قال إسماعيل بن سعد (١) عن الرجل يتزوج المرأة، وفي نفسه أن يحلها لزوجها الأول، ولم يُعلِم المرأة بذلك، قال: هو محلل، إن أراد بذلك الإحلال، فهو ملعون، وهذا ظاهر قول الصحابة. (٢) وقد أخرج الحاكم، من طريق نافع قال: جاء رجل إلى ابن عمر ﵁ فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثاً، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه، ليحلها لأخيه هل تحل للأول؟ فقال: لا إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحاً على عهد رسول الله ﷺ . (٣) إذا تبين هذا، فما هو المعنى، الذي من أجله لقب بالتيس المستعار؟ ووردت الأحاديث بذمه ولعنه؟ لا شك أن توقيت هذا النكاح بزمن، وعزم الزوج على تطليق المرأة عند انتهاء المدة، هو الذي أفقده الشرعية، واستحق اللعن والذم، لأنه ليس نكاح رغبة، ولأنه عار عن المقاصد الشرعية، التي من أجلها شُرع النكاح. (٤)
فنية هذا الناكح المؤقتة، في هذا النكاح، (التحليل) والتي تعتبر سبباً لبطلان العقد، هي عين النية في النكاح الزواج بنية الطلاق (السياحي) لأن عنصر التوقيت حاصل في النكاحين، في القصد والعزم، وإن لم يُتلفظ به أثناء العقد، بل إن النكاح السياحي أسوء حالاً من حيث أن نكاح التحليل قد يكون في بعض صوره، تواطؤ الأطراف الثلاثة، الزوج الأول، والثاني، والزوجة، فتكون المرأة على علم بما هي صائرة إليه، فخلا عن الغش والتدليس، ولكنه لما كان مؤقتاً استحق فاعله الذم واللعن، ووسم عقده بالبطلان، فما بالك بالزواج بنية الطلاق! فإنه بالإضافة إلى توقيته بزمن، فيه غش وخداع للمرأة، وتغرير عليها، ومفاسد أخرى، فلا غرو أن نقول أن هذا النكاح (السياحي) أسوأ حالاً من شقيقيه نكاح المتعة، ونكاح المحلل. (٥) ورحم الله ابن القيم إذ يقول: فأي فرق بين التوسل إلى الحرام بطريق الاحتيال والمكر والخداع، والتوسل إليه بطريق المجاهرة التي يوافق فيها السر الإعلان، والظاهر الباطن، والقصد اللفظ بل سالك هذه الطريقة قد تكون عاقبته أسلم، وخطره أقل من سالك تلك من وجوه كثيرة كما أن سالك طريق الخداع والمكر عند الناس أمقت، وفي قلوبهم أوضع، وهم عنه أشد نفرة ممن أتى الأمر على وجهه، ودخله من بابه،
стр. 107
ولهذا قال أيوب السختياني وهو من كبار التابعين وساداتهم وأئمتهم في هؤلاء: يخادعون الله كما يخادعون الصبيان لو أتوا الأمر على وجهه كان أسهل عليهم. (١)
كل أوجه الوفاق هذه بين النكاح بنية الطلاق (السياحي) والنكاح المؤقت بأنواعه، لا تجعل المنصف يرى فرقاً كبيراً بينهما، وما ذكره الفريق الأول من فروق، جُلها يرجع إلى مسائل لفظية وصور شكلية في صيغة العقد.
(٣) لا يصح الاعتراض لتجويز هذا النكاح، بأن الطلاق أمر جائز، للرجل أن يوقعه متى شاء، وإذا كان كذلك فإنه يجوز له إضماره متى شاء؛ لأنا نقول: الطلاق أمر جائزٌ، ولكن بعد عقد صحيح شرعاً، لفك رباطه، وحل وثاقه، لا قبل إبرام العقد والذي سيكون لا محل له، وإضماره في الحياة الزوجية لا يضر، بخلاف إضماره قبل العقد أو أثنائه، فإن فيه معارضةً لقصد الشارع من جهة، ويشتمل على الغش والتدليس من جهة أخرى، ثم هل يسلم أن الطلاق يجوز إذا ترتب عليه إضرار بالمرأة، دون ما سبب يدعو إليه، إلا مجرد المتعة، والتنقل في مراتع الشهوات، وطلب اللذات عبر الزواج بنساءٍ عديدات؟
إن الإسلام قد جعل طلاق المرأة في حيضها، أو في طهر أُصيبت فيه، طلاقاً بدعياً، لما يترتب عليه من إضرار بالمرأة، والذي يتمثل بإطالة عدتها، فكيف إذا ترتب على هذا الطلاق أضراراً أكبر وأعظم؟ كما في النكاح السياحي، بل كيف إذا كان هذا النكاح قائمٌ أساساً على الإضرار بالمرأة، بالغش والتدليس عليها ابتداءً ورميها والتخلي عنها دون ما سبب انتهاءً؟
ليس هذا من محاسن الإسلام، ولا من أخلاق الناس في شيء، فإن الإسلام قد أعز المرأة وكرمها أيما تكريم، ثم إنه كذلك لا يصح الاستدلال بفعل أحد غير المعصوم ﷺ .
(٤) كما لا يصح الإعترض كذلك؛ بأن العزم على الطلاق لا تأثير له في حل رباط الزوجية، فإذا كان كذلك، فإنه لا تأثير له أيضاً في إبطاله أثناء انعقاده؛ لما علمنا من حرص الشارع الحكيم على بقاء هذه الرابطة، وحفاظه على قدسية النكاح، وعدم انفراط عقده، وفكاك رباطه بعد أن تم، بل رغب في بالصبر وعدم التسرع، وجعل بعض القيود التي تجعل الرجل، يتروى ولا يتسرع، فأرشد أولاً إلى الوعظ، ثم الهجر، ثم الضرب غير المبرح، ثم
стр. 108
التحكيم، وبعد كل ذلك جعل التسريح بإحسان، هو الحل الأخير؛ لهذا كله لم يؤثر ذلك العزم على ديمومة وبقاء النكاح، أما إن كان هذا العزم قبل إبرام العقد، أو أثناءه، فالمتجه شرعاً ألا يصح النكاح ابتداءً، حفاظاً على قدسية النكاح وحرمته، والحرص على عدم انفراط عقده، بعد أن تم واكتمل؛ والناظر في نصوص الشرع الحنيف، يرى مدى حرصه على ديمومة وبقاء النكاح، لهذا كان العزم الأول غير مؤثر في ديمومة النكاح وبقائه، بخلاف العزم الثاني فإنه مؤثر.
(٥) ثم إن هذا الناكح في الحقيقة، لا يريد بنكاحه هذا تحقيق أهداف ومقاصد النكاح التي شُرع من أجلها، بل يريد المتعة، وحصول اللذة فحسب، قال ابن القيم: فمن ليس له قصد في الصحبة، ولا في العشرة، ولا في المصاهرة ولا في الولد ولا المواصلة ولا المعاشرة ولا الإيواء؛ بل قصده أن يفارق لتعود إلى غيره؛ فالله جعل النكاح سببا للمواصلة، والمصاحبة والمحلل جعله سببا للمفارقة، فإنه تزوج ليطلق، فهو مناقض لشرع الله ودينه وحكمته فهو كاذب في قوله تزوجت، بإظهاره خلاف ما في قلبه، وبمنزلة من قال لغيره وكلتك أو شاركتك، أو ضاربتك أو ساقيتك، وهو يقصد رفع هذه العقود وفسخها، وقد تقدم أن صيغ العقود إخبارات عما في النفس من المعاني، التي هي أصل العقود، ومبدأ الحقيقة التي بها يصير اللفظ كلاما معتبراً، فإنها لا تصير كلاماً معتبراً إلا إذا قرنت بمعانيها، فتصير إنشاء للعقود والتصرفات من حيث إنها هي التي أثبتت الحكم، وبها وجد، وإخبارات من حيث دلالتها على المعاني التي في النفس، فهى تشبه في اللفظ أحببت، أو أبغضت وكرهت، وتشبه في المعنى قم واقعد، وهذه الأقوال إنما تفيد الأحكام إذا قصد المتكلم بها حقيقة أو حكماً ما جعلت له، وإذا لم يقصد بها ما يناقض معناها .. (١) وليت الأمر يقف هنا، بل يتعدى إلى الإضرار بالمرأة، وأوليائها، والمجتمع كله، وكل ذلك باسم النكاح المشروع، بل وصل بالبعض منهم، أن تزوج في صيف واحد، بأربع فتيات، يقضي مع الواحدة منهن شهراً واحداً، أو أقل أو أكثر بقليل، بحثاً عن لذته وقضاء وطره (٢)، أين هذا من أهداف النكاح ومقاصده؟ لكنه التلاعب بهذه الرابطة المقدسة، تحت ستار حلية الزواج السياحي وشرعيته.
стр. 109
(٦) إن لنا أن ندرك أحوال مجتمعاتنا اليوم، وما وصلت إليه من ضعف وانعدام للمصداقية والضمير، وتهافت على المادة ـ إلا ما رحم ربي ـ جراء ما وصلت إليه شعوبنا من أحوال اقتصادية رديئة، كل ذلك وغيره يجعل استيعاب أمثال هذه النساء المطلقات من مثل هذا الزواج وكذا أولادهن، أمراً صعباً وشاقاً للغاية، فما ذنب المرأة ومن تعول أن يرميها زوجها، دون ما ذنب لها في مجتمعٍ لا يرحم؟ لتظل مرهونة بعوامل الضعف من الفقر، والقهر، والتعرض للانحلال والفساد والإفساد، وقد رأينا العديد من هذه الضحايا في المجتمع؛ إن وضع المرأة اليوم قد تغير، وما عادت مجتمعات اليوم تستوعب مثل هذه الإفرازات، لقد أصبح الطلاق بالنسبة للمرأة عبارة عن إعدام لحياتها الزوجية، ونادراً ما يتقدم إنسان لخطبتها مرة أخرى، وعليها بعد ذلك أن تتحمل أعباء الحياة وقساوتها، بكل ما تحمل من تخوف على كرامتها وعفتها، والتي حفظتها لها الشريعة عبر الأزمان.
وعليه فإن القول بجواز هذا النوع من النكاح، لا يتواءم مع مقاصد الشرع الحنيف، وما عُلم من تكريمه للمرأة، وقد قال ﷺ "اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله " (١) ناهيك عن ما ينتج من مفاسد محققة من وراء هذا النكاح، كما أظهرت الدراسات الميدانية، وما فيه من مقاصد وغايات، تتناقض مع مقاصد الشارع الحكيم في هذه الرابطة الإنسانية العظيمة، من إنشاء الأسفار بغرض السياحة الجنسية والاستمتاع، وتعطيل للإنجاب، ومنع التناسل، وما يجر وراءه من عداءات بين أفراد المجتمع الواحد خاصة، وبين الشعوب والمجتمعات عامة، وبخاصة عندما يصبح هذا النكاح ظاهرة مستفحلة في المجتمع، يجني من ورائها تلك المفاسد.
стр. 110
وإن كنت قد خالفت في ذلك قول الجمهور، إلا أن تلك الأقوال كانت ضمن نظام اجتماعي لا أظنها اليوم، تتوافق مع هذا النظام الذي نعيشه، لتحقق مقاصد الشرع الحنيف، بل أستطيع القول، أنهم لو كانوا في واقعنا هذا، وشاهدوا تلك المفاسد، والأضرار، والتي تفتح باب الطعن، والتشويه (١) لهذا الدين، لما كان منهم إلا أن يمنعوا أمثال هذه الأنكحة، لأن جلب المصلحة، ودفع المفسدة، هي روح هذا الدين، كما هي رائدهم ومبتغاهم جميعاً، وحسبي أني اجتهدت في دراسة هذه الظاهرة من خلال الواقع، وأثرها على المجتمع، وربطها بأحكام ومقاصد الشرع الحنيف. والله أعلم، ، ،
стр. 111
المطلب السادس: نظرة في القانون اليمني
صدر قرار وزير الداخلية اليمني، رقم (٣٠٥) لسنة ١٩٩٥ م بشأن تنظيم الزواج المختلط، والذي ينص في المادة التاسعة من الفصل الثالث منه، على الآتي:
لا يجوز إبرام عقد زواج الأجنبي، من امرأة يمنية إلا بعد الحصول على إذن بذلك من الوزير، بعد استيفاء الشروط التالية:
أولاً: بالنسبة للأجنبي
(١) أن يكون مسلم الديانة.
(٢) أن يكون مقيماً إقامة شرعية، في الجمهورية.
(٣) أن لا يكون متزوجاً.
(٤) أن يحصل على إذن من سلطات بلاده، بالسماح له بالزواج.
(٥) أن يكون من رعايا دولة لا تكون في حالة عداء مع الجمهورية اليمنية.
ثانياً: بالنسبة للمرأة اليمنية
(١) موافقة ولي الأمر.
(٢) صورة من البطاقة الشخصية أو العائلية.
(٣) ثلاث صور شمسية.
المادة العاشرة: عند استيفاء المستندات المبينة في المادة السابقة، تعطى لطالب الزواج استمارتين، نموذج (ج، د) حيث يلزم من الأجنبي تعبئة الاستمارة نموذج (ج) والتصديق عليها من السلطات المتخصصة في بلده، أو البعثة الدبلوماسية، أو القنصلية، في الجمهورية اليمنية، وتقوم المرأة بتعبئة الاستمارة نموذج (د) والتصديق عليها من الجهة المختصة، في الجمهورية اليمنية، أو من البعثة الدبلوماسية، أو القنصلية، إن كانت مقيمة بالخارج.
بعد استيفاء كل تلك الشروط يصدر الإذن بالموافقة، كما جاء في المادة الثامنة من هذا القرار، والتي تنص على الآتي:
стр. 112
يصدر الإذن بالموافقة من الوزير، أما إذا كان طلب الإذن يتم خارج الجمهورية، فيصدر من رئيس البعثة الدبلوماسية، أو القنصلية، إضافة إلى طلبات في المادة السادسة، من هذا القرار وهي:
(١) صورة من البطاقة الشخصية، أو جواز السفر.
(٢) إثبات ما يفيد أن طالب الإذن غير متزوج.
(٣) ثلاث صور شمسية.
من خلال تلك الشروط، نستطيع القول، بأن القانون حرص على الآتي:
أولاً: ضمان حقوق المرأة، وخاصة إذا هرب الزوج إلى دولته، عبر متابعته، من خلال، القنوات الرسمية، والتي بدونها لا تستطيع المرأة عمل أي شيء، خاصة إذا كان قانون دولة الزوج، لا يسمح بالترافع ما لم يوَافق على زواجه رسمياً عبر السفارة أو من يمثلها.
ثانياً: التأكد من نية ومصداقية الرجل الطالب للزواج، أنه لا يريد مجرد المتعة الآنية والمؤقتة، بل يريد الزواج الشرعي الدائم، عبر اتخاذ الإجراءات والخطوات المبينة في القانون.
ثالثاً: حماية البلاد من الناحية الأمنية، والتأكد من أن الشخص، غير مطلوب أمنياً، أو غير مسموح له بالإقامة.
ومن خلال ذلك كله نستطيع القول أن القانون، لا يسمح بقيام هذا النوع من الزواج (السياحي) وإن لم ينص صراحة على ذلك، برهان ذلك تلك القيود والضوابط التي بينها، والتي تعتبر بمثابة الضمانات، والاحتياطات، التي تحد من وقوعه، وإن كان الأمر يحتاج في نظري، إلى سَن عقوبات على الوسطاء، وكل من تكون له يد، في مثل هذا النوع من الزواج.
ثم إنه لابد من التنبيه على أمر مهم، في القرار السابق، في المادة التاسعة منه، عند ذكر الشروط، بالنسبة للأجنبي، في الفقرة (ج)، والتي تشترط في الأجنبي، أن لا يكون متزوجاً، فإن هذا الشرط، مخالف للشريعة، ولا مبرر لاشتراطه في الواقع، فإن الشرع الحنيف أجاز للمسلم أن يتزوج بأربع نساء، اللهم إلا إن كان مراد تلك الفقرة، ألا يكون متزوجاً بأربع، فإن هذا هو المشروع، كما هو معلوم.
стр. 113
أما في حالة تحرير عقد الزواج، دون استيفاء الشروط، القانونية السابقة، فإن الأمين الشرعي، (المأذون) يعرض نفسه، للتحقيق، وفقاً لنص المادة (١٦) من قانون التوثيق، وتتخذ بشأنه الإجراءات التأديبية، من قِبل لجنة الأمناء، في محكمة الاستئناف، والعقوبات الواجب توقيعها، على الأمين تتمثل بالآتي:
(١) الإنذار الكتابي.
(٢) الغرامة التي لا تقل عن ألف ريال، ولا تزيد عن خمسة آلاف ريال.
(٣) المنع من مزاولة المهنة، مدة لا تقل عن شهر، ولا تزيد عن ستة أشهر.
(٤) سحب الترخيص.
وفي حالة الاستمرار في المخالفة، يعرض الأمر على لجنة التأديب، لاتخاذ العقوبات المناسبة، بما فيها سحب الترخيص نهائياً. (١)
وفي نهاية هذا البحث ملحق مصور بالإجراءات القانونية، التي تتبع في هذا النكاح، ونماذج منها.
وأخيراً
فنحن إذ نتكلم عن هذا النوع من الأنكحة، لا نقصد تحريم، أو منع الزواج، بين اليمنيات، وإخواننا من أصحاب الجنسيات المختلفة، كلا، فالكل داخل تحت إطار قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢) ولكن لا بد من ضمانات، تؤكد لنا صدق نية هذا الزوج، وسلامة قصده، (لِما رأينا من أحوال الكثير منهم)، وتتمثل هذه الضمانات، بتلك الإجراءات القانونية السابقة، حتى لا يتكرر وقوع تلك العقود الفاسدة وما يترتب عليها من مفاسد، وأضرار.
стр. 114
المطلب السابع: الآثار الشرعية المترتبة على النكاح بنية الطلاق (السياحي)
سبق وأن تقرر أن الراجح من أقوال أهل العلم، في النكاح بنية الطلاق (السياحي الصيفي) أنه نوع من أنواع نكاح المتعة المؤقت، المحرم في الشريعة الإسلامية.
وبناءً على ذلك فإن الآثار المترتبة علية، هي نفس الآثار المترتبة على نكاح المتعة المؤقت، والذي يعتبر نكاحاً فاسداً وباطلا، وتتمثل هذه الآثار بالآتي:
أولاً: لا حد على مرتكبه، لمكان الشبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، كما سبق بيانه، ولكن يعزران أدباً، إن علما بالتحريم. (١)
ثانياً: للمرأة المهر، إن كان دخل بها، لقول النبي ﷺ " فأن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها" (٢) لكنهم اختلفوا هل المسمى، أم مهر المثل. (٣)
ثالثاً: وجوب العدة على المرأة، بعد التفريق بينهما، وتبدأ من وقت التفريق، وذلك صيانة للأرحام من أن تختلط فيها الأنساب. (٤)
رابعاً: لحوق الولد بهما، لأن المرأة صارت بهذه الإصابة التي فيها الشبهة، فراشاً، ولأن النسب يحتاط في إثباته، إحياءً للولد، ومحافظة عليه. (٥)
خامساً: يلزم بهذه الإصابة حرمة المصاهرة، قال ابن المنذر ﵀ بالإجماع (٦).
سادساً: وجوب التفريق بينهما، بغير طلاق، لأنه ليس بينهما نكاح صحيح، ولو وطء بعد التفريق، لزمه الحد. (٧)
سابعاً: لا يثبت به ميراث، بين الزوجين، لأنه ليس بينهما نكاح صحيح. والميراث أثر من آثار النكاح الصحيح. والله أعلم، ، ،
стр. 115
المبحث الرابع: النكاح بغير علم الولي
تمهيد
هذا هو النوع الثالث من أنواع النكاح العرفي، والتي كان لها صدى واسع، أوساط المجتمعات، حيث جعله البعض عرفاً لهم في علاقاتهم، أمام ضغط الواقع، وظروف المعيشة، لتجاوز بعض الأعراف والعادات التقليدية، كما يزعمون، والخروج بحل شرعي، (كما يعتبره البعض) أو واقعي، (كما يعتبره البعض الآخر) أمام ما يعانون من إثارة للشهوات، وتفسخ في الأخلاق؛ كما أن إطلاق تسمية العرفي عليه من باب التجوُّز، إذ أن العرفي نسبة إلى العرف، والعرف ما تعارف عليه الناس في حياتهم، وأصبح معروفاً لهم، غير منكر، كما مر معنا ولكنه قد يكون عرفاً نسبياً، بمعنى أنه يكون عرفاً خاصاً، يتعارف عليه أفراد، أو مجموعة من الناس فقط، أو بمعنى أنه غير موثق رسمياً، ولذا تسامح الناس في إطلاق هذه التسمية عليه.
وسنقسم هذا المبحث إلى خمسة مطالب بحسب ما اقتضته منهجية البحث:
стр. 116
ـ
المطلب الأول: تعريف النكاح بغير علم الولي
نستطيع تعريف هذا النوع من الأنكحة، والتي سقط منها بعض شروط الصحة بأنه: " عقد زواج، تُنكِح فيه المرأةُ نفسها، أو توكل فيه غير وليها ".
من خلال هذا التعريف، يتضح أن هذا النوع من الأنكحة، يكون عبر طريقين: ... الأول: أن تتولى فيه المرأة العقد لنفسها.
الثاني: أن توكل غير وليها، في إنكاحها.
وكلا النوعين يفتقران إلى حضور الولي، في عقد النكاح لموليته، وتوليه لذلك العقد، ولذا فإن الكلام على كلا النوعين، سيكون في موطن واحد، إذ أنه إذا ثبت شرطية الولي، بطل تولية المرأة، وكذا غيرها ممن توكلهم، من باب الأولى، أما من هم الأولياء، وما ترتيبهم، فقد تكلمنا عنهم بنوع من التفصيل، في الفصل الأول. (١)
* ويمكن أن نبرز أهمية اعتبار الشارع الحكيم، للولي كشرط صحة في عقد النكاح من خلال النقاط التالية:
(١) أن المرأة بطبيعتها ضعيفة، تغلب عليها العاطفة، فسرعان ما تنخدع بالرجال، فيكون الضرر عليها بالغاً، بخلاف ما إذا كان لها وليٌ، ينظر في أمرها، ومن يتقدم لها.
(٢) ضمان حقوق المرأة، وصيانتها، عن أن تتلاعب بها الأيدي، لمجرد المتعة، وقضاء الوطر، وذلك لما في الولي من الحرص على موليته.
(٣) اعتبار حق الأولياء في مولياتهم، لكونهم سيتحملون تبعات الزواج، ونتائجه، ولحوق العار بهم، إن كان الزوج غير كفء.
стр. 117
المطلب الثاني: أسباب انتشار النكاح بغير علم الولي
من الطبيعي أن نجد أسباباً لأي ظاهرة في المجتمع، إذ أن الظاهرة هي نتيجةً لأسباب وعوامل عديدة، تظافرت جميعها لتشكل في النهاية ظاهرة، ونستطيع أن نبين بعض هذه الأسباب التي أدت إلى انتشار هذا النوع من الأنكحة على سبيل الإيجاز، على النحو التالي:
١) الجهل: فإنه مما لا شك فيه أن الجهل داء عضال، وقد شبهه الله بالعمى، قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (١) وشبهه الله أيضاً بالظلمات فقال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ (٢) فالجهل بأحكام الدين عامة، وأحكام الزواج خاصة، أدى إلى ظهور هذه الظاهرة، وسرعة انتشارها بين الشباب، حتى أصبح البعض يعتقد أموراً محرمة في الدين، حلالاً جهلاً منه بأمور دينه، وخاصة في زمننا هذا، حين انصرف المسلمون ـ إلا ما رحم الله ـ عن دينهم، وأقبلوا على دنياهم، فالله المستعان.
٢) ضعف الإيمان: قد يعلم البعض حرمة هذا الزواج، ولكنَّ علمه هذا وإيمانه لا يحجزانه، عن الوقوع في المحضور، وخاصة إذا كانت، نار الشهوة قد تأججت، والطريق إلى المعصية قد تعبدت، وهذا ما تعاني منه أمتنا اليوم، ونحن هنا نعني بضعف الإيمان ما يعبر عنه أحياناً، بضعف الوازع الديني، وانعدام الضمير، وغيرها، إذ أن ضعف الإيمان هو السبب الرئيسي لانحطاط وتخلف المسلمين اليوم.
٣) ضعف رقابة الأسرة: وخاصة الأبوين، وهذا يعد من أهم أسباب انتشار الزواج العرفي، وكذلك السري، فأين رقابة الأب والأم، على فلذات أكبادهم؟ وقد جعلهما الشارع الحكيم، مسؤلَين عن أبنائهما، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٣). وقال
стр. 118
النبي ﷺ : "كلكم راع وكلكم مسؤل عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤل عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤل عنهم، والمرأة راعية في بيتها وهي مسؤلة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤل عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤل عن رعيته". (١)
٤) غلاء المهور: لاشك أن غلاء المهور من أهم أسباب انتشار الزواج العرفي، بما في ذلك ارتفاع تكاليف التجهيز، والإعداد لحفلات الزفاف، وكل ذلك يُثقل كاهل الزوج، ويجعل التفكير بالزواج حلماً صعب المنال عند شبابنا اليوم، في ظل ظروفٍ معيشية عصيبة، وخاصة إذا كانت للمجتمع أعراف واعتبارات أخرى لابد من مراعاتها، من إتمام الدراسة للشاب، أو للفتاة، وتحصيل ما يسمى بالوظيفة، وغيرها من الاعتبارات، كل ذلك يعمل على النيل من رابطة الزواج، والحيلولة دون إقامته، مما يجعل البعض من الشباب، يبحثون عن طريق آخر، بعيداً عن كل هذه القيود والاعتبارات، في محاولة منهم لإرواء الغريزة وقضاء الوطر، في مجتمع قلت فيه الحشمة، وذهب الحياء.
٥) التبرج والاختلاط: التبرج هو إبداء المرأة جسدها للرجال، عبر نزعها للباسها، أو لبس ما يصف، أو يشف كل ذلك نهى عنه الشارع الحكيم، لما يترتب عليه من المفاسد العظيمة، ... قال الله تعالى آمراً للنساء: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)﴾ (٢) فكيف إذا صاحب هذا التبرج اختلاط بين الجنسين، في المدرسة، أو الجامعة، أو الوظيفة والعمل، إن هذا التبرج المصحوب بالاختلاط، يعبد طريق الفاحشة، ويجعل الوصول إليها سهلاً ميسوراً، وما الزواج العرفي، إلا أثر من آثار هذا الاختلاط والتبرج، الذي يثير الغريزة، ويؤجج نار الشهوة.
٦) الفساد الإعلامي: قد لا نبالغ إن قلنا أن الأعلام اليوم، هو الذي يتولى تربية الكثير من أبناء المسلمين، عبر وسائله المرئية، والمقروءة، والمسموعة؛ وما يعرض ليلاً ونهاراً عبر القنوات الفضائية، يشكل ناقوس خطر، يقرع أبواب الأخلاق، والعفاف، ويغرس في الأذهان حرية العلاقة بين الجنسين، عبر المسلسلات، وسيناريوهات الأفلام، ليجني بعد ذلك ثمر هذا
стр. 119
الغراس، أفراد المجتمع كله شوكاً وحنظلاً، وإن ما يُسمع اليوم من وقائع وأحداث، يشكل نتيجةً طبيعية، لما يتربى عليه أبناؤنا، وقد أشارت دراسة أقامها الأستاذ الدكتور أحمد يحيى عبد الحميد، الأستاذ بكلية التربية بجامعة قناة السويس بمصر، أشارت أن الانفتاح الإعلامي والتبعية الثقافية الإعلامية، في ظل ثورة الاتصالات، وغياب الرقابة، وزيادة البحث عن المجهول، من المعرفة الجنسية، وخاصةً أن الثقافة الزوجية، والأسرية لا تحضى بالقدر الكافي من الاهتمام، والرعاية من وسائل الإعلام، على اعتبار أنها من المحرمات الثقافية، أن ذلك كله من أهم أسباب انتشار ظاهرة الزواج العرفي. (١)
٧) بعض القيود القانونية: إن بعض الدول العربية، والتي ينتشر فيها هذا النكاح بشكل كبير، لو نظرنا إلى قوانينها لوجدنا أن لها دوراً ملحوظاً، في انتشار هذا النوع من النكاح، فمنها مثلاً ما يلزم الزوج إعلام زوجته إذا ما أراد الزواج بأخرى، كما أباح هذا القانون للزوجة الأولى، حق طلب الطلاق إذا ما وقع عليها أي ضرر، مادي أو معنوي، بشرط عدم مرور عام على معرفتها بزواج زوجها؛ بناءً على ذلك يجد الزوج نفسه مدفوعاً، إلى الزواج العرفي السري، خوفاً مما يترتب على الزواج الرسمي، من مشكلات وأضرار، وحفاظاً على بيته وأسرته من الهدم، والتشتت (٢).
٨) وهم زائف اسمه الفوارق الطبقية والاجتماعية: يعد هذا الوهم دافعاَ من الدوافع، التي تجعل البعض يقدم على الزواج العرفي السري، فإذا ما كان الرجل يريد أن يقترن بمن هو دونه في المستوى الاجتماعي المزعوم، أو المالي، أو الأدبي، تجده يتجه إلى السرية في زواجه، كزواج الطبيب من الممرضة، أو المدير من السكرتيرة، وغيره، وهذه الفوارق تعتبر من القيود التي فرضها المجتمع على نفسه، مما أدى إلى نتائج غير مرضية.
٩) فارق العمر: إن كثيراً من الزيجات، تقوم بين السيدات، في الخمسينات من العمر، والشباب أقصر سناً، ولخوف الزوجة على شكلها الاجتماعي، تضطر لإخفاء هذا الزواج (٣).
стр. 120
١٠) العنوسة وتأخير سن الزواج: إن مشكلة العنوسة حقيقة لابد من مواجهتها كأحد مظاهر الأزمة العامة، التي تخنق مجتمعاتنا اليوم، ففي مصر مثلاً نُشر تقرير عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ونشرت ملخصاً له معظم الصحف، في ٥/ ٨/٢٠٠٢ م أن عدد العانسين من الجنسين، الذين بلغوا ٣٥ عاماً بدون زواج ٤١٣, ٩٦٢, ٨ من الشباب أي ما يقدر بحوالي تسعة ملايين شاب وفتاة (١)، فمن الطبيعي أن نرى بعض الانحرافات، في مجتمع بلغ عدد العانسين فيه هذا الرقم، مع ما فيه من التبرج، والاختلاط، وقلة فرص العمل، فلذلك كانت ظاهرة الزواج العرفي في مصر أكثر انتشاراً، وقد تتفاوت نسب العانسين في المجتمعات، ولكن حسبنا أن نقول: إن نسبة الفساد مرتبطةٌ تصاعدياً، مع نسبة العانسين، في أي مجتمع كان، وقد ألمح على ذلك رسولنا ﷺ حيث قال: " إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، وفي رواية عريض" (٢)، في إشارة منه إلى أن عدم التزويج لاعتبارات مختلفة، وأعراف غير الدين والخلق، يؤدي إلى الفساد في الأرض، بل وصف هذا الفساد بالعريض، أو الكبير، لأن عدم التزويج يؤدي إلى العنوسة، التي بدورها تؤدي إلى الفساد، والإنسان مفطور على الشهوة، المركبة فيه، والميل إلى الجنس الآخر، فإذا لم تشبع هذه الرغبة وهذه الفطرة، بالزواج فلنا أن نتصور أنوعاً من العلاقات غير المشروعة لِإشباعها. ولا شك أن مشكلة تأخير الزواج، لها آثار اجتماعية خطيرة، يأتي في مقدمتها انتشار الفساد الأخلاقي، وتنامي ظاهرة الزواج العرفي، بآثارها النفسية، والاجتماعية، ومشكلاتها القانونية، ثم في النهاية، العلاقات الجنسية غير المشروعة، ولو أنا رجعنا إلى العوامل التي تكمن خلف هذه المشكلة، (العنوسة) لوجدناها عديدة، منها، ازدياد تكاليف الزواج بصورة مزعجة، نتيجة النزعة المادية، الطاغية في المجتمعات الإسلامية، ووضع الصعوبات والعراقيل في وجه الشباب، بسبب المفاخرة الكاذبة، والتباهي غير المشروع، ومنها عدم وجود حياة اجتماعية سليمة يتم من خلالها، التعارف النظيف بين الأسر، مما يقلل فرص الإقبال على الزواج، ومنها الحرص عند بعض
стр. 121
المجتمعات، على استكمال تعليم الشاب، أو الفتاة، حتى مرحلة متأخرة من العمر، واعتبار الزواج كعائق للتعليم. (١) هذه العوامل وغيرها، تؤدي إلى تنامي ظاهرة العنوسة في المجتمعات ومن ثم انتشار الفساد، تحت مسميات مختلفة، منها الزواج العرفي.
١١) فقدان التكامل العاطفي بين أفراد الأسرة: فقد أفادت دراسة (٢)
حول الإعلام والزواج العرفي، قام بها الدكتور أحمد يحيى عبد الحميد، الأستاذ بكلية التربية جامعة قناة السويس، أشارت إلى إن الزواج العرفي، يفتقر إلى البيانات الدقيقة، والمعلومات الصحيحة، نظراً لأن هذا السلوك يتم بطابع شخصي وخفي، ولا يُعلن عنه في المجتمع، بالإضافة على أنه لا يقتصر على فئة معينة، أو طبقة دون أخرى، وقد أشارت الدراسات إلى أسباب أساسية تكمن وراء انتشار الزواج العرفي أهمها، فقدان التكافل العاطفي، داخل الأسرة، نتيجة انشغال الأب والأم، وعدم اهتمامهما بسلوك الأبناء، وتركهم لوسائل الإعلام، ورفقاء السوء، لتشكيل ثقافتهم الجنسية، والزوجية، وكذلك الظروف الاقتصادية، والمادية التي تحول دون إقامة زواج شرعي.
١٢) أمراض نفسية تدفع إلى الزواج العرفي: المرض النفسي في الرجل، أو المرأة له تأثير في تكوين شخصية المرء وسلوكه معاً، وهذه الأمراض لها أسبابها المختلفة، فقد كشفت دراسة علمية، أُجريت في مصر، عن جملة من الأسباب، الأسرية، والاجتماعية، تؤدي إلى إقدام الشباب، خاصة طلاب الجامعات، على الزواج العرفي، وقالت الدراسة: أن هناك علاقة وثيقة بين التفكك الأسري، وغياب القدوة، واضطراب العلاقات بين طالبات الجامعة، وغياب الوازع الديني، وتحدي التقاليد، والأعراف، والآداب الاجتماعية، وبين الإقبال على الزواج العرفي، وتقول الباحثة: إنه ومن خلال الدراسات للحالات النفسية، وسمات الشخصية، عبر استمارة البحث، التي قام بتحليلها، مجموعة من أساتذة الطب النفسي، تبين أن إقبال الشباب والفتيات، على الزواج العرفي يرجع إلى عوامل نفسية عديدة أهمها، اضطراب البناء النفسي للشخصية، وكذلك اختلال العلاقات الأسرية، وافتقادها للثقافة والوعي، والحوار الدافئ،
стр. 122
العائلي، مما يجعل الأسرة مشتتة، ومن ثم تصبح قرارات الأبناء منفردة، نتيجة فشل الأبوين في التربية، هذا كله بجانب قتل الطموحات، وافتقاد الأمل في المستقبل، لارتفاع نسبة البطالة، بين الشباب، وتردي
وانخفاض الحالة الاقتصادية، مع ارتفاع تكاليف الزواج، وتقول الباحثة أيضاً: إن هذه العوامل قد تساعد، على ظهور أعراض اكتئاب، "مؤقتة" قد تزول بزوال وانفراج هذه العوامل واحداً تلو الآخر. (١)
هذه الأسباب إذا اجتمعت في مجتمع، كانت كافية لإفساده، وإنشاء جيل ينظر بعين السخط لمن أنشأه ورباه، ما لم نتدارك أنفسنا ونعمل على تلافي هذه المؤشرات والأخطار، التي تقرع أبواب الفضيلة والعفاف حيناً بعد حين.
стр. 123
المطلب الثالث: آثار النكاح بغير علم الولي
بعد أن ذكرنا أسباب انتشار هذا النوع من الأنكحة، يمكن أن نتكلم الآن عن الأضرار التي يجرها هذا النوع من الأنكحة، حتى نستطيع أن نشخصه، ومن ثم الحكم عليه، بحسب ما تسوقنا إليه الأدلة الشرعية، ومقاصد الشريعة الغراء، حيث تتمثل هذه الأضرار بالآتي:
أولاً: ضياع الأطفال: ويتمثل هذا الضياع من عدة نواحي، أهمها ما يلي:
١) ضياع نسبهم، وذلك عند تنصل الزوج عن زوجته، ونكران صلته بها تماماً، فلنا أن نتصور إلى أي جهة يُنسبون، إذا لم تستطع الأمهات إثبات أنسابهم، وقد جاء في تقرير نشرته شبكة المعلومات الإقليمية للأمم المتحدة، نقلاً عن الإحصائيات، أن بعض نشطاء المجتمع المدني في مصر، يقدرون حالات الزواج العرفي بمليون حالة، فيما أثبتت التقارير، أن (١٤) ألف حالة إثبات نسب، في المحاكم المصرية، جراء هذا الزواج، (١)
٢) فقدان التربية السوية، في غياب العائل لهؤلاء الأطفال، وما قد يعانون من أفراد المجتمع عامة، وأسرة الأم خاصة، كونهم أطفالاً مجهولي النسب، مما يشكل ضغطاً نفسياً عليهم، يضطرهم إلى العزلة، والانطواء، والفشل في حياتهم المستقبلية، سواء أكانت علمية، أو اجتماعية، بل قد يكونون مشروع أحداث منحرفين.
ثانياً: ضياع حقوق المرأة، ويتمثل من عدة نواحي، أهمها ما يلي:
١) ضياع حقوقها المادية، من صداق، ونفقة، وكسوة، وميراث، وغير ذلك عند تخلي الرجل عنها، ونكرانه الاتصال بها، أظف إلى ذلك تحملها نفقات الأبناء واحتياجاتهم، الحياتية في حاضرهم، ومستقبلهم.
٢) ضياع حقوقها المعنوية، ويتمثل بالسكن، والمودة، والرحمة، التي هي من أهم نتائج الزواج، وذلك عند تمزيق ورقة العقد المزعومة من قِبل الرجل (أو حتى عند بقاء الورقة، فإن هذا الزواج لا يحقق تلك الأهداف على الإطلاق)، وما ينتج من صدمة نفسية للمرأة، تؤثر على نفسيتها، ونظرتها المستقبلية للمجتمع، وما قد ينتج عن هذا الزواج المزعوم، من
стр. 124
تقليل فرص زواجها من شاب آخر، كونها تزوجت عرفياً، وما قد تواجه من صعوبات، حياتية في مستقبلها، تعجز عنها في الوقت الذي لا عائل لها، مما يجعلها تلجأ إلى أعمال وسلوكيات غير سوية، ـ لا سمح الله ـ تحت ضغط الواقع، والمجتمع الذي ينظر إليها نظرة سلبية، كونها لم تصن نفسها، وتحترم الدين، وعادات وتقاليد المجتمع، وقد أكدت الدكتورة سوسن محمد السيد، أخصائية اجتماعية، وأحد أعضاء فريق العمل بالخط الساخن، لجريدة الشرق الأوسط، قائلةً: من المؤسف حقاً أن نجد من بين كل (٢٥) سيدة وقعن في فخ الزواج العرفي (١٧) منهن اتجهن للإدمان، والعمل بالدعارة. (١) كل هذه الآثار تواجهها المرأة الضعيفة، في حين يكون الرجل بمنأى عن هذا كله، لذا تعالت صرخات منظمات حقوق المرأة (على ما في هذه المنظمات) وجمعيات المرأة، محذرة من هذه الظاهرة، وسرعة انتشارها. (٢)
ثالثاً: تفكك المجتمعات: وذلك لما ينتج جرَّاء هذا الزواج، من تشاجرٍ، واختلاف، بين أسرة الرجل، وأسرة المرأة، وكذا بين الأسرة الواحدة، وما قد يقوم به بعض الآباء تجاه أبناءهم، عند علمهم بوقوع أبنائهم، في هذا الزواج المزعوم، من طرد، وتخل عنهم، وتركهم بدون عائل، وغياب الثقة بين أفراد الأسرة الواحدة، وظهور عنصر الشك بينهم، وخاصة عند انتشار هذه الظاهرة وتفشيها في المجتمع، مما يجعل هذه الظاهرة تشكل ناقوس خطر، يقرع أبواب مجتمعاتنا، ويهدد استقرارها.
ففي مصر
بينت الإحصاءات وجود (٤٠٠) ألف حالة زواج سري سنوياً، وأن أغلب الحالات بين الشباب والفتيات الذين تتراوح أعمارهم ما بين (١٨ ـ ٣٠) سنة وأن نسبة الزواج السري بين طالبات الجامعة تشكل ٦% من مجموع الطالبات المصريات. (٣) والخطير في الأمر أن
стр. 125
إحصائية جديدة أعلنتها وزارة الشؤون الاجتماعية المصرية كشفت أن (٢٥٥) ألف طالب وطالبة في مصر اختاروا الزواج العرفي، أي بنسبة ١٧% من طلبة الجامعات البالغ عددهم (٥.١) مليون، وهو ما يعني أن الظاهرة أصبحت تحتاج إلى تدخل عاجل. (١)
وفي الأردن
صرحت وزارة التنمية الاجتماعية بوجود (١٧٠) ألف حالة زواج عرفي بين طلبة الجامعة فقط. (٢)
وفي سوريا
لا توجد إحصائية رسمية لكن أحد المحامين المتخصصين بالقضايا الشرعية يقول إن ثلث حالات الزواج في سوريا تتم أولاً بعقد عرفي ثم تثبت قانونياً، أما الحالات الأخرى الغير سوية فقد انتشرت بشكل لافت للانتباه. (٣)
وفي السعودية:
يكشف خبير مجمع الفقه الإسلامي الدولي، الدكتور حسن محمد سفر، عن هذه الكارثة بقوله: يقبل بعض الشباب والشابات في السعودية على الزواج سراً، دون عقود شرعية، ودون علم الأهل، الأمر الذي قد يخلف مشكلات للزوجة، خاصة إذا أرادت من زوجها الاعتراف بهذا الزواج؛ ويكشف أيضاً عن زيجات سرية نسبتها ٩% تتم في السر دون عقود شرعية، بين شباب، وفتيات، وموظفات، ومعلمات سعوديات، دون علم الأهل, مشيراً إلى أن هذا الزواج آخذ في الازدياد في المملكة؛ وأشار الدكتور سفر إلى أن ٣% من هؤلاء الفتيات اللاتي تزوجن سرا، يرغبن برفع دعاوى اعتراف قضائية في المحاكم، بعد تنصل الشباب من الاعتراف بالزواج، وسعيهم لفك الارتباط, بينما تتخوف البقية من اللجوء للمحاكم خوفا من الفضيحة أمام الأهل والمجتمع, لافتاً إلى وجود أساليب لتلاعب المتزوجين بالسر، دون ولي وبغير علم الأهل، ودون عقود مثبتة, حيث يتم تحرير ورقة زواج أو طلاق بين
стр. 126
الزوجين لا يتم إشهارها بالمحكمة إلا بعد الطلاق بفترة، وبعد مضي وقت طويل على وقوع الطلاق بينهما، يذهبان إلى المحكمة لاستخراج صك طلاق.
واتهم الدكتور سفر بعض المأذونين باستغلال تصاريحهم الصادرة من وزارة العدل لعقد الأنكحة، وتقاضي أجور عالية مقابل إجراء زيجات غير شرعية، يغفلون فيها القواعد
الشرعية، والشروط الأساسية لعقد الزواج، والتي تنص على وجود الولي والشهود والإشهار، في حين ينص نظام مأذوني الأنكحة على عدم تقاضي المأذون مبالغ مالية لقاء عقود الزواج (١).
أما في اليمن:
فقد كشفت السلطات اليمنية انتشار هذه الظاهرة، بين أوساط الطلبة في المدارس الثانوية، لكنها لم تُعلن عن إحصائيات رسمية لهذه الحالات، وأفادت المصادر أن أدارة المدرسة، والقريبة من جامعة صنعاء، تأكدت من وجود حالات زواج عرفي، بين يمنيات من جهة، وعراقيين وسعوديين، ويمنيين، من جهة أخرى، وقالت المصادر أن لديها شكوك بوقوع حالات كثيرة من طالبات المدرسة؛ كما عبرت المصادر التربوية، عن قلقها الشديد، من تحول هذه المشكلة، إلى ظاهرة، تهدد المجتمع، مشيرة إلى أن مثل هذه الحالات، قد تكون موجودة في أكثر من مدرسة، بأمانة العاصمة، ومدن يمنية أخرى. (٢)
رابعاً: انتشار الفساد مما قد تواجهه الفتاة في المستقبل، عند عدم تقدم الخطاب لها، كونها قد تزوجت عرفياُ، مما يجعلها عرضة للفساد والإفساد؛ وما قد يقلل من حالات الزواج المشروع، كونه يُحمِّل الزوج تبعات كثيرة، ونفقات عسيرة، مما يجعل الشباب يعدلون إلى هذه الظاهرة، المسماة بالزواج العرفي، فالإنسان بطبيعته وخلقته، لابد من إشباع ما فطره الله عليه، فإذا لم يكن بالزواج المشروع، فلنا أن نتصور حالات انحراف، بطرق عديدة، ومسميات مختلفة، تجمعها مظلة البغاء، ولكن تحت ستار المشروعية.
стр. 127
خامساً: انقطاع أواصر المودة والتقارب بين أفراد المجتمع وخاصة الزوجين وذلك لأن الطريقة التي جمعت بينهما، كانت غير مرضية، وهذا بخلاف الزواج المشروع، فإن المودة والحب، هو المهيمن على حياة الزوجين وأسرتيهما، وأفراد المجتمع كله.
سادساً: أضرار جسمية، ونفسية، واجتماعية تحصل للرجل والمرأة على السواء، جراء نظرة المجتمع لهما، وما قد يتعرضا له من آثار جسمية، واجتماعية، كما أوضحته المرشدة الاجتماعية في جامعة بيرزيب ـ رنا عوادة ـ إذ قالت: إن هذا الزواج قد يُحدث تغييرات جسمية واجتماعية على الرجل والمرأة في اغلبها سلبية، وتدفع خصوصاً النساء إلى العزلة، والابتعاد عن المجتمع وربما تمتد مدى الحياة خاصة وأن المرأة التي تتزوج عرفياً تتعرض لظلم المجتمع. (١)
стр. 128
المطلب الرابع: حكم النكاح بغير علم الولي
لقد دار جدل واسع في المجتمع، حول شرعية هذا النكاح من عدمها، ورأينا أن الأكمل في بيان حكمه الشرعي، أن نسرد أقوال الفقهاء وأدلتهم، ثم نناقش تلك الأدلة، لنخرج برؤية واضحة، في بيان الراجح منها؛ وقد اختلف الفقهاء فيه على خمسة أقوال، نوجزها فيما يلي:
القول الأول: جواز تولي المرأة لعقد النكاح، وليس للأولياء الاعتراض، إلا إن وضعت نفسها، عند غير كفء، ما لم تكن عليها ولاية جنون، أو صغر، وعند أصحاب هذا القول، أن الولي مستحب فقط.
وبه قال أبو حنيفة، وزفر، وأبو يوسف (١) في آخر أقواله. (٢)
القول الثاني: جواز أن تتولى العقد إن كانت دنيئة، وعدم جواز ذلك إن كانت شريفة. ... وبه قال الإمام مالك. (٣)
القول الثالث: جواز أن تتولى المرأة عقد النكاح، ولكن بشرط أن يأذن لها وليها. ... وبه قال أبو (٤) ثور. (٥)
стр. 129
القول الرابع: جواز أن تتولى الثيب العقد، دون البكر، وبه قال داوود (١) بن علي الظاهري. (٢)
القول الخامس: عدم جواز أن تتولى المرأة عقد النكاح، لنفسها، أو لغيرها، حتى وإن أذن لها الولي، سواء كانت صغيرة، أم كبيرة، شريفة أم دنيئة، بكراً كانت أم ثيباً. وبه قال الإمام الأوزاعي، والثوري (٣)، وابن أبي ليلى (٤)، وإسحاق (٥)،
والشافعي، وأحمد، ومن الصحابة، عمر وعلي وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، ومن التابعين، الحسن (٦)
стр. 130
وابن المسيب (١)، وعمر بن عبد العزيز (٢)، وشريح (٣)
والنخعي (٤). (٥)
стр. 131
أدلة القائلين بجواز تولي المرأة لعقد النكاح
وقد استدلوا بأدلة نذكر منها على سبيل الإيجاز ما يلي: ـ
أولاً: من القرآن
١) قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١) والاستدلال بالآية من وجهين:
أحدهما: أنه أضاف النكاح إليهن، فدل على جواز النكاح بعبارتهن، من غير شرط الولي، والثاني: أنه نهى الأولياء عن منعهن نكاح أزواجهن إذا تراضوا بينهم. (٢) وهذا على فرض أن الخطاب في الآية، موجه للأولياء، أما إن كان للأزواج، فإن معنى الآية يقتضي، أن الأولياء لا حق لهم البتة، وقد اُستدل بأن الخطاب موجه للأزواج، بأنه في بداية الآية وجه الخطاب إليهم، حيث قال وإذا طلقتم، قالوا فيسري الخطاب لهم فيما بعدها بقوله فلا تعضلوهن. (٣)
٢) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٤) وقال أيضاً في آية أخرى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٥) ووجه الاستدلال بالآيتين، أنه أضاف العقد إليهن، فدل على أنهما تملكان مباشرته. (٦)
стр. 132
ثانياً: من السنة والآثار
١) حديث ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس للولي مع الثيب أمرٌ، واليتيمة تستأمر، فصمتها إقرارها". (١) وهذا تصريح بأن الولي ليس له شيء في إنكاح موليته الثيب، فإذا تولت إنكاح نفسها كان نكاحاً صحيحاً؛ لأن الولي ليس له أمر عليها، أو أن حقها في نفسها مقدم على حقه، يؤيد ذلك أيضاً:
٢) حديث ابن عباس ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال: "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها". (٢) فإذا كانت أحق بنفسها، كان ذلك دليلاً على جواز توليها عقد النكاح، وضعف حق الولي في ذلك. وقد استدل داوود الظاهري بهذا الحديث، على عدم وجوب الولي في نكاح المرأة الثيب، ووجوبه في البكر. (٣) وعلى ذلك فإن المرأة يمكن أن تلي عقد النكاح لنفسها، أو لغيرها، ويعد عقداً صحيحاً، يؤيد ذلك:
٣) أن عائشة ﵂ زوجت بنت أخيها حفصة بنت عبد الرحمن، من المنذر بن الزبير، وهو غائب بالشام، فلما قدم عبد الرحمن، قال ومثلي يصنع به هذا، أو مثلي يفتات عليه، فكلمت عائشة المنذر ابن الزبير، فقال المنذر: فإن ذلك بيد عبد الرحمن فقال عبد الرحمن ما كنت لأرد أمرا قضيتيه، فقرت حفصة عند المنذر. (٤) فبهذا يتبين أن ما ورد من حديث عائشة في منع التزويج بغير ولي، غير صحيح، فإن فتوى الراوي بخلاف الحديث دليل على وهن الحديث، ثم إن مدار ذلك الحديث على الزهري، وقد أنكره الزهري، وجوز النكاح بغير ولي. (٥) إذا تبين ذلك، فإن سائر ما يُرى من الأخبار في منع التزويج بغير ولي، تُحمل على الندب، لا على الإيجاب، أو تُحمل على الصغيرة التي ليست برشيدة. (٦)
стр. 133
ثالثاً: من المعقول
أما ما يمكن الاستدلال به من جهة النظر، فيتمثل بالآتي:
١) أن المرأة تصرفت في خالص حقها، ولم تلحق الضرر بأوليائها، فينعقد تصرفها كما لو تصرفت في مالها. (١)
٢) أنه لا اعتبار لنقص عقل المرأة، في النكاح وذلك لأن الشارع جعل لها الحق في اختيار الزوج، وفوضه إليها، ولو كان لنقصان عقلها اعتبار لما جعل لها ذلك (٢).
٣) اعتبر الشارع رضاها، في مباشرة الولي، ولو كانت بمنزلة الصغير لما اعتبر ... رضاها. (٣)
٤) لا اعتبار لحق الأولياء إن زوجت نفسها بكفء، وذلك لأن حقهم في النكاح يتمثل في صيانتهم عما يوجب لحوق العار، والشين بهم، وهذا قد اندفع بالتزويج من كفء، يحقق هذا أنها لو وجدت كفئاً، وطلبت من وليها، الإنكاح منه، فإنه لا يحل له الامتناع، ولو امتنع يصير عاضلاً. (٤)
٥) أن للمرأة حرية البيع والشراء، إذا كانت رشيدة، فكيف يحجر عليها في عقد زواجها، وهو أهم العقود التي تتطلب حرية، لما يترتب عليه من مهام الأمور، فينبغي أن يقاس عقد النكاح على عقد البيع. (٥) فيكون هذا القياس مخصصاً لعموم الأحاديث.
هذه الأدلة تقرر أنه يجوز للمرأة أن تلي عقد النكاح لنفسها، أو لغيرها، وأن عقدها صحيح، وأن الولي ليس شرطاً في صحة عقد النكاح، وتُحمل سائر الأخبار في ذلك على الندب. ... والله أعلم.
стр. 134
استدلال الإمام مالك
وقد استدل الإمام مالك رحمه الله تعالى، في التفريق بين الشريفة والدنيئة، بأن الولي يراد لحفظ المرأة، أن تضع نفسها عند غير كفء، أما الدنيئة فإنها مكافئة لكل دنيء، فلم يبق لوليها نظر. (١)
أما أبو ثور
فقد استدل على قوله بالجواز في حين الإذن من الولي، بحديث عائشة المصرح باشتراط الإذن، إذ جاء فيه" أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، ثلاثاً" (٢)، فمفهوم المخالفة يقتضي أن المرأة إذا أذن لها وليها، جاز نكاحها.
وكذا داوود الظاهري
فقد استدل لقوله القاضي بجواز أن تنكح الثيب نفسها، دون البكر، استدل بقوله ﷺ : " ليس للولي مع الثيب أمر، واليتيمة تستأمر فصمتها إقرارها" (٣) وفهم منه أن الأمر المراد في الحديث، هو ولاية العقد، فليس للولي مع الثيب ولاية في عقد نكاحها، وحيث خص الحديث الثيب فقط، فنحن نخصها بهذه الميزة، والتي هي عدم الولاية عليها، أما البكر فتثبت عليها الولاية، للأخبار الأخرى القاضية بها، وبهذا نجمع بين الأدلة، ثم قال أيضاً إن الثيب قد خبرت الرجال، دون البكر، فاحتاط الشرع في البكر ما لم يحتط في الثيب، من ثبوت الولاية وعدم صحة النكاح بدونها. (٤)
стр. 135
أدلة القائلين باشتراط الولي في صحة عقد النكاح
وقد استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة، نذكر منها ما يلي: ـ
أولاً: من القرآن
استدل أصحاب هذا القول، بالنصوص الآمرة للرجال بتزويج النساء، أو الناهية عن تزويجهم لهن، فمن ذلك:
١) قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)﴾ (١)
٢) وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُوا الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٢) فالخطاب في هاتين الآيتين موجه للأولياء كما نرى، فدل على أن أمر التزويج لهم دون النساء، قال ابن تيمية: فإنه قد دل عليه القرأن في غير موضع، والسنة في غير موضع، وهو عادة الصحابة، إنما كان يزوج النساءَ الرجال، لا يعرف أن امرأة تزوج نفسها، وهو مما يُفرق به بين النكاح، ومتخذات أخدان. (٣) كما استدلوا أيضاً
٣) بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٤) ووجه الاستدلال بالآية، أن الله خاطب الأولياء ناهياً لهم عن أن يمنعوا مولياتهم عن التزويج من أزواجهن الذين طلقوهن، وقد انقضت عدتهن، إذا عادوا خاطبين لهن، وتراضوا فيما بينهم، وهذا النهي دليل على أن أمر التزويج للأولياء، وإلا لما صح توجيه الخطاب لهم، يحقق هذا التوجيه ما ورد في صحيح البخاري وغيره، في أن هذه الآية نزلت في معقل ابن يسار، عندما منع أخته من الرجوع إلى زوجها، بعد طلاقه إياها وخروجها من عدتها، ثم عاد إليها خاطباً، وعند رفضه زواجها منه قائلاً: زوجتك وفرشتك، وأكرمتك, فطلقتها ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبدا، فأنزل الله هذه الآية،
стр. 136
فدعاه الرسول ﷺ فقرأ عليه الآية، فترك الحمية واستقاد لأمر الله تعالى (١). قال الشافعي ﵀: قوله فلا تعضلوهن يعني الأولياء، ولا أعلم الآية تحتمل غيره. (٢) وهذا التفسير للآية هو التفسير المنقول عن السلف، ولم يذكر الذين يفسرون القرآن بالمأثور قولاً عن واحد عن السلف غيره. (٣)
٤) قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (٤) وجه الاستدلال بهذه الآية أن الولاية من القوامة المنصوص عليها. (٥)
ثانياً: من السنة
وردت أحاديث صريحة في اشتراط الولي، هذه الأحاديث بعضها صحيح، وبعضها ضعيف، نذكر منها ما صح: ـ
١) حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن أصابها فلها مهرها بما أصابها، وإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" (٦) وهذا تصريح في بطلان النكاح، بغير الولي، وعدم اعتباره نكاحاً صحيحاً، فإذا كان السلطان ولي من لا ولي له فإنه يدل على عدم اعتبار عقد المرأة بلفظها لنفسها، أو لغيرها، حتى في حال تشاجر الأولياء أو عدم وجود الولي للمرأة، ويؤكد ذلك ما روي:
٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تزوج المرأةُ المرأةَ ولا تزوج المرأة نفسها، إن البغية التي تزوج نفسها، [وفي رواية] فإن الزانية هي التي تزوج نفسها" (٧) فهذان الحديثان صحيحان وصريحان في بطلان نكاح المرأة بغير ولي، وأن الولي شرط في صحة عقد النكاح، وأي دليل أقوى من ذلك وأصرح، وقد جاءنا عن نبي الهدى ﷺ قول كهذا، ... كما جاء عنه أيضاً:
стр. 137
٣) عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله: ﷺ " لا نكاح إلا بولي" (١) والنفي في قوله [لا نكاح] يتوجه إلى الصحة التي هي أقرب المجازين إلى الحقيقة، فيكون النكاح بغير ولي باطلاً، كما هو مصرح به في الحديثين السابقين؛ لأن النهي يدل على الفساد المرادف للبطلان. (٢) فهذه الأحاديث أقوى وأصرح ما يمكن الاستدلال به لأصحاب هذا القول.
أما ما جاء من الآثار
فقد أخرج البيهقي بسنده، والدارقطني في سننه، عن عكرمة ابن خالد قال: جمعت الطريق ركباً، فجعلت امرأة ثيباُ أمرها بيد رجل، غير ولي، فأنكحها، فبلغ ذلك عمر ابن الخطاب ﵁ فجلد الناكح والمُنكِح، ورد نكاحها. (٣) وأما ما جاء من آثار عن علي ﵃ فقد أخرج كذلك البيهقي، والدارقطني عن الشعبي قال: ما كان أحدا من أصحاب النبي ﷺ أشد في النكاح بغير ولي من علي ابن أبي طالب، حتى أنه كان يضرب فيه (٤). وقد ذكر البيهقي آثاراً عن علي بأسانيدها، تفيد غير ما ذكرنا عنه، مثل تصحيحه نكاح بحرية بنت هانئ بنت قبيصة، عندما زوجت نفسها من القعقاع، لكنه أومئ إلى ضعفها قائلاً: والإسناد الأول عن علي في اشتراط الولي إسناد صحيح فالاعتماد عليه. (٥) وقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن الشعبي أن عمر وعليا، وابن مسعود وشريحا، لا يجيزون النكاح إلا بولي. (٦) وقد روي ذلك عن عائشة ﵂ أيضاً، حيث جاء عنها أنها إذا أرادت إنكاح امرأة من نسائها، دعت رهطاً من أهلها فتشهدت، حتى إذا لم يبق إلا النكاح، قالت يا فلان أنكح، فإن النساء لا ينكحن. (٧) وبهذا يتبين أن عائشة ﵂، قد وافقت ما روت من عدم جواز النكاح
стр. 138
بغير ولي، وأن كان قد روي عنها غير ذلك، في أنها زوجت بنت أخيها حفصة، من المنذر ابن الزبير، فإن ذلك ليس صريحاً في أنها تولت هي عقد النكاح، بينهما (١)، كما سيأتي.
وقد ذهب إلى اشتراط الولي، علي وعمر وابن عباس، وابن عمر وبن مسعود، وأبو هريرة، وعائشة والحسن البصري، وابن المسيب وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والعترة, وأحمد وإسحاق، والشافعي وجمهور أهل العلم، بل قال ابن المنذر: إنه لا يُعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك. (٢) وعبر الماوردي عن ذلك بقوله: وهذا منتشر في الصحابة لا يعرف له مخالف. (٣)
ثالثاً: من المعقول
لأصحاب هذا القول أيضاً أدلة من جهة النظر، نوجزها فيما يلي:
١) أن المرأة ناقصة في عقلها، بنقصان الأنوثة فلا تملك مباشرة عقد النكاح لنفسها، لأنه عقد عظيم، وخطره كبير، ومقاصده شريفة، ولهذا أظهر الشارع خطره باشتراط الشاهدين فيه، من بين سائر المعاوضات، فلإظهار خطره تجعل مباشرته مفوضة إلى أولي الرأي الكامل، من الرجال, والدليل على اعتبار نقصان عقلها [من جهة النظر] أنه لم يجعل إليها من جانب رفع العقد شيء، بل الزوج هو الذي يستبد بالطلاق. (٤)
٢) إن الشارع جعل للمرأة مطالبة وليها بالزواج، في حالة وجود الكفء، ولو كانت تملك مباشرة العقد بنفسها، لما جعل لها مطالبة الولي بذلك، ثم إنه جعل للأولياء حق الاعتراض في إنكاحها نفسها، من غير كفء ولو كانت لها ولايةً مباشرة لنفسها، لما كان لأوليائها حق الاعتراض كالرجال. (٥)
٣) يمكن أن يقال أيضاً أن المرأة مائلة بالطبع إلى الرجال، أكثر من ميلها إلى تبذير الأموال، فاحتاط الشارع بأن جعلها محجورة في هذا المعنى على التأبيد. (٦)
стр. 139
المناقشة والترجيح
بعد هذا العرض الموجز لأقوال أهل العلم وأدلتهم، يمكن أن يتلخص ما يلي: ـ
إن جماهير أهل العلم يقولون باشتراط الولي لصحة عقد النكاح، وأن العقد لا يصح بدونه، وأن الأحناف يقولون أن الولي ليس شرطاً في صحة عقد النكاح، وإنما مندوب إليه، وأن العقد بدونه صحيح.
ولكن الفاحص يجد أن قول الجماهير هو الراجح، لقوة أدلتهم وتصريحها في موضع الخلاف على مرادهم.
فمن الكتاب
قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١) قال ابن حجر رحمه الله تعالى: هي أصرح دليل على اعتبار الولي وإلا لما كان لعضله معنى (٢) وليس الأمر كما قال الأحناف، إن النهي عن العضل موجه للأزواج، وما أحسن ما قاله الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وهو يؤكد أن النهي في الآية موجه للأولياء، لا الأزواج، فقال ﵀: ولا أعلم الآية تحتمل غيره لأنه إنما يؤمر بأن لا يعضل المرأة من له سبب إلى العضل، بأن يتم به نكاحها من الأولياء، والزوج إذا طلقها فانقضت عدتها فليس بسبيل منها، فيعضلها، وإن لم تنقض عدتها فقد يحرم عليها أن تنكح غيره، وهو لا يعضلها عن نفسه، وهذا أبين ما في القرآن من أن للولي مع المرأة في نفسها حقاً، وأن على الولي أن لا يعضلها إذا رضيت أن تنكح بالمعروف (٣). ثم إنه يزيد هذا التوجيه قوةً، سبب نزول الآية، وهو أن معقل ابن يسار كان قد زوج أختاً له ابن عم له، فطلقها ثم أراد الزوج وأرادت النكاح فأبى معقل، فنزلت الآية. (٤)
стр. 140
ومن السنة
فالأحاديث مصرحة باشتراط الولي، كشرط صحة، فمنها: حديث أبي موسى ﵁ والذي فيه " لا نكاح إلا بولي" (١) وهو يفيد انتفاء النكاح الشرعي عند فقد الولي، وهذا هو معنى الشرط، وحديث عائشة ﵂ يقرر بطلان النكاح بدون ولي بقوله ﷺ " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، ثلاثاً" (٢) والباطل لا تترتب عليه آثار الصحيح. وأما حديث أبي هريرة ﵁ فإنه ينهى المرأة صراحة أن تزوج نفسها، أو أن تتولى العقد لغيرها، إذ جاء فيه " لا تزوج المرأةُ المرأةَ، ولا تزوج المرأةُ نفسها" (٣) ثم يقرر هذا الفهم بقوله: " فإن البغية التي تزوج نفسها". هذه الأحاديث وغيرها من الآثار، التي رويت عن الصحابة، كافية في إثبات الحكم باشتراط الولي، مما يضعف قول من قال بضعف الأحاديث في ذلك وأن ما صح منها محتملاً، ولو كانت الولاية واجبةً، لتواترت الأخبار بوجوبها، ولبينت الأولى بالتزويج وصفات الولي. (٤) على أنه قد نُقل تواتر أحاديث الولي (٥).
كما لا يصح منهم تضعيف تلك الأحاديث، فقد صححها أهل الحديث، كما مر معنا، فلا نطيل بتفصيلها هنا، لكنَّ أهم ما تكلموا عليه هو حديث عائشة ﵂، في أن مداره على الزهري، وقد سأله ابن جريج عنه فأنكره الزهري، وأنه كان يجوز النكاح بغير ولي، وهو من روى لنا حديث اشتراط الولي, فيكون ذلك دليلاً على وهن وضعف الحديث، هذا الاعتراض مدفوع من عدة أوجه: ـ
١) إن حكاية إنكار الزهري لهذا الحديث عند سؤاله من ابن جريج، ضعيفة، فإنه لم يروها عن ابن جريج إلا ابن عليه، قال يحيى ابن معين: لم يذكر هذا عن ابن جريج غير ابن علية، وضعَّف رواية ابن علية عن ابن جريج، وقال: سماع ابن عليه من ابن جريج ليس بذاك؛ وقد أعل ابن حبان، وابن عدي وابن عبد البر والحاكم وغيرهم هذه الحكاية عن بن جريج، وأجابوا على تقدير الصحة، بأنه لا يلزم من نسيان الزهري له، أن يكون سليمان بن
стр. 141
موسى [راويه عن الزهري] وهم فيه. (١) وإعلال يحيى بن معين هذا ذكره ابن عدي بسند صحيح، حيث قال: قال ابن معين: لا يقول هذا إلا ابن علية، وابن علية عرض حديث ابن جريج، على عبد المجيد بن عبد العزيز فأصلحها له. (٢) مما يدل على أن أحاديث ابن علية عن ابن جريج ليست مضبوطة، وهو ما عبر به ابن معين بقوله: سماع ابن علية من ابن جريج ليس بذاك، ثم إنه قد روى هذا الحديث عن الزهري، مع سليمان بن موسى حجاج بن أرطأة، ويزيد بن أبي حبيب، ومرة بن عبد الرحمن بن حيوئيل، وأيوب بن موسى، وابن عيينة، وإبراهيم بن سعيد. (٣) مما يدل على ضبط سليمان بن موسى لهذا الحديث، وأن الزهري حدث به فعلاً.
فيتلخص مما سبق أن حكاية ابن علية عن ابن جريج في إنكار الزهري ضعيفة، فلا يصح الاعتراض بها على هذا الحديث. والله أعلم
٢) ثم إنه على تقدير صحة حكاية إنكار الزهري، لحديث عائشة هذا؛ لا يبطله لأن من رواه عن الزهري جمع من الثقات وهم، سليمان بن موسى، وابن عيينه، ويزيد بن أبي حبيب، وأيوب بن موسى، وإبراهيم بن سعيد؛ فعليه يتعين أن الزهري كان قد نسي هذا الحديث، ونسيانه هذا لا يضر، فإنه قد ينسى الثقة، ولا يعد ذلك ضعفاً في الراوي أو الرواية.
٣) إذا تقرر هذا فإن الحديث يكون صحيحاً، ويلزمنا القول به، ولا تضر مخالفة من خالف، على أن ما روي عن عائشة في إنكاحها ابنت أخيها حفصة من المنذر ابن الزبير في غيبة أخيها عبد الرحمن، ليس صريحاً في أنها تولت عقد النكاح بنفسها، بل قال البيهقي: المراد أنها مهدت تزويجها ثم تولى عقد النكاح غيرها، فأضيف التزويج إليها لإذنها في ذلك، وتمهيدها أسبابه. (٤) ويؤكد هذا ما روي عنها بإسناد صحيح، أنها أنكحت رجلاً من بني أخيها، فضربت بينهم ستراً ثم تكلمت حتى إذا لم يبق إلا العقد، أمرت رجلاً فأنكح ثم قالت
стр. 142
ليس إلى النساء نكاح. (١) فكيف نرد نصاً بل نصوصاً صحيحة وصريحة، بأثر غير صريح وإن كان صحيحاً.
والحاصل أنه قد صح الخبر عن من لا ينطق عن الهوى، ومن كلامه تشريع إلى قيام الساعة، فلا نعدل عنه بتأويلات متكلفة ونقولات ضعيفة. والله أعلم، ، ،
وأما ما استدل به الأحناف بأن الأيم أحق بنفسها، كما في الحديث، فغير متجه، وذلك أن لفظ أحق، موضوع في اللغة للاشتراك، كما هو معلوم من صيغ التفضيل، فقوله أحق تعني الاشتراك في الاستحقاق، بين المرأة ووليها، وعلى ذلك فإنه لا يجوز أن تسقط المرأة حق وليها تماماُ، فتتولى هي عقد زواجها، بل إن الولي هو الذي يتولى العقد، ولكن يبقى للمرأة الحق في الاختيار، وعدم الإجبار، وهو معنى [أحق بنفسها]، وكذا استدلالهم بحديث " ليس للولي مع الثيب أمرٌ" فإن الأمر هنا المراد به الإجبار والإلزام من قِبل الولي للمرأة، وذلك ليس له ما دامت ثيباً، ولا يقتضي ذلك أن تنفرد هي بعقد النكاح دون وليها، كما لا تنفرد به دون شهود. (٢)
كما أن قياسهم عقد النكاح على البيع، قياس مع وجود النص، ومعلوم فساد هذا النوع من الأقيسة.
فالحاصل أن قول الجماهير هو الراجح، لقوة أدلتهم وتصريحها في موضع الخلاف. ... والله أعلم، ، ،
تنبيه
ينبغي أن نعلم أن أبا حنيفة ﵀ جوز النكاح بغير ولي، لكنه جعل له حق الاعتراض، وفسخ النكاح، إذا كان الزوج غير كفء، وفي رواية الحسن عنه، إن كان الزوج كفء لها جاز النكاح، وإن لم يكن كفء لها لم يجز (٣). وقد احتاط بعضهم كأبي يوسف بأن قال الأحوط بأن يُجعل عقدها موقوفاً على إجازة الولي، ليندفع الضرر عن الولي، إلا أن الولي إذا قصد بالفسخ دفع الضرر عن نفسه، بأن لم يكن كفء لها صح فسخه، وإن قصد الإضرار بها بأن كان الزوج كفء لها لم يصح فسخه، ولكن القاضي يقوم
стр. 143
مقامه في الإجازة، كما يقوم مقامه في العقد، إذا عضلها، فالحاصل أن الأحناف لم يسقطوا اعتبار الولي تماماً، بل أثبتوا له حق الاعتراض بالفسخ، وبعضهم اشترط إجازة الولي، أو القاضي في حالة كفاءة الزوج وعضل الولي، وجعلوا العقد موقوفاً على ذلك.
إذا تبين هذا فإن الذين يصححون النكاح بغير ولي ثم لا يجعلون للولي حقاً في الاعتراض أو الإجازة، لا يتبعون أحد من أهل العلم. والله أعلم، ، ،
стр. 144
المطلب الخامس: نظرة في القانون اليمني
أما عن القانون اليمني، فقد ذكرنا في الفصل الأول أنه يشترط الولي، وكذا الشاهدين، لصحة عقد النكاح، وأن العقد بدونهما باطل، حيث قال في المادة السابعة منه: يشترط لصحة العقد ما يلي: ...
إيجاب بما يفيد التزويج، عرفاً من ولي للمعقود بها، مكلف، ذكر، غير مُحرم، أو بإجازته، أو من وكيله. (١)
فنحن نرى تصريحه باشتراط والولي، وأن العقد بدونه باطل، وهذا هو معنى الشرط، ثم ذكر شروط الولي بأن يكون مكلفاً، ذكراً, غير مُحرم.
وبعد ذكره للأركان والشروط، عقد باباً في أحكام الزواج فقال في الفصل الأول منه: كل زواج استوفى أركانه وشرائطه المبينة في الباب السابق فهو صحيح، ولو لم يعقبه دخول، وتترتب عليه منذ انعقاده جميع آثار الزواج، المنصوص عليها في هذا القانون. (٢)
ثم قال في العقد المختل:
الزواج الذي لم يستوف أركانه وشرائطه، المبينة في الباب السابق، باطل ولا تترتب عليه قبل الدخول، أية آثار، ويجب التفريق بين الطرفين قضاءً، إن لم يكن قد تم برضاهما، ما لم يكن الشرط المفقود، في العقد جائزاً في مذهبيهما، أو دخلا فيه جاهلين، ولم يخرق الإجماع المعتبر في الحالين. (٣)
فالقانون يقرر بطلان العقد الفاقد لبعض أركانه وشروطه، ثم قرر وجوب التفريق بين الزوجين، لكنه استثنى عن وجوب التفريق، أن يكون هذا الشرط المفقود جائزاً في مذهبيهما، وقد تراضيا عليه قبل العقد، أو دخلا في هذا العقد وهما جاهلين، ثم ضبط المسألة بقوله ما لم يخرق الإجماع المعتبر في الحالين، بمعنى أنه لا يجوز أن يتراضى الزوجان أو يتفقا على إسقاط شرط مجمع عليه، وكذا لا يصح العقد الذي سقط منه شرط، مجمع عليه، وإن دخلا فيه جاهلين.
стр. 145
هذا هو المفهوم من نص المادة، في حال عدم الدخول، أما في حال الدخول في هذا النكاح فقد نصت المادة التي تليها على الآتي:
تترتب على الزواج الباطل، إذا أعقبه دخول الآثار الآتية:
١) وجوب مهر المثل، أو المهر المسمى أيهما أقل.
٢) ثبوت النسب على الوجه المبين في هذا القانون.
٣) وجوب العدة عقب المفارقة رضاءً، أو قضاءً، وعقب الموت.
٤) حرمة المصاهرة.
٥) سقوط الحد عمن دخل جاهلاً.
فالقانون عبر عند وجوب المهر، بقوله أيهما أقل، وذلك لأن هذا النكاح باطل، والباطل لا يترتب عليه ما يترتب على الصحيح، فالنكاح الصحيح يجب فيه المهر المسمى، وإن لم يكن قد سُمي فيجب مهر المثل، أما الباطل فقد عبر الفقهاء عنه بأنه خلاف الصحيح، وعليه فلا يترتب عليه تسمية المهر، لكون النكاح باطلاً من أصله، وإنما أوجبوا فيه مهر المثل لحديث عائشة السابق، أن النبي ﷺ قال: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن أصابها فلها مهرها بما أصابها، وإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" (١) فالقانون هنا اعتمد على أيهما أقل، نظراً لفساد العقد وبطلانه.