← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 143158

النكاح العرفي في ميزان الإسلام

صلاح الدين عامر

Полный текст (214 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

موسى [راويه عن الزهري] وهم فيه. (١) وإعلال يحيى بن معين هذا ذكره ابن عدي بسند صحيح، حيث قال: قال ابن معين: لا يقول هذا إلا ابن علية، وابن علية عرض حديث ابن جريج، على عبد المجيد بن عبد العزيز فأصلحها له. (٢) مما يدل على أن أحاديث ابن علية عن ابن جريج ليست مضبوطة، وهو ما عبر به ابن معين بقوله: سماع ابن علية من ابن جريج ليس بذاك، ثم إنه قد روى هذا الحديث عن الزهري، مع سليمان بن موسى حجاج بن أرطأة، ويزيد بن أبي حبيب، ومرة بن عبد الرحمن بن حيوئيل، وأيوب بن موسى، وابن عيينة، وإبراهيم بن سعيد. (٣) مما يدل على ضبط سليمان بن موسى لهذا الحديث، وأن الزهري حدث به فعلاً. فيتلخص مما سبق أن حكاية ابن علية عن ابن جريج في إنكار الزهري ضعيفة، فلا يصح الاعتراض بها على هذا الحديث. والله أعلم ٢) ثم إنه على تقدير صحة حكاية إنكار الزهري، لحديث عائشة هذا؛ لا يبطله لأن من رواه عن الزهري جمع من الثقات وهم، سليمان بن موسى، وابن عيينه، ويزيد بن أبي حبيب، وأيوب بن موسى، وإبراهيم بن سعيد؛ فعليه يتعين أن الزهري كان قد نسي هذا الحديث، ونسيانه هذا لا يضر، فإنه قد ينسى الثقة، ولا يعد ذلك ضعفاً في الراوي أو الرواية. ٣) إذا تقرر هذا فإن الحديث يكون صحيحاً، ويلزمنا القول به، ولا تضر مخالفة من خالف، على أن ما روي عن عائشة في إنكاحها ابنت أخيها حفصة من المنذر ابن الزبير في غيبة أخيها عبد الرحمن، ليس صريحاً في أنها تولت عقد النكاح بنفسها، بل قال البيهقي: المراد أنها مهدت تزويجها ثم تولى عقد النكاح غيرها، فأضيف التزويج إليها لإذنها في ذلك، وتمهيدها أسبابه. (٤) ويؤكد هذا ما روي عنها بإسناد صحيح، أنها أنكحت رجلاً من بني أخيها، فضربت بينهم ستراً ثم تكلمت حتى إذا لم يبق إلا العقد، أمرت رجلاً فأنكح ثم قالت

стр. 142

ليس إلى النساء نكاح. (١) فكيف نرد نصاً بل نصوصاً صحيحة وصريحة، بأثر غير صريح وإن كان صحيحاً. والحاصل أنه قد صح الخبر عن من لا ينطق عن الهوى، ومن كلامه تشريع إلى قيام الساعة، فلا نعدل عنه بتأويلات متكلفة ونقولات ضعيفة. والله أعلم، ، ، وأما ما استدل به الأحناف بأن الأيم أحق بنفسها، كما في الحديث، فغير متجه، وذلك أن لفظ أحق، موضوع في اللغة للاشتراك، كما هو معلوم من صيغ التفضيل، فقوله أحق تعني الاشتراك في الاستحقاق، بين المرأة ووليها، وعلى ذلك فإنه لا يجوز أن تسقط المرأة حق وليها تماماُ، فتتولى هي عقد زواجها، بل إن الولي هو الذي يتولى العقد، ولكن يبقى للمرأة الحق في الاختيار، وعدم الإجبار، وهو معنى [أحق بنفسها]، وكذا استدلالهم بحديث " ليس للولي مع الثيب أمرٌ" فإن الأمر هنا المراد به الإجبار والإلزام من قِبل الولي للمرأة، وذلك ليس له ما دامت ثيباً، ولا يقتضي ذلك أن تنفرد هي بعقد النكاح دون وليها، كما لا تنفرد به دون شهود. (٢) كما أن قياسهم عقد النكاح على البيع، قياس مع وجود النص، ومعلوم فساد هذا النوع من الأقيسة. فالحاصل أن قول الجماهير هو الراجح، لقوة أدلتهم وتصريحها في موضع الخلاف. ... والله أعلم، ، ، تنبيه ينبغي أن نعلم أن أبا حنيفة ﵀ جوز النكاح بغير ولي، لكنه جعل له حق الاعتراض، وفسخ النكاح، إذا كان الزوج غير كفء، وفي رواية الحسن عنه، إن كان الزوج كفء لها جاز النكاح، وإن لم يكن كفء لها لم يجز (٣). وقد احتاط بعضهم كأبي يوسف بأن قال الأحوط بأن يُجعل عقدها موقوفاً على إجازة الولي، ليندفع الضرر عن الولي، إلا أن الولي إذا قصد بالفسخ دفع الضرر عن نفسه، بأن لم يكن كفء لها صح فسخه، وإن قصد الإضرار بها بأن كان الزوج كفء لها لم يصح فسخه، ولكن القاضي يقوم

стр. 143

مقامه في الإجازة، كما يقوم مقامه في العقد، إذا عضلها، فالحاصل أن الأحناف لم يسقطوا اعتبار الولي تماماً، بل أثبتوا له حق الاعتراض بالفسخ، وبعضهم اشترط إجازة الولي، أو القاضي في حالة كفاءة الزوج وعضل الولي، وجعلوا العقد موقوفاً على ذلك. إذا تبين هذا فإن الذين يصححون النكاح بغير ولي ثم لا يجعلون للولي حقاً في الاعتراض أو الإجازة، لا يتبعون أحد من أهل العلم. والله أعلم، ، ،

стр. 144

المطلب الخامس: نظرة في القانون اليمني أما عن القانون اليمني، فقد ذكرنا في الفصل الأول أنه يشترط الولي، وكذا الشاهدين، لصحة عقد النكاح، وأن العقد بدونهما باطل، حيث قال في المادة السابعة منه: يشترط لصحة العقد ما يلي: ... إيجاب بما يفيد التزويج، عرفاً من ولي للمعقود بها، مكلف، ذكر، غير مُحرم، أو بإجازته، أو من وكيله. (١) فنحن نرى تصريحه باشتراط والولي، وأن العقد بدونه باطل، وهذا هو معنى الشرط، ثم ذكر شروط الولي بأن يكون مكلفاً، ذكراً, غير مُحرم. وبعد ذكره للأركان والشروط، عقد باباً في أحكام الزواج فقال في الفصل الأول منه: كل زواج استوفى أركانه وشرائطه المبينة في الباب السابق فهو صحيح، ولو لم يعقبه دخول، وتترتب عليه منذ انعقاده جميع آثار الزواج، المنصوص عليها في هذا القانون. (٢) ثم قال في العقد المختل: الزواج الذي لم يستوف أركانه وشرائطه، المبينة في الباب السابق، باطل ولا تترتب عليه قبل الدخول، أية آثار، ويجب التفريق بين الطرفين قضاءً، إن لم يكن قد تم برضاهما، ما لم يكن الشرط المفقود، في العقد جائزاً في مذهبيهما، أو دخلا فيه جاهلين، ولم يخرق الإجماع المعتبر في الحالين. (٣) فالقانون يقرر بطلان العقد الفاقد لبعض أركانه وشروطه، ثم قرر وجوب التفريق بين الزوجين، لكنه استثنى عن وجوب التفريق، أن يكون هذا الشرط المفقود جائزاً في مذهبيهما، وقد تراضيا عليه قبل العقد، أو دخلا في هذا العقد وهما جاهلين، ثم ضبط المسألة بقوله ما لم يخرق الإجماع المعتبر في الحالين، بمعنى أنه لا يجوز أن يتراضى الزوجان أو يتفقا على إسقاط شرط مجمع عليه، وكذا لا يصح العقد الذي سقط منه شرط، مجمع عليه، وإن دخلا فيه جاهلين.

стр. 145

هذا هو المفهوم من نص المادة، في حال عدم الدخول، أما في حال الدخول في هذا النكاح فقد نصت المادة التي تليها على الآتي: تترتب على الزواج الباطل، إذا أعقبه دخول الآثار الآتية: ١) وجوب مهر المثل، أو المهر المسمى أيهما أقل. ٢) ثبوت النسب على الوجه المبين في هذا القانون. ٣) وجوب العدة عقب المفارقة رضاءً، أو قضاءً، وعقب الموت. ٤) حرمة المصاهرة. ٥) سقوط الحد عمن دخل جاهلاً. فالقانون عبر عند وجوب المهر، بقوله أيهما أقل، وذلك لأن هذا النكاح باطل، والباطل لا يترتب عليه ما يترتب على الصحيح، فالنكاح الصحيح يجب فيه المهر المسمى، وإن لم يكن قد سُمي فيجب مهر المثل، أما الباطل فقد عبر الفقهاء عنه بأنه خلاف الصحيح، وعليه فلا يترتب عليه تسمية المهر، لكون النكاح باطلاً من أصله، وإنما أوجبوا فيه مهر المثل لحديث عائشة السابق، أن النبي ﷺ قال: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن أصابها فلها مهرها بما أصابها، وإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" (١) فالقانون هنا اعتمد على أيهما أقل، نظراً لفساد العقد وبطلانه.

стр. 146

المطلب السادس: الآثار المترتبة على الزواج بغير ولي عرفنا مما سبق أن العقد بغير ولي باطل، وفي حال وقوعه، فإنه لا تترتب عليه أية آثار إذا كان ذلك قبل الدخول، أما إن كان بعد الدخول، فإنه تترتب عليه الآثار الآتية: ١) ثبوت النسب (١): بين الزوجين حفاظاً على حقوق الأولاد، ولأن هذا النكاح فيه شبهة فراش، وقد جاء في الحديث" الولد للفراش" (٢). ٢) وجوب المهر: ونعني به مهر المثل لأنه نكاح فاسد وقد قال ﷺ : " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن أصابها فلها مهرها بما أصابها، وإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" (٣) وهذه قاعدة في كل نكاح فاسد، إذ أن الحديث جعل مهر المثل، فيما له حكم النكاح الفاسد، وعلقه بالدخول. (٤) ٣) وجوب العدة على المرأة: سواء كانت حاملاً، أو غير حامل، فالحامل بوضع حملها، وغير الحامل بثلاثة قروء، والآيسة والصغيرة بثلاثة أشهر، وتبدأ من وقت التفريق، لأن في هذا النكاح شَغلاً للرحم، ولحوقاً للنسب، فأشبه النكاح الصحيح في هذا، وكذا درءً لاختلاط الأنساب. (٥) ٤) حرمة المصاهرة بين الزوجين: لأنه نكاح شبه، ويثبت فيه النسب، قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن الرجل إذا وطء امرأة بنكاح فاسد، أنها تحرم على ابنه وأبيه وعلى أجداده، وولد ولده. (٦) ٥) انتفاء الحد عنهما: سواء كانا ممن يعتقدا تحريمه أم لا، لشبهة الخلاف في صحته (٧). والحدود تدرأ بالشبهات، كما في حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "إدرءو الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام يخطء في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة" (٨).

стр. 147

٦) لا ميراث بينهما: لأن الميراث أثر عن النكاح الصحيح، وهذا نكاح فاسد، لا اعتبار له. ٧) وجوب الفرقة بين الزوجين: يوقعها الحاكم، لكونه نكاحاً باطلاً، لا يصح به حلية الاستمتاع (١)، وإنما قلنا يفرق بينهما الحاكم، لأنه نكاح مختلف فيه، ومبني على أمور هي محل تقدير بين يدي القضاء، ثم إنَّ تزوج المرأة من غير فرقة يوقعها الحاكم، يجعل المرأة تظن أن زواجها الأول انتهى، في حين يظن الزوج الأول لها، أنها لا تزال زوجته بالعقد الأول، وأن نكاحها لم ينفسخ منه، وهذا يفضي إلى تسلط زوجين عليها، كل يعتقد حلها له، وحرمتها على الآخر، وهذا غير جائز في الإسلام. ثم إن الحكم بفساد هذا الزواج يحل مشكلة كثير من الفتيات اللاتي اختفى أزواجهن، بعد خوض هذا النوع من الزواج، أو امتنعوا عن تطليقهن، وتركوهن معلقات، فيمكن لهؤلاء الحصول على الفسخ، قضاءً دون الحاجة إلى طلاق زوج هارب، أو خوفاً من اجتماع زوجين في وقت واحد. (٢) ٨) لا نفقة فيه للمرأة ولا سكنى: لعدم صحة النكاح الموجب لذلك، سواء قبل التفريق، أم بعده، كانت حائلاً أم حاملاً إلا أن يتطوع الرجل بذلك. (٣) والله أعلم، ، ،

стр. 148

المبحث الخامس: النكاح السري تمهيد هذا هو النوع الرابع من أنواع النكاح العرفي، حيث اتجه إليه بعض أفراد المجتمع، كحل من نوع آخر، لما يعانون جرّاء ضغط الواقع، بجميع اتجاهاته، أو كحل مؤقت على الأقل للتّخفيف من نار الشهوة المشتعلة جرّاء المغريات؛ ويتمثل بأن تتزوج المرأة بسرية تامة عن المجتمع، لاعتبارات معينة، وظروف خاصة، ومن ثم العيش في كنف السرية. ثم إن إطلاق تسمية العرفي لهذا النوع، فيه أيضاً تجوُّز؛ لما قدمنا من أن العرف ما اشتهر بين الناس من غير نكير, وهذا النوع من أنواع الزواج، سري غير مشتهر أو متعارف عليه، ولكن يمكن أن يكون عرفاً بين فئة معينة من الناس، ولذا أطق عليه "عرفي" أي بالنسبة لأولئك الناس فقط، أو لكون النكاح العرفي اليوم بمعنى غير الموثق رسمياً، وإن كان الأدق ما ذكرنا في تعريف العرفي وسبب التسمية. وسنقسم هذا المبحث إلى أربعة مطالب، حسب ما اقتضته منهجية البحث فنقول وبالله التوفيق: ـ

стр. 149

المطلب الأول: تعريف النكاح السري أولاً تعريفه لغةً: ـ السري نسبة إلى السر، والسر خلاف الإعلان. قال في لسان العرب: السر من الأسرار التي تكتم، والسر ما أخفيت، والجمع أسرار ... ورجل سري يضع الأشياء سراً، والسر النكاح لأنه يكتم، قال تعالى: ﴿وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ (١) وقيل السر الزنا أو الجماع. (٢) وقال في القاموس المحيط: السر ما يكتم كالسريرة. (٣) وقال المصباح المنير: السر ما يكتم، وهو خلاف الإعلان، والجمع أسرار، وأسررت الحديث أخفيته. (٤) ثانياً: ـ تعريفه إصلاحاً: ـ نستطيع أن نعرف هذا النوع من الأنكحة، إذا نظرنا إليه من خلال مدى تحقق الأركان والشروط، وتوفرها فيه بأنه: عقد زواج يفتقر إلى ولي، أو شهود أو هما معاً. أو بأنه عقد زواج سري بين شاب وفتاة، من خلال تجاهل بعض الشروط، كالولي، والشهود. ويتضح من خلال التعريف أن النكاح السري يكون على ثلاثة أضرب: الأول: ما يفتقد العقد فيه إلى الولي، وهذا قد تكلمنا عنه في المبحث السابق. الثاني: ما يفتقد العقد فيه إلى الشهود، وهذا ما سنتكلم عنه في هذا المبحث. الثالث: ما يفتقد العقد فيه إلى الولي والشهود معاً، وسنتعرض له أيضاً في هذا المبحث. وكل هذه الأنواع يجمعها عنصر السرية، وإن كان الآخران أشد انطباقاً في التعبير بلفظ السرية عنهما. كما أن الأنواع الثلاثة نوع من أنواع النكاح العرفي، الذي نتكلم عنه في هذه الدراسة.

стр. 150

ويمكن أن نبرز أهمية اعتبار الشاهدين في عقد النكاح من خلال النقاط الآتية: ـ ١) ضمان حقوق الأبناء المادية والمعنوية، وأهمها حقوق الميراث، والنفقة، ولحوق النسب عند تجاحد الزوجين. ٢) ضمان حقوق المرأة المادية والمعنوية، وأهمها المهر، والنفقة، والميراث، ونفقة الأولاد وسمعتها الشخصية، وصون كرامتها عن التلاعب بها لمجرد المتعة وقضاء الوطر. ٣) ضمان استقرار المجتمع، وقطع دابر الفساد من المتلاعبين بهذه الرابطة؛ تحقيقاً للمصلحة العامة. لهذه الاعتبارات وغيرها، جعل الشارع الحكيم الشاهدين في عقد النكاح، شرطاً من شروط صحته.

стр. 151

المطلب الثاني: أقسام وصور النكاح السري عرفنا مما سبق أن النكاح السري ينقسم إلى قسمين: ـ الأول: ما يفتقر إلى الشهود. الثاني: ما يفتقر إلى الولي والشهود معاً. * أما القسم الأول فيتمثل بأن ولي المرأة هو من يجري العقد، بكامل أركانه وشروطه خلا الشاهدين، ويتم بكتابة ورقة عقد بين ولي المرأة، والزوج، أو بغير كتابة ورقة عقد. فالحاصل أن الولي هو من يزوج المرأة في هذا العقد، إلا أنه لا يشهد عليه. * وأما القسم الثاني فإن العقد يكون بغير ولي للمرأة، وتكون هي من يعقد لنفسها، ويضاف إلى ذلك عدم الاشهاد على هذا العقد، والبقاء في سرية تامة، لا يعلم أحد من الناس بزواجهما، أو قد يعلم بعض الأصدقاء الذين يباركون مثل هذه النوعيات من الزواج. ويتم إما بكتابة ورقةٍ بين الرجل والمرأة، فيها الإيجاب والقبول، أو بغير كتابة ورقة. وقد ظهرت وسائل وصور كثيرة، لإجراء هذه العقود، تمثل التقنية التي وصل إليها العصر، فمنها مثلاً: زواج الكاسيت! ! ! هذه الصورة تتم عبر شريط الكاسيت، الذي يُسجل فيه عبارات الإيجاب والقبول، بين الشاب والفتاة الراغبَين في الزواج، وبعدها يمارس كلٌ منهما حقوقه الزوجية كأي زوج طبيعي، فهما لا يحتاجان إلى ورقة، أو شهود، أو ولي، وغيره من تلك الأعباء التي يقوم بها البعض في تصورهم. زواج الوشم! ! ! ومع التطور الذي يشهده العالم تطورت الأساليب التي يمارسها الشباب في الزواج، فقد ظهر أيضاً الزواج بالوشم، واشتهر هذا الزواج عن طريق قيام الشاب والفتاة بالذهاب إلى أحد مراكز الوشم، ويقومان باختيار رسم معين يرسمانه على ذراعيهما، أو على أي مكان

стр. 152

يختاراه من جسميهما، ويكون هذا الوشم بمثابة عقد الزواج، وبموجب هذا الوشم يتحول هذا الشاب وتلك الفتاة إلى زوجين، لهما الحق في ممارسة كافة الحقوق الزوجية. زواج الطوابع! ! ! أما أخر صيحة من صيحات الزواج المنتشرة هذه الأيام، فهي عملية الزواج بالطوابع، ويتم هذا الزواج عبر اتفاق الطرفين على الزواج، ويقومان بشراء طابع بريدي عادي، ويقوم الشاب بلصق الطابع على جبينه، وبعد عدة دقائق يعطي الطابع للفتاة، والتي تقوم بدورها بلصق الطابع على جبينها، وبهذا تنتهي مراسيم الزواج ويتحول بعدها الشاب إلى زوج والفتاة إلى زوجة وسط تهنئه وفرحة الأصدقاء. (١) وهذه الأنواع المختلفة من الزواج أصبحت واقعاً معروفاً، في أوساط الشباب، وخاصة المصري، ومن الواضح أن الموضة في تطور، وأن هناك الجديد دائماً، لدرجة أن الإحصائيات القانونية أكدت أن هناك حوالي أربعة عشر ألف قضية، مرفوعة أمام المحاكم الشرعية المصرية؛ لإثبات البنوة جراء هذه النوعيات من الزواج كما سبق, ونخشى أن تنتشر هذه الصور إلى بقية المجتمعات، إن لم تكن قد فعلت أمام هذه الثورة المعلوماتية وما يسمى بالإنترنت، شبكة المعلومات والاتصالات العالمية. * أما أسباب انتشار النكاح السري، وأضراره، فهي نفس الأسباب والأضرار التي تكلمنا عنها في المبحث السابق فلتراجع. (٢)

стр. 153

المطلب الثالث: حكمه الشرعي القسم الأول: النكاح بغير شهود اتفق أهل العلم على صحة النكاح الذي شهد عليه رجلان، عدلان، وتم الإعلان عنه. (١) قال ابن تيمية رحمة الله تعالى: إذا اجتمع الاشهاد، والإعلان ـ في عقد النكاح ـ فهذا الذي لا نزاع في صحته. (٢) كما اتفق عامة أهل العلم على بطلان النكاح الذي يتم بغير شهود، ولا إعلان. (٣) قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: نكاح السر الذي يتواصى بكتمانه، ولا يشهدون عليه أحداً، باطل عند عامة العلماء وهو من جنس السفاح. (٤) واختلف أهل العلم في النكاح الذي شهد عليه الشهود، ولكنهم لم يعلنوه للناس وتواصوا بكتمانه, كما اختلفوا في النكاح الذي أعلن ولم يحضره أحد من الشهود. وسبب الاختلاف يعود لأمرين: ١) اختلافهم في تصحيح أحاديث اشتراط الشهادة في عقد النكاح؛ فمن صححها قال باشتراط الشهادة كشرط صحة في عقد النكاح، ومن لم يصحح منها شيء قال بعدم اشتراط ذلك. ٢) اختلافهم أيضاً في مقصود الشهادة في عقد النكاح، هل هي أمر تعبدي ثبت بالشرع، يلزم تحققها؟ أم يقصد من وراءها مجرد التوثيق، وإثبات العقد عند التجاحد؟ فمن قال هي أمر تعبدي ثبت بالشرع، أثبتها كشرط صحة، ومن قال يقصد من ورائها التوثيق، وإثبات العقد جعلها شرط تمام، أو اكتفى بمجرد الإعلان، لأنه يقوم مقامها. (٥)

стр. 154

القائلون باشتراط الشهادة في عقد النكاح أولاً من الصحابة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير ﵃ أجمعين. ثانياً من التابعين: سعيد بن المسيب، وجابر بن زيد (١)، والحسن، والنخعي، وقتادة (٢)، والثوري، الأوزاعي. (٣) ثالثاً من الفقهاء: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه. (٤) قال ابن رشد (٥): وكثير من الناس رأي هذا داخلاً في باب الإجماع وهو ضعيف. (٦)

стр. 155

وأما من قال بعدم اشتراط الشهادة في عقد النكاح، واكتفى بمجرد الإعلان فهم: أولاً من الصحابة: ابن عمر ﵁ والحسن بن علي، وابن الزبير (١). ثانياً من التابعين: سالم (٢)، وحمزة (٣) إبنا عبد الله بن عمر، وعبد الله بن إدريس (٤)، وأبو ثور (٥)، وابن المنذر (٦)، والليث (٧) وغيرهم. (٨)

стр. 156

ثالثاً من الفقهاء: الإمام مالك بن أنس، ورواية للإمام أحمد. (١) وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. (٢) إلا أن المالكية يرون أن الإشهاد كالمهر، إنما يجب عند الدخول، وليس من شروط صحة العقد، فإن لم يوجد شهود وقت العقد ولا قبل الدخول، كان العقد فاسداً ويتعين فسخه. (٣)

стр. 157

أدلة القائلين باشتراط الشهادة عند العقد استدل أصحاب هذا القول بعدة أحاديث لكن أكثرها ضعيف، وأقواها ما يلي: ـ ١) حيث عائشة ﵂، وقد جاء أيضاً من حديث أبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، وجابر بن عبدا لله ﵃ أجمعين، قالوا: قال رسول الله ﷺ : " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل " (١) وهذا النفي كما سبق يتوجه على الأرجح إلى نفي الوجود الشرعي، لأن ذلك أقرب إلى مراد الشارع، وإذا كان الأمر كذلك، كان النكاح بغير شهود باطلاً، وفاسداً؛ لأنه فقد شرطاً من شروط صحته، يؤكد هذا ٢) حديث ابن عباس ﵃ عن النبي ﷺ قال: "البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينه " (٢) قال الشافعي رحمه الله تعالى وهو ثابت عن ابن عباس وغيره من أصحاب النبي ﷺ . (٣) ففي هذا الحديث دليل على أن النكاح كان يجري في زمنهم، ومجتمعهم، ببينة ووصف البغايا فيه، يدل على بطلان النكاح بغير بينة، والتي تعنى الشهود، يزيد هذا وضوحاً ٣) حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "لا بد في النكاح من أربعة، الولي والزوج، والشاهدان " (٤) وهو تصريح بضرورة هذه الأربع الخصال، أن تتوفر في عقد النكاح، وأن النكاح بدونها لا يحل، يقرر هذا

стр. 158

٤) ما روي عن الحسن ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: " لا يحل نكاح إلا بولي، وصداق، وشاهدي عدل " (١) قال الشافعي هذا وإن كان منقطعاً دون النبي ﷺ فإن أكثر أهل العلم يقولون به، وقال هو الفرق بين النكاح والسفاح. (٢) ٥) وروي عن الحسن، وسعيد بن المسيب أن عمر ﵃ قال: لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل. (٣) ٦) وروى مالك عن أبي الزبير ﵃ أنه قال: أُتي عمر بن الخطاب بنكاح لم يشهد عليه، إلا رجل وامرأة، فرده وقال هذا نكاح سر، ولا أجيزه، ولو تقدمت فيه لرجمت. (٤) ٧) وما روي عن ابن عباس أنه قال: " لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد" (٥) هذه الآثار عن الصحابة تدل على أن الاشهاد في النكاح، كان على عهدهم، وفي زمنهم، لابد منه، بل لا يجيزون النكاح بدونه. أما الأحاديث فجميعها تدل على أن الشهادةَ شرط صحة في عقد النكاح، وهو المفهوم من النفي فيها «لا نكاح» والذي يتوجه إلى نفي الوجود الشرعي، أو نفي الصحة كما يعبر عنه. كما أن الاشهاد على النكاح فيه نوع من الإعلان وعدم الإسرار، وقد نهانا النبي ﷺ عن الإسرار بالنكاح كما في حديث ٨) أبي هريرة ﵃ قال: " نهى رسول الله ﷺ عن نكاح السر " (٦) وهذا النهي يدل على فساد المنهي عنه، يؤيد ذلك ما سبق من الأحاديث والآثار. والله أعلم هذه الأحاديث والآثار، هي أهم ما يمكن أن يستدل به أصحاب هذا القول، في اشتراط الشهادة كشرط صحة في عقد النكاح. والله أعلم

стр. 159

أدلة القائلين بعدم اشتراط الشهادة أثناء عقد النكاح وأنه يكفي الإعلان به فقط: ـ استدل أصحاب هذا القول في عدم اشتراط الشهادة بالآتي: ـ أولاً: الأخبار والآثار: ١) حديث أنس ﵃ عنه قال: اشترى رسول الله ﷺ جارية بسبعة أرؤس، وهي صفية بنت حيي ... وفيه فقال الناس لا ندري أتزوجها أم اتخذها أم ولد، فقالوا إن حجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي أم ولد، فلما أراد أن يركب حجبها فقعدت على عجز البعير فعرفوا أنه قد تزوجها (١) وجه الاستدلال في الحديث، أن الرسول ﷺ تزوج صفية ﵂ وهي المذكورة في الحديث ولم يشهد، بل استدل الناس على زواجه بها بالحجاب فقط، يؤكد ذلك ما ٢) روى مالك عن عباد بن سنان، أن رسول الله ﷺ قال: " ألا أنكحك أميمة بنت ربيعة بنت الحارث، قال بلى، قال قد أنكحتكها ولم يشهد" (٢) ٣) وقد روي أن الحسن بن علي وكذا ابن الزبيرـ ﵄ أنهما فعلاه (٣) ٤) وقد روي أيضاً أن سالم، وحمزة ابنا عبدا لله بن عمر ﵃ أجمعين ـ روي أنهما فعلاه. (٤) ثانياً: المعقول: ١) عدم وجود الدليل الصحيح، الذي يدل على اشتراط الشهود في عقد النكاح، وما روي في ذلك من أحاديث وأخبار فهي غير صحيحة، قال الإمام أحمد: لم يثبت عن النبي ﷺ في الاشهاد على النكاح شيء (٥)

стр. 160

وقال ابن المنذر فيما نقله عنه الزركشي وابن قدامة: لا يثبت في الشاهدين في النكاح خبر ونقل تضعيف ابن عبد البر للحديث الذي يشترط الشاهدين (١) ج ٢) لو كان ذلك شرطاً لبينة رسول الله ﷺ وقد تقرر في علم الأصول أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ ولا شك أن المسلمين محتاجون أشد الحاجة إلى بيان مثل هذا الشرط في أمرٍ يفعلونه في كل حين وزمان, وقد عقد المسلمون من عقود الزواج في عصره ﷺ شيئاً كثيراً، يصعب حصره، وكذلك في عهد صحابته من بعده، فكيف لا يبين الله ولا رسوله ولا صحابته أن الشهادة شرط في هذا الأمر الذي تعم به البلوى، وتبطل بتركته العقود (٢). ٣) إن الذين يشترطون الشهود، مضطربون فيه اضطراباً يدل على فساد هذا الأصل، فليس لهم قول يثبت على معيار الشرع، إذ كان فيهم من يجوزه بشهادة فاسقين، ومنهم من لا يجوز ذلك. (٣) ٤) قياس عقد النكاح على عقد البيع، فإن البيع لا يلزم فيه إشهاد، مع أن الله تعالى قد ذكر الاشهاد فيه فقال: ﴿وَأَشْهِدُوْا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٤) فالأمر هنا محمول على الاستحباب، وكذا نقول في عقد النكاح من باب الأولى، لأن الله ورسوله لم يبينا ضرورة الاشهاد فيه؛ ولهذا قال يزيد بن هارون (٥): مما يعاب به أهل الرأي أن الله أمر بالإشهاد في البيع، دون النكاح، وهم أمروا به في النكاح دون البيع، قال ابن تيمية: وهو كما قال (٦) جج لهذه الاعتبارات لم تكن الشهادة شرطاً عند أصحاب هذا القول، مع قولهم بضرورة إعلان النكاح، وأن لا يكون سراً.

стр. 161

المناقشة والترجيح بعد هذا العرض الموجز لأهمّ ما يمكن أن يستدل به الفريقان؛ وبعد إمعان النظر، نجد أن المسألة دائرة في مجال الاجتهاد، ويمكن أن يكون القول بوجوب الإعلان، وعدم وجوب الإشهاد متجهاً من ناحية أن إعلان النكاح أقوى من الاشهاد عليه، فلا يحتاج مع الإعلان إلى الاشهاد، فالشاهدان قد يموتان، أو تتغير أحوالهما، بخلاف النكاح المعلن فإنه يشتهر بين الناس، ويكون بمثابة الاشهاد الجماعي، ويصعب التجاحد فيه، ثم إن الشارع قد أمر بإعلان النكاح، ونهى عن الإسرار به، في أحاديث صحيحة فقد جاء من حديث محمد بن حاطب الجمحي عن النبي ﷺ أنه قال: " فصل ما بين الحلال والحرام، الصوت، والدف في النكاح " (١) وسبق حديث أبي هريرة في النهي عن نكاح السر في أدلة الفريق الأول، فأغنى هذا كله عن الاشهاد. فالإعلان بالصوت، وضرب الدف، يشهر النكاح بين الناس، ويغني عن الاشهاد عليه كالنسب، فإنه لا يحتاج إلى الاشهاد فيه، لاشتهاره بين الناس، فإن المرأة تلد ويعلم الناس أنها ولدت لفلان ولا يحتاج إلى الاشهاد فيه. وهذا الإيراد متجه إن سُلّم أن الاشهاد في النكاح ليس أمراً تعبدياً ثبت بالشرع؛ وأن المقصود منه حفظ هذا العقد عن التجاحد، وصيانة النسب فحسب. ولكن إذا ما نظرنا في أدلتهم، فإنا نجد أنهم اعتمدوا في أغلب ما استدلوا في الجملة على أربعة أمور هي: ١) عدم وجود النقل الصحيح المثبت للشهادة كشرط صحة. ٢) فعل النبي ﷺ في تزوجه من صفيه، وكان بغير شهود كما في ظاهر الروايات. ٣) ما روي من فعل بعض الصحابة، وبعض التابعين. ٤) قياس عقد النكاح على عقد البيع، في عدم اشتراط الشهادة. وإذا أمعنا النظر في هذه الأدلة، فإنه يمكن أن تتجه عليها الإيرادات التالية:

стр. 162

أولاً: قولهم بعدم وجود الدليل الصحيح، مدفوعٌ بأنه قد صحح بعض تلك النقول عدد من أئمة الحديث فمن ذلك. أ) ابن حبان في صحيحه فإنه قال في حديث عائشة السابق: " ولا يصح في ذكر الشاهدين غير هذا الخبر " (١) ب) ذكر الدارقطني لحديث عائشة السابق، طرق، ومتابعات كثيرة، مما يدل على أن الحديث ثابت، حتى قال الألباني إن الحديث يرتقي بها إلى مرتبة الصحة. (٢) ج) قال الترمذي وهو يتكلم عن حديث ابن عباس "البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة" قال: والعمل على هذا عند أهل العلم، من أصحاب النبي ﷺ ومَن بعدهم من التابعين وغيرهم، قالوا: لا نكاح إلا بشهود، لم يختلفوا في ذلك من مضى منهم، إلا قوماً من المتأخرين من أهل العلم. (٣) ثانياً: أما استدلالهم بفعل النبي ﷺ عند زواجه بصفية، فإنه يتجه القول عليه بأن ذلك من خصائصه ﷺ فكما أنه يجوز له الزواج بأكثر من أربع، فإنه يجوز له الزواج بغير شهود. (٤) لكثرة اختصاصه ﷺ في هذا الباب. ثالثاً: أما عن فعل بعض الصحابة، وبعض التابعين بأنهم تزوجوا بغير شهود، فإن ذلك معارض بفعل، وقول، الأغلب الأكثر منهم، كما يفهم من كلام الترمذي السابق؛ وبهذا يكون قد اختلف القول بين الصحابة في ذلك، ويمكن ترجيح قول المثبت منهم، لكون معه زيادة علم، فيكون مقدم على النافي، ناهيك عن كثرة عدد المثبتين في ذلك. (٥) رابعاً: أما قياسهم عقد النكاح على عقد البيع، فإن ذلك ممتنع لوجود النص الصحيح، كما سبق ثم إنه قياس مع الفارق، وذلك أن عقود البيع ترجع بآثارها فقط على المتابعين؛ لكنَّ

стр. 163

عقد النكاح خالفها في تجاوزه عن المتعاقدين إلى ثالث، وهو الولد الغائب الذي يلزم حفظ نسبه في الشرع، فاحتاط الشارع لذلك باشتراط الشهادة على عقد النكاح. (١) بعد هذه المناقشة والتي تبين من خلالها، متانة أدلة الفريق الأول، مقارنة بأدلة الفريق الثاني؛ والنظر في واقع الناس وأحوال المجتمعات، فإنه يترجح ـ والله أعلم ـ القول باشتراط الشهادة في عقد النكاح، لقوة أدلتهم مع الاعتبارات التالية: أولاً: إنه قد صح الخبر في ذلك كما سبق، صححه عدد من أئمة الحديث، وأساطين العلم كابن حبان، والأوزاعي، والدارقطني، والألباني، بل قال الترمذي العمل عليه عند أهل العلم من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم لا يختلفون في ذلك، كما مر معنا. بل وقال الشافعي ﵀ وهو يتكلم عن حديث الحسن عن النبي ﷺ "لا يحل نكاح إلا بولي، وصداق، وشاهدي عدل " قال: وهذا وإن كان منقطعاً دون النبي ﷺ فإن أكثر أهل العلم يقولون به، ويقول: وهو الفرق بين النكاح والسفاح. (٢) ثانياً: ثم إن في اشتراط الشهادة في عقد النكاح فوائد عديدة منها: ـ ١) إثبات النكاح عند العقد، وصيانة له عن الجحود, خصوصاً ونحن في زمنٍ تهاون فيه كثير من الناس في التقاء الخاطب بخطيبته قبل العقد، وأحياناً الخلوة، والخروج معها وقد يواقعها, مما استدعى الأمر معه إلى إثبات النكاح، عند العقد وليس عند الدخول. ٢) من المقرر عند الفقهاء إن الأصل في الأبضاع الحرمة، فإذا تعارض دليلان أحدهما موجب للحل، والأخر موجب للحرمة، رُجِّح الموجب للحرمة للأصل. (٣)

стр. 164

٣) الناس يختلفون في إعلان النكاح، بحسب أعرافهم، وواقعهم، وقد يطرأ عليهم ما يمنع من إعلانه، ثم إن ضابط الإعلان مختَلفٌ بينهم، فكان اشتراط الشهادة في العقد أولى من عدمه؛ لأن الشهادة لا مجال فيها للتفاوت، أو الاختلاف. (١) ثالثاً: إن الآثار المترتبة على القول بعدم اشتراط الشهادة، سلبية في الأغلب، ويكفي منها انتشار نكاح السر، بمفاسده الوخيمة، وأضراره العظيمة، على الفرد والمجتمع على حد السواء. (٢) رابعاً: إن القول في اشتراط الشهادة في عقد النكاح، في واقعٍ كثرة فيه الحيل، والتحيل، وماتت فيه الغيرة في نفوس بعض الناس، ناهيك عن غياب الوازع الديني، القول باشتراط الشهادة فيه، أقرب إلى الورع والاحتياط، وسد باب الفساد والإفساد؛ وقد رأينا وسمعنا من القصص الكثير في هذا الزمن، ممن أهمل فيه هذا الشرط في عقد النكاح. (٣) هذا وقد اشترطت قوانين الأحوال الشخصية، التي يتم فيها تسجيل وتوثيق عقود الأنكحة، أن تكون ورقة العقد قد شهد عليها شاهدان، أثناء انعقاده؛ وعليه فإن العقود اليوم لا تسجل لدى الجهات الرسمية إلا إذا شهد عليها شاهدان؛ وإذا ما تم تسجيلها وتوثيقها بعد ذلك، فقد تم إعلان هذا النكاح، ويكون النكاح بذلك قد صح على مذاهب أهل العلم، من غير خلاف بينهم ولهذا قلنا بضرورة تسجيل وتوثيق عقود الانحكة.

стр. 165

وإذا تبين رجحان القول باشتراط الشهادة، لصحة عقد النكاح، فإنه يشترط في الشاهدين شروط بينها الفقهاء، واختلفوا في بعضها، ونحن نوجز أهم تلك الشروط مع الإشارة إلى ما هو مختلف فيه، فيشترط في الشاهدين: ـ ١) البلوغ والعقل، فلا تصح شهادة الصبيان ولا شهادة المجانين. (١) ٢) الإسلام فلا تصح شهادة الكافر، على عقد الزوجين المسلمين، بلا خلاف بين الفقهاء؛ لأن الشهادة فيها نوع من الولاية، ولا ولاية لكافر على مسلم، وأيضاً فإن الله تعالى قال: ... ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ﴾ (٢) والكاف خطاب للمسلمين؛ (٣) أما إن كان الزوج مسلماً والزوجة ذمية فقد منع أيضاً شهادة الذميين على هذا العقد زفر، ومحمد بن الحسن من الحنفية، ومالك، والشافعية، والحنابلة، (٤)؛ وجوز شهادتهم أبو حنيفة، وأبو يوسف رحمهما الله تعالى. (٥) ٣) الذكورة في الشاهدين، وقد اشترط ذلك، المالكية، والشافعية، والحنابلة؛ كلهم قالوا لا يجوز أن تشهد النساء على عقد النكاح (٦)؛ أما إن كان النكاح بشهادة رجل وامرأتين فقد جوز ذلك الحنفية، ورواية لأحمد، خرجها بعض أصحابة وأنكرها البعض الآخر (٧) ومنع ذلك الشافعية وهو المذهب عند الحنابلة. (٨) ٤) العدالة، وهي الصلاح في الدين والمروءة، وألا يكون الشاهدان فاسقين، وقد ذهب إلى اشتراط ذلك الشافعية، والحنابلة، وقالوا في حدها أنه يكفي أن يكون الشاهدان مستورَي الحال غير معروفَين بفسق (٩) وقد أجاز شهادة الفاسقَين الأحناف، ورواية لأحمد. (١٠)

стр. 166

٥) سلامة الحواس، ويعنون به السمع، والنطق، لا الإبصار على الراجح، فالسمع ليسمعا الإيجاب والقبول من المتعاقدين، والنطق لينطقا بالشهادة. (١) هذه هي الشروط اللازم توفرها في الشاهدين، والمعنى في اشتراطها هو الاحتياط للأبضاع وصيانة النكاح عن الجحود, ولحفظ الأنساب, فينبغي أن يتنبه لمثل ذلك، ويتحرى مريد النكاح شهوداً عدولاً. (٢)

стр. 167

القسم الثاني: حكم النكاح بغير ولي ولا شهود أما عن نكاح السر الذي يكون بلا ولي، ولا شهود، فإن هذا النوع من الأنكحة قد جمع بين فقدان شرط الولي اللازم لصحة النكاح، وفقدان شرط الشهادة، واللازم أيضاً لصحة هذا العقد. وإذا كان كذلك فإنه يكون باطلاً، وفاسداً، باتفاق أهل العلم؛ لفقدان هذا العقد شرطين من شروط الصحة، إذ لا يقول أحدٌ من أهل العلم بجواز فقدانهما جميعاً، في عقد واحد، ولن نبعد النجعة إن قلنا، إنه من جنس الزنا، واتخاذ الخليلات، والأخدان، إذ لا فرق ظاهر بينهما، وإن حاول بعض الناس إلباسه ثوب الشرعية، بمبررات هي أوهى من بيوت العنكبوت، كحل اضطراري، أو ضغط واقعي، أو ما شاباه ذلك من المزاعم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن نكاح السر من جنس اتخاذ الأخدان، شبيه به لاسيما إذا زوجت نفسها بلا ولي ولا شهود وكتما ذلك، فهذا مثل الذي يتخذ صديقة، ليس بينهما فرق ظاهر، معروف عند الناس، يتميز به عن هذا، فلا يشاء من يزني بامرأة صديقة له، إلا قال تزوجتها، ولا يشاء أحد أن يقول لمن تزوج في السر إنه يزني بها، إلا قال ذلك؛ فلا بد أن يكون بين الحلال والحرام فرق مبين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (٢) فإذا ظهر للناس أن هذه المرأة قد أحصنها، تميزت عن المسافحات، والمتخذات أخدان، وإذا كان يمكنها أن تذهب إلى الأجانب، لم تتميز المحصنات؛ كما أنه إذا كتم نكاحها فلم يعلم به أحد لم تتميز من المتخذات أخدان. (٣) وعليه فإن ما يجري اليوم في الواقع، من زواج يسمى (زواج عرفي، أو زواج سري) ليس من سلك الشريعة في شيء، ولا في فلك الإسلام بصدد، وإن زعم الزاعمون، ولبَّس الملبِّسون، بل إن بعض أهل العلم يوجب في هذا النكاح الحد، حتى وإن كان فاعله ظاناً حليته، ومشروعيته؛ لانتفاء الشبهة الدارئة للحد فيه، أو لضعف مدركها، قال في مغني

стр. 168

المحتاج: الضابط في الشبهة [التي تدرأ الحد] قوة المدرك، كما صرح به الروياني وغيره، لا عين الخلاف كما ذكره الشيخان (١) فلو وطء أمة غيره بإذنه، حد على المذاهب، وإن حكي عن عطاء حل ذلك (٢) وقال في موضع أخر: أما الوطء في نكاح بلا ولي، ولا شهود، فإنه يوجب الحد جزماً؛ لانتفاء شبهة العلماء. (٣) وقد ذكر الفقهاء أنه يشترط في جواز تقليد مذهب الغير، أن لا يكون موقعاً في أمر يجتمع على إبطاله إمامه الأول وإمامه الثاني، فمن قلد مالكاً في عدم النقض باللمس الخالي عن الشهوة، فلا بد أن يدلك بدنه، ويمسح جميع رأسه، وإلا فتكون صلاته باطلةً عند الإمامين؛ إذا علمت ذلك فمن فروع المسألة إذا نكح بلا ولي، تقليداً لأبي حنيفة، أو بلا شهود، تقليداً لمالك ووطء، فإنه لا يُحد؛ فلو نكح بلا ولي، ولا شهود أيضاً حد كما قاله الرافعي لأن الإمامين قد اتفقا على البطلان. (٤)

стр. 169

المطلب الرابع: الآثار الشرعية والقانونية الناتجة عنه أما عن آثار هذا العقد الفاقد لهذا الشرط (الشهادة) فإنها كآثار النكاح بغير علم الولي، في المبحث السابق؛ فكلاهما فاسد، وباطل، وآثارهما واحدة، فإن الفقهاء يتكلمون عن النكاح الفاسد، أو الباطل، ويدخلون تحته أنواع من العقود، التي فقدت شرطاً من شروط الصحة وكذلك الآثار القانونية فإنها نفس الآثار في المبحث قبله.

стр. 170

الفصل الثالث

стр. 171

نماذج وحلول

стр. 172

تمهيد إنه من المعلوم أن الله تعالى هو الذي خلق فهو الذي يعلم ما يصلح لعباده في حياتهم، لذلك شرع لهم نظاماً وقانوناً ومنهجاً يسيرون عليه حتى تصلح أحوالهم، فمهما التزموا به صلحت شؤنهم وإذا ما تنكبوا عنه فسدت أمورهم الحياتية، وفي هذا الفصل سنتكلم عن نماذج من الواقع لأنواع النكاح العرفي لنقف عليها وننظر بعين العظة والاعتبار في صفحات الواقع فلا أوعظ من الحقيقة ولا أفصح من التجربة. وللأسف لم أستطع توثيق أي حالة من حالات الزواج العرفي بأنواعه في مجتمعنا اليمني عدى نوعاً واحداً هو الزواج السياحي نظراً لما يغلب علي مجتمعنا من طابع التكتم، وعدم البوح، وكل ما عرفنا هي حالات معينه هنا وهناك تكون في الغالب حالات عامه غير مفصلة لأحداث القضية، ولأمر آخر وهو أن مجتمعنا لازال في بداية السير في طريقه نحو هذا الزواج ولم ينتشر فيه كبقية البلدان العربية الأخرى ـ ولله الحمد والمنة ـ وما هذا البحث إلا محاولة للحد من انتشاره في مجتمعنا، وأكثر ما استندنا عليه هي شبكة المعلومات العالمية الانترنت، لتوثيق بعض الحالات في بلداننا الإسلامية، ثم نذكر في المبحث الثاني من هذا الفصل الحلول المقترحة للحد من هذه الظاهرة.

стр. 173

المبحث الأول: نماذج ميدانية وتحته ثلاثة مطالب: ـ المطلب الأول: ـ نماذج من النكاح غير الموثق سبق وأن عرفنا أن النكاح غير الموثق يكون مستوفياً لجميع الأركان والشروط، ولكنه ينقصه عنصر التوثيق فقط، والذي يتمثل بالمصادقة عليه من المحكمة، أو الجهة المختصة والمعدة لذلك. ويجري هذا النكاح بإيجاب وقبول من ولي المرأة، وشاهدين، ومهر، لكنهم لا يكتبون ذلك في ورقة، أو يكتبونه في ورقة لكنهم لا يصادقون عليها لدى الجهة المختصة. والفائدة في توثيقه ترجع إلى قبول دعوى الترافع عند الإنكار، أو التقصير في حقوق المرأة كما في بعض البلدان مثل مصر، حيث ينص قانونها على عدم قبول دعوى الترافع ما لم يكن العقد موثقاً لدى الجهة المختصة. فإذا تنصل بعض الأزواج من حقوق زوجته، لا تستطيع الزوجة حينها عمل أي شيء، سوى انتظار رحمة وشفقة الزوج؛ وقد حذرت منظمات حقوق المرأة في مصر من مغبات هذا الزواج وإن كان صحيحاً من أنه طريقٌ لابتزاز المرأة وهظم حقوقها وأوردت بعض الأمثلة والنماذج على ذلك فمنها. نموذج (١) أين الأدلة! حالة عائشة في بلد غير عربي، تزوجت عن طريق زواج القبائل، وهو نوع من الزواج الصحيح لكنه بدون توثيق، تزوجت وهي تبلغ من العمر ٢٠ عاماً ولم تظن أن هذا الزواج سيكون مشكلة، حيث تركها زوجها ولم يعترف بالأبناء، ورفض أن يعطيها أياً من حقوقها الشرعية لكي تنفق على أطفالها وغادر البلاد بدون سابق إنذار؛ لأنه شعر أن ما بني بسهوله

стр. 174

يمكن أن يهدم بسهولة، وأرادت الزوجة أن ترفع دعوى ضد زوجها، ولكن القانون لا يعرف سوى الأدلة التي تثبت صحة زواجها. (١) نموذج (٢) لا يوجد أوراق رسمية تثبت حقه! وحالة أخرى هي أمل التي تزوجت بعقد زواج عرفي ـ بدون توثيق ـ وعاشت مع الرجل حوالي ستة أشهر، ثم ساءت معاملته لها، فقررت رفع قضية خلع لإنهاء العلاقة، وكانت حاملاً وقتها في شهورها الأولى، وطلبت منه الاعتراف بالطفل، وطلب منها إجهاضه، ورفضت وبعد ميلاده تحولت القضية لإثبات النسب، وطلبت الأم تحويلها هي والطفل والزوج إلى الطب الشرعي وتحليل الحامض النووي ولكنه قبل التحليل توفى الزوج وقد بلغ الطفل من العمر ثلاث سنوات ولا يوجد أوراق رسمية تثبت حقه (٢) أو حتى نسبه. والحالات من مثل هذه كثرة، لا سيما في بلاد الغرب، فلنا أن نتصور ما يمكن أن يجر التساهل في توثيق العقد، من متاعب وما قد يضيِّع من حقوق، فالله المستعان، ، ،

стр. 175

المطلب الثاني نماذج من النكاح بنية الطلاق (السياحي) النكاح السياحي، والذي كان له صدىً واسعاً في كثير من البلدان العربية، ولكنا تناولناه كواقع موجود في اليمن، وعلى وجه التحديد في مدينة إب؛ هذا النوع من النكاح كان مثار خلاف بين أوساط المثقفين عند بداية ظهوره، لكنَّ كثيراً منهم عدل عن رأيه عندما وصل هذا النكاح إلى مأساة اجتاحت الأسر اللاتي وقعن في معتركه، والبالغ عددها ٩٢ حالة معلنه في مدينة إب وظواحيها، حسب دراسات موثقة لدى أمن الدولة، وما خفي كان أعظم (١) ونحن إذ نتكلم عن صور ونماذج لهذا النوع من الأنكحة، نود الإشارة إلى أن الأمثلة والنماذج كثيرة، ولكن يمكن الاكتفاء بذكر بعضها، بالإشارة على سبيل الإيجاز مقتصرين على ما جرى به قلم التوثيق والدراسة من خلال جامعة إب، والتي قامت بدراسة أربعين حالة؛ وقناتي الفضائية اليمنية، وقناة العربية، متمماً ما نقص في تفاصيل كل ذلك من خلال ما عايشته وما أعرفه من الواقع في مدينة إب التي أسكن فيها. نموذج (١) أرملة في عمر الزهور! إنها الفتاة أمينة تزوجت بسائح خليجي عمره خمسون عاماً، بينما كانت أمينة في الرابعة عشرة من عمرها! ! تروي أمها قصة ابنتها قائلة "ظننا أنه زوج للدهر"، ولكن للأسف لم يمض على زواجها سوى سنة، أو أكثر بقليل حتى فاجئها بالطلاق عن بُعد، بعد انقضاء فترة سياحته؛ ليترك طفله الذي كان لا يزال رضيعاً، في أحضان أم في عمر الزهور، بدون رعاية أو حتى نفقة، وحمَّلت الفتاة أمينة الوسطاء الذين أكدوا لها وفاء العريس ونبله حملتهم مسؤولية ذلك الزواج المشئوم (٢)

стр. 176

نموذج (٢) أختان في ليلة واحدة! تحكي الأم لوله قصة زواج ابنتيها من سائحَين في ليلة واحدة، كان عمر الأولى ١٤ عاماً والثانية ١٥ عاماً، كان الوسيط في ذلك والسمسار هو جارها المغترب في بلد ذينك السائحين، وتمت الزيجة لتستمر شهراً واحداً فقط، ـ وهو فترة سياحتهماـ يفر بعد ذلك الزوجان إلى بلديهما دون طلاق، أو حتى علم زوجتيهما! ! ! وبعد فترة تفضل السائحان بإرسال ورقة طلاقهما مع أحد المسافرين المغتربين هناك (١). نموذج (٣) تركها معلقة! لطفيه والتي سبق لها الزواج ورزقت ابناً، تروي تجربتها في الزواج الثاني بسائح خليجي فتقول: كان السمسار في هذا الزواج هو زوج أختي الذي طالما حدثني عن ذلك الخليجي أنه يريد امرأة يمنية، وطالما أغراني بأنه ذو مالٍ، وسيأخذني معه إلى بلاده، كما أنه سيأخذ ابني للمعمل في بلده، فلما جاء ورأيته وجدته كبيراً في السن كان عمره يقدر بحوالي ٧٠ عاماً! ! ! فرفضت، ولكن تحت إلحاح زوج أختي وافقت على الزواج به، وتمت الزيجة لتستمر أسبوعين فقط، سافر بعدها إلى بلده بحجة عمل الترتيبات اللازمة لسفري، وكان قد أخذ مني ما كان أعطاني من مهر بحجة الحصول منه على فيزه لولدي ... استمر في التواصل معي مدة ثلاثة إلى أربعة أشهر عبر سماعة الهاتف، يعطيني خلالها مبلغ معين كل شهر ثم انقطعت أخباره تماماً! ! ! فلم يعد يتصل بي ولا أعرف أين هو أو عنواناً يقودني إليه (٢). نموذج (٤) زواج بلا إنجاب! ! ! الفتاة أمل والبالغة من العمر ١٦ عاماً تحكي زواجها بسائح خليجي عمره يقدر ... بـ ٥٠ عاماً! ! ! تقول تقدم إلي عبر وسيط أو وسطاء ذكروا لوالدي من أوصافه الكثير، الدالة على صدقه والتزامه، كما لا أنسى المبلغ الذي دفعه! ! ! فتمت الموافقة من قِبل والدي، وجرى الزواج بسرعة رهيبة كما كان يرغب، ففي خلال ثلاثة أيام تم كل شيء، وكان

стр. 177

الزفاف إلى الفندق واستمرت هذه الزيجة ثلاثة أشهر فقط، ألزمني خلالها تناول حبوب منع الحمل مما سبب لي أعراضاً مرضية جعلتني أمتنع عن تناولها الأمر الذي كان يرفضه تماماً، فنشأ الخلاف بيننا وانتهى بالطلاق. الجدير بالذكر أن أم أمل تقول أنها تعرف عشر فتيات في نفس منطقتها وقعن في نفس الشباك لهذا الزواج .. (١) نموذج (٥) مودةً ورحمة! ! ! مدينة جبلة بنتان من بناتها تزوجتا بسائحين خليجيين، ليستمر هذا الزواج أشهراً فقط، وعزم الزوجان على العودة لبلديهما، ولكن مع زوجتيهما، فأخذاهما إلى حدود اليمن، ومكثا هناك كل مع زوجته أياماً، وبعدها فر الزوجان في حين غفلة بعد أخذهما لكل حلي زوجتيهما وما كانا أعطاهما من مهر وغيره، تاركَين وراءهما امرأتين ضعيفتين في مدينة لا تعرفانها ولا يملكن فيها قريب ولا مجيب. (٢) ونكتفي هنا بهذه الأمثلة والقليل فيها دال على ماعداه، وفي نهاية هذا البحث إشارات لبعض الحالات التي أجرت جامعة إب الدراسة عليها ملخصة في جدول.

стр. 178

المطلب الثالث: نماذج من النكاح بغير ولي ومن النكاح السري هذا النوع يغلب عليه طابع السرية، ويتشابه في صورته مع النكاح السري تماماً؛ لأن الشاب أو الفتاة التي تقدم على الزواج بغير علم أوليائها تحرص كل الحرص على أن يبقى هذا النكاح سراً في المجتمع، لئلا يتسرب الخبر إلى أوليائهما؛ ولذلك فإن الصورة تكاد تكون واحدة ونماذجه التي وجدناها متشابهة, وهذا النوع انتشر بشكل مخيف أوساط المجتمعات العربية ومنها اليمن، ففي المجتمع اليمني سمعنا عن هذه الظاهرة في صنعاء (١) في إحدى المدارس الثانوية ثم في ذمار وغيرها إلا أن الحال أفضل بكثير من بقية البلدان، كسوريا، أو السودان، أو مصر ففيها كشفت إحصائيات مصرية عن وجود ميلون حالة زواج عرفي وأكثر من ١٤ ألف قضية إثبات نسب منظورة أمام القضاء , وذكر التقرير الذي نشرته شبكة المعلومات الإقليمية للأمم المتحدة نقلاُ عن الإحصائيات التي قام بها بعض نشطاء المجتمع المدني في مصر والتي يقدرون عدد حالات الزواج العرفي في مصر بمليون حالة ونقل التقرير عن جمعيات حقوق المرأة في مصر تحذيرها من ظاهرة الزواج العرفي التي زادت في الفترة الأخيرة بشكل كبير وتسببت في مشاكل لا حصر لها , وأشارت إلى أن الشباب يلجأون إلى الزواج العرفي والسري بهدف إقامة علاقات جنسية فقط وفقاً لما ذكرت صحيفة اليوم السعودية , وكانت دراسة أجراها المجلس القومي للسكان والجامعة الأمريكية بالقاهرة أشارت إلى أن عدد حالات الزواج العرفي في مصر يزيد على ٤٠٠ ألف حالة سنوياً. وحمَّلت الدراسة وسائل الإعلام المرئية المسؤولية عن إقبال الشباب على الزوج العرفي من خلال عرضها المسلسلات والأفلام وأغاني الفيديو كليب والإعلانات التجارية التي تحوي العديد من المشاهد المثيرة (٢). ويتمثل هذا الزواج عبر طريقتين: ـ

стр. 179

الطريقة الأولى: ـ عبر زواج الطلاب بزميلاتهم سواءً كانوا في الثانوية أم في المراحل الجامعية، وهذا ما تم التأكد منه في عدد من البلدان منها، اليمن، ولكن البلد الذي ناله الحظ الأوفر هو مصر، ففي إحصائية جديدة أعلنتها وزارة الشؤون الاجتماعية المصرية كشفت أن ٢٥٥ ألف طالب وطالبة في مصر اختاروا الزواج العرفي أي بنسبة ١٧% من طلبة الجامعات البالغ عددهم ٥.١ مليون وهو ما يعني أن هذه الظاهرة أصبحت تحتاج إلى تدخل عاجل والاحتراس منها بالتوعية في بقية البلدان الأقل انتشاراً (١). وفي الأردن صرحت وزارة التنمية الاجتماعية بوجود (١٧٠) ألف حالة زواج عرفي بين طلبة الجامعة فقط. (٢) وفي سوريا لا توجد إحصائية رسمية لكن أحد المحامين المتخصصين بالقضايا الشرعية يقول إن ثلث حالات الزواج في سوريا تتم أولاً بعقد عرفي ثم تثبت قانونياً، أما الحالات الأخرى الغير سوية فقد انتشرت بشكل لافت للانتباه. (٣) أما اليمن فقد كشفت السلطات اليمنية انتشار هذه الظاهرة، بين أوساط الطلبة، في المدارس الثانوية، لكنها لم تُعلن عن إحصائيات رسمية، لهذه الحالات. (٤) وهنا بعض الأمثلة والنماذج نقرأها عبر صفحات الواقع: ـ نموذج (١) حنان وشريف ... حالة الشابة حنان البالغة من العمر (٢١) عاماً والطالبة في كلية التجارة، والتي أحبت الشاب شريف مع أوصافه التي أعجبتها، وطلبت منه التقدم لخطبتها, ولكن الرد كان مخيباً للأمل مع قائمة الأعذار والحجج الطويلة للرفض، وما كان منهما إلا أن تزوجا عرفياً بالسر واستأجرا شقة متواضعة كانا يلتقيان يومياً فيها، إلى أن حدث ذات يوم أن تهجم عليها صاحب المنزل في غيبة زوجها شريف، وراودها عن نفسها وهددها بأنه سيخبر أهلها

стр. 180

بزواجها دون علمهم، وأنه عثر على عنوانها من خلال صورة البطاقة المسلمة إليهم وقت تحرير عقد الإيجار, وأمام تهديده لم تجد سوى عصى كانت أمامها سددت له عدة ضربات في وجهه مما أسفر عن تصفية عينه اليسرى، وفجأة ترى نفسها متهمة بإحداث عاهة مستديمة لشاب في مقتبل حياته، فالقانون لا يعرف أنه راودها عن نفسها ولكنه يعرف فقط أنها المسكينة مجرمة. (١) نموذج (٢) ماتت بفضيحة! ! ! بين أسوار الجامع ترددت على المسامع حكاية الطالبة م ـ ل ـ والتي تزوجت لمدة عامين أحد زملائها قبل أن تتخرج من كلية الآداب، وفيما هي تحمل شهادتها الجامعية في يدها، كان الجنين يتحرك في أحشائها، بينما الزوج تحلق به الطائرة في طريقة إلى إحدى الدول الخليجية، تمر الأيام بطيئة والزوج المسافر لم يرسل عنوانه أو دعوة لتسافر إليه كما وعدها ... والأيام تمر .. والجنين يكبر ... وبطنها تتمدد ... والفضيحة باتت مؤكدة ... ماذا تفعل؟ لا بد من الإجهاض لكن ليس الطبيب أو المستشفى، حتى لا تسأل عن الزوج أو ولي أمرها، فحاولت إجهاظ نفسها من خلال الوصفات الشعبية .. فأصيبت بنزيف حاد بين يدي ثلاث من صديقاتها اللاتي روين القصة كاملة أمام الشرطة. (٢) نموذج (٣) ضاع الأمل في الزواج! ! ! قصتي لا تخطر على بال أحد! ! ! ولم أكن أتخيل أنها ستسير إلى هذا الطريق الرهيب .. ببساطه شديدة تزوجنا عرفياً، لم يكن قادراً مادياً وبعد ثلاثة أشهر من الزواج فاجأني بخبر أسعد صدري وقلبي بأن مشكلتنا قد حلت، حيث سيسافر بعد أسبوعين للعمل في الخارج، براتب كبير يعود بعدها ليعلن زواجنا، ولا تتخيلوا مدى سعادتنا في هذا اليوم وكان هذا اليوم أخر أيام سعادتي الحقيقية، فمنذ سبع سنوات بالتمام والكمال لم يعد حبيبي حتى اليوم من الخارج لقد اختفى تماماً حتى أهله لا يعلمون مكانه، وتركني وحيدة انتظره لا أستطيع
следующие страницы →