← Указатели

Указатели · id 143160

تاريخ التراث العربي لسزكين - العلوم الشرعية

فؤاد سزكين

Полный текст (1 691 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

١٤ - «غريب القرآن» تأليف محمد بن العباس بن محمد اليزيدى (المتوفى سنة ٣١٠ هـ/ ٩٢٢ م انظر بروكلمان ١/ ١٠٩). ١٥ - «جامع البيان عن تأويل القرآن» تأليف محمد بن جرير الطّبرى (المتوفى سنة ٣١١ هـ/ ٩٢٣ م) يأتى ذكره فى الجزء الخاص بالتاريخ، ص ٣٢٣. ١٦ - «معانى القرآن واعرابه» تأليف إبراهيم بن السّرى الزّجّاج (المتوفى سنة ٣١١ هـ/ ٩٢٣ م انظر بروكلمان ١/ ١٠٩). ١٧ - «تأويلات القرآن» تأليف أبى منصور محمد بن محمد الماتريدى (المتوفى سنة ٣٣٣ هـ/ ٩٤٤ م) يأتى ذكره فى القسم الخاص بالعقائد، ص ٦٠٥. ١٨ - «معانى القرآن» تأليف أبى جعفر أحمد بن النحّاس (المتوفى سنة ٣٣٨ هـ/ ٩٥٠ م انظر بروكلمان ١/ ١٣٢). ١٩ - «الناسخ والمنسوخ فى القرآن»، للمؤلف نفسه. ٢٠ - «كتاب النكت فى إعجاز القرآن» تأليف على بن عيسى الرّمانى (المتوفى سنة ٣٨٤ هـ/ ٩٤٤ م انظر: بروكلمان ١/ ١١٣). ٢١ - «تفسير القرآن» تأليف أبى الليث نصر بن محمد السّمرقندى (المتوفى سنة ٣٧٣ هـ/ ٩٨٣ م، وقيل ٣٨٣ أو ٣٩٣ هـ)، يأتى ذكره فى الجزء الخاص بالفقه، ص ٤٤٥. ٢٢ - «اعجاز القرآن» تأليف أبى بكر محمد الباقلّانى (المتوفى سنة ٤٠٣ هـ/ ١٠١٣ م) يأتى ذكره فى القسم الخاص بالعقائد، ص ٦٠٨.

стр. 107

الباب الثانى علم الحديث

стр. 108

مقدمة قبل أن نعرض للآثار المدوّنة الباقية التى أنتجت فى علم الحديث فى القرون الأولى بعد ظهور الإسلام، نحاول- فى البداية- إلقاء نظرة شاملة على تطور هذا الفرع من العلوم. وليست معرفة ذلك ضرورية فى علم الحديث فحسب، بل لا غنى عنها لكل من أراد فهما صحيحا لمجموع التراث الإسلامى فى نشأته وازدهاره. وليس من الممكن الوصول إلى إجماع، أو بالأحرى إلى حكم عادل فى قضية مدى أصالة الشعر العربى القديم، أو فى مبلغ صدق الأخبار التى ترجع إلى صدر الإسلام، إلا إذا سبق هذا تصوّر دقيق للخواص المميّزة للرواية (فى الحضارة) الإسلامية. وفى مجال الدراسات الحديثة: تعتبر النتائج التى توصل إليها جولدتسيهر (١٠٤) بصفة عامة نتائج حاسمة، وكان حسب الدارسين عند التعرض للقضايا الأساسية والتفصيلات الجزئية أن يرجعوا إليه. ولكنا نودّ هنا، أن نتناول هذه النتائج بالبحث منطلقين من دراسة لنا ظهرت بلغة قليلة القراء، (١٠٥) ثم نعرض بعد هذا عرضا وصفيّا، يتوخى الدقة- ما أمكن ذلك- لتطور حركة التأليف فى علم الحديث. يبدو أن دراسات جولدتسيهر فى علم الحديث قد تأثرت أساسا بأبحاث شبرنجر SPRENGER فى هذا المجال، ويرى جولدتسيهر أن شبرنجر قد قضى على المعتقدات الخرافية الزاعمة أن كتب الحديث قد قامت على مصادر شفوية (١٠٦)، بيد أن جولدتسيهر

стр. 109

كان يرى أن التحرج الدينى من جانب والاهتمامات العقيدية (للفرق الإسلامية) من الجانب الآخر دفعا الناس فى وقت تال إلى «عدم الرغبة فى كتابة الحديث» (١٠٧) ولا بد أن ننبّه هنا إلى خطورة هذه الفكرة غير الصحيحة، / لأنها أدّت بجولدتسيهر إلى آراء خاطئة حول تطور كتب الحديث. أما رأيه الذى لا تؤيده نصوص الكتب العربية، فقد نشأ لعوامل مختلفة، منها أن (طريقة) الرواية الإسلامية ذات شكل فريد يبدو- لأول وهلة- أمرا بالغ التعقيد. وسنثبت فى موضع تال أن جولدتسيهر- وهو العالم الكبير باللغة العربية- قد فهم بعض الأخبار الواردة فى كتب الحديث فهما معكوسا، وهكذا فقد شق منذ البداية اتجاها خاطئا. وعلى أساس المعلومات التى أثبتها شبرنجر فى المصادر اعتبر جولدتسيهر كتابة الحديث فى صحف أو أجزاء حقيقة واقعة فى العقود الأولى للإسلام. ووجد جولدتسيهر مزيدا من المعلومات، فذكر أسباب صحة رأيه على النحو التالى: ليس هناك ما يمنع من افتراض كون الصحابة والتابعين قد أرادوا المحافظة على أقوال الرسول وما روى عنه، فقاموا بتدوينها خوفا عليها من الضياع، وهل كان يجوز أن تترك أقوال الرسول لمصادفات الحفظ الشفوى، فى مجتمع كانت الأقوال المأثورة للبشر العاديين تحفظ بالصحف؟ (١٠٨) هذا ما سنحاول تفصيله على نحو خاص فى الفقرة الأولى من الفصل الثامن. وعلى كل حال فهذا الرأى الصحيح له عن صدر الإسلام يقابله افتراضه الأقل صحة، وذلك أنه قد ظهر لدى القوم فيما تلا هذا من زمن تحرّج من الاحتفاظ بالحديث على شكل مدوّن (١٠٩) وتبعا لهذا فقد رفض جولدتسيهر صحة الأخبار المتعلقة بمواصلة تطور علم الحديث، فجعل زمن بداية جمع الحديث أواخر القرن الثانى والنصف الأول من القرن الثالث الهجرى. ومجموعات الحديث هذه لا تعدّ فى رأيه عملا أنجز بمنهج علمى نقدى، أو وفق تصنيف منهجى ولم يتمكن الجامعون من أن يختاروها من كتب ألفت

стр. 110

قبلهم (١١٠) وإنما كان عليهم أن يجمعوا الروايات الشفوية فى رحلاتهم الطويلة، ويضعوها الرواية بجانب الرواية. (١١١) وهذا هو حال كتب الفقه أيضا، إذ يبدو أنها قد نشأت قبل أن تؤلف الكتب الجامعة المعتمدة/ فى القرن الثالث الهجرى «على أساس الأخبار المستقاة بطريقة متفرقة حسب ظروف كل حالة، سواء كان ذلك من صحف مدونة أو من مصادر شفوية» (١١٢) ونرى لزاما علينا أن ننبّه إلى أن جولدتسيهر- كما يبدو- لم يستخدم كتب مصطلح الحديث التى كانت معروفة له ككلّ، والتى كان لا يزال قسم منها مخطوطا فى ذلك الوقت. وفوق هذا فيبدو لنا أنه لم ينظر- على الرغم من كثرة مصادره- إلى بعض الأخبار فى ترابطها بالأخبار الأخرى. ويبدو لنا كذلك أنه غفل عن الأخبار التى كان من شأنها أن تجعل للأخبار الأولى دلالة مختلفة تماما عن المعنى المقصود (أى الذى يقصده جولد تسهير)، وسنبين هذا فى موضعه. وقد مرّ تطوّر كتب الحديث بالمراحل التالية: أ- كتابة الحديث: وقد سجّلت الأحاديث فى عصر الصحابة وأوائل التابعين فى كراريس صغيرة، أطلق على الواحد منها اسم «صحيفة» أو «جزء». ب- تدوين الحديث: جمعت الكتابات المتفرقة فى الربع الأخير من القرن الأول والربع الأول من القرن الثانى الهجرى. ج- تصنيف الحديث: وقد رتّبت الأحاديث فى هذه المرحلة وفق مضمونها فى أبواب منذ سنة ١٢٥ هـ تقريبا. ومع أواخر القرن الثانى للهجرة ظهرت إلى جانب الطريقة الأولى طريقة أخرى لترتيب الأحاديث وفق أسماء صحابة الرسول ﷺ فى كتب

стр. 111

المساند، وفى القرن الثالث الهجرى نقّحت الكتب المنهجية، المبكرة، وأعدت كتب جامعة سميت عند الباحثين المحدثين باسم «المجموعات الصحيحة»، وربما تكون هذه التسمية غير دقيقة، إلّا أن جولدتسيهر اعتبرها أول كتب للحديث تقوم على أساس منهجى. وتصورنا هذا لتطور التأليف فى الحديث قائم على الأخبار التى لدينا عن بدايات العمل فى هذا المجال، وكذلك على الكتب التى جاءتنا من تلك الفترة، ثم على فحص المواد التى يتضح على ضوئها أن المؤلفين فى تلك الفترة- مع ما يبدو من تناقل أعمالهم شفاها- كانوا يتلقون المادة عن بعضهم البعض اعتمادا على نصوص مدوّنة. كان فون كريمر (١١٣) / وشبرنجر (١١٤) وجولدتسيهر (١١٥) إلى حدّ ما على معرفة بالأخبار الخاصة بهذه المرحلة المبكرة، ولم يخامرهم الشك فى صحتها. إلّا أن جولدتسيهر الذى شغل نفسه بالمراحل التالية قد حاول على أساس تصوراته الخاطئة- التى أشرنا إليها- أن ينقض الروايات الخاصة ببداية التدوين والتصنيف. وعند ما يناقش الإنسان بحثه باستفاضة ويتناوله بالنقد الشامل، يشعر بأنه لم يتعمق فى دراسة القضية، ويبدو لنا كذلك أنه لم ينتبه بصفة خاصة إلى الفرق الدقيق بين تدوين الحديث وتصنيفه، ولذا اختلطت عليه الروايات الخاصة بهما اختلاطا (١١٦). فمن المعروف أن بعض الحكام الأمويين حثوا على جمع الأحاديث، ومن بينهم عمر ابن عبد العزيز (٩٧/ ٧١٧ م- ١٠١ هـ/ ٧٢٠ م) الذى اهتم- فيما يبدو- بالجمع اهتماما خاصا، فكلف أبا بكر بن محمد بن حزم (المتوفى ١٢٠ هـ/ ٧٣٧ م) بهذه المهمة، وقال له: انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ أو سنة ماضية، فاكتبه فإنى

стр. 112

خشيت دروس العلم وذهاب أهله (١١٧) وهذا الخبر الذى استخدمه موير (١١٨) لأول مرة فى الدراسات الحديثة شك جولد تسيهر فى صحته، ورأى فيه نزوع الأجيال المتأخرة إلى محاولة عقد صلة بين عمر بن عبد العزيز وكتب الحديث (١١٩). ويروى كذلك عن راوية الخبر السابق وهو مالك/: أن عمر بن عبد العزيز قد توفى دون أن يرى عمل أبى بكر بن حزم (١٢٠)، غير أن أبا بكر بن حزم شكا لمالك من ضياع هذه المجموعات (١٢١). ولكن أبا بكر بن محمد بن حزم لم يشتهر بذلك شهرة معاصره الزهرى (المتوفى ١٢٥ هـ/ ٧٤٢ م) الذى يفاخر بأنه أول من دوّن الحديث (١٢٢). وهكذا تؤكد لنا الأخبار الخاصة بالكتابات الأولى فى مجالات مختلفة، وكذلك تطور الإسناد، وبحث سلاسل إسناد الحديث إن الوقت كان سانحا لمثل هذا النشاط فى التأليف، وأن للزهرى دورا كبيرا فى تدوين الأحاديث. أما تصنيف الحديث أى ترتيبه على الأبواب- وكان جولدتسيهر قد أرّخ بدايت

стр. 113

اعتمادا على استنتاجاته غير الصحيحة فجعله بعد وقته الحقيقى بمائة عام (١٢٣)، فيجوز لنا أن نعدّه امتدادا/ متطورا لحركة تدوين الحديث فى العصر الأموى. لقد بدأ تصنيف الحديث فى وقت عرفت فيه الحركة العلمية فى المجتمع الإسلامى عموما مدونات جامعة. ففى الوقت الذى ألف فيه ابن إسحاق، وأبو مخنف وغيرهما مصنفات جامعة فى التاريخ أى فى أواخر العصر الأموى وفى بداية العصر العباسى، يمكننا أن نثبت وجود عدد من علماء الحديث فى مناطق مختلفة من الدولة الإسلامية، وصفوا بأنهم «أول من صنف الكتب» أو «أول من صنف الحديث» وتخبرنا عن هؤلاء المصنفين المبكرين بعض المراجع القديمة التى وصلت إلينا، مثل: العلل لأحمد بن حنبل (١٢٤) والصحيح للترمذى (١٢٥) والتقدمة لابن أبى حاتم (١٢٦) وقد حدد أبو طالب المكى (المتوفى ٣٨٦ هـ/ ٩٩٦ م) أول بداية ممكنة لهذا العمل بالفترة بين سنة ١٢٠ هـ وسنة ١٣٠ هـ. (١٢٧) ومن أوائل المصنفين نذكر

стр. 114

هنا: ابن جريج (المتوفى ١٥٠ هـ/ ٧٦٧ م) فى مكة، ومعمر بن راشد (المتوفى ١٥٣ هـ/ ٧٧٠ م) فى اليمن، وهشام بن حسان (المتوفى ١٤٨ هـ/ ٧٦٥ م)، وسعيد بن أبى عروبة فى البصرة، وسفيان الثورى فى الكوفة. وأقدم الكتب التى وصلت إلينا من تلك الفترة هى: «الجامع» لمعمر بن راشد و «كتاب المناسك» لقتاده برواية سعيد بن أبى عروبة، و «الجامع» لربيع بن حبيب البصرى (المتوفى نحو ١٦٠ هـ/ ٧٧٦ م). ونود بعد هذا التمهيد العام أن نبحث الحديث، أو الرواية الإسلامية من حيث الشكل. وهذا فى غاية الأهمية بالنسبة لدراسة القرون الأولى من التراثالإسلامى، إذ إن هنا نقطة البداية التى يلزم أن ننطلق منها لنستطيع تقويم الأخبار التى وصلت إلينا فى المجالات المختلفة تقويما تاريخيا صحيحا. ونود عند بحث القضايا المطروحة أن نهتم اهتماما خاصا بأحد جوانب علم الحديث ألا وهو تحمّل العلم، أى طرق تلقى العلم. فلهذا الجانب سمة مميزة تنفرد بها الحضارة الإسلامية، لا نعرف لها فى الحضارات الأخرى شبيها، وهذا هو السبب الأساسى لما حدث من سوء فهم فى الدراسات الحديثة. فى كتب مصطلح الحديث ينقسم تحمّل العلم بصفة عامة إلى ثمانية أنواع، سمّيت ووصفت على النحو التالى: ١ - السّماع: وذلك بأن يسمع التلميذ أو السامع الروايات التى/ يلقيها الشيخ من حافظته، أو يقرأها من كتابه. ومثل هذه المقتبسات يقدم لها بألفاظ مثل «سمعت عن» أو «حدثنى». (سنعود إلى الاستخدام الاصطلاحى لهذه التسمية «ألفاظ» تفصيلا، ولكنا نذكرها هنا توخّيا للشمول). ٢ - القراءة: وذلك بأن يقرأ التلميذ أو غيره حديثا واحدا، أو عددا من الأحاديث من كتاب، أو يلقيها من حافظته على الشيخ، والشيخ منصت يقارن ما يلقى بما فى نسخته، أو بما وعته حافظته. ويقدم لهذه المقتبسات بألفاظ مثل «أخبرنى» أو «قرأت على ... »

стр. 115

٣ - إجازة: أ- وذلك بأن يعطى الشيخ أو من لديه إجازة بالرواية تصريحا لآخر بأن يروى نصّا أو أكثر. ب- أو أن يمنح من يريد إجازة أو تصريحا برواية كتب لا يسميها بالضبط كأن يقول له: أجزت لك رواية كل ما رويته، ويقدّم لهذا غالبا بألفاظ مثل «أخبرنى» وأحيانا «أجازنى» ٤ - المناولة: وذلك بأن يعطى الشيخ لتلميذه أصل كتابه أو الكتاب الذى يرويه، أو يعطيه نسخة مقابلة عليه. ويقول له: «هذا كتابى (أو هذه روايتى) وقد أجزتك روايته» ويعطيه هذه النسخة لتكون ملكا له، أو يشترط على التلميذ أن ينسخ نسخة منه ثم يعيد الأصل للشيخ، وتسبق المناولة غالبا عبارة: «أخبرنى» ونادرا ما تسبقها كلمة «ناول». ٥ - الكتابة أو المكاتبة: وذلك بأن يعد الشيخ بنفسه نسخة من كتابه أو من مروياته، أو يجعل شخصا آخر (التلميذ مثلا) ينسخ نسخة منه. وليس من الضرورى فى هذه الحالة أن يقول الشيخ لتلميذه حرفيّا: «منحتك إجازة روايته» أم لا، فالنصوص المأخوذة بهذه الطريقة يقدّم لها بعبارة «كتب إلى»، أو: «من كتاب». ٦ - يعطى الشيخ كتابا، أو رواية مع الإشارة فيه إلى أنه قد روى عنه، ولكن حق روايته لآخرين يبقى أمرا معلقا (دون بيان صريح بهذا)، وغالبا ما يبدأ هذا الضرب بعبارة «أخبرنى» أو «عن». ٧ - الوصيّة: ينقل الشيخ قبل وفاته أو قبل رحيله حق رواية كتابه، أو كتبه، موثقا ذلك فى وصية منه. ويسبق هذا بإحدى العبارتين: «أخبرنى وصية عن»، أو «وصّانى». ٨ - الوجادة: وتعنى استخدام أحد الكتب أو الأحاديث، بغض النظر عن معاصرته أو قدمه، ويحصل على ذلك من يجوز نسخة آخر الرواة/ ويقدم لهذا بإحدى الألفاظ «وجدت»، «قال»، «أخبرت»، «حدّثت». وفى كل الحالات المذكورة نرى أن الحفظ ليس أمرا ضروريا إلا في الحالتين الأوليين

стр. 116

فقط، وهما «السّماع» و «القراءة»، والواقع أن النصوص المدونة كانت ضرورية فى هاتين الحالتين أيضا، وسنوضح هذا بأمثلة من كتب الحديث. أما «جولدتسيهر» الذى أحال في هذا الصدد- أساسا- إلى المادة التى جمعها «شبرنجر» (١٢٧)، فلم يعرف (١٢٨) إلا ثلاثة طرق، هى: الإجازة، والمناولة، والوجادة (١٢٩)، دون أن يتضح لديه عمرها، أو دورها فى كتب الحديث. فعلينا الآن أن نبحث هذه الحقيقة بحثا أعمق، فطرق الرواية تعود فى قسم منها إلى صدر الإسلام، وعلينا أن نثبت على أساس المعلومات الواردة فى المصادر والمادة التى وصلت الينا، أنه منذ البداية لم تستخدم فى النقل إلا النصوص المدونة، وأن الأسانيد تتضمن أسماء المصنفين. فنحن نعلم مما روى عن شعراء الجاهلية أن رواية الدواوين كانت على أقل تقدير فى القرن السابق على الإسلام أمرا مألوفا، وأن بعض الشعراء الذين كانوا يستطيعون الكتابة وكانوا مثل زهير بن أبى سلمى ينقحون قصائدهم كانوا رواة غيرهم من الشعراء. والتصور القائل بأن هذا الأمر كان رواية شفوية لم يظهر إلا فى العصر الحديث، مثل الرأى الخاطئ الذى يقول بالرواية الشفوية للحديث. وربما ترجع عادة رواية النصوص فىصدر الإسلام إلى الجاهلية، وتذكر لنا بعض مصادر قديمة أن على بن أبى طالب جعل «القراءة على العالم بمنزلة السماع منه» (١٣٠) وأن عبد الله بن العباس قال: «اقرأوا علىّ فإن قراءتكم على كقراءتى عليكم» (١٣١) ونحن نسمع كذلك أن بعض الصحابة قد رووا رسائل الرسول/، وروى عمرو بن حزم بن زيد الرسائل التى وجهت إليه حول

стр. 117

الفرائض والزكاة والديات، والتى دخلت فيما بعد فى مجموعات الحديث (١٣٢)، وروى عبد الله بن عكيم الجهنى- وهو أحد المخضرمين رسالة الرسول إلى قبيلته جهينة (١٣٣). أما الحارث بن عمرو- الذى ولد فى حياة الرسول ﷺ ؛ فقد روى رسالة الخليفة عمر إلى أبى موسى الأشعرى. بخصوص أسئلة عن الصلاة (١٣٤). وسأل التابعى بشير بن نهيك الصحابى أبا هريرة عن جواز روايته باسمه للكتاب الذى نسخه عنه، فوافقه أبو هريرة. قال بشير: «كنت كتبت عن أبى هريرة كتابا، فلما أردت أن أفارقه قلت: يا أبا هريرة، إنّي كتبت عنك كتابا، فأرويه عنك؟ قال نعم» (١٣٥) وقد اشتهر أبو هريرة بقوة ذاكرته، ويبدو مع هذا أنه كان قد أعد للرواية بعض الصحف، كما يتضح من خبر التابعى الذى روى عنه. فقد روى يوما بحضرة أبى هريرة حديثا كان أبو هريرة قد نسيه، وهنا قال له التابعى إنه سمعه منه، فرد أبو هريرة، بأنه إذا كان الأمر كذلك فلا بد أن يكون الحديث مكتوبا لديه ويحكى التابعى بعد هذا: أنه صحب أبا هريرة، حيث شاهد فى بيت أبى هريرة عدة كتب بها أحاديث كثيرة للرسول ﷺ وكان الحديث المنشود فيها (١٣٦). وكثيرا ما نرى فى مصادرنا أنه فى صدر الإسلام لم تكن طرق الرواية قد تحدّدت، فنحن نقرأ فى ذلك العصر عن طريقة «المكاتبة» التى لم تتخذ شكلا ثابتا إلا فى القرنين التاليين فسميت ببساطة: «كتابا»، وهنا منطلق لترجمات خاطئة. ويبدو أن الفرق بينها وبين الوجادة لم يكن واضحا، وغالبا ما رفضها قدامى التابعين. ذكر ابن سعد: «كان سعيد بن جبير يكره كتاب الحديث (١٣٧)»، ولكن يبدو أن استخدام هذه الطريقة لم ينتشر

стр. 118

إلا فى عصر الزهرى. وعند ما استخدم أمراء الأمويين هذه الطريقة على نطاق واسع وجد الزهرى نفسه- فيما يروى- مضطرا إلى إقرارها (١٣٨) وكانت مرويات مؤرخ مصر، يزيد بن أبى حبيب/ (المتوفى ١٢٨ هـ/ ٧٤٥ م) - فى أغلب الأحوال- من هذا الضرب، ونادرا ما كانت مروياته عن الزهرى بوساطة راو (١٣٩). قال شعبة (المتوفى ١٦٠ هـ/ ٧٧٦ م): إن روايتى التابعين «عامر الشعبى» وعطاء بن أبى رباح عن على بن أبى طالب إنما هى من كتاب» (١٤٠) وقد رويت كتب الصحابى عبد الله بن عمرو عن طريق حفيده شعيب، وعن طريق حفيد حفيده عمرو بنفس الطريقة أيضا (١٤١) ونود أن نورد هنا أحد الأمثلة الكثيرة الدالة على أن المكاتبة أو الشكل المبكر للكتاب، كانت إحدى طرق التحمل المألوفة بجانب السماع والقراءة فى القرن الأول. قال ابن أبى حاتم: «حدثنا سفيان الثورى أحاديث إسرائيل عن عبد الأعلى عن ابن الحنفية، قال: كانت من كتاب، قلت يعنى أنها ليست بسماع.» (١٤٢)، وليس من حشو القول أن نذكر فى هذا الموضوع مزيدا من الأخبار التى يمكن أن تسهم فى إيضاح تطور حركة التدوين فى بداية الرواية الإسلامية. هناك مواضع يؤخذ منها أنه قد نظر إلى تدوين الحديث فى وقت مبكر نظرة تحرج. فيروى الزهرى أن الخليفة عمر بن الخطاب أراد الأمر بجمع الحديث ولكنه بعد أن فكر شهرا رغب عن ذلك، مخافة أن يؤدى الاشتغال بالحديث إلى ترك القرآن (١٤٣) وكتب أحد

стр. 119

أتباع الصحابى أبى موسى الأشعرى أحاديث أستاذه، بعد أن حثه أحدهم على كتابتها، وما أن علم أستاذه بهذا حتى أعدم ما كتبه (١٤٤). ومع هذا فإننا نتبين من هذين الخبرين النافيين اهتماما بالتدوين فى وقت مبكر للغاية، فقد كان مروان بن عبد الحكم (المتوفى ٦٥ هـ/ ٦٨٥ م) أول حاكم أموى أراد أن يحفظ معارف مشاهير الصحابة، ويصونها عن الضياع. فيروى أنه استقدم زيد بن ثابت إليه، (عند ما كان مروان واليا على المدينة- على أرجح الأقوال)، وطرح عليه أسئلة وكان الكتاب الجالسون خلف/ ستر يدونون الإجابات، وعند ما لا حظ زيد هذا تحرج قائلا: «يا مروان- معذرة إنما أقول برأيى» (١٤٥) وكتب ابنه عبد العزيز- والى مصر (المتوفى ٨٥ هـ/ ٧٠٤ م)، للتابعى كثيّر بن مرة الحضرمى (المتوفى ٧٠ هـ/ ٦٨٩ م- ٨٠ هـ/ ٦٩٩ م) راجيا إياه، أن ينسخ عن الصحابة أحاديث الرسول التى لم يروها أبو هريرة، فقد كانت الأحاديث برواية أبى هريرة لديه (١٤٦). وقد ذكرنا من قبل أن الخليفة عمر بن عبد العزيز كان مهتما غاية الاهتمام بجمع الأحاديث وظهر هذا فى مختلف المناسبات. وتخبرنا المصادر فى مواضع كثيرة عن كيفية التدوين وطريقة النسخ فى ذلك الوقت. قال سعيد بن جبير إنه كان يكتب عند عبد الله بن العباس على ألواح حتى يملأها، ثم يكتب على نعله (١٤٧). ونرى فى موضع آخر أنه يجوز لنا أن نفهم «الألواح» على أنها هى الصحيفة، قال سعيد بن جبير: «ربما أتيت ابن عباس فكتبت فى صحيفتى حتى أملأها، وكتبت فى نعلى حتى أملأها، وكتبت فى كفى، وربما أتيته فلم أكتب حديثا حتى أرجع، لا يسأله أحد عن شئ» (١٤٨) وقص أحد متأخرى التابعين، أن القدامى منهم قد كتبوا عند الصحابى البراء بن عازب (المتوفى ٧١ هـ/ ٦٩٠ م). قال: «رأيتهم يكتبون على أكفهم بالقصب عند البراء» (١٤٩). وروت الصحابية سلمى: أن عبد الله بن العباس قد كتب عن

стр. 120

زوجها أبى رافع بعض أعمال الرسول على أوراق، (١٥٠) وذكر مجاهد بن سعيد (المتوفى ١١٤ هـ/ ٧٦١ م) أنه رأى الشعبى (المتوفى ١٠٣ هـ/ ٧٢١ م)، يملى ثلاث صحائف فى الصدقات والفرائض (١٥١). وفى موضع آخر نصح مجاهد الشعبى بأن يدون- كلما لزم الأمر- ولو على حائط (١٥٢). وقد أحضرت لابن عباس صحائف لمعرفة رأيه فيها (١٥٣). وسأل التابعى أبو بشر تابعيا آخر هو أبو سفيان: لماذا لم يرو عن الصحابى جابر بن عبد الله/، مثلما يفعل سليمان اليشكرى؟ فعلل أبو سفيان ذلك بأنه لا يكتب وأن سليمان يكتب (١٥٤). وهذه الأخبار تأتى كثيرا وعرضا انطلاقا من أن كتابة الحديث كانت أمرا واقعا، وهى تسرد لبيان كيف كان المحدثون يكتبون الحديث، ولكنها تقوم دليلا على أن الكتابة حقيقة لا يرقى إليها الشك. لقد أظهر يعقوب بن عطاء (المتوفى ١٥٥ هـ/ ٧٧١ م) «صحيفة» والده عطاء بن أبى رباح (٢٧ هـ/ ٦٤٧ م ١١٤ هـ/ ٧٣٢ م) قائلا: «هذه التى سمع أبى من أصحاب النبى» (١٥٥) وروى عبد الرحمن بن أبى ليلى (المتوفى ٨٢ هـ/ ٧٠١ م) أنه سأل الحسن بن على عن رأى والده فى «الخيار» أى أولى الفضل، فأمر بإحضار صندوق وأخرج منه صحيفة صفراء تضم آراء عن الخيار (١٥٦). وعند ما جاء عمر بن عبد العزيز إلى دمشق، استفسر عن كتاب للصحابى زيد بن ثابت عن الديات، ولما أحضر إليه مزقه (١٥٧). أوصى الصحابى عبيدة بن قيس (المتوفى ٧٤ هـ/ ٦٩٣ م) بأن تحرق كتبه، أو تباد بأية طريقة أخرى (١٥٨).

стр. 121

وبجانب هذا فانا نعرف من المعلومات الكثيرة عادة عرفها الصحابة وأوائل التابعين، فقد كانوا يتبادلون الرسائل فى القضايا العلمية. ونتبين من ملاحظة ذكرت فى موضع آخر أن عبد الله بن العباس لجأ إلى أبى الجلد جيلان بن أبى فروة المخضرم ليشرح له بعض غريب القرآن، وكان أبو الجلد قد امتاز بقراءة الكتب وتأليفها (١٥٩) وكتب نجدة بن عامر الحرورى (المتوفى ٦٩ هـ/ ٦٨٨ م) إلى عبد الله بن العباس، وسأله فى عدد من القضايا الفقهية المتنوعة (١٦٠) وأما نافع بن الأزرق (المتوفى ٦٥ هـ/ ٦٨٥ م) فقد اتجه إليه برسالة تتضمن عددا من القضايا المماثلة (١٦١). وكان سعيد بن جبير يدون بعض الملاحظات، إذا اختلف الرأى فى قضية ما، لكى يسأل عبد الله بن عمر فيها (١٦٢) ولنعد بعد هذا إلى مناهج الأخذ أو التحمل نوضح ببعض الأمثلة الأنواع المختلفة التى عرفها التابعون. كانت حلقة الحديث تسمى فى عصر الزّهرى «مجالسة» (١٦٣) وساد الرأى أن قتادة (المتوفى ١١٨ هـ/ ٧٣٦ م) لم يسمع من أبى قلابة عبد الله بن زيد (المتوفى ١٠٤ هـ/ ٧٢٢ م) إلا بضع كلمات، وأن مروياته عنه لم تكن إلا بطريق الكتابة (أو الوجادة)، لأن أحد كتب أبى قلابة وقع فى يده (١٦٤) وسأل جرير بن حزم شيخه التابعى، أيوب السّختيانى (المتوفى ١٣١ هـ/ ٧٤٨ م) عن سبب بحث الناس عنه، ومعهم كتبهم يراجعها لهم مع أنه كان يرفض هذا من قبل. فأجاب الشيخ أنه لم يغير رأيه، فإذا كانوا قد نقلوا عنه مرة شيئا، فلعلهم يقدمون إليه ذلك ليصححه (١٦٥) وأحضر شعيب بن أبى حمزة (المتوفى ١٦٢ هـ/ ٧٧٩ م) كتابا إلى محمد بن المنكدر (المتوفى ١٣٠ هـ/ ٧٤٨ م) وسمح له أن يقرأ عليه، وأقر ابن المنكدر صحة قسم من محتواه وأنكر مواضع أخرى، وهنا أمر ابنه أو ابن أخيه أن ينسخه. وروى شعيب هذا الكتاب بعد ذلك، ولكن هذه الرواية لم

стр. 122

تتداول بعد ذلك طويلا (١٦٦) وذكر يحيى بن سعيد (المتوفى ١٩٨ هـ/ ٨١٣ م) بأن سعيد بن أبى عروبة (المتوفى ١٥٦ هـ/ ٧٧٣ م) لم يسمع التفسير من قتادة (١٦٧)، فروايته إذن لم تكنّ سماعا. وذكر ابن جريج (المتوفى ١٥٠ هـ/ ٧٦٧ م) بأنه لم يسمع من الزهرى، فقد أعطاه كتابا، نسخه، فأجازه الزهرى روايته (١٦٨) وكانت مرويات صالح بن أبى الأخضر اليمانى (المتوفى ١٤٠ هـ/ ٧٥٧ م هـ ١٥٠ هـ/ ٧٦٧ م) عن الزهرى بعضها سماعا، وبعضها قراءة، وبعضها وجادة (١٦٩). وذكر أبو زرعة أن صالح بن أبى الأخضر قد تلقى عن الزهرى كتابين أحدهما قراءة والآخر مناولة، ثم خلط بينهما ولم يعد بوسعه أن يميز أحدهما عن الآخر (١٧٠) وذكر أحمد ابن حنبل أن الحكم بن عتيبة (المتوفى ١١٣ هـ/ ٧٣١ م) قد أخذ عن مقسم بن بجرة (المتوفى ١٠١ هـ/ ٧١٩ م) أربعة أحاديث سماعا، أما سائر مروياته فقد أخذها كتابة (١٧١). ويرى شعبة بن الحجاج (المتوفى ١٦٠ هـ/ ٧٧٦ م): أن روايات الحكم عن مجاهد كانت بطريق «كتابة»، / إلا ما قال: سمعت» (١٧٢). ذكر ابن جريج لراعيه سليمان بن مجالد أنه لا يعرف كيف يشكره حق الشكر وفى نظير ذلك أعطاه الكتب لينسخها، وكان قد أخذ بعضها عن التابعين سماعا، والبعض الآخر عرضا (١٧٣). وفى ضوء بعض الأمثلة، نود هنا أن نصور ما أبداه التابعون من همة فى الكتابة، وكيف أنها كانت عادة معروفة فى زمنهم. حكى أحد معاصرى مجاهد أنه رأى البعض ينسخون التفسير عند مجاهد (١٧٤). وذكر الحسن بن محمد بن الحنفية حفيد على بن أبى طالب لصديقة زادان أنه ندم على أنه كتب كتابه فى «الإرجاء» وقال: لوددت أنى كنت

стр. 123

مت ولم أكتبه» (١٧٥) ولم يكن هذا الندم بسبب الكتابة بل بسبب مضمون الكتاب وسنفصل القول فى هذا الموضوع فى الباب الخاص بالتدوينالتاريخى، فيروى أن الشعبى قال عن نفسه إنه لا يحتاج إلى كتابة مسودة مثل الآخرين، فهو يستطيع أن يدون كتابا فى الفتوح دون أن يستخدم مصادر مدونة (١٧٦). هذا وقد أوصى أبو قلابة عبد الله بن زيد (المتوفى ١٠٤ هـ/ ٧٢٢ م) أن ترسل كتبه من دمشق إلى أيوب السّختيانى (المتوفى ١٣١ هـ/ ٧٤٨ م). غير أنه لم يستطع بعد هذا أن يميز ما كان قد سمعه من أبى قلابة (١٧٧) وفى ذلك الوقت كانت هنا لك كتب موضوعة، وأخرى بها معلومات خاطئة. عند ما رأى شعبة كتابا عند أبى هارون العبدى (المتوفى ١٣٤ هـ/ ٧٥١ م)، قال له إنه يضم أشياء غير مقبولة عن على بن أبى طالب. ولكن هارون دافع عن ذلك بأنها صحيحة (١٧٨) وظلت الأحاديث الموضوعة التى رواها أبان عن الصحابى أنس بن مالك متداولة برواية معمر فى القرن الثالث الهجرى. ورأى أحمد بن حنبل يوما فى صنعاء، أن يحيى بن معين نسخ تلك الصحيفة. فقال له أحمد: «تكتب هذه الصحيفة وتعلم أنها موضوعة، فلو قال لك قائل: أنت تتكلم فى أبان، ثم تكتب حديثه على الوجه؟ » فقال: «نعم، أكتبها فأحفظها، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجئ انسان بعده فيجعل لنا ثانيا» / (١٧٩) وغالبا ما يجد الإنسان معلومات عن استعارة الكتب فى ذلك الوقت، فقد استعار حميد الطويل (المتوفى ١٤٢ هـ/ ٧٥٩ م) مثلا كتب الحسن البصرى المتوفى ١١٠ هـ/ ٧٢٨ م، فنسخها وردها عليه (١٨٠). كما استعار الليث بن أبى سليم كتابا من حسن بن مسلم (توفى قبل ١٠٦ هـ/ ٧٢٤ م). وقال هرز أخو حسن بن مسلم لرجل: «اذا

стр. 124

قدمت الكوفة فعرج على ليث بن أبى سليم، وقل له حتى يرد كتاب حسن بن مسلم فإنه أخذه منه (١٨١) وقص معمر بن راشد أنه نسخ كراستين حول المغازى عن التابعى عثمان الجزرى المعروف بعثمان المشاهد، استعيرا منه، ولم يعودا، ولم يكن يعير كتبه قبل ذلك (١٨٢). ولنضف إلى ما قلناه بعض الأمثلة لاستخدام طرق الرواية وتطبيقها، فإن هذا يمكن أن يعين على إيضاح بعض الأمور الغامضة. لقد أراد البخارى- فيما يبدو- أن يلخص فى الباب الخاص بأنواع الرواية. كتاب النوادر «الذى ألفه أستاذه الحميدى (١٨٣)، فقد ذكر البخارى فيه أن الحسن البصرى، وسفيان الثورى، ومالكا عدوا «القراءة» أفضل الطرق (١٨٤) ومن الطريف أن نذكر الخبر التالى لما به من تفصيلات تتناول السماع عن الشيخ. فقد سئل أحمد بن حنبل عن شعبة (المتوفى ١٦٠ هـ/ ٧٧٦ م) أكان يملى أم يقرأ؟ فأجاب: بأن شعبة كان يقرأ. وكان متلقوا العلم ومن بينهم آدم ابن أبى إياس (المتوفى ١٢٥ هـ/ ٧٤٢ م- ٢٢٠/ ٨٣٥ م) وعلى النّسائى يكتبون. وأقر آدم هذا قائلا: «كنت أكتب عند شعبة وكنت سريع الخط، وكان الناس يأخذون من عندى»، ولما جاء شعبة إلى بغداد، حدث هناك فى أربعين مجلسا فى كل منها نحو مائة حديث، لم أحضر منها إلا عشرين مجلسا سمعت فيها ألفى حديث (١٨٥). ونريد أن نثبت بمزيد من الأمثلة، أن شعبة كان يلقى فى مجالسه اعتمادا على ما دون أى على الكتب وعلى الأحاديث المكتوبة- فى المقام الأول- وقلما كان يحفظ الكتب عن ظهر قلب، وقد ذكر أنه نسخ أحاديث الحسن البصرى (المتوفى ١١٠ هـ/ ٧٢٨ م) وكذلك التى رواها الحسن البصرى عن أنس بن مالك، ثم أعطاها له فقرأها عليه (١٨٦) وعند ما جاء شعبة إلى بغداد، أخذ معه كتبا

стр. 125

(أو بالأحرى نسخا) للمسعودى عبد الرحمن بن عبد الله (المتوفى ١٦٠ هـ/ ٧٧٦ م)، وسمعها عليه (١٨٧). وقرأ جرير بن حازم/ المتوفى ١٧٠ هـ/ ٧٨٦ م) بعض كتب أبى قلابة (المتوفى ١٠٤ هـ/ ٧٢٢ م) على أيوب السختيانى (المتوفى ١٣١ هـ/ ٧٤٨ م). وذكر أيوب فى هذا الصدد أنه سمع قسما منها (١٨٨) من أبى قلابة وقسما آخر لم يسمعه. وسأل أحمد بن حنبل أبا اليمان الحكم بن نافع (المتوفى ٢٢٢ هـ/ ٨٣٦ م) عن كيفية أخذه للكتب عن شعيب بن أبى حمزة (المتوفى ١٦٢ هـ/ ٧٧٨ م) فأجاب: «قرأت عليه بعضه، وبعضه قرأه على ومنحنى حق روايته وبعضه أجازه، وبعضه مناولة وقال لى: استخدم فى هذا كله عبارة «أخبرنا شعيب» (١٨٩) وذكر أبو اليمان أن شعيبا كان مدققا فى الرواية، وعند ما كان على سرير الموت ذهبنا إليه فقال لنا: «هذه كتبى وقد صححتها، فمن أراد أن يأخذها منى فليأخذها، ومن أراد أن يقرأها على، فليقرأ، ومن أراد أن يسمعها من ابنى فليفعل فإنه قد سمعها منى» (١٩٠) والمقصود بالأخذ هنا «الكتابة». وكان شعيب كاتب الزهرى عند الخليفة هشام (١٠٥ هـ/ ٧٢٤ م- ١٢٥ هـ/ ٧٤٣ م)، وقد أملى الزهرى عليه تلبية لرغبة الخليفة (١٩١). ولم يكن ابن جريج (المتوفى ١٥٠ هـ/ ٧٦٧ م) متشددا على هذا النحو فى تطبيق طرق تحمل العلم. فقد حكى أحد معاصريه وهو إبراهيم بن يحيى: «جاءنى ابن جريج يكتب مثل هذا .. خفض يده اليسرى ورفع اليمنى مقدار بضعة عشر جزءا، فقال: أروى هذا عنك؟ فقال: نعم» (١٩٢). وحكى أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبى سبرة (المتوفى ١٦٢ هـ/ ٧٧٨ م) حكاية مشابهة عنه، فقد رجاه ابن جريج أن يكتب له ما عنده من حديث، فكتب له نحو ألف حديث وأعطاه إياه، ولم يقرأها عليه، أو يسمعها منه.

стр. 126

ورأى الواقدى بعد ذلك أن جريج- رغم هذا- يأخذ كثيرا من الأحاديث فى كتبه، مستخدما عبارة: «حدثنى أبو بكر بن عبد الله» (١٩٣). ويقال كذلك بأن مرويات الليث بن سعد (المتوفى ١٧٥ هـ/ ٧٩١ م) عن عبيد الله بن أبى جعفر (المتوفى ١٣٢ هـ/ ٧٤٩ م)، المؤرخ المصرى، كانت بطريق المناولة (١٩٤). ويتضح من المثال الآتى وأمثلة كثيرة أخرى غيرها أنه عند السماع والقراءة كان ذلك يتم من الكتاب، فقد سئل أحمد بن حنبل من ابنه «أنت تقول: قرأت على عبد الرحمن عن مالك فهل سمع عبد الرحمن هذا أم قرأه» فرد ابن حنبل/ إن عبد الرحمن ذكر أنه أخذ كتاب الصلاة (فى الموطأ) عن مالك قراءة عليه، أما سائر الأبواب فقد قرئت على مالك من آخرين، وكان عبد الرحمن يقرأ معه أثناء ذلك فى نسخته (١٩٥). وثمة مثال آخر نود أن نذكره لنبين أن الإملاء كان يقوم أساسا على نسخ مكتوبة حكى معاصر لأحمد بن حنبل، هو هارون بن معروف، قال: قدم علينا شيخ من الشام إلى بغداد، فكنت أول من بكر عليه، فسألته أن يملى على شيئا فأخذ الكتاب يملى (١٩٦). وكل هذه الأخبار عن طرق التحمل واستخدامها تبين لنا، أنه فى النصف الأول من القرن الثانى للهجرة، وكذلك فى النصف الثانى من القرن الأول، لم يكن تحمل العلم بطرق «السماع» و «القراءة» وحدهما، بل استخدمت إلى جانب هذا وذلك أيضا «المكاتبة» و «المناولة» وغيرهما. وعلى كل حال فقد اعتبرت الطريقتان الأوليان أفضل الطرق، وسميتا: الرواية على الوجه (١٩٧)

стр. 127

وتذكر لنا كتب علم الحديث، ولا سيما كتب طبقات المحدثين، قصصا كثيرة عن هذه الرحلات الشاقة التى قاموا بها «طلبا للعلم» أنها «رحلة العلم» بهدف الحصول على إجازات برواية أكبر عدد ممكن من الكتب والأحاديث على أفضل وجه ممكن أى سماع أو قراءة. وهذه الأخبار ذات طابع قصصى وتسببت فى سوء فهم، فقد فهم منها أنه كان عليهم أن يجمعوا الأحاديث المحفوظة فى ذاكرة الرواة المتفرقين فى أنحاء العالم (الإسلامى) ليدونوها لأول مرة (١٩٨). ونود أن نبحث فى إيجاز بعض القضايا المرتبطة بأهمية الذاكرة فى الرواية. فلا بد أولا وقبل كل شئ- أن نستخرج الدلالة الصحيحة للأخبار التى تروى كثيرا أن هذا المحدث أو ذاك، قد حفظ مائتى ألف حديث مما يجعلنا نقابل ذلك فى عصرنا هذا إما بالإعجاب/ بالذاكرة الممتازة للانسان فى تلك العصور، وإما باعتبار هذا نوعا من المبالغة أو بطرحه جانبا وكأنه أسطورة خيالية. ورغم أن المبالغة فى هذا الرقم بديهية فى معظم الأحوال، إلا أننا نعرف من البحث الدقيق لكتب الحديث أن الروايات المختلفة للحديث الواحد تدخل أيضا فى هذا العدد، وهى لا تختلف عن بعضها البعض إلا اختلافا يسيرا فى الإسناد ولذلك فكل رواية تعد مستقلة عن الأخرى وبذلك يصبح عدد النصوص فعلا بضة آلاف. وهنا نهتم اهتماما خاصا بدور الذاكرة وهو دور أدركه الباحثون المحدثون إدراكا خاطئا، كان له أثر حاسم فى التصور غير الصحيح عن تطور كتب الحديث وفى التفسير الخاطئ للأخبار إلى حدّ ما. فعلى سبيل المثال قال معاصر لوكيع (المتوفى ١٩٦ هـ/ ٨١١ م): «رأيت وكيعا، وما رأيت بيده كتابا قط، إنما هو يحفظ» (١٩٩) وكان يعنى بهذا أنه كثيرا ما رأى وكيعا فى مجالس العلم، ولكنه لم ير معه أصولا مدونة فقد كان يروى من حافظته. وسنناقش فيما بعد قضية رواية المحدثين دون استخدام أصول مدونة بأن نبين مداها وزمنها. إن وكيعا اشتهر بذاكرة قوية غير عادية، ولكن ترجمة جولد تسيهر

стр. 128

لذلك بأنه تجنب الكتاب والورق (٢٠٠) غير صحيحة. فالواقع أن وكيعا كتب الكتب، وأن أحمد بن حنبل أوصى قائلا: «عليكم بمصنفات وكيع». وهذه العبارة واردة فى نفس الترجمة وفى نفس المصدر (٢٠١) وفيما بعد عرف أيضا جولدتسيهر أن أحمد ابن حنبل قد أفاد من مصنف لوكيع (٢٠٢)، حتى إن بعض أحاديثه وصلت إلينا أيضا (٢٠٣) وفوق هذا فإن أبا نواس أشاد فى رثائه لخلف الأحمر مادحا إياه قائلا: «ولا يكون إسناده عن الصحف (٢٠٤). فلا يجوز أن نفهم هذا على أن خلفا تجنب الورق والكتاب (٢٠٥) فالواقع أن أبا نواس وهو الذى كان أيضا على دراية بالحديث (٢٠٦) كان يعنى أن خلفا لم يأخذ الكتب إلا بطريق السماع والقراءة. ومن الحقائق المعروفة أن المحدثين وسائر المسلمين قد اجتهدوا في حفظ القرآن الكريم وأكبر قدر/ ممكن من الأحاديث. ولكن هذا لا يجوز أن يفسر بأنهم استغنوا عن الكتب ولم يكونوا بحاجة إلى الأصول المكتوبة، فقد كانت للقرآن الكريم مئات النسخ من المصاحف. وعن هؤلاء المحدثين الذين كانوا يعتزون بقدرتهم على رواية الحديث من صدورهم نعلم أيضا أنه كانت لديهم كتب أو أصول مدونة. ويروى سفيان بن عيينة (١٠٧ هـ/ ٧٢٥ م- ١٩٦ هـ/ ٨١٢ م) أن زهير بن معاوية الجعفى (المتوفى ١٧٣ هـ/ ٧٨٩ م) قال له: «أخرج كتبك». فقلت «أنا أحفظ منكتبى» (٢٠٧). أهدى سفيان هذا كتاب على بن زيد بن عبد الله بن جدعان (المتوفى ١٢٧ هـ/ ٧٤٤ م). وعند ما سئل عن سبب ذلك ذكر

стр. 129

أنه قد حفظه حفظا لا ينسى معه مضمونه. (٢٠٨) أما محمد بن بشار (المتوفى ٢٥٢ هـ/ ٨٦٦ م) - وهو من أصغر شيوخ البخارى فقد حفظ الأحاديث ورواها حفظا ولكن البخارى روى عنه بطريق المكاتبة (٢٠٩) الأمر الذى يشترط وجود كتاب. وذكر الخطيب البغدادى أن على بن المدينى (المتوفى ٢٣٤ هـ/ ٨٤٨ م) كان قد حفظ أحاديثه حفظا. وفى نفس الوقت روى الخطيب أن عليا بن المدينى يمسى مفكرا فى حديث من الأحاديث، يستيقظ يبحث عنه فى مدوناته (٢١٠). وإذا بحثنا كتب الحديث من وجهة النظر الصحيحة فإننا نجد لدى كل محدث تقريبا كتابا أو كتبا، فى حين أن لقب «صاحب حفظ» كان يعطى. لبيان منزلته، ووصف مرة أبو زرعة وأبو حاتم الإمام مالك بأنه «صاحب كتاب وصاحب حفظ» على عكس «أصحاب الكتب»، الذين لا يحفظون أحاديثهم (٢١١) وكثيرا ما وقع الرواة من الذاكرة فى أخطاء فقد جاء أيوب بن عتبة (المتوفى ١٦٠ هـ/ ٧٧٦ م) يوما ما إلى بغداد، وروى هنا من ذاكرته، فوقع فى كثير من الأخطاء، ومع هذا فمن المؤكد أن كتبه تخلوا من الخطأ (٢١٢) وكان أبو داود الطيالسى (المتوفى ٢٠٣ هـ/ ٨١٨ م)، وهو محدث طبقت شهرته الآفاق، ذا ذاكرة أثارت الإعجاب- جاء إلى بغداد وقيل إنه روى بها أكثر من مائة ألف حديث، وبعد عودته/ إلى البصرة كتب إلى بغداد أنه وقع فى سبعين خطأ لا بد أن تصحح (٢١٣) قال ابن حبان: «دخل محمد بن إبراهيم بن مسلم البغدادى (المتوفى ٢٧٣ هـ/ ٨٨٦ م) مصر فحدثهم من حفظه من غير كتاب بأشياء أخطأ فيها، فلا يعجبنى الاحتجاج بخبره، إلا بما حدث من كتابه» (٢١٤) وسأل ابن أبى حاتم أباه عن إسناد فيه نظر ورد لحديث رواه سعدان عن يونس بن يزيد الأيلى (المتوفى ١٥٢ هـ/ ٧٦٩ م) عن الزهرى عن قبيصة. قال والده بأنه يشك فى أن هذا الحديث روى عن قبيصة، ويرى أن

стр. 130

سعدان سمعه من يونس بمكة أو المدينة ويونس لم تكن معه كتبه (٢١٥) وكان سائر المحدثين يلاحظون بسهولة اختلاف الأحاديث المروية من الذاكرة والأخرى المروية عن نص مدون. قال ابن حنبل فى غموض اسم أحد الرواة: حدثنا به زيد بن الحباب (المتوفى ٢٣٠ هـ/ ٨٤٤ م) من كتابه «نمران» ومن حفظه «نمار» (٢١٦) وقال يحيى بن سعيد (المتوفى ١٩٧ هـ/ ٨١٢ م) فى رواية إسنادها ابن جريح (المتوفى ١٥٠ هـ/ ٧٦٧ م) عن عطاءعن ابن عباس، إنه حدثه من ذاكرته: «حدثنا عطاء عن ابن عباس» ولكن كتابه ذكر الإسناد على نحو آخر: «حدثت عن سعيد بن جبير، وقال عطاء عن ابن عباس» (٢١٧) وكان العرف قد استقر على ضرورة مراجعة الرواية على كتاب، إن كان الشيخ يقدمها حفظا، أو إن كان لا يتابع المقروء فى كتاب بيده (٢١٨). وعند ما كف بصر أبى بكر عبد الله بن أبى داود السجستانى (المتوفى ٣١٦ هـ/ ٩٢٨ م) وكان ذا ذاكرة ممتازة، أخذ يملى أحاديثه من الذاكرة. فكان يجلس على المنبر وابنه على السلم- أدناه بدرجة- ممسكا بكتاب فى يده، ذاكرا الأحاديث المختلفة ويلقيها أبوه بعد ذلك (٢١٩). وعلى كل حال، فقد كانت العادة المألوفة فى الرواية التى تعتمد على الذاكرة وحدها أن تضاف عبارة: «إملاء من حفظه» (٢٢٠) وهذا أمر استثنائى/. وينبغى أن نناقش من طرق التحمل المذكورة طريقة «الكتابة» أو «المكاتبة» مناقشة خاصة، لأنها- كما يبدو- كانت السبب الرئيسى فى ظهور تصور خاطئ فى الدراسات الحديثة. لاحظ شبرنجر فى تاريخ الطبرى كثرة ورود عبارة «كتب إلى»

стр. 131

«وأمثالها. ودون معرفة دقيقة بعلم أصول الحديث فقد فهم مثل هذه الأخبار على أنها نصوص مدونة (٢٢١). وعلى الرغم من هذا التفسير الذى يكاد يكون صحيحا، لم تصل الدراسات المتأخرة إلى المعنى الصحيح، فالأمر ليس مراسلات بل «مكاتبة» بالمعنى الاصطلاحى. وقد وجدت المرويات التى بها عبارة «من كتابه» مزيدا من العناية، فقد ساد الاعتقاد فى هذه الحالات أن المؤلف أفاد من الكتب. وهنا بالذات يتضح التصور الخاطئ بأن سائر المرويات التى تأتى تالية لعبارات أخرى لا بد أن تشير إلى مصادر شفوية. ونود أن نذكر هنا ثلاثة أمثلة: فقد ذكر جولدتسيهر- إذ لفت نظره مثل هذه الروايات فى كتاب السنن لأبى داود- أن أبا داود نفسه قد استخدم أحيانا كثيرة نصوصا مدونة مصادر لكتابه «السنن» ولكنه لم يذكر فى كتابه الأحاديث التى تجعل الكتابة شيئا مكروها على الإطلاق (٢٢٢) وفهم يوسف شاخت من عبارة الشافعى: «ومن كتاب عمر بن حبيب عن محمد بن إسحاق» (٢٢٣) أن مرويات الشافعى لا ترجع دائما إلى مصادر شفوية، فقد استخدم فى إحدى الحالات مصدرا مدونا (٢٢٤). ويتضح من مثال ثالث أنهم أخطئوا فى فهم وتفسير المواضع الخاصة بالكتابة، وبحث جولدتسيهر صحيفة أحاديث الصحابى عبد الله بن عمرو بن العاص، ثم قال: هذه هى الصحيفة التى روى عنها ابن حفيده عمرو بن شعيب (المتوفى ١٢٠ هـ/ ٧٣٧ م) أحاديثه. ولهذا السبب لم يعترف النقاد بعد ذلك بمروياته التى ترجع إلى جد أبيه اعترافا كاملا» (٢٢٥) وفى هذا الرأى أحد الأسباب التى جعلت جولدتسيهر يعتقد أنه قد ظهر فى وقت متأخر تحرج من حفظ الحديث بالتدوين (٢٢٦)./ فكان بعض النقاد يعارضون استخدام مرويات عمرو بن شعيب لا بسبب أنه كان يروى من صحيفة بل لأنه لم يكن يروى إلا بطريق

стр. 132

الكتابة أو الوجادة (٢٢٧). ونجد لهذا تفسيرا واضحا عند الواقدى، قال «سألت ابن جريج عن قراءة الحديث على المحدث، فقال: ومثلك يسأل عن هذا إنما اختلف الناس فى الصحيفة يأخذها ويقول: أحدث بما فيها ولم يقرأه، فأما إذا قرأها فهو سواء» (٢٢٨) حتى إنّ المصطلحات نفسها التى عارض بها المحدثون هذا الضرب، كانت سببا فى ضروب جديدة من الفهم الخاطئ. فنحن نسمع كثيرا فى كتب الحديث عن أحكام سلبية، مثل: «وكان سعيد بن جبير يكره كتاب الحديث (٢٢٩)» أو «نرى أنها كتاب (٢٣٠)»، أو قال «أما علمت أن الكتاب يكره» (٢٣١). وبغض النظر عن التحديد الواضح للمصطلح فى كتاب علم أصول الحديث فمن المؤكد أن أصحاب هذه الأحكام كانوا يكتبون ويؤلفون الكتب، ولم تكن مؤلفات كبار المحدثين السابقين عليهم مجهولة لديهم، وواضح أنهم كانوا يقصدون بهذه العبارات نقد الرواية عن طريق الكتاب أو الكتابة، ولم يكن هدفهم الكتاب المدون. وبدون أن يفهم جولدتسيهر المعنى الدقيق لمطلح «كتاب» أو «كتابة» فقد أخطأ فى تفسيره لعبارة الزهرى: «كنا نكره كتاب العلم، حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء فرأينا ألا نمنعه أحدا من المسلمين» (٢٣٢). وقد فهم جولدتسيهر من هذا النص أن الزهرى اعترف بأنه- على هذا النحو- قد مكن الأمويين من الحصول على ذرائع دينية تخدم مصالح أسرتهم الحاكمة (٢٣٣)) أما يوسف هوروفتس (٢٣٤) فلم يكن- مع الأسف- يعرف معنى هذا

стр. 133

المصطلح فى كتب الحديث، ومع هذا فقد جعله حسه الصادق يصل إلى تصور يكاد يكون دقيقا فى موضوع الكتابة، فقد حاول أن يجد تفسيرا مناسبا لهذه العبارة معارضا بهذا زعم جولدتسيهر./ ومنذ وقت قصير ظهرت أيضا دراسات فى علم الحديث ما زالت تحاول الوصول إلى تفسير صحيح لهذه العبارة دون جدوى (٢٣٥). وعلى ضوء أمثلة كثيرة من نوع آخر تثبت أيضا وجود تراث مكتوب فى تلك الفترة نود أن نذكر مثالا يدل على أن المحدثين قد احتاجوا فى مجالسهم وفى تأليف كتبهم أيضا إلى نصوص مدونة. وقد أشار سفيان الثورى (المتوفى ١٦١ هـ/ ٧٧٨ م) على تلميذه يحيى بن سعيد أن يذهب إلى الكوفة ومعه كتبه ليروى منها (٢٣٦). وكان من مثالب محدث آخر أنه بعد أن سقطت كتبه فى الماء قد روى من كتاب نسخه دون أن يقرأه على شيخ (٢٣٧). وتوقف البعض عن الرواية تماما عند ما فقدوا كتبهم لسبب أو لآخر (٢٣٨)، وعدل آخرون أيضا لأسباب مشابهة عن رواية خبر ما كان فى كتبهم. وأخبر ابن أبى حاتم عن حديث ما أنه فى كتاب عمرو بن مرزوق (المتوفى ٢٢٣ هـ/ ٨٣٧ م) ولكنه لم يسمع قط أن عمرا رواه بنفسه (٢٣٩). وهنالك أخبار تقول بأنه طبقا للأسس التى كان يسير عليها المحدثون كان لا بد من تدوين كل الأحاديث فى كتب، وربما نستطيع من ذلك أن نرسمصورة لتدوين المصادر. سأل ابن أبى حاتم أباه عن حديث لإسحاق بن يوسف الأزرق (المتوفى ١٩٥ هـ/ ٨١٠ م) فقال يحيى بن معين (المتوفى فى ٢٣٣ هـ/ ٨٤٧ م) بأنه قد يكون غير صحيح. فقد بحث

стр. 134

عنه فى كتاب لإسحاق فلم يجده قال: «ليس له أصل إنما نظرت فى كتاب إسحاق، فليس فيه هذا» (٢٤٠) فرد أبو حاتم بأن الحديث صحيح، فقال ابنه إن يحيى بحث عنه فى كتاب إسحاق ولم يجده. قلت لأبى «فما بال يحيى نظر فى كتاب إسحاق فلم يجده. قال: كيف، نظر فى كتبه كلها، إنما نظر فى بعض وربما كان فى موضع آخر» (٢٤١)./. وقال أبو حاتم لابنه فى حديث آخر ورد بالإسناد التالى ... «حدثنا وكيع عن على بن المبارك عن يحيى بن معاذ بن جبل». ولما كانت الرواية المباشرة لعلى بن المبارك (المتوفى حوالى ٢٠٠ هـ/ ٨١٥ م) عن يحيى بن معاذ (المتوفى ٧٠ هـ/ ٦٨٩ م) غير ممكنه، «فمن أين كتبه على، أليس من كتابه» (٢٤٢) وعند ما سئل أحمد بن حنبل عن حديث رواه ابراهيم بن سعد (المتوفى ١٨٣ هـ/ ٧٩٩ م) أجاب: «هذا ليس فى كتب إبراهيم بن سعد، لا ينبغى أن يكون له أصل» (٢٤٣) ولاحظ أبو حاتم عن حديث قيل إنه روى عن إبراهيم بن سليمان بن إسماعيل المؤدب (المتوفى حوالى ١٩٠ هـ/ ٨٠٥ م) فقال: سمعنا من أبى نعيم (الفضل بن دكين المتوفى ٢١٩ هـ/ ٨٣٤ م) كتاب إبراهيم بن إسماعيل الكتاب كله- فلم يكن لهذا الحديث فيه ذكر (٢٤٤). وعند ما سئل عبد الرحمن بن مهدى (المتوفى ١٩٨ هـ/ ٨١٣ م) عن كون الزهرى روى حديثا بعينه أم لا، أجاب: «حدثنى رجل أنه رأى هذا الحديث عند ابن أخى ابن شهاب فى كتب الزهرى» (٢٤٥) وسأل ابن أبى حاتم عن حديث مشكوك فيه بالإسناد التالى: زيد بن يحيى بن عبيد عن عبد الله بن العلا بن زير، قال: حدثنا القاسم. فأجاب أبوه: «وسألت شعيب بن شعيب وكان ختن زيد بن يحيى على ابنته، فسألته أن يخرج إلى كتاب عبد الله بن العلاء فأخرج إلى الكتاب فطلبت منه الحديث وحديثا آخر عن أبى عبد الله مسلم بن مسلم عن أبى ثعلبة عن النبى صلّى الله عليه

стр. 135

وسلم، أنه سأله عن الإثم والبر، فلم أجد لهما أصلا فى كتابه (٢٤٦). واعتبر عبد الله بن لهيعة (المتوفى ١٧٤ هـ/ ٧٩٠ م) محدثا ضعيفا بصفة عامة، واعتقد البعض أن مروياته كانت سليمة قبل أن تحترق كتبه. ولاحظ أبو زرعة فى هذا: «أن سماع الأوائل والأواخر منه سواء إلا ابن المبارك وابن وهب كانا يتبعان أصوله (٢٤٧)» والمقصود بهذا أن كل ما روى عنه ضعيف إلا ما رواه عبد الله بن المبارك وابن وهب فقد كانا يدققان فى مصادره/ وقال أبو زرعة عن حديث جاء بالإسناد التالى: «حمّاد ونعيم عن بقيّة عن يحيى ابن سعيد»، إن هذا الحديث ليس عندهم بحمص فى كتببقية (بن الوليد المتوفى ١٩٧ هـ/ ٨١٢ م) (٢٤٨). وهذه الأمثلة ترد كثيرا فى كتب السنّة وعند البخارى الذى نبّه فى حديث ورد بالإسناد: «حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن المبارك» على أن هذا «الحديث» ليس فى نسخة خراسان من كتاب عبد الله بن المبارك، وكان قد أملاه على مسلم بن إبراهيم وأصحابه بالبصرة (٢٤٩)». ومن هذا يتضح أن البخارى قد استخدم كتاب مسلم بن إبراهيم (المتوفى ٢٢٠ هـ/ ٨٣٥ م)، ومصدره كتاب عبد الله بن المبارك (٢٥٠). وبعد أن وصفنا أنه قد وجدت منذ البداية كتب مدونة، وأن الأسانيد تشير إلى نصوص مدونة، فلا بد أن نناقش بعض القضايا الأخرى، وبخاصة دلالة بعض المصطلحات الفنية. ونهتم هنا- فى المقام الأول- بالعبارات الواردة فى سلاسل الإسناد، التى تشير فى واقع الأمر إلى مصادر مدونة حتى ولو بدا لأول وهلة أنها تدل على الرواية الشفوية. وترجع نشأة هذه المصطلحات إلى النصف الثانى للقرن الأول من الهجرة (٢٥١)، ويطلق عليها فى كتب علم مصطلح الحديث اسم «ألفاظ»، ونص هذه المصطلحات:

стр. 136

«حدثنا» «أخبرنا»، «سمعت» ... إلخ وبالرغم من قدم هذه المصطلحات، فيبدو أنه لم يكن ثمة اتفاق فى استخدامها، فقد اعتاد بعض المحدثين فى حالة النقل بطريق السماع أن يقولوا «سمعت» واعتاد البعض الآخر أن يقولوا «حدثنا» أما إذا كان النقل بطريق القراءة كانوا يقولون «أخبرنا». وفى النصف الثانى من القرن الثانى للهجرة كانت الأغلبية تفضل «أخبرنا» فى كلا النوعين. إلا أنه كان عليهم أن يوضحوا صراحة ما إذا كان السامع وحده أو مع آخرين فى حلقة الحديث. وقد سئل الأوزاعى مرة من تلميذ له، كتب عنه أحاديث كثيرة، عما ينبغى له أن يستخدم من المصطلحات فقال الأوزاعى: ما قرأته عليك وحدك قل فيه «حدثنى»، وما قرأته على جماعة أنت فيهم فقل فيه «حدثنا»، وما قرأته علىّ وحدك فقال فيه «أخبرنى»، وما قرئ على جماعة أنت فيهم فقل فيه «أخبرنا»، وما أجزته لك وحدك فقل فيه «خبرنى»، وما أجزته لجماعة أنت فيهم/ فقل فيه «خبّرنا» (٢٥٢) وفوق هذا كله فقد عبروا عن الأخذ بطريق القراءة أحيانا بعبارة «قرأت» ونادرا بعبارة «أنبأنا» أو «نبّأنا»، وعن الأخذ بطريق الإجازة بعبارة «أجاز». وقد سبق أن ذكرنا، أنه قد عبر عن الأخذ بطريقة «الكتابة» بعبارة «كتب إلىّ»، أو عبارة «من كتاب». ويأتى حرف الجر «عن» فى الأسانيد غالبا بدون فعل. وتذكر كتب علم مصطلح الحديث وهو ما تؤيده الدراسة الحديثة للإسناد أيضا أن حرف الجر وحده يؤدى وظيفتين مختلفتين: فهو يعبر عن الرواية بطريق الإجازة من جانب، كما ينبه إلى عدم اتصال الإسناد من الجانب الآخر. فعبارة «قرأت على فلان عن فلان» - تعنى مثلا: قرأت عند فلان الذى كان لديه إجازة (٢٥٣)، والوظيفة الثانية نجدها فى الإسناد «قال: حدثنا وكيع عن على بن المبارك عن يحيى بن معاذ بن جبل». وهنا تربط كلمة «عن» الثانية بين اثنين من المحدثين توفى أحدهما بعد الآخر بمائة وخمسين عاما. ويطلق فى علم مصطلح الحديث على هذا الحديث اسم «المقطوع» أو «المرسل»، أى أنه ذو إسناد غير متصل. وهذا من ناحية تاريخ التأليف يعنى استخدام كتاب غير كامل الإسناد كما يقول المحدثون (٢٥٤).

стр. 137

وهناك بضع مصطلحات تصف «الوجادة»، وتعنى الاقتباس من كتاب موثوق استخدم كنسخة بخط المؤلف أو برواية مشهورة- وهذه المصطلحات ذات أهمية كبرى فى تاريخ التأليف. وهى تدور هنا حول تعبيرات مثل «قال، ذكر، وجدت» (٢٥٥). وترد صيغ أخرى مثل «حدّثت، ؟ أخبرت، روى». وفى القرن الأول للهجرة يبدو أن مصطلح «حدّثت» كان مستخدما بالفعل، فقد استخدمه الطبرى للمصادر التى أخذ عنها بطريق الوجادة (٢٥٦)، والمرجع أن الطبرى قد أدخل- على هذا النحو- فى تفسيره وتاريخه/ معلومات بضع مئات من المصادر (٢٥٧). فإن كان مؤلف الكتاب المستخدم يرجع إلى زمن أقدم، فإن مصطلح «حدّثت» يأتى سابقا لرواية الكتاب فى بضع مئات من الأسانيد. مثال ذلك «حدّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبى جعفر عن أبيه عن ربيع بن أنس» (٢٥٨) وهو يوضح أن المقصود بذلك كتاب ربيع فى تفسير القرآن، أما إذا استخدم كتاب مؤلف متأخر مثل هشام بن الكلبى بطريق «الوجادة»، فيظهر الاقتباس مسبوقا بعبارة «حدثت عن هشام بن محمد» (٢٥٩). وفى تاريخ الرواية الإسلامية يعتبر البخارى أول من ذكر أكثر المرويات دون إسناد، فقد أورد بجانب ١٣٤١ حديثا عددا كبيرا من المقتبسات عن الكتب اللغوية والتاريخية وغيرها مصدرة بتعبيرات مثل: «قال، ذكر، روى». ويختلف ما أخذه البخارى اختلافا تاما عما أخذه الطبرى وسائر المحدثين والمؤرخين. فقد حذف فى مثل هذه

стр. 138

الحالات كل أسماء الرواة، وكان يقول على سبيل المثال: «قال ابن عباس» ثم يأتى بالنص. ويطلق على هذا العمل فى مصطلح الحديث اسم «التعليق». ولا نستطيع هنا أن نفصل القول فى الجامع الصحيح للبخارى (٢٦٠). ولكنه ربما يبدو من هذه الاشارات نفسها فى وضوح بما فيه الكفاية، أن الاسناد لم يبلغ أكمل تطور له عند البخارى. لقد حاولنا حتى الآن أن نثبت عن طريق معلومات وعبارات وصفية مختلفة فى كتب علم مصطلح الحديث أن الأسانيد لا تشير بحال من الأحوال إلى مرويات شفوية، بل تذكر مؤلفى الكتب ورواتها الثقات بأسمائهم. ولدينا اليوم إمكانيات كثيرة لإثبات صحة هذا الرأى فى ضوء المصادر المبكرة التى وصلت إلينا فيمكن أن نثبت مثلا أن الطبرى عند ما يذكر فى تاريخه الإسناد التالى: «حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلامة، قال: حدثنا ابن إسحاق» كان يقتبس دائما اقتباسا حرفيا من كتاب المغازى لمحمد بن إسحاق. وعند ما يذكر الطبرى فى تفسيره للقرآن: «حدثنا محمد بن عمرو الباهلى، قال: حدثنا أبو عاصم النبيل، قال: حدثنا عيسى بن ميمون عن ابن أبى نجيح عن مجاهد كان يقتبس من تفسير القرآن الذى وصل إلينا/ من تأليف مجاهد. ونستطيع أن نثبت اعتمادا على الأسانيد ما نقلته الكتب الفقهية المتأخرة عن موطأ مالك على وجه التقريب ويمكن أن نثبت فى المجال الأدبى أن كتاب الأغانى يقتبس مثلا عن طريق الإسناد: «أخبرنى أبو خليفة الفضل بن الحباب فيما كتب إليه عن محمد بن سلام»، أو: «أخبرنى أبو خليفة اجازة عن محمد بن سلام»، من طبقات الشعراء للجمحى عن طريق الإسناد: «على بن سليمان ومحمد بن العباس اليزيدى عن السكرى عن ابن حبيب (٢٦١)» من النقائض لأبى عبيدة، وعن طريق الإسناد: حدثنا إبراهيم بن أيوب عن عبد الله بن مسلم»، من كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة. ونستطيع بدراسة مقارنة لأقدم كتب الحديث التى وصلت إلينا بمجموعات الحديث المتأخرة أن نتأكد من كون الأسانيد تشير إلى اقتباسات من مؤلفات مدونة، ويمكن أن نثبت- فوق هذا وذاك- أن ترتيب المواد والتبويب فى الكتب المتأخرة يرجع فى معظمه إلى الكتب المبكرة التىاقتبس منها.

стр. 139

وبقدر ما نستطيع اليوم أن نتعرف فى الأسانيد الواردة فى الكتب الجامعة على المؤلفين الذين وصلت إلينا كتبهم إلى اليوم، أو بقدر ما تعيننا معلومات أخرى فى هذا الصدد، كذلك نستطيع أن نتعرف على مؤلفى المصادر المستخدمة عن طريق الإسناد. ولكن الأسانيد المفردة لا تتضمن إشارات خاصة بهذا إلا نادرا، وذلك كما فى الإسناد «حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن المبارك» حيث تفيد هنا الملاحظة الآتية: «هذا الحديث ليس بخراسان فى كتاب ابن المبارك أملاه عليهم بالبصرة» (٢٦٢) أن البخارى قد استخدم كتابا لشيخه مسلم بن إبراهيم يعتمد على كتاب لعبد الله بن المبارك. وعن طريق سؤال إبراهيم بن أبى طالب إلى مسلم: «كيف استجزت الرواية عن سويد بن سعيد (المتوفى ٢٤٠ هـ/ ٨٥٤ م) فى الصحيح؟ » وإجابته: «ومن أين كنت آتى بنسخة حفص بن ميسرة (٢٦٣)» ندرك أن الإسناد: سويد بن سعيد عن حفص بن ميسرة إلخ ... يشير فى صحيح مسلم إلى كتاب حفص بن ميسرة (المتوفى ١٨٠ هـ/ ٧٩٦ م). وعلى نحو مشابه: توضح لنا الملاحظة الآتية عن أسانيد ترجع: إلى يحيى بن كثير (المتوفى ١٢٩ هـ/ ٧٤٦ م) وكتبه. قال أبو داود السجستانى (المتوفى ٢٧٥ هـ/ ٨٨٨ م): على بن المبارك (المتوفى حوالى ٢٠٠ هـ). كان عنده كتابان ليحيى بن كثير: أحدهما كتاب سماع والآخر كتاب إرسال/ «قلت لعباس العنبرى (المتوفى ٢٤٦ هـ/ ٨٦٠ م): كيف كان كتاب الإرسال؟ قال: الذى كان عند وكيع، وسنده عن على عن يحيى عن عكرمة، وكان الناس يكتبون كتاب السماع مكاتبة» (أى يشيرون إلى ذلك بعبارة «كتب إلىّ») (٢٦٤) وعلى العكس من هذا، فإن الاسناد الآتى: «حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الواحد بن زياد عن الأعمش قال: سمعت أبا صالح يقول: سمعت أبا هريرة» لا يتضمن أية إشارة نستطيع أن نثبت منها اسم مؤلف الكتاب الذى استخدمه البخارى. وفى الإسناد: «حدثنا إسماعيل، حدثنا مالك عن ربيع بن أبى عبد الرحمن عن يزيد بن خالد»، نستطيع أن نفترض أن البخارى أفاد هذا الإسناد من كتاب الموطأ لمالك، ونتحقق من وجود النص فعلا فى الموطأ. وهذا

стр. 140

الدليل لا يؤكد بالضرورة صحة هذا الفرض، فمن الممكن أن يكون البخارى قد اقتبس كتاب إسماعيل بن أبى أويس الذى استخدم بدوره موطأ مالك، أو أن البخارى أفاد من كتاب ربيع بن أبى عبد الرحمن برواية إسماعيل- مالك. ويعيننا المثال التالى على تكوين تصور أدق عن علاقات المصادر بعضها ببعض «حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر عن همّام عن أبى هريرة» (٢٦٥) وكل الأسماء فى هذا الإسناد معروفة لنا، وكلهم باستثناء أبى هريرة مؤلفون، ولكنه أيضا كان يملك نصوصا مدونة، ولم يصل إلينا أى كتاب لعبد الله بن محمد المسندى (٢٦٦) (المتوفى ٢٢٩ هـ/ ٨٤٣ م). وعلى عكس هذا فإن لدينا كتبا لعبد الرزاق (المتوفى ٢١١ هـ/ ٨٢٦ م)، ولمعمر بن راشد (المتوفى ١٥٥ هـ/ ٧٧١ م) ولهمام بن منبه (المتوفى ١٣٠ هـ/ ٧٤٧ م). وترجع كل الأحاديث التى وردت بهذا الإسناد إلى مصنف عبد الرزاق وصحيفة همام ويوجد بعضها فى الجامع لمعمر (٢٦٧). ومن الجائز أن يكون البخارى قد أفاد من صحيفة همام مباشرة وأن الآخرين رووا هذه الصحيفة، أو أن البخارى أفاد من كتاب أستاذه عبد الله بن محمد، الذى اقتبس الصحيفة مباشرة، أو من كتاب عبد الرزاق، الذى اعتمد على صحيفة همّام اعتمادا مباشرا أو غير مباشر (٢٦٨)./ وهذه الظاهرة: وهى أن الأحاديث وسائر المرويات المأخوذة عن مصادر أقدم تظهر بأسماء الرواة الثقات فى الكتب المتأخرة- فرادى ومجموعات بأسانيد تطول دائما- قد لا حظها بلا ريب العلماء المسلمون الأقدمون (٢٦٩). ونظر إلى أن عهدهم بذلك الزمان، لم يكن بعيدا

стр. 141

فقد عرفوا المصادر واستطاعوا أن يتعرفوا على أكثر الكتب اعتمادا على الأسماء الواردة فى الأسانيد. ولم يعطونا لذلك إلا إشارات عارضة تأتى فى حالات نادرة للغاية. ولذا فعلينا أن نجد طريقنا بأنفسنا، كى نتعرف عن طريق الإسناد الوارد فى الكتب على اعتماد المصادر بعضها على بعض، وأن نثبت بعد ذلك بقايا جديدة من كتب صدر الإسلام التى فقد أكثرها، بل لعلنا نستطيع إعادة تكوين بعض هذه المؤلفات على نحو كامل. وهناك منهج يبدو مناسبا، طبّق فى دراسة لكتاب البخارى (٢٧٠) وفى دراسة أخرى لقسم من تاريخ الطبرى (٢٧١)، وذلك ببحث الكتب على النحو التالى: تجمع كل أسانيد الكتاب الذى نبحث مصادره المباشرة فى جزازات، وترتب هذه الجزازات وفق أسماء أحدث الرواة. ونبحث هذه الاسم الأول المشترك متابعين الأفراد الآخرين المشتركين أيضا فى الإسناد، وآخر هذه الأسماء هو اسم مؤلف المصادر التى اعتمد عليها الكتاب الذى نبحثه. فإذا كانت أسماء الرواة- على سبيل المثال- لا تتفق إلا فى الاسم الأول ثم تختلف بعد هذا، فهذا الاسم الأول هو اسم مؤلف المصدر المستخدم، ومادته ترجع إلى مصادر مختلفة. وإذا كانت الأسماء مشتركة حتى الحلقة الثانية أو الثالثة مثلا/ فهذا يعنى أن الأسماء الأولى المشتركة هى أسماء الرواة، وأن الاسم المشترك الأخير السابق للتفرعات هو اسم مؤلف المصدر. فإذا حددنا مصادر كتاب ما نستطيع أيضا أن نبحث مصادر كل مصدر منها بنفس الجزازات بالطريقة نفسها. وقد ثبت فى بحث البخارى أن تسعين فى المائة من مصادره يرجع إلى شيوخه، وأنه نادرا ما استخدم كتبا لمؤلفين سبقوه بجيلين أو ثلاثة. أما

стр. 142

الطبرى، فكانت مصادره- على العكس من ذلك- أكثر إيغالا فى القدم. وفوق هذا كله، فإن مثل هذا البحث يمكننا من إثبات جانب من جوانب كيفية عمل المؤلف، وإلى أى حد كان المؤلف يلتزم فى ترتيب مادته وتهذيبها بالمصادر التى اعتمد عليها، ومثال ذلك أن البخارى ليس له إلا جهدالتلخيص فقد أخذ مادته فى الواقع من حوالى مائتى كتاب للجيل السابق عليه، وكلها تعكس تطورا بعيد المدى فى تصنيف المادة، بينما أخذ مسلم- فيما يبدو تقسيم موضوعاته من الجيل السابق عليه، وكان يستقى مادته- ما أمكن ذلك- من أقدم المصادر. وكى نستطيع أن نحدد المصادر الأولى فى المؤلفات الإسلامية علينا أن نتخلص- أولا وقبل كل شئ- من التحيز القديم القائل بأن الإسناد لم يظهر إلا فى القرنين الثانى والثالث للهجرة، وأن أسماء الرواة قد اخترعت اختراعا، وإلى جانب هذا كله علينا أن نعد فهارس دقيقة لأسماء الرواة التى نصادفها فى الكتب التى وصلت إلينا من القرون الأولى. وتمكننا مقارنة هذه الفهارس من بحث الأسانيد المشتركة على أساس عريض. لقد سادت فكرة خاطئة تماما عن هذه الأسانيد التى تحمل أسماء مشتركة، كما يتضح من مصطلح «الإسناد الجماعى» (٢٧٢) فى الدراسات الحديثة. إن الأسماء المشتركة تعنى- وفق هذا الرأى- أن النص المصاحب قد اخترعته مدرسة معينة من مدارس الحديث (٢٧٣).

стр. 143

وهناك كثير من القضايا الجزئية الخاصة بتاريخ المؤلفات فى علم الحديث لا تزال فى حاجة إلى بحث، ولقد بدا لمؤلف هذا البحث أول الأمر أن محاولة عرض تطور حركة التأليف فى المرويات الإسلامية أمر غير ضرورى إذ إن هذه الحقيقة تتضح من تلقاء نفسها إن قليلا أو كثيرا من قراءة كتب الحديث/، إلّا أنه لم يكن يجوز له أن يتغاضى عما وضعه التصور الخاطئ المذكور من عقبات فى سبيل دراسة تاريخ المؤلفات الإسلامية حتى يومنا هذا

стр. 144

أولا كتب الحديث فى العصر الأموى منذ أكثر من مائة عام كان «شبرنجر» (٢٧٤) قد جمع طائفة من المعلومات عن أقدم أشكال تدوين للحديث، أى عما سمى «صحيفة» أو «جزءا» أو «حديثا» ثم شرح جولدتسيهر (٢٧٥) هذه المعلومات وأضاف إليها غيرها. ١ - عبد الله بن عمرو بن العاص ولد عبد الله بن عمرو بن العاص سنة ٧ قبل الهجرة/ ٦١٦ م، وتوفى سنة ٦٥ هـ/ ٦٨٤ م. وصف نفسه بأنه مؤلف أشهر صحيفة دونت فى الحديث، وسميت «الصادقة» (انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى ٤/ ٢٦٢) ولا بد من بحث الروايات التى دخلت بها أجزاء من هذه الصحيفة فى كتب الحديث المتأخرة. ظهر من بحث سلاسل الإسناد أن مضمون هذه الصحيفة- أكثرها إن لم يكن كلها- قد وصل إلينا فى مسند ابن حنبل (٢/ ١٧٨ - ٢٢٧) إلا أننا لا نستطيع أن نعرف من أسانيد ابن حنبل ما إذا كان قد أفاد من الصادقة نفسها فى روايات مختلفة، أم أنه استمد هذه الأحاديث من مصادر أخرى. ومن المؤكد فى كلتا الحالتين أن مروياته المأخوذة عن الصادقة وصلت إليه برواية عمرو بن شعيب (المتوفى سنة ١١٨ هـ/ ٧٣٦ م) حفيد عبد الله بن عمرو. واختلف محدثو القرنين الثانى والثالث للهجرة فيما إذا كان

стр. 145

يجوز لهم أن يرووا مضمون هذه الصحيفة برواية عمرو بن شعيب، وذلك لأن عمرو بن شعيب لم يسمع من والده إلا قسما صغيرا منها (التهذيب لابن حجر ٨/ ٤٩ - ٥٥). وكان كثير من كبار المحدثين، ومنهم: البخارى، وابن حنبل، وعلى بن المدينى، وإسحاق بن راهويه لا يتحرجون فى قبول المواد التى ترجع إلى الصادقة بالرواية المذكورة (انظر المرجع نفسه ٨/ ٤٩). ٢ - سمرة بن جندب هناك صحيفة أخرى لأحد الصحابة لها شهرة بعيدة، كانت- فيما يبدو- لا تزال موجودة فى القرن الثالث الهجرى، وهى صحيفة سمرة بن جندب (المتوفى سنة ٦٠ هـ/ ٦٧٩ م) وليس لنا أن نفترض أن هذه الصحيفة (انظر: الصحيح للترمذى بولاق ١/ ٢٤٤) هى رسالته إلى أبنائه التى قال عنها ابن سيرين: «فى رسالة سمرة إلى بنيه علم كثير»، (التهذيب لابن حجر ٤/ ٢٣٧ وقارن كذلك جولدتسيهر / Goldziher ,Muh.Stud.II ١٠. ويبدو أن ابن حنبل قد نقل فى المسند (٥/ ٧ - ٢٣) هذه الصحيفة كلها أو بعضها. ٣ - جابر بن عبد الله وهناك صحيفة أخرى مشهورة تنسب للصحابى جابر بن عبد الله بن عمرو الخزرجى (ولد جابر سنة ١٦ قبل الهجرة ٦٠٧ م وتوفى ٧٨ هـ/ ٦٩٧ م) وقيل أن أول راو لهذه الصحيفة هو سليمان بن قيس اليشكرى (انظر تهذيب التهذيب ٤/ ٢١٤)، وقد توفى- فيما يقال- فى وقت مبكر فاحتفظت زوجته بهذه الصحيفة ولم يكن ثمة إجازة بها. أما الرواة الآخرون لجابر بن عبد الله، وهم: أبو الزبير، وأبو سفيان، والشعبى فيقال إنهم لم يوفقوا فى سماع نص جابر كاملا، ويبدو أن روايتهم له لم
следующие страницы →