Полный текст (1 004 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الناس فيها على سُوقِهم. (وبها ينصبُ رايته) إشارة إلى ثبوته هناك، واجتماع أعوانه إليه للتحريش بين الناس، وحملهم على هذه المفاسد المذكورة ونحوها فهي موضعه وموضع أعوانه).
(رواه معتمر بنُ سُلَيمان، عن أبيه، قال: ثنا أبو عُثمان النّهديّ، عن أسامة بن زيد ﵄ به.
ورواه عن معتمر: العباس بنُ الوليد النَّرسيّ، ومحمد بنُ عبد الله الرقاشيّ، وعبد الله ابنُ معاذ، وعبد الأعلى بنُ حماد، ومحمد بنُ عبد الأعلى، وموسى بنُ إسماعيل، وإسحاق بنُ إبراهيم.
أمَّا سند الموقوف، فقال مسلمٌ في "صحيحه" (٢٤٥١/ ١٠٠): حدثني عبد الأعلى ابنُ حماد، ومحمد بنُ عبد الأعلى القيسيُّ، كلاهما عن المعتمر، قال ابنُ حماد: ثنا معتمر ابنُ سليمان، قال: سمعتُ أبي، قال: ثنا أبو عُثمان، عن سلمان، قال: .. فذكره).
(صحيحٌ. قال أبو عَمرو -غفر الله له-: وقد رُوِيَ كلام سلمان ﵁ مرفوعًا، ولا يصح. والصواب وقفه على سلمان ﵁) (خ، م، البزار، طب كبير، أبو بكر الشافعي) (التسلية / ح ١٩؛ ابن كثير ١/ ١٤٤؛ الفضائل / ٤٠).
١٥٦/ ٩ - (إِنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي إسرائيل سأَلَ بعضَ بَنِي إسرائيل أَنْ يُسْلِفَهُ ألف دينارٍ، فقال: ائتني بالشهداء أُشهِدُهُم، فقال: كفى بالله شهيدًا، قال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله وكيلاً. قال: صدقت. قال: فدفعها إليه إلى أجل مُسَمَّى، فخرج إلى البحر فقضى
стр. 177
حاجته، ثم التمس مركبًا يركبها يقدم عليه، للأجل الذي أجله، فلم يجد مركبًا. فأخذ خشبةً فنقرها فأدخل فيها ألفَ دينار، وصحيفةً مِنْهُ إلى صاحِبِهِ، ثم زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثم أتى إلى البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني تسلفتُ فلانًا ألف دينار، فسألني كفيلاً، فقلتُ: كفى بالله كفيلاً، فَرَضى بك، وسألني شهيدًا، فقلتُ: كفى بالله شهيدًا، فرضى بك، وإِنِّي جَهدتُ أَنْ أجدَ مركبًا أبعثُ إليه الذي له، فلم أجد، وإِنِّي أَسْتَودِعُكَها!. فرمى بها إلى البحر، حتى وَلَجَت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبًا يخرج إلى بلده، فخرج الرجلُ الذي كان أسلفه، ينظر لعل مركبًا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حَطَبًا، فلما نشرها وجدَ المالَ والصحيفةَ، ثمَّ قَدِمَ الذي كان أسلفه، فأتى بالألف دينار، وقال والله ما زِلْتُ جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه. قال: هل كُنْتَ بعثتَ إليّ شيئًا؟! قال: أخبرك أني لم أجدْ مركبا قبل الذي جئت فيه. قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف بالألف دينار راشدًا).
(عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا به). (هذا حديثٌ صحيحٌ) (خ، حم) (صحيح القصص / ٢٤ - ٢٥).
١٥٧/ ١٠ - (أنَّ رسولَ الله ﷺ نهى عن البيع والشراء في المسجد،
стр. 178
وأنْ تُنشدَ فيه ضالة، أو يُنشدَ فيه شعر، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة).
(رواه: محمد بنُ عجلان، عن عَمرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جدِّه عبد الله ابن عَمرو ﵄). (حديثٌ صحيحٌ) (د، س, ت، ق، حم، خز، فاكه أخبار مكة، هق، بغ) (التوحيد / شوال / ١٤١٩ هـ؛ ١٤٢٦ هـ / جمادى الأولى؛ غوث ٢/ ١٥٦ ح ٥٦١؛ كتاب المنتقى / ٢١٥ / ح ٦١٢).
١٥٨/ ١١ - (إنْ كنتَ إنما اشتريتني لنفسكَ فأمسكني، وإنْ كنتَ إنما اشتريتني لله، فدعني وعمل الله).
(قال البخاريُّ: ثنا ابنُ نمير -هو محمد-، عن محمد بن عُبَيد: ثنا إسماعيل هو ابنُ أبي خالد، عن قيس ابنِ أبي حازم، أنَّ بلالاً قال لأبي بكر: .. فذكره). (حديثٌ صحيحٌ. وفيه ردٌّ على قول عليّ بن المدينيّ: "روى قيس بنُ أبي حازم، عن بلالٍ، ولم يلقه". اهـ.
وقيس بنُ أبي حازم: تابعيٌّ مخضرمٌ، كاد أن يكونَ صحابيًا، فإنَّهُ هاجر إلى النبيّ ﷺ فقُبِض وهو في الطريق، ولم يُحدِّث عن العشرة أحدٌ غيره، كما قال ابنُ خراش. والبخاريُّ شديدُ العناية بمباحث الاتصال والانقطاع.
وقد قال الحافظُ في "التهذيب" (١/ ١٣٧)، وهو يصحح سماع إبراهيم بن عبد الله ابن معبد من ميمونة ﵂ زوج النبي ﷺ ، وقد أوردَ البخاريُّ في " التاريخ الكبير" (١/ ١ / ٣٠٢ - ٣٠٣) أسانيدَ لحديثٍ اختُلِف في إسناده، فقال الحافظُ معلِّقًا على الأسانيد التي أوردها البخاريُّ: "فهذا مشعرٌ بصحة رواية إبراهيم عن ميمونة عند البخاريّ، وقد عُلِمَ مذهَبُهُ في التشديد في هذه المواطن". اهـ.
стр. 179
قلتُ: وقد صحَّ سماعُ عبد الرحمن بن عسيلة الصُّنَابِحيِّ من بلالٍ ﵁، وهو نظير قيس، بل قيسٌ أعلى منه ...
ولذلك تعقَّبَ العلائيُّ ابنَ المدينيّ في "جامع التحصيل" (ص ٢٥٧)، قائلاً: "في هذا القول نظرٌ، فإنَّ قيسًا لم يكن مدلسًا. وقد وردَ المدينةَ عقب وفاة النبيّ ﷺ والصحابةُ بها مجتمعون، فإذا روى عن أحدٍ فالظاهرُ سماعُهُ منه". اهـ.
قال أبو عَمرو -غفر الله له-: ذكرتُ حديثَ الصُّنَابِحيِّ عن بلال في أبواب "الصوم والاعتكاف" وفيه خبرٌ عن ليلة القدر) (خ) (التسلية / ح ٣١).
١٥٩/ ١٢ - (تُوفِّيَ أبي وعليه دينٌ، فعرضتُ على غُرَماِئه أن يأخذُوا التمرَ بما عليه، فأبوا، ولم يروا أنَّ فيه وفاءً، فأتيتُ النبيّ ﷺ ، فذكرتُ ذلك له، فقال: "إذا جَدَدْتَةُ فوضعتَهُ في المربد أذَنْتَ رسولَ الله ﷺ ، فجاء ومعه أبو بكر وعُمر، فجلس عليه ودعا بالبركة، ثم قال: "ادعُ غُرَماءك فَأَوفِهِم" فما تركتُ أحدًا له على أبي دينٌ إلا قضيتُهُ، وفضلَ ثلاثةَ عشرَ وَسْقًا: سبعةٌ عجوةٌ، وستةٌ لونٌ، أو ستةٌ عجوةٌ وسبعةٌ لونٌ، فوافَيتُ مع رسول الله ﷺ المغربَ، فذكرتُ ذلك له فضحِكَ، فقال: "ائتِ أبا بكرٍ وعُمر فأخبرهما"، فقالا: لقد علمنا إذ صنع -رسول الله ﷺ ما صنعَ- أن سيكونُ ذلك).
(عن عُبَيد الله بن عُمر، عن وهب بن كيسان، عن جابر ﵁ به). (صحيحٌ. وانظر سياق حديث هشام بن عُروة، عن وهب بن كيسان، عن جابر: أن أباه
стр. 180
تُوفِّيَ ... في أبواب "فضائل النبيّ ﷺ والآل والصحب" من الجزء الثاني من هذه السلسلة) (خ، س، حب، فر دلائل) (تنبيه ١٢ / رقم ٢٤٩٢).
١٦٠/ ١٣ - (دخلتْ بريرةُ وهي مُكَاتَبَةٌ فقالتْ: اشتريني، وأعتقيني. قالتْ: نعم. قالتْ: لا يبيعوني حتى يشترطوا ولائي. فقالتْ: لا حاجةَ لي بذلك. فسمع بذلك النبي ﷺ -أو بلغه-، فذكرَ لعائشةَ، فذكرتْ عائشةُ ما قالتْ لها، فقال: "اشتَرِيهَا وأعتِقِيهَا، ودَعِيهم يشترطوا ما شاءُوا". فاشترتها عائشةُ، فأعتقتَها واشترط أهلُها الولاء، فقال النبيّ ﷺ : "الولاءُ لِمَنْ أعتقَ، وإِنِ اشتَرَطُوا مائةَ شَرْطٍ").
(حدَّث به: البخاريُّ -وهذا حديثه-، وعليّ بنُ عبد العزيز البغويُّ، قالا: ثنا أبو نعيم الفضل بنُ دُكَين، قال: نا عبد الواحد بنُ أيمن القرشي المخزوميّ أبو القاسم المكيّ، قال: ثني أبي أيمن، قال: دخلتُ على عائشةَ ﵂، فقلتُ: كنتُ لعتبة بنِ أبي لهب، ومات، وورثني بنوُهُ، وأنهم باعوني من ابن أبي عَمرو، فأعتقني ابنُ أبي عَمرو، واشترط بنو عتبة الولاء، فقالتْ: .. فذكرت الحديثَ).
(قال الطبرانيُّ: لم يرو هذا الحديث عن عبد الواحد إلا أبو نعيم. انتهى. قلتُ: رضي الله عنك! فلم يتفرد به أبو نعيم، فتابعه خلاد ابنُ يحيى بنِ صفوان السلمي، عن عبد الواحد بن أيمن بهذا الإسناد).
(خ، طب أوسط) (تنبيه ١٢ / رقم ٢٤٤٤).
стр. 181
١٦١/ ١٤ - (سَلُوهُم قِرَى الضيفِ الذي هو حقُّهُ، فإنْ أبَوهُ فخُذُوا منهم وإنْ كَرِهُوا، بئسَ القومُ قومٌ لا يقرُونَ الضيفَ).
(عبد الله بنُ وهب، وقتيبة بنُ سعيد، ومحمد بنُ رمح، ثلاثتهم عن ابن لهيعة.
عبد الله بنُ صالح، وقتيبة بنُ سعيد، وعبد الله بنُ يوسف، ومحمد بنُ رمح، وحجاج ابنُ محمد الأعور، وشعيب بنُ الليث، وأبو النضر هاشم بنُ القاسم، وأبو الوليد الطيالسيّ هشام بنُ عبد الملك، وعبد الله بن وهب، ويونس بنُ محمد المؤدِّب، ومنصور بنُ سلمة الحُزاعيّ، قالوا جميعًا: ثنا الليث بنُ سعد.
كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، أنَّ أبا الخير حدَّثه، عن عقبة بن عامر الجُهَنِيّ، قال: قلنا يا رسول الله، إنك تبعثُنَا فنمُرُّ بالقوم، فنسألُهُم القِرَى، فيمنعونَنَا، فكيف نصنعُ يا رسول الله؟ قال: سَلُوهُم قِرَى الضيف .. الحديث).
(قال أبو داود: "وهذه حجةٌ للرجُل يأخذُ الشيء إذا كان حقًا له". انتهى.
وقال الترمذيُّ: "هذا حديثٌ حسنٌ. وقد رواه الليث ابنُ سعد، عن يزيد بن أبي حبيب أيضًا. وإنما معنى هذا الحديث أنهم كانوا يخرجونَ في الغزو، فيمرُّون بقوم، ولا يجدون من الطعام ما يشترون بالثمن، فقال النبيّ ﷺ : "إنْ أبوا أن يبيعوا إلا أن تأخذوا كرها، فخذوا". هكذا رُوي في بعض الحديث مفسرًا. وقد رُوي عن عُمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يأمرُ بنحو هذا". انتهى).
(خ، خد، م، عو، د، ت، ق، حم، حب، طب كبير، وأوسط، طح مشكل، طح معاني، هق، بغ) (تنبيه ١٢ / رقم ٢٥١٥).
١٦٢/ ١٥ - (لا يَسْتَامُ الرَّجُلُ على سَوْمِ أخيهِ، ولا يخطبُ على
стр. 182
خِطبةِ أخيه).
(رواه: شعبة بن الحجاج، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ به).
(صحيحٌ) (م، حم، حب، طح معاني) (حديث الوزير / ١٤١ ح ٣٨، بذل ٤٥٠٣، غوث ٢/ ١٥٧ ح ٥٦٣؛ كتاب المنتقى / ٢١٥ ح ٦١٤).
١٦٣/ ١٦ - (نهانا رسولُ الله ﷺ عَنْ أمرٍ كان لنا نافعًا، وطواعيةُ الله ورسوله أنفعُ لنا، نهانا أنْ نُحَاقِلَ بالأرض فنُكرِيها على الثُّلُثِ والرُّبعِ والطَّعَامِ المسمَّى، وأَمَرَ رَبَّ الأرض أنْ يَزْرَعَهَا أو يُزْرِعَهَا، وكَرِهَ إكْرَاءَهَا، وما سوى ذلك. هذا لفظ مسلم.
وفي "لسان العرب" (١١/ ١٦٠): الحاقِل: أي الأكَّار. والمحاقِل: المزارِعْ والمُحَاقَلة: بيعُ الزرع قبل بَدْو صلاحة. وقيل: بيع الزرع في سنبله بالحنطة. وقيل: المزارعة على نصيب معلوم بالثلث والربع أو أقل من ذلك أو أكثر، وهو مثلُ المخابرة. وقيل: المحاقلة اكتراء الأرض بالحنطة, وهو الذي يسميه الزراعون المجاربة. ونهى النبيّ ﷺ عن المحاقلة، وهو بيع الزرع في سنبله بالبر، مأخوذ من الحقل القراح.
وروي عن ابن جريجٍ، قال، قلت لعطاء: ما المحاقلة؟ قال: المحاقلة بيع الزرع بالقمح. قال الأزهريُّ: فإنْ كان مأخوذًا مِنْ إحقال الزرع إذا تشعب، فهو بيعُ الزرع قبلَ صلاحه، وهو غررٌ. وإن كان مأخوذًا مِنْ الحقل وهو القراح وباع زرعا في سُنْبُلِهِ نابتًا في قراح بالبر، فهو بيع بر مجهول ببر معلوم، ويدخله الربا لأنه لا يؤمن التفاضل، ويدخله الغرر لأنه مغيب في أكمامه. وروى أبو العباس، عن ابن
стр. 183
الأعرابي قال: الحقل بالحقل أنْ يبيع زرعًا في قراح بزرع في قراح. قال ابنُ الأثير: وإنما نهى عن المحاقلة لأنهما من المكيل ولا يجوز فيه إذا كانا من جنس واحد إلا مثلاً بمثلٍ ويدًا بيدٍ، وهذا مجهول لا يدري أيهما أكثر، وفيه النسيئة. والمحاقلة: مفاعلة من الحقل، وهو الزرع الذي يزرع إذا تشعب قبل أن تغلظ سوقه. وقيل: هو من الحقل، وهي الأرض التي تزرع وتسميه أهل العراق القراح).
(رواه: إسماعيل بنُ عُلَية، عن أيوب، عن يعلى بن حَكِيم، عن سُلَيمان بنِ يَسَار، عن رافع بنِ خَديج ﵁، قال: كنا نُحَاقِلُ الأرضَ، على عهد رسول الله ﷺ ، فنُكْرِيهَا بالثلث والربع والطعام المسمى، فجاءنا ذاتَ يوم رجلٌ مِنْ عُمُومَتِي، فقال: ... وذكر الحديث).
(هذا حديثٌ صحيحٌ) (م، د، ت، س، حم) (التسلية / ح ٤).
١٦٤/ ١٧ - (نهى رسولُ الله ﷺ عن بيع الولاء وعن هبته).
(عن ابن عُمر ﵄ به). (أخرجه الشيخان وغيرهما) (حديث الوزير / ٤٥؛ غوث ٣/ ٢٤١ ح ٩٧٨؛ كتاب المنتقى ٣٦١ ح ١٠٥١؛ مجلسان النسائي / ٧٢ ح ٣٩؛ التسلية / ح ٥٨؛ تنبيه ٧ / رقم ١٧٤٥).
١٦٥/ ١٨ - (نهى رسولُ الله ﷺ عن بيع حبل الحبلة).
(عن عبد الله بن عُمر ﵄. ورواه عنه: نافع مولاه، وسعيد ابنُ جبير). (هذا حديثٌ صحيحٌ. أما معنى الحديث، فقال الخطابيُّ في معالم السنن ٣/ ٨٩: وحبلُ الحبلة، هو نتاجُ النتاج، وقد جاء تفسيرُه في الحديث، وهو أن تنتج الناقة بطنَها، ثم تحمل التي نتجت، وهذه بيوعٌ كانوا يتبايعونها في
стр. 184
الجاهلية، وهي كلها يدخلها الجهل والغرر، فنهوا عنها، وأرشدوا إلى الصواب. اهـ).
(خ، م, د، س، ت، ق، حم، ط، حمي، جا) (مجلة التوحيد / رجب / سنة ١٤٢٢ هـ).
стр. 185
٩ - أبواب: تأويل مُختلف ومُشكل الحديث
(متن الحديث) (إسناده) (درجته) (تخريجه) (موضعه في كتب الشيخ).
١٦٦/ ١ - (الإسلام بضعٌ وستُّون بابًا -أو بضعٌ وسبعون بابًا-، أفضلها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطةُ الأذى عن الطُّرُقِ. والحياءُ شُعبةٌ من الإيمان).
(رواه: سهيل بنُ أبي صالح، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا). (حديث صحيحٌ) (خ كبير، بخ، م، د، ت، ق، حم، ش، أبو عبيد، محا، حب، البزار، طي، عب، ابن منده، ابن بشران، الآجري، هق شعب، بغ، ابن عبد البر، السلفي، الرافعي، الذهبي تذكرة) (حديث الوزير / ٢٨ - ٣٠ ح ١، سد الحاجة / ح ٥٧، ٥٨).
قال شيخُنا -أحسن الله توفيقه-: ووقع عندهم جميعًا: "الإيمان بضعٌ .. "، ولم أجد هذه الرواية "الإسلام بضعٌ .. " في طريق من طرق الحديث إلا هنا في حديث الوزير.
أمَّا الشك في ذكر "عدد الشعب" فمن سهيل بنِ أبي صالح، كما صرَّح به ابنُ حبان والبيهقيُّ وغيرُهما.
стр. 186
ورجح البيهقي رواية "سليمان بن بلال" التي أخرجها البخاريُّ (١/ ٥١)، ومسلمٌ (٣٥/ ٥٧)، والنسائيُّ (٨/ ١١٠)، وابنُ حبان (١٦٧، ١٩٠)، وابنُ منده في "الإيمان" (١٤٤)، ونجم الدين النسفي في "أخبار سمرقند" (٧٩٧)، والثعلبيُّ في "تفسيره" (ج ١ / ق ١٨/ ١) عن عبد الله بن دينار به. وفيها: "بضع وستون شعبة"، وقال: "لم يشك سليمان بنُ بلال، وروايته أصحُّ عند أهل العلم بالحديث". اهـ.
ورجح الحليمي، والقاضي عِياض رواية من قال: "بضع وسبعون"، وهو الراجح، وليس ها هنا موضعَ تفصيل النزاع في هذا، وقد ذكرتُهُ في "سد الحاجة بتقريب سُنن ابن ماجة" (٥٧، ٥٨).
أمَّا رواية سليمان بنِ بلال، فقد قال ابنُ حبان في صحيحه: "اختصر سليمان بنُ بلال هذا الخبر، فلم يذكرْ ذِكْرَ الأعلى والأدنى عن "الشُّعَبِ"، واقتصر على ذكر "الستين" دون "السبعين"، والخبرُ في "بضع وسبعين" خبرٌ متقصى صحيح لا ارتياب في ثبوته، وخبرُ سليمانَ بنِ بلال خبرٌ مختصرٌ غيرُ متقصى" اهـ.
стр. 187
١٦٧/ ٢ - (إذا وَجَدَ أحدُكُم في بطنه شيئًا، فأشكل عليه أَخَرَجَ منه شيءٌ أمْ لا، فلا يخرجَنَّ مِن المسجد حتى يسمع صوتًا، أو يجدَ ريحًا. هذا سياق مسلم).
(رواه زهير، وجرير بنُ عبد الحميد، وحماد بنُ سلمة، وعبد العزيز بنُ محمد، وخالد بنُ عبد الله الواسطي، وعليّ بنُ عاصم وغيرهم، عن سهيل بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، به مرفوعًا). (صحيحٌ) (م، عو، د، ت، مي، حم، خز، هق) (حديث الوزير / ١٦١ - ١٦٢).
١٦٨/ ٣ - (لا وضوءَ إلا من صوتٍ أو ريحٍ).
(رواه: شعبة بنُ الحجاج هكذا مختصرًا، عن سهيل بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، أنَّ النبيّ ﷺ قال: .. فذكره. ورواه جمعٌ من أصحاب سهيل بنِ أبي صالح عنه بهذا الإسناد مطولاً، وتقدم سياقُهُم). (حديثٌ صحيحٌ) (ت، ق، حم، ش، خز، جا، طي، هق) (حديث الوزير / ١٦٠ - ١٦١ ح ٤٧؛ غوث ١/ ١٦ ح ٢؛ كتاب المنتقى / ٩ ح ٢).
وقد تكلَّم العلماء في رواية شعبة هذه.
فقال أبو حاتم الرازى كما في "العلل" (رقم ١٠٧): هذا -يعني متن حديث شعبة- وهمٌ، اختصر شعبة متنَ الحديث. فقال: "لا وضوء إلا من
стр. 188
صوت أو ريح"، ورواه أصحاب سهيل، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قال: "إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد ريحًا من نفسه فلا يخرجن حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا". اهـ.
وكذا قال ابنُ خزيمة والبيهقيُّ أنه مختصر.
قال شيخُنا: نعم هو مختصرٌ، ولكن لا يعني أنه مختصرٌ من اللفظ الآخر، وقد قال ابنُ التركماني في "الجوهر النقيّ": لو كان الحديثُ الأول مختصرًا من الثاني لكان موجودًا في الثاني مع زيادة ... وعموم الحصر المذكور في الأول ليس في الثاني، بل هما حديثان مختلفان. اهـ.
وهذا القول هو الأولى بدلاً من توهيم شعبة، ولا سيما وشعبة كان يُولِي ألفاظَ الأحاديث اهتمامًا بالغًا. فقد قال الدارقطنيُّ في "العلل": كان شعبة يخطيء في أسماء الرجال كثيرًا لتشاغله بحفظ المتون. اهـ.
ولذا قال الشوكاني في "نيل الأوطار" (١/ ٢٢٤): شعبة إمامٌ حافظٌ واسعُ الرواية، وقد روى هذا اللفظ بهذه الصيغة المشتملة على الحصر، ودينُهُ، وإمامتُهُ، ومعرفتُهُ بلسان العرب، يردُّ ما ذكره أبو حاتم. اهـ.
стр. 189
١٦٩/ ٤ - (إذا وَقَعَ الذُّبابُ في شرابِ أحدِكُم، فَلْيَغمِسْهُ، ثم لِيَنْزِعْهُ، فإنَّ في إِحدَى جَنَاحَيه داءً والأخرى شفاءً. هذا لفظ البخاري).
١٧٠/ ٥ - (إذا وقعَ الذُّبابُ في إناءِ أحدكُم، فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثم لِيَطْرَحْهُ، فإنَّ في أحَدِ جناحيهِ شِفَاءً، وفي الآخَرِ دَاءً. وهذا لفظ آخر للبخاري).
(رواه: عُبَيد بنُ حُنَين مولى بني زُرَيق، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا به. وله طرق أخرى عن أبي هريرة، فرواه: سعيد بنُ أبي سعيد المقبري، ومحمد بنُ سيرين، وثمامة بنُ عبد الله بنِ أنس، وقيس بنُ خالد بنِ حسن. وفي الباب عن: أبي سعيد الخدري، وعن أنس بن مالك، ﵄. (هذا حديثٌ صحيحٌ) (خ، ق، مي، حم، ابن المنذر، طح مشكل، ابن عبد البر، هق، بغ) (تقدم تخريجه وبيان موضعه في كتب الشيخ برقم ٧٤).
١٧١/ ٦ - (إذا وقع الذُّبابُ في إناءِ أحدكم، فإنَّ في أحد جناحيه داءً، وفي الآخر شفاءً، وإنه يتَّقي جناحَهُ الذي فيه الدَّاءُ، فَلْيَغمِسْهُ كُلَّه).
(رواه: محمد بنُ عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا فذكره). (هذا حديثٌ صحيحٌ. قال الذهبيُّ: "هذا الحديث حسنُ
стр. 190
الإسناد". اهـ) (د، حم، خز، حب، طح مشكل، الحسن بن عرفة، هق، خط تلخيص، الذهبي سير) (الأمراض / ١٥٨ - ١٦٥ ح ٦٦؛ التوحيد / جماد أول / ١٤١٩ هـ؛ الفوائد / ٩٨ - ٩٩؛ ابن أبي مسرَّة).
١٧٢/ ٧ - (إنَّ أَحَدَ جَنَاحَي الذُّباب سُمٌّ، والآخر شفاءٌ، فإذا وقع في الطعام، فامقُلُوه، فإنه يُقدَّمُ السُّمَّ، ويُؤَخِّرُ الشفاءَ).
(رواه: ابنُ أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، قال: دخلتُ على أبي سلمة، فأتانا بِزُبْدٍ وكتلة -وهو خليط من التمر والطحين-، فأسقط ذبابٌ في الطعام، فجعل أبو سلمة يمقُلُهُ بأُصبعه فيه، فقلتُ: يا خالُ ماذا تصنع؟! فقال: إنَّ أبا سعيد الخدري ﵁ حدثني، عن رسول الله ﷺ ، قال: .. فذكره). (سنده قويٌّ، وسعيد بنُ خالد: وثقه النسائيُّ وابنُ حبان، وقال الدارقطنيُّ: يحتج به. اهـ. ولم يثبت عن النسائيّ تضعيفه) (س، س كبرى، ق، حم، طي، عبد، يع، حب، حب ثقات، طح مشكل، ابن عبد البر، هق، بغ، المزي) (التوحيد / جماد أول / ١٤١٩ هـ؛ الأمراض / ١٦١ - ١٦٢؛ الفوائد / ١٠١ - ١٠٢؛ بذل ح ٤٢٥٣).
سأل سائلٌ اسمه: وليد الريدي، من مركز أشمون، محافظة المنوفية، قال: سمعتُ شيخًا زائع الصيت، يقول في أحد المساجد: إن حديث الذبابة مكذوبٌ على النبيّ ﷺ . ووصفه بأنه حديثٌ مقززٌ. مع أني أعلمُ أنَّ أهل العلم صححوه، وقد جادلتُ بعضَ الناس بعد هذه المحاضرة، فقالوا: إن كلام الشيخ مقنع، فاتفقنا على أن أرسل السؤال إلى مجلة التوحيد، راجين أن تبسطوا الكلام عن صحة الحديث؟
فقال شيخنا: والجواب بحول الملك الوهاب:
стр. 191
اعلم أيها السائل أن من تكلم في غير فنه أتى بمثل هذه العجائب، ويرحم الله ابنَ حبان إذ نقل قولا ساقطًا عن بعض الناس في مقدمة كتابه "المجروحين" (١/ ١٧)، ثم ردَّ عليه قائلاً: (لو تملَّق قائل هذا القول إلى باريه في الخلوة وسأله التوفيق لإصابة الحق لكان أولى به من الخوض فيما ليس من صناعته).
والذين طعنوا على الحديث لا يعلمون شيئًا عن شرائط نقل الأخبار، ولا عن قوانين الرواية، لذلك فكلامهم ذلك ساقطٌ؛ لأن العقلاء اتفقوا أن يُرجع في كلِّ عِلم إلى أهله والمتخصصين فيه، ولا يتكلم في تصحيح الأخبار وتضعيفها إلا أهلُ الحديث وحدهم دون غيرهم، وهاك حاصل الكلام في إثبات صحة الحديث:
فاعلم أنه قد روى هذا الحديث ثلاثةٌ من الصحابة هم: أبو هريرة، وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك ﵃ ... ثم قام بتخريج حديث كل واحد منهم، وتكلم عليه بما تقضية أصول الصناعة الحديثية، ثم ختم البحث بقوله: فقد ثبت بهذا التخريج والتحقيق أن الحديث في غاية الصحة، ولا مطعن فيه، والحمد لله رب العالمين.
وقال شيخُنا في تحقيقه لجزء فيه من "الفوائد المنتقاة الحسان العوالي" من حديث أبي عَمرو السمرقندي (ت ٣٤٥ هـ)، ونحوه في تحقيقه لكتاب "الأمراض والكفارات والطب والرُّقَيات" لضياء الدين المقدسي (ت ٦٤٣ هـ) وفي "الفتاوى الحديثية / ج ٢ / رقم ١٦٨ / جماد أول ٤١٩١":
واعلم أنَّ هذا الحديث ثار حوله شغبٌ قديمٌ وحديثٌ، وتهوَّك في فهمه، والإيمان به أقوامٌ غالبهم من الذين قال الله تعالى فيه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧].
стр. 192
وجمعني مجلسٌ بواحدٍ من هؤلاء "المجددينات"، فقال لي: كيف نقدم ديننا إلى الكافرين، أبمثل هذا الحديث، ونحن نصرخ في الآفاق بأن ديننا دينُ النظافة؟!
فقلتُ له: وهل قال النبيّ ﷺ : (إذا رأيتم الذباب فاصطادوه ثم اغمسوه) حتى تلزمني بهذا القول المنكر؟! ثم إن النبيّ ﷺ لم يوجب عليك أكله، وإنما أوجب غمسه، فإن طابت نفسك فكل، وإلا فما أجبرك أحد.
وقد علَّلَ النبيّ ﷺ وجوب الغمس بقوله: (إنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء) فإذا غمسته انفجر ذاك "الكيس" الذي فيه الدواء بفعل مقاومة المأكول، فتكون النتيجة براءة الطعام من الضرر.
فما كاد يُسلِّم لي حتى أخرجت له بحثًا لأحد الأطباء في المجامع الطبية العالمية يقرر ما ذكره النبيّ ﷺ ، فحينئذٍ سكت وأطرق، ثم قال: "إننا نسلم لأهل العلم، لا سيما إذا كان من المشهود لهم". فصرختُ فيه قائلا: إنَّ رسول الله ﷺ هو سيِّدُ كُلِّ من ينسب إلى علم في الدنيا، فكيف لم تسلِّم له لما أخبرك، وسلمت "للخواجة" الكافر الذي لا يعرف شيئًا عن الاستنجاء؟!.
الواقع أننا مصابون في إيماننا. وإن كثيرًا من هؤلاء ينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥].
وقد تكلَّم علماؤنا قديمًا وحديثًا في دفع جهل هؤلاء المعترضين، منهم أبو سليمان الخطابي ﵀، فقال في "معالم السنن" (٤/ ٢٥٩):
стр. 193
"وقد تكلَّم على هذا الحديث بعضُ من لا خلاق له، وقال: كيف يكون هذا، وكيف يجتمع الداء والشفاء في جناحي الذبابة؟ كيف تعلم ذلك من نفسها حتى تقدم جناح الداء، وتؤخر جناح الشفاء، وما أربُها إلى ذلك؟
قلتُ [القائل الخطابي]: هذا سؤالُ جاهلٍ أو متجاهل، وإنَّ الذي يجد نفسَه ونفوسَ عامة الحيوان قد جُمع فيها بين الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، وهي أشياء متضادة، إذا تلاقت تفاسدت، ثم يرى أنَّ الله سبحانه قد ألَّف بينها، وقهرها على الاجتماع، وجعل منها قوى الحيوان التي بها بقاؤها وصلاحها -لجدير أن لا ينكر اجتماع الداء والشفاء في جزأين من حيوانٍ واحد، وأنَّ الذي ألهم النحلة أن تتخذ البيتَ العجيبَ الصنعة، وأن تعسلَ فيه، وألهم الذرَّة أن تكتسب قوتها وتدخره لأوان حاجتها إليه-: هو الذي خلق الذُّبابةَ! وجعل لها الهداية إلى أنْ تُقَدِّمَ جناحًا وتؤخرَ جناحًا، لما أراد من الابتلاء، الذي هو مدرجة التعبد، والامتحان الذي هو مضمار التكليف. وفي كل شيء عبرة وحكمة. وما يذَّكَّر إلا أولوا الألباب". اهـ.
وقال الإمامُ أبو جعفر الطحاوي ﵀ في "مشكل الآثار" (٤/ ٢٨٣ - ٢٨٤):
"فقال قائلٌ من أهل الجهل بآثار رسول الله ﷺ وبوجوهها: وهل للذباب اختيارٌ حتى يُقَدِّمَ أحد جناحيه لمعنى فيه، ويؤخر الآخر لمعنى فيه خلاف ذلك المعنى؟
فكان جوابنا في ذلك بتوفيق الله وعونه، أنَّه لو قرأ كتاب الله قراءة متفهِّم لما يقرأ منه، لوجد فيه ما يدلُّ على صدق قول رسول الله ﷺ ، وهو قوله : ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ
стр. 194
الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٨، ٦٩] إلا وكان وحي الله وإلهامه إياها أن تفعل ما أمرها به كمثل قوله في الأرض: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٤، ٥] ووحيه لها إلهامه إياها ما شاء أن يلهمها إياه حتى يكون منها ما أراد الله أن يكون منها .... وساق كلامًا آخر فليراجعه من شاء.
قال شيخنا: وتشغيب الجهلة القاصرين على هذا الحديث كان ولا يزال في عصرنا وقبل عصرنا، وقد تصدَّى اثنان من أعلام العلماء لجهلهم، وهما: الشيخ العلامةُ، أحد أعيان المحدثين بالديار المصرية، أبو الأشبال أحمد بن محمد شاكر ﵀ والآخر هو شيخنا حسنة الأيام، إمام أهل الشام أبو عبد الرحمن ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى وسأثبت نص كلامهما لنفاسته، جزاهما الله خيرًا.
قال الشيخ أبو الأشبال في "تخريج المسند" (١٢/ ١٢٤ - ١٢٩ / رقم ٧١٤١):
"وهذا الحديث مما لعب به بعض معاصرينا، ممن علم وأخطأ، وممن علم وعمد إلى عداء السنة، وممن جهل وتجرأ:
فمنهم مَنْ حمل على أبي هريرة، وطعن في رواياته وحفظه. بل منهم من جرؤ على الطعن في صدقه فيما يروي! حتى غلا بعضهم فزعم أن في "الصحيحين" أحاديث غير صحيحة، إن لم يزعم أنها لا أصل له! بما رأوا من شبهات في نقد بعض الأئمة لأسانيد قليلة فيهما، فلم يفهموا اعتراض أولئك المتقدمين، الذين أرادوا
стр. 195
بنقدهم أن بعض أسانيدهما خارجة عن الدرجة العليا من الصحة، التي التزمها الشيخان، لم يريدوا أنها أحاديث ضعيفة قط.
ومِنَ الغريب أن هذا الحديث بعينه -حديث الذباب- لم يكن مما استدركه أحد من أئمة الحديث على البخاريّ. بل هو عندهم جميعًا مما جاء على شرطه في أعلى درجات الصحة.
ومِنَ الغريب أيضًا أن هؤلاء الذين حملوا على أبي هريرة، على علم كثير منهم بالسنة وسعة اطلاعهم ﵏، غفلوا أو تغافلوا عن أن أبا هريرة ﵁ لم ينفرد بروايته، بل رواه أبو سعيد الخدري أيضًا عن النبيّ ﷺ ، عند أحمد في "المسند" (١١٢٠٧، ١١٦٦٦)، والنسائي (٢/ ١٩٣)، وابن ماجه (٢/ ١٨٥)، والبيهقي (١/ ٢٥٣)، بأسانيد صحاح. ورواه أنس بنُ مالك أيضًا، كما ذكر الهيثميُّ في "مجمع الزوائد" (٥/ ٣٨)، وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، ورواه الطبرانُّي في "الأوسط". اهـ. وذكره الحافظ في "الفتح" (١٠/ ٢١٣)، وقال: أخرجه البزار، ورجاله ثقات. اهـ.
فأبو هريرة لم ينفرد برواية هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ، ولكنه انفرد بالحمل عليه منهم، بما غفلوا أنه رواه اثنان غيره من الصحابة.
والحق أنه لم يعجبهم هذا الحديث، لا وقر في نفوسهم من أنه ينافي المكتشفات الحديثة، من المكروبات ونحوها. وعصمهم إيمانهم عن أن يجرؤا على المقام الأسمى، فاستضعفوا أبا هريرة.
والحق أيضًا أنهم آمنوا بهذه المكتشفات الحديثة أكثر من إيمانهم بالغيب، ولكنهم لا يُصرِّحون! ثم اختطوا لأنفسهم خطة عجيبة: أن يقدموها على كل شيء،
стр. 196
وأن يؤولوا القرآن بما يخرجه عن معنى الكلام العربي، إذا ما خالف ما يسمونه (الحقائق العلمية)! وأن يردّوا من السنة الصحيحة ما يظنون أنه يخالف حقائقهم هذه! افتراءً على الله، وحبًّا في التجديد!.
بل إنَّ منهم لمن يؤمن ببعض خرافات الأوربيين، وينكر حقائق الإسلام أو يتأولها. فمنهم من يؤمن بخرافات استحضار الأرواح، وينكر وجود الملائكة والجن بالتأول العصري الحديث. ومنهم من يؤمن بأساطير القدماء وما ينسب إلى (القديسين والقديسات)! ثم ينكر معجزات رسول الله ﷺ كلها، ويتأول ما ورد في الكتاب والسنة من معجزات الأنبياء السابقين، يخرجونها عن معنى الإعجاء كله!! وهكذا وهكذا ..
وفي عصرنا هذا صديقٌ لنا، كاتبٌ قدير، أديبٌ جيدُ الأداء، واسعُ الاطلاع، كنا نعجب بقلمه وعلمه واطلاعه. ثم بدت منه هنات وهنات، على صفحات الجرائد والمجلات، في الطعن على السنّة، والإزراء برواتها، من الصحابة فمن بعدهم، يستمسك بكلمات للمتقدمين في أسانيد معينة، يجعلها -كما يصنع المستشرقون- قواعد عامة، يوسع مِنْ مداها، ويخرج بها عن حدّها الذي أراده قائلوها. وكانت بيننا في ذلك مساجلات شفوية، ومكاتبات خاصة، حرصًا مني على دينه وعلى عقيدته.
ثم كَتَبَ في إحدى المجلات -منذ أكثر من عامين- كلمة على طريقته التي ازداد فيها إمعانًا وغلوًا. فكتبتُ له كتابًا طويلاً في شهر جمادى الأولى سنة ١٣٧٠، كان مما قلت له فيه، مِنْ غير أن أسميه هنا أو أسمي المجلة التي كتب فيها، قلتُ له:
(وقد قرأتُ لك، منذ أسبوعين تقريبا، كلمة في مجلة ... لم تدع فيها ما وقر في قلبك من الطعن في روايات الحديث الصحيحة. ولست أزعم أني أستطيع
стр. 197
إقناعك، أو أرضى إحراجك بالإقلاع عما أنت فيه.
وليتك -يا أخي- درستَ علومَ الحديث وطرقَ روايته دراسة وافية, غير متأثر بسخافات "فلان" ﵀، وأمثاله ممن قلَّدهم وممن قلَّدوه. فأنت تبحث وتنقب على ضوء شيء استقر في قلبك من قبل، لا بحثًا حرًّا خاليًّا من الهوى.
وثِقْ أني لك ناصح مخلص أمين. لا يهمني ولا يغضبني أن تقول في السنّة ما تشاء. فقد قرأتُ مِنْ مثل كلامك أضعاف ما قرأتَ. ولكنك تضرب الكلام بعضه ببعض.
وثِقْ -يا أخي- أن المستشرقين فعلوا مثل ذلك في السنّة، فقلتَ مثل قولهم وأعجبك رأيهم، إذ صادف منك هوى. ولكنك نسيت أنهم فعلوا مثل ذلك وأكثر منه في القرآن نفسه. فما ضار القرآنَ ولا السنّةَ شيءٌ مما فعلوا.
وقبلهم قام المعتزلةُ وكثيرٌ مِنْ أهل الرأي والأهواء، ففعلوا بعضَ هذا أو كلَّه، فما زادت السنّةُ إلا ثبوتًا كثبوت الجبال، وأتعب هؤلاء رؤوسهم وحدها وأوْهَوْهَا!.
بل لم نر فيمن تقدمنا مِنْ أهل العلم مَن اجترأ على ادّعاء أنَّ في "الصحيحين" أحاديث موضوعة، فضلاً عن الإيهام والتشنيع الذي يطويه كلامُك، فيوهم الأغرار أنَّ أكثرَ ما في السنّةِ موضوع! هذا كلام المستشرقين.
غاية ما تكلّم فيه العلماء نقد أحاديث فيهما بأعيانها، لا بادّعاء وضعها والعياذُ بالله، ولا بادّعاء ضعفها. إنما نقدوا عليهما أحاديث ظنوا أنها لا تبلغ في الصحة الذِّروةَ العُليا التهط التزمها كلٌّ منهما.
وهذا مما أخطا فيه كثيرٌ من الناس. ومنهم أستاذُنا السيد رشيد رضا رحمه
стр. 198
الله، على علمه بالسنّة وفقهه، ولم يستطع قط أن يقيم حجته على ما يرى. وأفلتت منه كلمات يسمو على علمه أن يقع فيها. ولكنه كان متأثرًا أشد الأثر بجمال الدين ومحمد عبده، وهما لا يعرفان في الحديث شيئًا. بل كان هو بعد ذلك أعلم منهما، وأعلى قدمًا، وأثبت رأيا، لولا الأثر الباقي في دخيلة نفسه. والله يغفر لنا وله.
وما أفضت لك في هذا إلا خشية عليك من حساب الله. أمَّا الناس في هذا العصر فلا حساب لهم، ولا يقدّمون في ذلك ولا يؤخرون. فإن التربية الإفرنجية الملعونة جعلتهم لا يرضون القرآن إلا على مضض، فمنهم من يصرح، ومنهم من يتأول القرآن أو السنّة، ليرضي عقله الملتوي، لا ليحفظهما من طعن الطاعنين.
فهم على الحقيقة لا يؤمنون، ويخشون أن يصرحوا، فيلتوون. وهكذا هم حتى يأتي الله بأمره.
فاحذر لنفسك من حساب الله يوم القيامة. وقد نصحتُك وما ألوْتُ .. والحمدُ لله).
وأمّا الجاهلون الأجرياء فإنهم كثير في هذا العصر. ومن أعجب ما رأيت من سخافاتهم وجرأتهم: أن يكتب طبيب، في إحدى المجلات الطبيّة، فلا يرى إلا أن هذا الحديث لم يعجبه، وأنه ينافي علمه! وأنه رواه مؤلف اسمه "البخاري"! فلا يجد مجالاً إلا الطعن في هذا "البخاري"، ورميه بالافتراء والكذب على رسول الله ﷺ !، وهو لا يعرف عن "البخاري" هذا شيئًا، بل لا أظنه يعرف اسمه ولا عصره ولا كتابه! إلا أنه روى شيئًا يراه هو -بعلمه الواسع- غير صحيح! فافترى عليه ما شاء. مما سيحاسب عليه بين يدي الله حسابًا عسيرًا.
ولم يكن هؤلاء المعترضون المجترئون أول مَنْ تكلّم في هذا، بل سبقهم مِنْ أمثالهم الأقدمون. ولكن أولئك كانوا أكثر أدبًا مِنْ هؤلاء!
стр. 199
فقال الخطابي في "معالم السنن" (رقم ٣٦٩٥ من "تهذيب السنن"): ... وذكر الشيخ أحمد شاكر ما تقدم قريبًا من كلام الخطابي، ثم قال:
وأمَّا المعنى الطبي، فقال ابنُ القيم -في شأن الطب القديم- في "زاد المعاد" (٣/ ٢١٠ - ٢١١):
(واعلم أنَّ في الذُّبابِ قوة سُمِّيَّة، يدلُّ عليها الورم والحكة العارضة من لسعه. وهي بمنزلة السلاح فإذا سقط فيما يؤذيه اتقاه بسلاحه. فأمر النبيُّ ﷺ أنْ يقابلَ تلك السُمِّيَّة بما أودعه الله سبحانه في جناحه الآخر مِنَ الشفاء، فيغمس كله في الماء والطعام، فيقابل المادة السُمِّيَّة بالمادة النافعة، فيزول ضررها. وهذا طب لا يهتدي إليه كبار الأطباء وأئمتهم، بل هو خارج مِنْ مِشكاة النُّبُوة. ومع هذا فالطبيب العالم العارف الموفق, يخضع لهذا العلاج، ويقرُّ لِمَنْ جاء به بأنه أكمل الخلق على الإطلاق، وأنه مؤيد بوحي إلهي خارج عن القوى البشرية).
وأقول (والكلام للشيخ أحمد شاكر) -في شأن الطب الحديث-:
إنَّ الناس كانوا ولا يزالون تقذر أنفسهم الذباب، وتنفر مما وقع فيه من طعام أو شراب ولا يكادون يرضون قربانه. وفي هذا من الإسراف -إذا غلا الناس فيه- شيء كثير. ولا يزال الذباب يلح على الناس في طعامهم وشرابهم، وفي نومهم ويقظتهم، وفي شأنهم كله. وقد كشف الأطباء والباحثون عن المكروبات الضارة والنافعة، وغلوا غلوًا شديدًا في بيان ما يحمل الذباب من مكروبات ضارة، حتى لقد كادوا يفسدون على الناس حياتهم أو أطاعوهم طاعة حرفيّة تامة.
وإنا لنرى بالعيان أن أكثر الناس تأكل مما سقط عليه الذباب وتشرب، فلا يصيبهم شيء إلا في القليل النادر.
стр. 200
ومن كابر في هذا فإنما يخدع الناس ويخدع نفسه.
وإنا لنرى أيضًا أن ضرر الذباب شديد حين يعق الوباء العام. لا يُماري في ذلك أحد. هناك إذن حالان ظاهرتان، بينهما فروق كبيرة. أما حال الوباء، فمما لا شك فيه أن الاحتياط فيها يدعو إلى التحرز من الذباب وأضرابه مما ينقل الكروب أشدّ التحرز. وأما إذا عُدم الوباء، وكانت الحياة تجري على سنتها، فلا معنى لهذا التحرز. والمشاهدة تنفي ما غلا فيه الغلاة من إفساد كل طعام أو شراب وقع عليه الذباب. ومن كابر في هذا فإنما يجادل بالقول لا بالعمل، ويطيع داعي الترف والتأنق، وما أظنُّ ما يدعو إليه تطبيقًا دقيقًا، وكثيرٌ منهم يقولون ما لا يفعلون". اهـ.
وقال شيخُنا أبو عبد الرحمن الألباني ﵀ في "الصحيحة" (١/ ٦٠ - ٦٤ / رقم ٣٩):
"أما بعد، فقد ثبت الحديث بهذه الأسانيد الصحيحة، عن هؤلاء الصحابة الثلاثة أبي هريرة وأبي سعيد وأنس، ثبوتًا لا مجال لرده ولا للتشكيك فيه، كما ثبت صدق أبي هريرة ﵁ في روايته إياه عن رسول الله ﷺ ، خلافًا لبعض غُلاة الشيعة من المعاصرين، ومن تبعه من الزائغين، حيث طعنوا فيه ﵁ لروايته إياه، واتهموه بأنه يكذب فيه على رسول الله ﷺ ، وحاشاه من ذلك؛ فهذا هو التحقيق العلمي يثبت أنه بريء مِنْ كل ذلك وأنَّ الطاعنَ فيه هو الحقيقُ بالطعنِ فيه، لأنهم رَمَوا صحابيًّا بالبهت، وردوا حديثَ رسول الله ﷺ لمجرد عدم انطباقه على عقولهم المريضة! وقد رواه عنه جماعة من الصحابة كما علمت.
وليت شعري هل عَلِمَ هؤلاء بعدم تفرد أبي هريرة بالحديث، وهو حجة ولو تفرد، أم جهلوا ذلك، فإن كان الأول فلماذا يتعللون برواية أبي هريرة إياه،
стр. 201
ويوهمون الناس أنه لم يتابعه أحد من الأصحاب الكرام؟!
وإن كان الآخر فهلا سألوا أهل الاختصاص والعلم بالحديث الشريف؟ وما أحسن ما قيل:
فإنْ كنتَ لا تدري فتلك مصيبةٌ .... وإنْ كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظمُ
ثم إنَّ كَثيرًا من الناس يتوهمون أن هذا الحديث يخالف ما يقرره الأطباء وهو أن الذباب يحمل بأطرافه الجراثيم، فإذا وقع في الطعام أو في الشراب علقت به تلك الجراثيم، والحقيقة أنَّ الحديث لا يخالف الأطباء في ذلك، بل هو يؤيدهم إذ يخبر أنَّ في أحد جناحيه داء، ولكنه يزيد عليهم فيقول: "وفي الآخر شفاء" فهذا مما لم يحيطوا بعلمه، فوجب عليهم الإيمان به إن كانوا مسلمين، وإلا فالتوقف إذا كانوا مِنْ غيرهم إنْ كانوا عُقَلاء عُلَماء! ذلك لأن العلم الصحيح يشهد أَنَّ عدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه.
نقول ذلك على افتراض أنَّ الطبُّ الحديثَ لم يشهد لهذا الحديث بالصحة، وقد اختلفت آراء الأطباء حوله، وقرأتُ مقالاتٍ كثيرة في مجلات مختلفة، كل يؤيد ما ذهب إليه تأييدًا أو ردًّا، ونحن بصفتنا مؤمنين بصحة الحديث، وأنَّ النبيّ ﷺ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] , لا يهمنا كثيرا ثبوت الحديث من وجهة نظر الطب، لأنَّ الحديثَ برهانٌ قائمٌ في نفسه لا يحتاجُ إلى دعمٍ خارجيٍّ.
ومع ذلك فإن النَّفسَ تزدادُ إيمانًا حين ترى الحديث الصحيح يوافقه العلم الصحيح، ولذلك فلا يخلو مِنْ فائدة أنْ أنقلَ إلى القراء خلاصة محاضرة ألقاها أحد الأطباء في جمعية الهداية الإسلامية في مصر حول هذا الحديث، قال:
стр. 202
"يقع الذباب على المواد القذرة المملؤة بالجراثيم التي تنشأ منها الأمراض المختلفة، فينقل بعضها بأطرافه، ويأكل بعضا، فيتكون في جسمه مِنْ ذلك مادة سامة يسميها علماء الطب بـ (مبعد البكتريا)، وهي تقتلُ كثيرًا مِنْ جراثيم الأمراض، ولا يمكن لتلك الجراثيم أن تبقى حيّة أو يكون لها تأثير في جسم الإنسان في حال وجود مبعد البكتريا.
وإنَّ هناك خاصية في أحد جناحي الذباب، هي أنه يحوِّل البكتريا إلى ناحيته، وعلى هذا فإذا سقط الذباب في شراب أو طعام، وألقى الجراثيم العالقة بأطرافه في ذلك الشراب، فإن أقرب مبيد لتلك الجراثيم، وأول واقٍ منها هو (مبعد البكتريا) الذي يحمله الذباب في جوفه قريبًا مِنْ أحد جناحيه، فإذا كان هناك داءٌ فدواؤُهُ قريبٌ منه، وغمس الذباب كله وطرحه كافٍ لقتل الجراثيم التي كانت عالقة، وكافٍ في إبطال عملها".
وقد قرأتُ قديمًا في هذه المجلة بحثًا ضافيًا في هذا المعنى للطبيب الأستاذ سعيد السيوطي (مجلد العام الأول)، وقرأتُ كلمة في مجلد العام الفائت (ص ٥٠٣) كلمة للطبيبين محمود كمال ومحمد عبد المنعم حسين؛ نقلا عن مجلة الأزهر.
ثم وقفتُ على العدد (٨٢) من "مجلة العربي" الكويتية (ص ١٤٤) تحت عنوان: "أنت تسأل، ونحن نجيب" بقلم المدعو عبد الوارث كبير؛ جوابًا له على سؤال عمَّا لهذا الحديث من الصحة والضعف؟ فقال:
"أمَّا حديثُ الذباب، وما في جناحيه من داء وشفاء، فحديث ضعيف، بل هو عقلا حديث مفترى، فمن المسلَّم به أنَّ الذبابَ يحمل من الجراثيم والأقذار ... ولم يقل أحدٌ قطّ أَنَّ في جناحي الذبابة داءً وفي الآخر شفاءً، إلا مَنْ وَضَعَ هذا الحديثَ أو افتراه، ولو صحَّ ذلك لكشف عنه العلم الحديث الذي يقطع بمضار
стр. 203
الذباب، ويحض على مكافحته".
وفي الكلام -على اختصاره- مِنَ الدَّس والجهل ما لا بد من الكشف عنه, دفاعًا عن حديث رسول الله ﷺ ، وصيانة له مِنْ أنْ يَكْفُرَ به مَنْ قد يغتَرُّ بزخرُف القول! فأقول:
أولاً: لقد زعم أنَّ الحديثَ ضعيفٌ، يعني من الناحية العلمية الحديثية؛ بدليل قوله: "بل هو عقلاً حديث مفترى".
وهذا الزعم واضحُ البُطلان، تعرف ذلك مما سبق من تخريج الحديث من طرق ثلاث عن رسول الله ﷺ ، وكلها صحيحة.
وحسبك دليلاً على ذلك أن أحدًا مِنْ أهل العلم لم يقل بضعف الحديث، كما فعل هذا الكاتب الجريء!
ثانيًا: لقد زعم أنه حديث مفترى عقلاً.
وهذا الزعم ليس وضوح بُطلانه بأقلِ مِنْ سابقه، لأنه مجرد دعوى، لم يسق دليلاً يؤيده به، سوى الجهل بالعلم الذي لا يمكن الإحاطة به، ألستَ تراهُ يقول: "ولم يقل أحد ... ، ولو صح لكشف عنه العلم الحديث ... ".
فهل العلم الحديث -أيها المسكين- قد أحاط بكلِّ شيء علمًا، أمْ أَنَّ أهلَهُ الذين لم يصابوا بالغرور -كما أُصِيبَ مَنْ يُقَلِّدهُم مِنَّا- يقولون: إننا كلما ازددنا علمًا بما في الكون وأسراره، ازددنا معرفةً بجهلنا! وأنَّ الأمرَ بحقٍّ كما قال الله ﵎: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥].
وأمَّا قولُه: "إن العلمَ يقطع بمضار الذباب ويحض على مكافحته"!
стр. 204
فمغالطة مكشوفة، لأننا نقول: إنَّ الحديث لم يقل نقيضَ هذا، وإنما تحدث عن قضية أخرى لم يكن العلم يعرف معالجتها، فإذا قال الحديث: "إذا وقع الذباب .. " فلا أحد يفهم -لا من العرب ولا من العجم، اللهم إلا العجم في عقولهم وإفهامهم- أنَّ الشرعَ يُبَارِك في الذباب ولا يكافحه؟
ثالثًا: قد نقلنا لك فيما سبق ما أثبته الطبُّ اليوم، مِنْ أَنَّ الذبابَ يحمل في جوفه ما سموه بـ (مبعد البكتريا) القاتل للجراثيم.
وهذا وإنْ لم يكنْ موافقًا لما في الحديث على وجه التفصيل؛ فهو في الجملة موافق لما استنكره الكاتب المشار إليه وأمثاله من اجتماع الداء والدواء في الذباب، ولا يبعد أن يأتي يومٌ تنجلي فيه معجزةُ الرسول ﷺ في ثبوت التفاصيل المشار إليها علميًا، ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨].
وإنَّ مِنْ عَجيب أمر هذا الكاتب وتناقضه؛ أنه في الوقت الذي ذهب فيه إلى تضعيف هذا الحديث، ذهب إلى تصحيح حديث "طهور الإناء الذي يلغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات: إحداهن بالتراب"، فقال: "حديث صحيح متفق عليه". فإنه إذا كانت صحته جاءت من اتفاق العلماء أو الشيخين على صحته؛ فالحديث الأول أيضًا صحيحٌ عند العلماء بدون خلاف بينهم، فكيف جاز له تضعيف هذا وتصحيح ذاك؟!
ثم تأوَّله تأويلاً باطلاً يؤدي إلى أن الحديثَ غير صحيح عنده في معناه، لأنه ذكر أَنَّ المقصود مِنْ العدد مجرد الكثرة! وأنَّ المقصودَ من التراب هو استعمال مادة مع الماء من شأنها إزالة ذلك الأثر!
وهذا تأويلٌ باطلٌ، بَيِّنُ البطلان وإنْ كان عزاه للشيخ محمود شلتوت عفا
стр. 205
الله عنه. فلا أدري أي خطأيه أعظم؟! أهو تضعيفه للحديث الأول وهو صحيح؟! أم تأويله للحديث الآخر وهو تأويلٌ باطلٌ؟!.
وبهذه المناسبة، فإني أنصحُ القُرَّاءَ الكرامَ بأنْ لا يثِقُوا بكل ما يُكْتَبُ اليوم في بعض المجلات السائرة، أو الكتب الذائعة، مِنَ البحوث الإسلامية، وخصوصًا ما كان منها في علم الحديث، إلا إذا كانت بقلم مَنْ يُوثَق بدينه أولاً، ثم بعلمه واختصاصه فيه ثانيًا .... والله المستعان. اهـ.
стр. 206
١٧٣/ ٨ - (إنَّ في الحبَّةِ السودَاءِ شفاءً مِنْ كلِّ داءٍ، إلا السَّامُ. والسَّامُ: هو الموتُ).
١٧٤/ ٩ - (إنَّ الشونيز ينفع بإذن الله مِنْ كلِّ داءٍ إلا الموت. وهذا لفظ ابن شاذان).
(عن أبي هريرة ﵁). (صحيحٌ). (خ، م، س طب، ت، ق، حم، ش، حمي، عب، بغ أبو القاسم مسند ابن الجعد، ابن المنذر إقناع، ابن شاذان، هق، بغ) (الأمراض / ١٠٢ ح ٤٠).
قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ونقل الحافظ في "الفتح" (١٠/ ١٤٥) عن الخطابيّ أنه قال:
"هذا من العام الذي يرادُ به الخاص".
ويوضحه ما قاله بعضهم أنَّ النبيّ ﷺ كان يصف الدواءَ بحسب ما يشاهده من حال المريض، فلعلّ قوله في الحبة السوداء وافق مرضَ مَنْ مزاجه باردٌ، فيكون معنى قوله: "شفاء من كلِّ داءٍ" أي: من هذا الجنس الذي وقع القول فيه، والتخصيص بالحيثية كثيرٌ وشائعٌ.
وردَّ ابنُ أبي جمرة هذا التخصيص بقوله:
"تكلَّم الناس في هذا الحديث وخصوا عمومه، وردُّوه إلى قول أهل الطب والتجربة، ولا خفاء بغلط قائل ذلك، لأنا إذا صدقنا أهل الطب ومدارُ علمهم
стр. 207
غالبًا إنما هو على التجربة التي بناؤها على ظنّ غالبٍ، فتصديقُ من لا ينطقُ عن الهوى أولى بالقبول من كلامهم" اهـ.
قال شيخُنا: وهذا كلامٌ حسنٌ وقويٌّ.
ولقد علمنا علمًا أكيدًا أنَّ الأطباء وجدوا في العسل شفاءً لبعض الأمراض التي لم يجدوا لها دواء قبل ذلك، وكان الأطباء قبلُ ينكرون أنَّ يكون العسل دواء مِنْ هذا المرض، فما هو المانع أنَّ تكون الحبة السوداء شفاءً من كلِّ داء، ولكن جهل العباد بطرائق استخدامها هو الذي يؤخر -أو يعرقل- الشفاء بها؟ وهل من اللائق أنَّ يخصصَ كلامُ الرسول ﷺ بجهل الحلق؟!!
стр. 208
١٧٥/ ١٠ - (جاء رجلٌ إلى النبيّ ﷺ ، فقال: "هل أخذتك أمُّ مِلْدَم قَطُّ؟ "قال: وما أمُّ ملدم؟ قال: "حَرٌّ يكون بين الجلد واللحم". قال: ما وجدت هذا قطّ. قال: "فهل صُدِعتَ قطُّ؟ " قال: وما الصُدَاعُ؟ قال: "عِرقٌ يضربُ في الرأس". قال: ما وجدت هذا قط. فقال رسول الله ﷺ : "من سره أنَّ ينظرَ إلى رجلٍ مِنْ أهل النَّار، فلينظر إلي هذا").
(رواه: عليّ بنْ مُسهر، عن محمد بن عَمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ به. وقال الضياءُ: رواه الإمامُ أحمد في "مسنده" عن محمد بن بشر، عن محمد بن عَمرو بمعناه. ورواه عَمرو بنُ مرزوق، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة - رض الله عنه -). (هذا حديثٌ حسنٌ) (بخ، س كبرى، حم، البزار، حب، ك، نعيم طب) (الأمراض / ٥٤ - ٥٥ ح ٢١).
١٧٦/ ١١ - (الوائدة والموؤدة في النَّار).
(عن ابن مسعود، وسلمة ابن يزيد الجعفي ﵄). (حم، د، س) (الأمراض / ٥٨ - ٥٩).
قال شيخُنا: واعلم -علَّمَنِي الله وإياك- أنَّ ظاهر حديث الباب والأحاديث التي ذكرتها مشكل، فهي تخالف ما ثبت عن النبيّ ﷺ من دعائه ربه
стр. 209
العافية، وأن لا يبتليه فأجاب العلماء بأجوبة:-
قال ابنُ حبان في "صحيحه" (٧/ ١٧٩ - ١٨٠): قوله ﷺ "من أحب أنَّ ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا" لفظة إخبار عن شيء مرادها الزجر عن الركون إلى ذلك الشيء وقلة الصبر على ضده، وذلك أنَّ الله جل وعلا جعل العلل في هذه الدنيا، والغموم والأحزان سبب تكفير الخطايا عن المسلمين، فأراد ﷺ إعلام أمته أنَّ المرء لا يكاد يتعرَّي عن مقارفة ما نهى الله عنه في أيامه ولياليه، وإيجاب النار له بذلك إن لم يتفضل عليه بالعفو، فكأن كل إنسان مرتهن بما كسبت يداه، والعلل تُكَفِّر بعضها عنه في هذه الدنيا لا أنَّ من عُوفي في هذه الدنيا يكون من أهل النار. اهـ.
قلتُ: كذا أجاب ابنُ حبان ﵀ وهو جوابٌ حسنٌ في الجملة، لكنه لم يرفع الإشكال، وذلك لأن النبيّ ﷺ قال عن الرجل أنه: "من أهل النار" ولفظة "أهل" تدل على الأهلية واللزوم، فظاهر الخطاب يدلُّ على أنَّ الرجلَ من أصحاب النار الماكثين فيها.
والجواب الصحيح عندي في ذلك -والله أعلم- أنَّ هذا الكلام وإن خرج مخرج العام، لكن يُراد به الخصوص، وهذا الحملُ سائغٌ عند جماعة العلماء لفضِّ الإشكال الظاهر بين النصوص، فكان كلام النبيّ ﷺ صادف رجلاً حقت عليه كلمة العذاب، بأن يموت كافرًا، حتى وإن كان يؤدي فرائض الإسلام الظاهرة، وشبيه هذا ما أخرج مسلمٌ (٢٣٨٠/ ٧٢) وغيره من حديث أُبَيّ بن كعب في قصة موسى والخضر ﵉ في شأن الغلام الذي قتله الخضر. قال الخضرُ: "وأما الغلام فَطبِعَ يوم طبع كافرًا، وكان أبواه قد عطفا عليه، فلو أنه أدرك
стр. 210
أرهقهما طغيانًا وكفرًا".
ومثل هذا قوله ﷺ : (الوائدة والموؤدة في النار) , فقد استشكل هذا الحديث رجلٌ من أهل عصرنا، اشتهر بردِّ الأحاديث الصحيحة بالجهل بمعناها، وتقديم الضعيف عليها إذا كان معناها سائغًا عنده، كما صرح بذلك في مقدمة كتابه "فقه السيرة"، فقد ذكر هذا الحديث، ثم قال: "وهو مرفرضٌ مهما كان سنده"!.
فانظر إلى هذه الجرأة البالغة في مخالفة سبيل المؤمنين، لأن جماعة العلماء يقولون: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء".
فطوًح الرجل بجهود علماء الحديث، بسبب جهله بمصطلحهم، وليته يقول: "أنا لا أعلم"، أو يقول: "استشكل معنى الحديث عليَّ"، ويكله إلى عالمه، إذن لحمدنا له صنيعه، لأنه مسلكُ أهل العلم، لكنه يزخرف القول متحاشيًا أن يعترف على نفسه بعدم العلم.
وعلى الأصل الذي ذكرناهُ في أول الكلام ينحلُّ الإشكال.
فإن الوائدة لو دخلت النار، فبسبب ظلمها وقتلها النفس، أما الموؤدة المظلومة فما ذنبها؟ فيحمل الحديث على موؤدة خاصة كانت، كالغلام الذي قتله الخضر، وأنها كانت تكون كافرة لو كبرت، ولو سلَّمنا أنَّ هذا الكلام غير سائغ وهو والله سائغٌ لكان أفضل من ردّ الحديث بالجهل بمعناهُ، بل التوقف فيه أفضل من ردّه، فكيف إذا حملته على أصلٍ معروف عند العلماء؟ فلا شكّ أنَّ هذا أولى.
وكذلك ردَّ الرجل حديث النبيّ ﷺ : "لحوم البقر داء" فقال في كتابه الأبتر "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" في الطبعات المتأخرة منه:
стр. 211
"وهذا الحديث مرفوض -أو مردود- مهما كان سنده" واحتج بأن النبيّ ﷺ ضحى عن نسائه بالبقر، وبأن القرآن ذكرها من جملة الأزواج الثمانية، ولو راجع كتابًا واحدًا مثل "فتح الباري" لانحل الإشكال، لكن الرجل مولعٌ بردّ الأحاديث الصحيحة، وهو مرضٌ فتاكٌ. نسأل الله أن يعافيه منه، وأن يرزقنا الأدب مع سنة نبيِّنا ﷺ . (الأمراض / ٥٨ - ٥٩).
стр. 212
١٧٧/ ١٢ - (جاءت امرأةٌ إلى النبيّ ﷺ ، فقالت: يا رسولَ الله! إنَّ زوجي صفوان بنَ المعطل يضربني إذا صليت، ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس. قال: وصفوان عنده.
فسأله عما قالت. فقال: يا رسول الله! أما قولها: يضربني إذا صليت، فإنها تقرأ بسورتين، وقد نهيتها عنها. فقال النبيُّ ﷺ : "لو كانت سورةً واحدة لكفت الناس". قال: وأما قولها: يفطرني إذا صمت؟ فإنها تنطلق فتصوم, وأنا رجلٌ شاب لا أصبرُ. فقال رسولُ الله ﷺ يومئذٍ: "لا تصوم امرأةٌ إلا بإذن زوجها". وأما قولها: لا أصلي حتى تطلع الشمس، فإنا أهلُ بيتٍ لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس. فقال ﷺ : "فإذا استيقظت، فصلِّ". هذا سياق جرير ابن عبد الحميد عند ابن حبان. وفي سياق أبي بكر بن عيًاش عند أحمد: "وأما قولها: إني أضربها عن الصلاة، فإنها تقرأ بسورتي، فتعطلني. قال: "لو قرأها الناسُ ما ضرَّك". وأمَّا قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس، فإني ثقيلُ الرأس، وأنا من أهل بيت يعرفون بذاك، بثقل الرؤوس. قال: "فإذا قمت فصلِّ").
(رواه: جرير بنُ عبد الحميد، وأبو بكر بنُ عيَّاش، كلاهما عن الأعمش، عن أبي
стр. 213
صالح، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: ... فذكر الحديث). (حديثٌ صحيحٌ) (تقدم تخريجه، وبيان موضعه في كتب الشيخ، برقم ٥٢).
سأل سائلٌ، فقال: ذكر بعضُ الخطباء أنه يجوز صلاة الصبح بعد شروق الشمس، واستدلَّ بحديثٍ عن أحد الصحابة، اسمه على ما أذكر "صفوان", وقد سألتُ عنه بعضَ أهل العلم، فقال لي: هو حديثٌ منكرٌ، فنرجو أنَّ تذكر لنا نصَّ الحديث، مع ذكر درجته. وقد ذكر هذا الخطيبُ أيضًا أنَّ في هذا الحديث النهي عن قراءة سورتين بعد الفاتحة فهل هذا صحيحٌ؟
فقال شيخُنا: الحديث صحيحٌ. وقال الحاكمُ: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبيُّ. وهو كما قالا، وصحَّح إسناده الحافظُ في "الإصابة" (٣/ ٤٤١)، وقد صرَّح الأعمشُ بالتحديث عن أبي صالح عند ابن سعد في "الطبقات" كما قال الحافظُ في "الفتح" (٨/ ٤٦٢).
أمَّا من أنكره فهو مسبوق إليه. فقد قال الحافظُ في "الإصابة" (٣/ ٤٤١): إن البخاريَّ أورد هذا الإشكال قديمًا. ولما روى البزار هذا الحديث في "مسنده"، قال: "هذا الحديث كلامه منكرٌ. ولعل الأعمش أخذه من غير ثقةٍ فدلَّسه، فصار ظاهر سنده الصحة، وليس للحديث عندي أصلٌ". اهـ.
وخلاصة الإشكال أنَّ صفوان بنَ المعطل لمَّا رُمي بعائشة ﵂ في حديث الإفك المشهور في "الصحيحين" وغيرهما، قال: "سبحان الله! والله ما كشفتُ كنف أنثى قط".
فيكونُ حديث أبي سعيد هذا منكرًا إذ فيه أنَّ لصفوان زوجة، فكيف يقول: والله ما كشفت كنف أنثى قط؟ فلهذا استشكله البخاري، وأنكره البزار،
стр. 214
ولكن يجاب عنه بأن الجمع أولى من الترجيح، فالأصل في الدليلين الصيحين الإعمال لا الإهمال، والجمع هنا ممكنٌ، بل ظاهرٌ، وهو أن يكون حديث أبي سعيد هذا متأخرًا عن حادثة الإفك. فيُحمل قوله: "ما كشفت كنف أنثى قط" على أنه لم يكن تزوج بعد ذلك فشكته امرأتُة وبهذا أجاب الحافظُ.
وهناك جوابٌ آخر. قال القرطبيُّ: قوله "ما كشفت كنف أنثى قط" يعني: بزنا، أي في الحرام. اهـ.
ولكن اعترضه الحافظ، بقوله:
"فيه نظر، لأن في رواية سعيد بن أبي هلال، عن هشام بن عروة، في قصة الإفك، أنَّ الرجل الذي قيل فيه ما قيل لما بلغه الحديث، قال: "والله! ما أصبت امرأةً قط حلالاً ولا حرامًا". وفي حديث ابن عباس، عند الطبراني: "كان لا يقربُ النساء"، فالذي يظهرُ أنَّ مرادهُ بالنفي المذكور ما قبل القصة، ولا مانع أن يتزوج بعد ذلك، فهذا الجمعُ لا اعتراض عليه إلا بما جاء عن ابن إسحاق أنه كان حصورًا، لكنه لم يثبت، فلا يعارض الحديث الصحيح" انتهى كلامُ الحافظ.
وما ذكره من حديث ابن عباس، فأخرجه الطبرانيُّ (٢٣/ ١٢٣)، وفي سنده: إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، وهو متروكٌ.
وكذلك أبوه يحيى ابن سلمة. فالسند ضعيف جدًا.
وخلاصة الجواب أن الحديث صحيحٌ، وليس معناه منكرًا كما شرحناه.
أمَّا ما ذكرد ذلك الواعظ من صلاة الفجر بعد طلوع الشمس فجائزٌ، لا سيما من كان حاله كحال صفوان بن المعطل، وأنه كان ثقيل الرأس، فكانت هذه فيه كالصفات الجبلية في الإنسان.
стр. 215
واستبعد الذهبيُّ في "سير النبلاء" (٢/ ٥٥٠) هذه الخصلة في صفوان، فقال: "فهذا بعيدٌ من حال صفوان أن يكون كذلك". اهـ.
كذا قال! ولا بُعد فيه كما لا يخفى. أمَّا من يظل ساهرًا طول الليل في غير منفعة، ليس إلا لمجرد السهر حتى إذا اقترب الفجرُ نام، فلا يستيقظ إلا وقد تعالى النهار، فلا شك أنهُ مؤاخذ وإن جازت صلاُتهُ. والله أعلم.
أمَّا استدلال ذلك الخطيب على النهي عن قراءة سورتين بعد الفاتحة فلستُ أدري من أين أخذه، فليس في الحديث أنَّه ﷺ نهاها عن قراءة سورتين، وإنما قال: "لو كانت سورة واحدة لكفت الناس "يعني أن سورة واحدة لو قرأها المصل متدبرًا لها لكفته لو عمل بها".
ويكفي في ردِّ استدلال هذا الخطيب، ما:
أخرجه البخاريُّ (٢/ ٢٥٥ - فتح) من حديث أنس ﵁، أن رجلاً من الأنصار كان يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به، افتتح بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة. وذكر الحديث، وفيه: أنهم شكوه إلى النبيّ ﷺ فسأله عن لزومه سورة الإخلاص في كل ركعة، فقال الرجل: إني أحبُّها. فقال النبيّ ﷺ : "حبُّكَ إياها أدخلك الجنة".
وبوب البخاريُّ على هذا الحديث وغيره بقوله: "باب الجمع بين السورتين في الركعة".
وهذا البحث كله قائمٌ على أن اللفظ "سورتين".
следующие страницы →