا: فاصنع ما بدا لك. قال: فكتب في الآفاق: «أن لا تباع أم حر، فإنها قطيعة، وإنه لا يحل» (٤). ونوقش بأنه: إن صحَّ عن عمر، فإنه قد أشار به عليهم؛ ولهذا قال: «وقد أوسع الله لكم»، ولا يمتنع بيع أم الحرّ في صور عديدة (٥). ويمكن الإجابة عليه: إن كان الحال في نفس الأمر قد وسع الله عليهم، إلا أن كتابة عمر ﵁ في

стр. 544

الآفاق عامة، فيصبح سعة الله عليهم أشبه ما تكون بالصفة الكاشفة (١)، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص الحال والسبب (٢). ومن السنة والأثر: ١. عن سلامة بنت معقل (٣) قالت: قدم بي عمي في الجاهلية، فباعني من الحباب بن عمرو (٤) أخي أبي اليسر بن عمرو (٥)، فولدت له عبد الرحمن بن الحباب (٦)، ثم هلك،

стр. 545

فقالت امرأته: الآن والله تباعين في دينه، فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إني امرأة من خارجة قيس عيلان، قدم بي عمي المدينة في الجاهلية، فباعني من الحباب بن عمرو أخي أبي اليسر بن عمرو، فولدت له عبد الرحمن بن الحباب، فقالت امرأته: الآن والله تباعين في دينه، فقال رسول الله ﷺ : «من ولي الحباب؟ » قيل: أخوه أبو اليسر بن عمرو، فبعث إليه، فقال: «أعتقوها، فإذا سمعتم برقيق قدم علي فأتوني أعوضكم منها»، قالت: فأعتقوني، وقدم على رسول الله ﷺ رقيق فعوضهم مني غلامًا (١). وجه الدلالة: الحديث فيه دلالة على عدم جواز بيع أم الولد؛ لأن النبي ﷺ نهاهم عن البيع، وأمرهم بالإعتاق وتعويضهم عنها ليس فيه دليل على أنه كان يجوز بيعها؛ لاحتمال أنه عوضهم لما رأى من احتياجهم، أو أن العوض من باب الفضل منه ﷺ (٢). ونوقش: بضعف الحديث (٣). ٢. عن عمرو بن الحارث (٤)، قال: «ما ترك رسول الله ﷺ عند موته درهمًا ولا

стр. 546

دينارًا ولا عبدًا ولا أمة ولا شيئًا، إلا بغلته البيضاء، وسلاحه وأرضًا جعلها صدقة» (١). وجه الدلالة: فيه دلالة على أنه لم يترك مارية أم إبراهيم أَمَة، وأنها عتقت بموته ﷺ بما تقدم من حرمة الاستيلاد (٢). وقد توفيت مارية أم إبراهيم ﵂ سنة ست عشرة من الهجرة في عهد عمر بن الخطاب ﵁ (٣). ونوقش: أ. بأنه قد كان لرسول الله ﷺ أربعون مولى (٤) ما بين ذكر وأنثى، قد ذُكر أنه أعتق منهم على التعيين بضعة عشر، فمن أين لكم عتق الباقين؟ (٥) ب. هذا وقد ذكر بعضهم: أنها ماتت قبل وفاة رسول الله ﷺ بقليل؛ وعلى هذا فتسقط الدلالة بمرة (٦). ج. بأن في صحة الاستدلال بذلك وقفة لاحتمال أن يكون نجز عتقها، وإذا جاء الاحتمال سقط الاستدلال (٧).

стр. 547

د. وأيضًا: فأبو بكر الصديق كان ممن يرى بيع أمهات الأولاد (١)، فلولا أنه ﵇ نجَّز عتق مارية في حياته لَبِيعت (٢). اللهم إلا أن يقال: إنه يمتنع بيعها لمعنى آخر، وهو أنه تحرم على غيره ﷺ ، كما يحرم نساؤه على غيره ﵅؛ وحينئذ: تبقى هذه خصوصية في مارية من دون أمهات الأولاد، فلا يدل امتناع بيعها على امتناع بيع أمهات الأولاد، والله أعلم (٣). ٣. عن ابن عباس ﵄ قال: ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله ﷺ فقال: «أعتَقَها ولدُها» (٤). وجه الدلالة: معناه استحقاق العَتاقة عند الممات (٥). ونوقش أولًا: بضعفه (٦). وأجيب: أن هذا خبر صحيح السند والحجة به قائمة (٧). ونوقش ثانيًا: بأنه مخالف لرأي ابن عباس ﵄ (٨).

стр. 548

وأجيب: بأن الحجة في الرواية، لا في الرأي (١). ونوقش ثالثًا: على فرض صحته: غاية ما في معناه استحقاق العَتاقة عند الممات. وهذا لا يشهد بمنع البيع في الحياة (٢). ٤. عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما رجل ولدت أمته منه، فهي معتقة عن دبر منه» (٣). ٥. قال أبو سعيد الخدري ﵁: بينما هو جالس عند النبي ﷺ ، قال: يا رسول الله، إنا نصيب سبيًا، فنحب الأثمان، فكيف ترى في العزل؟ فقال: «أو إنكم تفعلون ذلك؟ لا عليكم أن لا تفعلوا ذلكم، فإنها ليست نسمة كتب الله أن تخرج إلا هي

стр. 549

خارجة» (١). وجه الدلالة: أن الصحابة رغبوا في التسري، وأرادوا العزل حتى لا يكون الحبل، فتكون الأمة أم ولد، فقوله: "نحب الأثمان"، يدل على أن الحمل يمنع المعاوضة، وانعقد الإجماع على منع بيعها حالة الحمل، والأصل بقاء الإجماع والمنع. فيستنبط منه منع بيع أم الولد، وأن هذا كان مشهورًا عندهم (٢). ونوقش: بأن في الاستدلال به نظر؛ إذ لا تلازم بين حملهن وبين استمرار امتناع البيع؛ فلعلهم أحبوا تعجيل الفداء وأخذ الثمن، فلو حملت المسبية لتَأَخَّر بيعها إلى وضعها (٣). ٦. حديث جبريل ﵇ فأخبرني عن أمارتها، قال: «أن تلد الأمة ربها» (٤). وجه الدلالة: قد جعل ولد الأمة ربها، وهذا يدل على أنه ربها بكل حال سواء مات الأب أو كان حيًا، فيدل على أن عتقها مضاف إلى الولد، فكان الولد هو الذي أعتق أمه حيث كان هو سبب عتقها، كما روي أن النبي ﷺ قال في مارية لما ولدت إبراهيم: «أعتقها ولدها»، وممن استدل بهذا على منع بيعهن: الإمام أحمد (٥). ونوقش: "بأن هذا الحديث ليس فيه دليل على إباحة بيع أمهات الأولاد ولا منع بيعهن، وقد استدل إمامان من كبار العلماء به على ذلك؛ فاستدل أحدهما على الإباحة، والآخر

стр. 550

على المنع، فإنه ليس كل ما أخبر ﷺ بكونه من علامات الساعة يكون محرمًا أو مذمومًا"، وإنما هو بيان لواقع (١). ٧. قول عمر ﵁: «أيما وليدة (٢) ولدت من سيدها، فإنه لا يبيعها ولا يهبها، وهو يستمتع منها ما عاش، فإن مات فهي حرة» (٣). قالوا: وأمير المؤمنين عمر ﵁ أحد من أُمرنا بالتمسك بسنته من الخلفاء الراشدين (٤). ونوقش: بأنه معارض لسنة مرفوعة، وخالفه أبو بكر الصديق وعليّ ﵄، وإذا اختلف الصحابة تخيّرنا (٥).

стр. 551

الإجماع: إجماع الصحابة ﵃ على تحريم بيع أمهات الأولاد (١). ونوقش: بأن أبا بكر الصديق (٢)، وعلي (٣)، وابن عباس (٤)، وابن الزبير (٥) كانوا يرون بيع أمهات الأولاد، وهذا يخرق الإجماع. وأجيب: بقول عليٍّ ﵁: «اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن»، قال: «ثم رأيت بعد أن يبعن»، قال عبيدة السلماني (٦): فقلت له: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحبُّ إليَّ من رأيك وحدك في الفرقة - أو قال: في الفتنة - قال: فضحك

стр. 552

علي (١). فالأولى بنا متابعتهم فيما اجتمعوا عليه قبل وقوع الاختلاف (٢). "والاجتماع حصل بعد قول عمر ﵁، فإن قيل: فكيف تصح دعوى الإجماع، مع مخالفة علي وابن عباس وابن الزبير ﵃؟ قلنا: قد روي عنهم الرجوع عن المخالفة، فقد روى عبيدة ﵁، قال: بعث إليَّ علي ﵁ وإلى شريح، أن اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أبغض الاختلاف. فهذا يدل على أنه وافق الجماعة على أنها لا تباع، واختلاف الصحابة إذا ختم باتفاق، وانقرض العصر عليه، كان إجماعًا. وابن عباس قال: ولد أم الولد بمنزلتها. وهو الراوي لحديث عتقهن، عن النبي ﷺ وعن عمر ﵁، فيدل على موافقته لهم. ثم قد ثبت الإجماع باتفاقهم قبل المخالفة، واتفاقهم معصوم عن الخطأ، فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يجوز أن يخلو زمن عن قائم لله بحجته، ولو جاز ذلك في بعض العصر، لجاز في جميعه، ورأي الموافق في زمن الاتفاق، خير من رأيه في الخلاف بعده، فيكون الاتفاق حجة على المخالف له منهم، كما هو حجة على غيره" (٣). "فإن قيل: لو كان الاتفاق في بعض العصر إجماعًا، حرمت مخالفته، فكيف خالفه هؤلاء الأئمة، الذين لا تجوز نسبتهم إلى ارتكاب الحرام؟ قلنا: الإجماع ينقسم إلى مقطوع به ومظنون، وهذا من المظنون، فيمكن وقوع المخالفة منهم له، مع كونه حجة، كما وقع منهم مخالفة النصوص الظنية، ولا تخرج بمخالفتهم عن كونها حجة، كذا هاهنا" (٤).

стр. 553

وقال بعض المانعين: هو إجماع سكوتي؛ لأنه لم يخالف عمرَ ﵁ أحد (١). ونوقش بـ: كونه لم يخالفه أحد غير مسلَّم، وقد يكون سكوتهم لأسباب؛ أرجاها هنا هيبة عمر ﵁، فلما قيل لابن عباس: "فما منعك أن تشير بهذا-يعني ترك العول- على عمر؟ فقال: هِبْتُهُ، واللهِ" (٢)، مع أنا لا نسلم أنهم سكتوا، فإنهم لم ينقرض عصرهم حتى خالفه علي وابن عباس وابن الزبير وأبي سعيد، وأيضًا فقد تقدمه الإجماع في عصر الصديق (٣). ٨. وقال المانعون: وفي بيعهن تفريق بينهن وبين أولادهن (٤)، وأجمعت الأمة في المنع من التفريق بين الأم وولدها (٥). وقالوا من جهة النظر: إن الأمة إذا حملت بالولد من سيدها فإنه ينعقد حرًّا، وفيه جزء منها، فقد عتق بعضها، ومتى عتق البعض سرى إلى جميعها، لحديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من أعتق شقصًا له في عبد، فخلاصه في ماله» (٦). وقد

стр. 554

احتج بهذا المعنى عمر بن الخطاب ﵁ (١)؛ فعن عبد الله بن قارب الثقفي (٢)، أنه اشترى من رجل جارية بأربعة آلاف قد كانت أسقطت من مولاها سقطًا، فبلغ ذلك عمر، فأتاه فعلاه بالدِّرة ضربًا، وقال: «بعدما اختلطت لحومكم بلحومهن، ودماؤكم بدمائهن بعتموهن! ! ، لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها» (٣).

стр. 555

وأجيب عن الأول (١): بأن الولد ليس جزءًا من أمِّه بمنزلة أعضائها (٢). ٩. وأيضًا فإن بيع أم ولده معرة (٣) يدخلها عليه، وليس ذلك من مكارم الأخلاق (٤). أدلة القائلين بجواز بيع أمهات الأولاد: استدلوا بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب: ١. عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٥). وجه الدلالة:

стр. 556

أنه لم يأت دليلٌ صحيح صريح في إخراج أم الولد من ذلك (١). ٢. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٢). وجه الدلالة: وأم الولد يجوز وطؤها بالإجماع، وقد سماها الله مملوكة، ولم يأت ما يخصص البيع من وجه يثبت كونه حجة (٣). ٣. "أن أبا بكر كان يبيع أمهات الأولاد في إمارته، وعمر في نصف إمارته" (٤). ٤. ما رواه جابر بن عبد الله ﵄: «كنا نبيع سرارينا وأمهات أولادنا، والنبي ﷺ فينا حي، لا نرى بذلك بأسًا» (٥). قال الحافظ ابن حجر: "وقول الصحابي كنا نفعل محمول على الرفع على الصحيح،

стр. 557

وعليه جرى عمل الشيخين في صحيحهما" (١). نوقش: بأنه "يحتمل أن يكون النبي ﷺ ، لم يشعر بذلك، ويحتمل أن ذلك كان قبل النهي أو قبل ما استدل به عمر وغيره من أمر النبي ﷺ على عتقهن، ومن فعلهن منهم لم يبلغه ذلك، والله أعلم" (٢). ويجاب عنه: أولًا: قد جاء في بعض الروايات التصريح برفع الحديث بلفظ: «لا يَرى بذلك بأسًا»، كما هو مبين في تخريج الحديث. ثانيًا: يرِدُ عليهم حديث أبي سعيد ﵁ في زكاة الفطر: «كنا نخرج زكاة الفطر ورسول الله ﷺ فينا، عن كل صغير وكبير، حر ومملوك، من ثلاثة أصناف: صاعًا من تمر، صاعًا من أقط، صاعًا من شعير» (٣).

стр. 558

وجه الدلالة: أنه قد احتج به الجمهور على إجزاء غير التمر والشعير في زكاة الفطر (١). وأجابوا على قول البيهقي "أو كان ذلك قبل النهي": أين النهي؟ ! ثم لو ثبت نهي، فأين بيان تأخره لمدعي النسخ؟ ! (٢) ونوقش حديث جابر ﵁ أيضًا: بأنه "يحتمل أنه أراد بالبيع الإجارة؛ لأنها تسمى بيعًا في لغة أهل المدينة، ولأنها بيع في الحقيقة لكونها مبادلة شيء مرغوب بشيء مرغوب، ويحتمل أنه كان في ابتداء الإسلام حينما كان بيع الحر مشروعًا ثم انتسخ بانتساخه، فلا يكون حجة مع الاحتمال" (٣). وأجيب بأثر جابر ﵁ (٤) التالي: ٥. قول جابر ﵁: «بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا، فانتهينا» (٥). وجه الدلالة: قالوا: "ما كان جائزًا في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، لم يجز نسخه بقول عمر ولا غيره، ولأن نسخ الأحكام إنما يجوز في عصر رسول الله ﷺ ؛ لأن النص إنما ينسخ بنص مثله. وأما قول الصحابي، فلا ينسخ، ولا ينسخ به؛ فإن أصحاب النبي ﷺ كانوا يتركون

стр. 559

أقوالهم لقول رسول الله ﷺ ولا يتركونها بأقوالهم، وإنما تحمل مخالفة عمر لهذا النص، على أنه لم يبلغه، ولو بلغه لم يعده إلى غيره" (١). ٦. وقال أنس ﵁: «لقد رأيتنا نتبايع أمهات الأولاد، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا» (٢). ٧. عن أبي سعيد الخدري، قال: «كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ » (٣). وقد ناقش البيهقي هذه الأحاديث، وقال: "ليس في شيء من هذه الأحاديث أن النبي ﷺ علم بذلك فأقرَّهم عليه، وقد روينا ما يدل على النهي، والله أعلم" (٤). ١. حديث جبريل ﵇ فأخبرني عن أمارتها، قال: «أن تلد الأمة ربها» (٥). وجه الدلالة: قالوا: فإذا كانت مربوبة -وهي مملوكة- جاز بيعها؛ بمعنى: أن ولد أم الولد رب لها، فيدل على أن أمه رقيقة تنتقل إلى ملكه بوفاة أبيه، فيرثها فتعتق عليه، فيكون حينئذ ربها حقيقة، وتكون قبل انتقالها إلى ولدها رقيقة حكمها كأحكام الفيء من البيع وغيره، ولولا

стр. 560

ذلك لم تورث، وإنما لا يبعن إذا مات السادة؛ لأنهن قد يصرن في التقدير ملكًا لأولادهن، فيعتقن عليهم؛ لأن الولد لا يملك والدته (١). ونوقش: "بأن هذا الحديث ليس فيه دليل على إباحة بيع أمهات الأولاد ولا منع بيعهن، وقد استدل إمامان من كبار العلماء به على ذلك؛ فاستدل أحدهما على الإباحة، والآخر على المنع، فإنه ليس كل ما أخبر ﷺ بكونه من علامات الساعة يكون محرمًا أو مذمومًا" (٢)، وإنما هو بيان لواقع. وأجيب بأن: القرينة المذكورة تقوي الاستدلال به على الجواز (٣). ٢. وقال ابن عباس ﵄، في أم الولد: «بعها كما تبيع شاتك أو بعيرك» (٤). الإجماع: حكي الإجماع على جواز بيع أمهات الأولاد، وهو بعيد جدًا (٥). وأما دليل النظر على الجواز: ١. قالوا: لأنها مملوكة، ولم يعتقها سيدها، ولا شيئًا منها، ولا قرابة بينه وبينها، فلم تعتق، كما لو ولدت من أبيه في نكاح أو غيره (٦). ونوقش:

стр. 561

بقول الرسول ﷺ : «أيما رجل ولدت أمته منه، فهي معتقة عن دبر منه» (١). وقوله ﷺ «أعتَقَها ولدُها» (٢)، وهذا يدل على أنها تعتق بالولادة. ٢. ولأن الأصل الرق، ولم يرد بزواله نص ولا إجماع، ولا ما في معنى ذلك، فوجب البقاء عليه (٣). ٣. ولما انعقد الإجماع على أنها مملوكة قبل الولادة، وجب أن تكون كذلك بعد الولادة إلى أن يدل الدليل على غير ذلك (٤). ٤. ولأن ولادتها لو كانت موجبة لعتقها، لثبت العتق بها حين وجودها، كسائر أسبابه (٥). دليل القول الثالث: قول عبد الله ابن مسعود ﵁ في أم الولد: «تعتق من نصيب ولدها» (٦). وعن ابن عباس ﵄ أنه «جعل أم الولد من نصيب ولدها» (٧). وأن عبد الله بن الزبير ﵄: جعلها في نصيب ابنها (٨). دليل القول الرابع: أن عمر ﵁ قال: "الأمة إذا أسلمت، وعفت، وحصنت، فإن ولدها يعتقها، وإن فجرت، وكفرت - أو قال: زنت - رقّت" (٩).

стр. 562

الترجيح: بعد بحث المسألة تتضح أمور، منها: ١. "لا شك في ثبوت بيع أمهات الأولاد في عهده ﷺ لهذه الأحاديث، وإنما الشك في استمرار ذلك، وعدم نهيه ﷺ عنه" (١). ٢. والراجح-والله أعلم- أن عمر ﵁ هو أول من نهى وسن تحريم بيع أمهات الأولاد، وأما قول سعيد بن المسيب: «إن الناس يقولون: إن أول من أمر بعتق أمهات الأولاد عمر ﵁، وليس كذلك، ولكن رسول الله ﷺ : أول من أعتقهن، ولا يجعلن في ثلث، ولا يبعن في دين» (٢). فلا يصح سنده (٣). ومما يدل على أولوية عمر ﵁ في ذلك عن ابن عمر، قال: لقيه نفر، فقال: من أين أقبلتم؟ قالوا: من العراق (وفي رواية من مكة)، قال: فمن لقيتم؟ قالوا: ابن الزبير قالوا: فأحل لنا أشياء كانت تحرم علينا، قال: ما أحل لكم مما حرم عليكم؟ قالوا: بيع أمهات الأولاد، قال: تعرفون أبا حفص عمر نهى أن تباع، أو توهب، أو تورث، وقال: «يستمتع منها صاحبها ما كان حيًا، فإذا مات فهي حرة» (٤). فهذه قرينة على أن عمر ﵁ هو أول من نهى عن بيع أمهات الأولاد؛ إذ لو كان النهي مرفوعًا لاستدل به ابن عمر ﵁، وهو من أقرب الناس لأبيه (٥).

стр. 563

فالمعتمد في النهي عن بيع أمهات الأولاد ما ثبت عن عمر ﵁، وإجماع التابعين ومن بعدهم على تحريم بيعها (١).

стр. 564

٣. مع عدم مخالفة أحد لعمر حين أفتى وأمر به انعقد إجماع الصحابة على عدم بيعهن (١). ومتابعة الصحابة ﵃ لعمر ﵁ إنما هي لاتفاقهم فيما رأوه، لا لأن بعضهم يقلد بعضًا تقليدًا أعمى (٢). ٤. وقد سئل عكرمة عن أمهات الأولاد، قال: «هن أحرار». قيل: بأي شيء تقوله؟ قال: «بالقرآن»، قالوا: بماذا من القرآن؟ قال: "قول الله : ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٣)، "وكان عمر من أولي الأمر، قال: عُتِقت وإن كان سقطًا (٤). ٥. فالراجح -والله أعلم- قول المذاهب الأربعة الذي هو قول عمر ﵁ المحدث الملهم، كيف لا يكون راجحًا وقد اجتمع عليه الأنصار والمهاجرين حين أفتى به، وقولهم في اجتماعهم خيرٌ وأحبُّ من قول أحدهم على انفراد، وقد طار بقوله الركبان، وصار سائرًا بين الأمصار، واجتمع عليه فقهاء الأقطار، وقد ميّز الله تعالى عمر ﵁

стр. 565

بأمور لم تكن في كثير من الصحابة ﵃؛ فقد قال فيه النبي ﷺ : «لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون (١)، فإن يك في أمتي أحد، فإنه عمر» (٢)، وقال: «إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه» (٣). وقال عبد الله بن عمر ﵄: «ما سمعت عمر، لشيء قط يقول: إني لأظنه كذا إلا كان كما يظن" (٤). وقال علي ﵁: «وما نُبْعِدُ أن السكينة تنطق على لسان عمر» (٥). وقال عبد الله بن مسعود ﵁: «ما رأيت عمر قط إلا وكأن بين عينيه ملَكًا
следующие страницы →