Полный текст (1 004 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
"وهذا الحديث مرفوض -أو مردود- مهما كان سنده" واحتج بأن النبيّ ﷺ ضحى عن نسائه بالبقر، وبأن القرآن ذكرها من جملة الأزواج الثمانية، ولو راجع كتابًا واحدًا مثل "فتح الباري" لانحل الإشكال، لكن الرجل مولعٌ بردّ الأحاديث الصحيحة، وهو مرضٌ فتاكٌ. نسأل الله أن يعافيه منه، وأن يرزقنا الأدب مع سنة نبيِّنا ﷺ . (الأمراض / ٥٨ - ٥٩).
стр. 212
١٧٧/ ١٢ - (جاءت امرأةٌ إلى النبيّ ﷺ ، فقالت: يا رسولَ الله! إنَّ زوجي صفوان بنَ المعطل يضربني إذا صليت، ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس. قال: وصفوان عنده.
فسأله عما قالت. فقال: يا رسول الله! أما قولها: يضربني إذا صليت، فإنها تقرأ بسورتين، وقد نهيتها عنها. فقال النبيُّ ﷺ : "لو كانت سورةً واحدة لكفت الناس". قال: وأما قولها: يفطرني إذا صمت؟ فإنها تنطلق فتصوم, وأنا رجلٌ شاب لا أصبرُ. فقال رسولُ الله ﷺ يومئذٍ: "لا تصوم امرأةٌ إلا بإذن زوجها". وأما قولها: لا أصلي حتى تطلع الشمس، فإنا أهلُ بيتٍ لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس. فقال ﷺ : "فإذا استيقظت، فصلِّ". هذا سياق جرير ابن عبد الحميد عند ابن حبان. وفي سياق أبي بكر بن عيًاش عند أحمد: "وأما قولها: إني أضربها عن الصلاة، فإنها تقرأ بسورتي، فتعطلني. قال: "لو قرأها الناسُ ما ضرَّك". وأمَّا قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس، فإني ثقيلُ الرأس، وأنا من أهل بيت يعرفون بذاك، بثقل الرؤوس. قال: "فإذا قمت فصلِّ").
(رواه: جرير بنُ عبد الحميد، وأبو بكر بنُ عيَّاش، كلاهما عن الأعمش، عن أبي
стр. 213
صالح، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: ... فذكر الحديث). (حديثٌ صحيحٌ) (تقدم تخريجه، وبيان موضعه في كتب الشيخ، برقم ٥٢).
سأل سائلٌ، فقال: ذكر بعضُ الخطباء أنه يجوز صلاة الصبح بعد شروق الشمس، واستدلَّ بحديثٍ عن أحد الصحابة، اسمه على ما أذكر "صفوان", وقد سألتُ عنه بعضَ أهل العلم، فقال لي: هو حديثٌ منكرٌ، فنرجو أنَّ تذكر لنا نصَّ الحديث، مع ذكر درجته. وقد ذكر هذا الخطيبُ أيضًا أنَّ في هذا الحديث النهي عن قراءة سورتين بعد الفاتحة فهل هذا صحيحٌ؟
فقال شيخُنا: الحديث صحيحٌ. وقال الحاكمُ: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبيُّ. وهو كما قالا، وصحَّح إسناده الحافظُ في "الإصابة" (٣/ ٤٤١)، وقد صرَّح الأعمشُ بالتحديث عن أبي صالح عند ابن سعد في "الطبقات" كما قال الحافظُ في "الفتح" (٨/ ٤٦٢).
أمَّا من أنكره فهو مسبوق إليه. فقد قال الحافظُ في "الإصابة" (٣/ ٤٤١): إن البخاريَّ أورد هذا الإشكال قديمًا. ولما روى البزار هذا الحديث في "مسنده"، قال: "هذا الحديث كلامه منكرٌ. ولعل الأعمش أخذه من غير ثقةٍ فدلَّسه، فصار ظاهر سنده الصحة، وليس للحديث عندي أصلٌ". اهـ.
وخلاصة الإشكال أنَّ صفوان بنَ المعطل لمَّا رُمي بعائشة ﵂ في حديث الإفك المشهور في "الصحيحين" وغيرهما، قال: "سبحان الله! والله ما كشفتُ كنف أنثى قط".
فيكونُ حديث أبي سعيد هذا منكرًا إذ فيه أنَّ لصفوان زوجة، فكيف يقول: والله ما كشفت كنف أنثى قط؟ فلهذا استشكله البخاري، وأنكره البزار،
стр. 214
ولكن يجاب عنه بأن الجمع أولى من الترجيح، فالأصل في الدليلين الصيحين الإعمال لا الإهمال، والجمع هنا ممكنٌ، بل ظاهرٌ، وهو أن يكون حديث أبي سعيد هذا متأخرًا عن حادثة الإفك. فيُحمل قوله: "ما كشفت كنف أنثى قط" على أنه لم يكن تزوج بعد ذلك فشكته امرأتُة وبهذا أجاب الحافظُ.
وهناك جوابٌ آخر. قال القرطبيُّ: قوله "ما كشفت كنف أنثى قط" يعني: بزنا، أي في الحرام. اهـ.
ولكن اعترضه الحافظ، بقوله:
"فيه نظر، لأن في رواية سعيد بن أبي هلال، عن هشام بن عروة، في قصة الإفك، أنَّ الرجل الذي قيل فيه ما قيل لما بلغه الحديث، قال: "والله! ما أصبت امرأةً قط حلالاً ولا حرامًا". وفي حديث ابن عباس، عند الطبراني: "كان لا يقربُ النساء"، فالذي يظهرُ أنَّ مرادهُ بالنفي المذكور ما قبل القصة، ولا مانع أن يتزوج بعد ذلك، فهذا الجمعُ لا اعتراض عليه إلا بما جاء عن ابن إسحاق أنه كان حصورًا، لكنه لم يثبت، فلا يعارض الحديث الصحيح" انتهى كلامُ الحافظ.
وما ذكره من حديث ابن عباس، فأخرجه الطبرانيُّ (٢٣/ ١٢٣)، وفي سنده: إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، وهو متروكٌ.
وكذلك أبوه يحيى ابن سلمة. فالسند ضعيف جدًا.
وخلاصة الجواب أن الحديث صحيحٌ، وليس معناه منكرًا كما شرحناه.
أمَّا ما ذكرد ذلك الواعظ من صلاة الفجر بعد طلوع الشمس فجائزٌ، لا سيما من كان حاله كحال صفوان بن المعطل، وأنه كان ثقيل الرأس، فكانت هذه فيه كالصفات الجبلية في الإنسان.
стр. 215
واستبعد الذهبيُّ في "سير النبلاء" (٢/ ٥٥٠) هذه الخصلة في صفوان، فقال: "فهذا بعيدٌ من حال صفوان أن يكون كذلك". اهـ.
كذا قال! ولا بُعد فيه كما لا يخفى. أمَّا من يظل ساهرًا طول الليل في غير منفعة، ليس إلا لمجرد السهر حتى إذا اقترب الفجرُ نام، فلا يستيقظ إلا وقد تعالى النهار، فلا شك أنهُ مؤاخذ وإن جازت صلاُتهُ. والله أعلم.
أمَّا استدلال ذلك الخطيب على النهي عن قراءة سورتين بعد الفاتحة فلستُ أدري من أين أخذه، فليس في الحديث أنَّه ﷺ نهاها عن قراءة سورتين، وإنما قال: "لو كانت سورة واحدة لكفت الناس "يعني أن سورة واحدة لو قرأها المصل متدبرًا لها لكفته لو عمل بها".
ويكفي في ردِّ استدلال هذا الخطيب، ما:
أخرجه البخاريُّ (٢/ ٢٥٥ - فتح) من حديث أنس ﵁، أن رجلاً من الأنصار كان يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به، افتتح بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة. وذكر الحديث، وفيه: أنهم شكوه إلى النبيّ ﷺ فسأله عن لزومه سورة الإخلاص في كل ركعة، فقال الرجل: إني أحبُّها. فقال النبيّ ﷺ : "حبُّكَ إياها أدخلك الجنة".
وبوب البخاريُّ على هذا الحديث وغيره بقوله: "باب الجمع بين السورتين في الركعة".
وهذا البحث كله قائمٌ على أن اللفظ "سورتين".
стр. 216
ووقع في رواية لأحمد والطحاوي: "وأما قولها: يضربني إذا صليت، فإنها تقوم بسورتي التي أقرأها، فتقرأ بها"، فلفظ "السورة" في هذه الرواية جاء مضافًا.
ومعناهُ كما قال الطحاويُّ أنه إنما ضربها لأنها تقوم بسورته التي يقرأ بها، فظن صفوان أنها إذا قرأت السورة التي يقرأها فلا يحصل لهما بقراءتهما إياها جميعًا إلا ثوابًا واحدًا، فلو أنها قرأت سورة أخرى غير التي قرأها حصل لهما ثوابان، فأعلمه رسولُ الله ﷺ أنَّ كلَّ واحدٍ منهما لو قرأها في صلاته فيحصل لهما ثوابان، لأن قراءة أحدهما غير قراءة الآخر.
ومما يدلُّ على ذلك قولة في رواية أبي بكر بن عيَّاش عن الأعمش عند أحمد قوله: "فإنها تقرأ بسورتي، فتعطلني"، أي: تنازعني في الثواب بقراءتها نفس السورة فتتركني عطلاً من الثواب. والله أعلم.
стр. 217
١٧٨/ ١٣ - (غزوتُ مع رسول الله ﷺ سبعَ غزوات، أخلُفُهُم في رِحَالهم، وأصنعُ لهم الطعامَ، وأجبرُ الجراحاتِ، وأداوي المرضى).
(عن أم عطية ﵂ به). (هذا حديثٌ صحيحٌ) (م، س كبرى، ق، ش) (الأمراض / ١٨١ ح ٧٥).
١٧٩/ ١٤ - (كان النبيُّ ﷺ يغزو بأُمِّ سُلَيم، ونسوةٌ معها من الأنصار، يسقين الماء، ويداوين الجرحى).
(عن أنس ﵁). (قال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (م، د، س كبرى، ت، يع، نعيم) (الأمراض / ١٨١).
١٨٠/ ١٥ - (كنا نغزو مع النبيّ ﷺ ، فنسقي القوم، ونخدمهم، ونردُّ الجرحى والقتلى إلى المدينة).
(عن الرُّبَيِّع بنت معوذ ﵂). (خ، حم، بغ) (الأمراض / ١٨٢).
قال الإمامُ البغوي في "شرح السنة" (١١/ ١٣) بعد ذكره لحديث الربيع:
"في الحديث دليل على جواز الخروج بالنساء في الغزو لنوع من الرفق والخدمة، فإن خاف عليهن لكثرة العدو وقوتهم، أو خاف فتنتهنّ لجمالهنّ، وحداثة أسنانهنّ، فلا يخرج بهنّ، وقد رُوِىَ عن النبيّ ﷺ أنَّ نسوةً خرجنَ معه، فأمر
стр. 218
بردِّهنّ، فيشبهُ أن يكون ردُّهُ إياهُنَّ لأحد هذين المعنيين " اهـ.
فقال شيخُنا (الأمراض / ١٨٢ - ١٨٣): وهذا الذي ذكره البغويُ أخذه من كَلام أبي سليمان الخطابيّ في "معالم السنن" (٢/ ٢٤٦). أما الحديث الذي ذكره، فقد أخرجه ابنُ أبي شيبة (١٢/ ٥٢٦)، وعنه ابنُ سعد في "الطبقات" (٨/ ٣٠٨)، وأبو يعلى -كما في "المطالب العالية (٢/ ١٦٩) -، والطبرانيُّ في "الكبير" (ج ٢٥ / رقم ٤٣١)، وفي "الأوسط" (ج ١ / ق ٢٧٠/ ١)، وابنُ أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (ق ٣٨٢/ ١)، وعنه ابنُ الأثير في "أسد الغابة" (٥/ ٦١٠) وعزاه لابن منده وأبي نعيم، من طريق حميد بن عبد الرحمن، عن الحسن ابن صالح، عن الأسود بن قيس، قال: حدثني سعيد بن عَمرو القرشيّ: أن أُمَّ كبشةَ امرأة من بني عذرة -عذرة قضاعة-، قالت: يا رسول الله! ائذن لِي أن أخرج في جيش كذا وكذا. قال: "لا". قلتُ: يا رسول الله! إني لستُ أريدُ أن أقاتل، وإنما أريد أن أداويَ الجريح والمريض، أو أسقي المرضى. فقال رسول الله ﷺ : (لولا أن تكون سنَّةٌ، ويُقال: فلانة خرجت، لأذنتُ لك، ولكن اجلسي).
قال الطبرانيُّ: "لا يروى هذا الحديث عن أم كبشة إلا بهذا الإسناد تفرد به الحسن بنُ صالح". اهـ. وقال الهيثميُّ في "المجمع" (٥/ ٣٢٤): "رجاله رجال الصحيح". اهـ. قلتُ: وإسناده صحيحٌ. ويحتمل أن يكون منسوخًا، لأنَّ أحاديث الجواز أكثر شهرة وصحةً، ويحتمل أن يكون لأحد العلتين اللتين أبداهما الخطابيُّ ﵀. والله أعلم.
стр. 219
١٨١/ ١٦ (ما بُلْتُ قائمًا منذ أسلمت).
(رواه عبَيد الله بنُ عُمر، عن نافع، عن ابن عُمر، عن عُمر ﵁ به موقوفًا عليه).
(سندُهُ صحيحٌ. وقال ابن المنذر: ثبت عنْ عُمر ﵁) (ش، ابن المنذر، البزار، أبو بكر النجاد، طح معاني) (التوحيد / ربيع أول / ١٤١٩ هـ).
١٨٢/ ١٧ - (رأيتُ عُمر بنَ الخطاب، بال قائمًا، زاد الطحاوي: "فأجنح -يعني: مال- حتى كاد يُصرع").
(رواه: الأعمش، عن زيد بن وهب، قال: .. فذكره). (سنده صحيح، ولا يُعَلّ بتدليس الأعمش، لأن شعبة رواه عنه عند الطحاوي، وقد ثبت عن شعبة أنه قال: كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وقتادة، وأبي إسحاق السبيعي) (ش، طح معاني) (التوحيد / ربيع أول / ١٤١٩ هـ؛ بذل ١/ ٢٦٠).
قال شيخُنا: فظاهر الأثرين التناقض، وقد جمع بينهما بعضُ أهل العلم.
فقال ابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٣٣٨):
فقد يجوز أن يكون عُمر إلى الوقت الذي قال فيه هذا القول -يعني: "ما بُلتُ قائمًا"- لم يكن بال قائمًا، ثم بال بعد ذلك، فرآه زيد بن وهب، فلا يكون حديثان متضادين. وكذلك قال الطحاوي.
стр. 220
١٨٣/ ١٨ - (مات رسولُ الله ﷺ ، ولم يجمع القرآنَ غيرُ أربعةٍ: أبو الدرداء، ومعاذ بنُ جبل، وزيد بنُ ثابت، وأبو زيد).
(رواه: معلي بنُ راشد العَمِّي، ومعلى بنُ أسد، قالا: نا عبد الله بن المثنى: حدثني ثابت البُنانيُّ وثمامة، عن أنس بن مالك ﵁ به. زاد البخاريُّ: "قال: "ونحن ورثناه"). (صحيحٌ. انفرد به البخاريُّ) (خ، البزار، طب أوسط، حب ثقات) (التسلية / ح ٥٦؛ تنبيه ١٢/ رقم ٢٤٥٦؛ تنبيه ٨ / رقم ١٨٣٧).
١٨٤/ ١٩ - (جمع القرآن على عهد النبيّ ﷺ أربعةٌ: أُبَيّ بنُ كعب، وزيد بنُ ثابت، وأبو زيد، ومعاذ بنُ جبل) هكذا رواه الحسين بنُ واقد، عن ثمامة، عن أنس به، فخالف في تسمية واحد من هؤلاء الأربعة.
قال شيخنا: وقد اعتُرِضَ على هذا الحديث من وجهين.
الأول: التصريحُ بصيغة الحصر في الأربعة.
الثاني: ذِكْرُ أبي الدرداء، بدل: أُبَيّ بن كعب.
فأمَّا الجوابُ عن الأول، فقال الحافظ في "الفتح":
"وقد أجاب القاضي أبو بكر الباقلاني وغيره عن حديث أنس هذا بأجوبة:
أحدها: أنه لا مفهوم له، فلا يلزم أن لا يكون غيرهم جمعه.
стр. 221
ثانيها: المراد لم يجمعه على جميع الوجوه، والقراءات التي نزل بها، إلا أولئك.
ثالثها: لم يجمع ما نسخ منه بعد تلاوته وما لم ينسخ إلا أولئك وهو قريبٌ من الثاني.
رابعها: أن المراد بجمعه تلقيه من فيِّ رسول الله ﷺ لا بواسطة، بخلاف غيرهم، فيحتمل أن يكون تلقى بعضه بالواسطة.
خامسها: أنهم تصدوا لإلقائه وتعليمه فاشتهروا به، وخفي حال غيرهم عمن عرف حالهم، فحصر ذلك فيهم بحسب علمه، وليس الأمر في نفس الأمر كذلك، أو يكون السبب في خفائهم أنهم خافوا غائلة الرياء والعجب، وأمن ذلك من أظهره.
سادسها: المراد بالجمع الكتابة، فلا ينفي أن يكون غيرهم جمعه حفظًا عن ظهر قلب وأمَّا هؤلاء فجمعوه كتابة وحفظوه عن ظهر قلب.
سابعها: المراد أن أحدًا لم يفصح بأن جمعه بمعنى أكمل حفظه في عهد رسول الله ﷺ إلا أولئك، بخلاف غيرهم فلم يفصح بذلك لأن أحدًا منهم لم يكمله إلا عند وفاة رسول الله ﷺ حين نزلت آخر آية منه: فلعل هذه الآية الأخيرة وما أشبهها ما حضرها إلا أولئك الأربعة ممن جمع جميع القرآن قبلها، وإن كان قد حصرها من لم يجمع غيرها الجمع البين.
ثامنها: أن المراد بجمعه السمع والطاعة له والعمل بموجبه، وقد أخرج أحمد في "الزهد" من طريق أبي الزاهرية: "أن رجلاً أتى أبا الدرداء، فقال: إنَّ ابني جمع القرآن، فقال: اللهم غفرًا إنما جمع القرآن من سمع له وأطاع".
стр. 222
وفي غالب هذه الاحتمالات تكلف، ولا سيما الأخير. وقد أومأت قبل هذا إلى احتمال آخر، وهو أن المراد إثبات ذلك للخزرج دون الأوس فقط، فلا ينفي ذلك عن غير القبيلتين من المهاجرين ومن جاء بعدهم، ويحتمل أن يقال: إنما اقتصر عليهم أنس لتعلق غرضه بهم، ولا يخفى بعده.
والذي يظهر من كثير من الأحاديث أنَّ أبا بكر كان يحفظ القرآن في حياة رسول الله ﷺ ، فقد تقدم في المبعث أنه بنى مسجدًا بفناء داره فكان يقرأ فيه القرآن وهو محمولٌ على ما كان نزل منه إذ ذاك. وهذا مما لا يرتاب فيه مع شدة حرص أبي بكر على تلقي القرآن من النبيّ ﷺ وفراغ باله له وهما بمكة وكثرة ملازمة كل منهما للآخر حتى قالت عائشة كما تقدم في الهجرة أنه ﷺ كان يأتيهم بكرة وعشية.
وقد صحح مسلمٌ حديث: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" وتقدمت الإشارة إليه، وتقدم أنه ﷺ أمر أبا بكر أن يؤم في مكانه لما مرض، فيدل على أنه كان أقرأهم.
وتقدم عن عليّ أنه جمع القرآن على ترتيب النزول عقب موت النبيّ ﷺ .
وأخرج النسائيُّ بإسناد صحيح، عن عبد الله بن عَمرو، قال: "جمعتُ القرآن فقرأت به كل ليلة، فبلغ النبيّ ﷺ ، فقال: اقرأه في شهر .. " الحديث. وأصله في الصحيح.
وتقدم في الحديث الذي مضى ذكر ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وكل هؤلاء من المهاجرين.
وقد ذكر أبو عبيد القراء من أصحاب النبيّ ﷺ ، فعد من المهاجرين الخلفاء الأربعة، وطلحة، وسعدًا، وابن مسعود، وحذيفة، وسالمًا، وأبا هريرة، وعبد الله
стр. 223
بن السائب، والعبادلة، ومن النساء: عائشة، وحفصة، وأم سلمة، ولكن بعض هؤلاء إنما أكمله بعد النبيّ ﷺ فلا يرد على الحصر المذكور في حديث أنس.
وعَدَّ ابنُ أبي داود في "كتاب الشريعة" من المهاجرين أيضًا تميم بن أوس الداري، وعقبة بن عامر. ومن الأنصار: عبادة بن الصامت، ومعاذًا الذي يكنى أبا حليمة، ومجمع بن حارثة، وفضالة بن عبيد، ومسلمة بن مخلد وغيرهم، وصرح بأن بعضهم إنما جمعه بعد النبيّ ﷺ .
وممن جمعه أيضًا أبو موسى الأشعري ذكره أبو عَمرو الداني، وعدَّ بعض المتأخرين من القراء عَمرو بن العاص، وسعد بن عباد، وأم ورقة.
وأما الجواب عن الوجه الثاني: فقال الإسماعيليُّ: هذان الحديثان مختلفان، ولا يجوزان في الصحيح مع تباينهما، بل الصحيح أحدهما.
وجزم البيهقيُّ بأن ذكر أبي الدرداء وهم، والصواب أُبَي ابن كعب.
وقال الداودي: لا أرى ذكر أبي الدرداء محفوظًا.
قلتُ: وقد أشار البخاريُّ إلى عدم الترجيح باستواء الطرفين، فطريق قتادة على شرطه، وقد وافقه عليها ثمامة في إحدى الروايتين عنه، وطريق ثابت أيضًا على شرطه، وقد وافقه عليها أيضًا ثمامة في الرواية الأخرى، لكن مخرج الرواية عن ثابت وثمامة بموافقته، وقد وقع عن عبد الله بن المثنى وفيه مقال وإن كان عند البخاريّ مقبولاً لكن لا تعادل روايته رواية قتادة، ويرجح رواية قتادة حديث عُمر في ذكر أبي بن كعب وهو خاتمة أحاديث الباب، ولعل البخاريّ أشار بإخراجه إلى ذلك لتصريح عُمر بترجيحه في القراءة على غيره، ويحتمل أن يكون أنس حدث بهذا الحديث في وقتين، فذكر مرّة أبي بن كعب، ومرّة بدله أبا الدرداء، وقد روى
стр. 224
ابنُ أبي داود من طريق محمد بن كعب القرظي، قال: "جمع القرآن على عهد وسول الله ﷺ خمسة من الأنصار: معاذ بنُ جبل، وعبادة ابنُ الصامت، وأبي بنُ كعب، وأبو الدرداء، وأبو أيوب الأنصاري".
وإسناده حسن مع إرساله. وهو شاهد جيِّدٌ لحديث عبد الله بن المثنى في ذكر أبي الدرداء وإن خالفه في العدد والمعدود.
ومن طريق الشعبي، قال: "جمع القرآن في عهد رسول الله ﷺ ستة: منهم أبو الدرداء، ومعاذ، وأبو زيد، وزيد بن ثابت"، وهؤلاء الأربعة هم الذين ذكروا في رواية عبد الله بن المثنى، وإسناده صحيحٌ مع إرساله.
فلله در البخاريّ ما أكثر اطلاعه. قد تبين بهذه الرواية المرسلة قوة رواية عبد الله ابن المثنى، وأن لروايته أصلاً والله أعلم". انتهى.
стр. 225
١٨٥/ ٢٠ - (مَنْ أحَبَّ لِقاَءَ الله أحب الله لِقَاءَهُ، ومَنْ كَرِهَ لِقَاءَ الله كره الله لِقاءَهُ. فقلت: يا نبيَّ الله! أكراهيةُ الموت؟ فكلنا يكرهُ الموتَ. فقال: "ليس كذلك، ولكنَّ المؤمن إذا بُشِّرَ برحمة الله ورضوانه وجنَّتِهِ أحبَّ لقاءَ الله، فأحبَّ الله لقاءَهُ، وإن الكافرَ إذا بُشِّرَ بعذاب الله وسخطه، كره لقاءَ الله، وكره الله لِقاءَهَ).
(رواه: زُرارة بنُ أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة ﵂ مرفوعًا). (قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ) (خت، م، س، ت، ق، حب، ابن أبي داود، ابن منده توحيد، الحافظ تغليق) (حديث الوزير / ٣٤٧ - ٣٥٦ ح ١٢٢ , البعث ح ١ - ٢).
١٨٦/ ٢١ - (مَن أَحَبَّ لِقَاءَ الله تعالى، أحبَّ الله لقاءَهُ، ومَنْ كَرِهَ لِقَاءَ الله تعالى، كره الله لقاءَه، والموتُ قبلَ لقاء الله .
(رواه: زكريا بنُ أبي زائدة، عن الشعبي , عن شُرَيح بنِ هانيء، عن عائشة ﵂ مرفوعًا به). (صحيحٌ. وله طرق أخرى عن عائشة. وفي الباب عن: أبي هريرة، وعبادة بن الصامت، وأنس بن مالك، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي موسى الأشعري، ورجل من أصحابْ النبيّ ﷺ ) (م، حم، حمي، أبو سعيد الدارمي، طب أوسط، ابن منده توحيد، بغ).
стр. 226
قال شيخُنا: هذا الحديث دليلٌ على كراهيةِ النَّاسِ للموتِ، لا فرق بين مؤمنهم وكافرهم في ذلك، وهذا ظاهرٌ في قول عائشة ﵂؛ "كلنا يكره الموت".
أمَّا المؤمنُ، فلقوله تعالى في الحديث الإلهي، الذي أخرجه البخاريُّ (١١/ ٣٤٠ - ٣٤١)، عن أبي هريرة ﵁: "من عادى لي وليًّا .. " وفي آخره: "وما ترددتُ عن شيء أنا فاعلُهُ ترددي عن قبض نفس المؤمن، يكرهُ الموتَ، وأنا أكرهُ مساءته". فكراهية الكافر للموت إذن من باب أولى.
وإنما نبَّهتُ على هذا المعنى -مع وضوحه-، لأن الشيخَ محمد الغزالي أعلَّ حديثًا في "الصحيحين" بسبب غفلته عن هذا المعنى.
فقد قال في كتابه الأبتر: "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" (ص ٢٦ - ٢٧): "وقد وقع لي وأنا بالجزائر أن طالبًا سألني: أصحيحٌ أن موسى ﵇ فقأ عينَ مَلَكِ الموت عندما جاء لقبض روحه بعدما استوفى أجله؟
= يشيرُ إلى حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: "جاء مَلَكُ الموت إلى موسى ﵇، فقال له: أَجِبْ ربَّكَ. قال: فَلَطَمَ موسى ﵇ عين ملك الموت ففقأها. قال: فرجع الملك إلى الله تعالى، وقال: إنَّك أرسلتني إلى عبدٍ لك لا يريد الموت، وقد فقأ عيني. قال: فردّ الله إليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدي، فقال: الحياةَ تُريد؟ فإنْ كنتَ تريدُ الحياةَ فضع يَدَكَ على متن ثورٍ، فما
стр. 227
توارت يدُك من شعرةٍ فإنك تعيشُ بها سنة، قال: ثم مَه؟ قال: ثم تموت، قال: فالآن من قريب .. الحديث". وقد قال الغزالي: وقد جادل البعض في صحته. وهذا كذبٌ فاضحٌ، فما نعلم أحدًا أعلَّ هذا الحديث، وإن كان صادقًا فليسمّ لنا مَنْ هذا البعضُ؟! =
.. ثم قال بعد كلام: "وعدتُ لنفسي أفكرُ إن الحديثَ صحيحُ السند، ولكن متنه يثيرُ الريبة إذ يفيد أن موسى يكره الموت، ولا يحبُّ لقاء الله بعدما انتهى أجله، وهذا المعنى مرفوضٌ بالنسبة للصالحين من عباد الله، كما جاء في الحديث الآخر: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" فكيف بأنبياء الله؟ وكيف بواحد من أولي العزم؟
إنَّ كراهيته للموت بعد ما جاء ملكه أمرٌ مستغربٌ؟ ثم هل الملائكة تعرض لهم العاهات التي تعرضُ للبشر من عمى وعورٍ؟
ذاك بعيدٌ، قلتُ: لعلَّ متن الحديث معلول!!
.. ثم قال بعد كلام: "والعِلَّةُ في المتن يُبصِرُها المحققون، وتخفى على أصحاب الفكر السطحي"!!. اهـ.
هذا كلامُهُ كلُّهُ!!
والرجلُ بصرُهُ بالسنَّةِ كليلٌ، وهو صاحب دعوى أعرض من المشرقين، لأنه قال (ص ٢٤): "والفقهاء المحققون إذا أرادوا بحثَ قضيةٍ ما جمعوا كل ما جاء في شأنها من الكتاب والسنة، وحاكموا المظنون إلى المقطوع، وأحسنوا التنسيق بين شتى الأدلة؛ أمَّا اختطاف الحكم من حديثٍ عابرٍ، والإعراض عما ورد في الموضوع من آثار أخرى فليس من عمل العلماء". اهـ.
стр. 228
وهذا الكلام حقٌّ، ولكن هل التزم هو به؟
هل الرجل وهو يعلُّ حديثًا في "الصحيحين" ما سبقه أحدٌ إلى إعلاله، وليس من أهل هذا الشأن، أقولُ: هل جمع الآثار المروية في الباب؟
كلا، كلا، بل إن الرجل لا يحسن فهم الكلام، ففي الوقت الذي يقول فيه إن الحديثَ معلولٌ لأنه يثبت كراهية موسى ﵇ للموت، نقول: إنَّ في نفس الحديث ما ينقض هذه الدعوى، وهي قول موسى ﵇ -بعد ما علم أنه ملك الموت-: "أي ربّ! ثَّم ماذا؟ قال: الموت. قال: فالآن".
فالذي يستعجل الموت، ويقول "فالآن" هل يقال فيه: إنه كاره للموت، لذلك فقأ عينَ ملك الموت؟!.
وإنما فقأ موسى عينَ ملك الموت ﵉ لأن ملك الموت أتى موسى في صورة لا يعرفها، وصورةُ ملك الموت كانت معروفةً لموسى، إذ أنه كان يجالسُه، فلما رأى موسى رجلاً داخل داره لا يعرفُ من أين دخل ثمَّ هو لم يستأذن، حلَّ له أن يفقأ عينه، وهذا الحكم ثابتٌ في شريعتنا أيضًا، هذا خلاصة ما ذكره الشُّراح، ويدلُّ عليه أنَّه لما جاءه في المرَّة الثانية لم يفقأ عينه لأنه عرفه.
وهناك وجهٌ آخر أقوى من هذا. وهو أنه ثبتُ في "صحيح البخاري" (٨/ ١٣٦) وغيره، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ -وهو صحيحٌ، يقول: "إنه لم يقبض نبيٌّ قطُّ حتى يرى مقعده مِنَ الجنَّة، ثم يحيا أو يُخَيَّر". فكانت هذه علامة جعلها الله لأنبيائه. فلما قيل لموسى ﵇: أجب ربَّك، وذلك يعني قبض روحه، ثم هو لم يخير، فعلَ ما فعلَ، فلمَّا خير بين الحياة الطويلة وبين الموت علمَ أنه مِنْ عند الله، ولم يكن نبيٌّ ليختار الحياةَ
стр. 229
على ما عندَ الله تعالى، فقال: "فالآن".
فيا عباد الله! هل في هذا الحديث أي معنى يستنكر، حتى يُعِلّهُ هذا "المتمجهد"! إن الرجل من هؤلاء الذين أطلق عليهم بعضُ الأذكياءِ اسم "المجددينات" فاستغرب سامعُهُ من هذا الجمع، فقال: أيُّ جمعٍ هذا؟ ما هو بجمع مذكر سالم، ولا مؤنث سالم. فقال له: "هذا جمع مخنث سالم"!! فأقسم له سامعُهُ أن اللغةَ العربيةَ في أشد الحاجة إلى هذا الجمع خصوصًا في هذه الأيام. والله المستعان.
وقد رفعتُ كلَّ شبهةٍ ولبسٍ عن هذا الحديث وغيره، في كتابي الكبير (سمط اللآلي في الرد على محمد الغزالي) والمجلد الأول منه على وشك التمام، يسر الله إتمامه بخير.
стр. 230
١٨٧/ ٢٢ - (مَنْ بدَّل دينَه فاقتلوه).
(عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا). (إسناده صحيح) (خ، حمي، هق) (التوحيد / ١٤٢٢ / جمادى الأول؛ غوث ٣/ ١٣٩ ح ٨٤٣؛ كتاب المنتقى / ٣١٦ / ح ٩١٠؛ جنة المرتاب / ٥٠٧؛ تنبيه ٥ / رقم ١٣٨٨).
١٨٨/ ٢٣ - (لا تعذِّبوا بعذاب الله).
(عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا). (صحيحٌ) (خ، حمي، هق) (التوحيد / ١٤٢٢ / جمادى الأول؛ تنبيه ٥ / رقم ١٣٨٨).
قال شيخُنا: أخرج البخاريُّ في "كتاب الجهاد" (٦/ ١٤٩)، وفي "استتابة المرتدين" (١٢/ ٢٦٧) من طريق عكرمة، قال:
أتى عليٌّ ﵁ بزنادقةٍ فأحرقهم، فبلغ ذلك ابنَ عباسٍ، فقال: لو كنتُ أنا لم أحرقهم، لنهي رسول الله ﷺ : (لا تعذبوا بعذاب الله)، ولقتلتهم، لقول رسول الله ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه).
وقال بعض الناس: إنه لم يحرقهم، وإنما حفر لهم خندقًا. ورُدَّ ذلك عليه.
فأخرج الحميديُّ في "مسنده" (٥٣٣)، والبيهقيُّ (٩/ ٧١) من طريق محمد ابن عباد، قالا: ثنا سفيان بنُ عُيَينة: ثنا أيوب، عن عكرمة، قال:
لما بلغ ابنَ عباسٍ أنَّ عليًا أحرقْ المرتدين يعني الزنادقة قال ابنُ عباس: لو
стр. 231
كنتُ أنا لقتلتهم، لقول رسول الله ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه)، ولم أحرقهم، لقول رسول الله ﷺ : (لا ينبغي لأحدٍ أنْ يُعَذِّبَ بعذاب الله).
قال سفيان: فقال عمارُ الدُّهني وهو في المجلس -مجلس عَمرو بن دينار- وأيوب يحدث بهذا الحديث:
إن عليًا لم يحرقهم إنما حفر لهم أسرابًا، وكان يدخل عليهم منها حتى قتلهم.
فقال عَمرو بنُ دينار: أما سمعت قائلهم وهو يقول:
لترم بيَّ المنايا حيثُ شاءت ... إذا لم ترم بي في الحفرتين
إذا ما قرَّبوا حطبًا ونارًا ... هناك الموتُ نقدًا غير دَيْن
وقد روى هذا الحديث جرير بنُ حازم، عن أيوب السختيانيّ بالسند المتقدم، وزاد فيه: فبلغ ذلك عليًّا -يعني: اعتراض ابن عباس-، فقال: ويح ابن أمِّ الفضل، إنه لغوَّاصٌ على الهنّات.
أخرجه عثمان بنُ سعيد الدارميُّ في "الرد على الجهمية" (٣٦١، ٣٨٥)، ويعقوب الفسويُ في "المعرفة والتاريخ" (١/ ٥١٦)، ومن طريقه البيهقيُّ (٨/ ٢٠٢).
وتعليق عليٍّ ﵁ يحتمل وجهين:
الأول: أنه قالها توجعًا، حيث إن النهي عن التحريق حمله عليٌّ على كراهة التنزيه، وحمله ابنُ عباسٍ على التحريم، فأنكره عليٌّ وتوَّجع لذلك.
والثاني: أن يكون قالها رضىً بما قال، وإنه حفظ ما نسيه، بناءً على أحد ما قيل في كلمة (ويح)، وإنها تُقال بمعنى المدح والتعجب، ويحتمل أن يكون عليٌّ توَّجعَ أنَّ ابنَ عباس لم يبادر بتذكيره.
стр. 232
ويدلُّ على أنه إنما قالها موافقًا لابن عباس لا معارضًا ما رواه عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب السختياني في هذا الحديث، قال: فبلغَ ذلك عليًّا، فقال: صدق ابنُ عباس. أخرجه الترمذيُّ (١٤٥٨). وقال: حسنٌ صحيحٌ. والله أعلم.
стр. 233
١٨٩/ ٢٤ - (مَنْ سمَّ نفسهُ، فسُمُّهُ يزيده يتحسَّى بها في نار جهنَّمَ مَخَلَّدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدةٍ، فحديدَتُه يزيده يتوجَّأ بها في بطنه يوم القيامة خالدًا مخلدًا فيها أبدًا).
(رواه: جماعةٌ عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا). (هذا حديثٌ صحيحٌ) (خ، م، عو، د، س، ت، ق، مي، حم، طي، طح مشكل، ابن منده، هق، بغ) (الأمراض / ١٧٤ ح ٧١).
١٩٠/ ٢٥ - (مَنْ قتل نفسه بسمٍّ، عُذِّب في نار جهنم).
(رواه: محمد بنُ عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. ورواه: مالك، وعبد الرحمن بنُ أبي الزناد، وابنُ عجلان، وشعيب بنُ أبي حمزة جميعًا، عن أبي الزناد، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا). (خ، ت، حب، حم، طح مشكل) (الأمراض / ١٧٤ - ١٧٥).
قال الترمذيُّ: "وروى محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قال: "من قتل نفسه بسم عذب في نار جهنم".
ولم يذكر فيه: "خالدًا مخلدًا فيها أبدا" وهكذا روى أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ . وهذا أصح، لأن الروايات إنما تجيء بأنَّ أهل التوحيد يعذبون في النار ثم يخرجون منها ولم يذكر أنهم يخلدون فيها". اهـ.
стр. 234
قال شيخُنا: بنى الترمذيُّ ترجيحَهُ على المعنى، وإلا فحديثُ أبي صالح عن أبي هريرة صحيحٌ قطعًا، وقد صحَّحه الترمذيُّ، مع أن الجمع ممكنٌ بحمل حديث أبي صالح عن أبي هريرة على المُسْتَحِلّ، بدليل:
ما أخرجه مسلمٌ (١١٦/ ١٨٤)، وأحمد (٣/ ٣٧٠ - ٣٧١)، والحاكمُ (٤/ ٧٦)، والطحاويُّ في "المشكل" (١/ ٧٤)، والطبرانيُّ في "الأوسط" (٢٤٠٦)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٢٦١) والبيهقيُّ في "الدلائل" (٥/ ٣٦٤)، وفي "السنن" (٨/ ١٧) من طريق حماد بن زيد، عن حجاج الصواف، عن أبي الزبير، عن جابر ابن عبد الله ﵄:
أنَّ أبا الطفيل بن عَمرو الدوسيّ أتى النبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله هل لك في حصن حصين ومنعةٍ؟ فأبى ذلك النبي ﷺ ، للذي ذخر الله للأنصار، فلمَّا هاجر النبيّ ﷺ إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عَمرو، وهاجر معه رجلٌ من قومه, فاجتووا المدينة، فمرض، فجزع، فأخذ مشاقص له، فقطع بها براجمه، فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بنُ عَمرو في منامه، فرآه في هيئة حسنةٍ، ورآه مغطيًّا يديه، فقال له: ما صنع بك ربُّك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ . فقال: ما لي أراك مغطيًّا يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت.
فقصَّها على النبيّ ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : (اللهم وليديه فاغفر).
قال الطبرانيّ: "لم يرو هذا الحديث عن أبي الزبير إلا حجاج، تفرد به حماد". اهـ.
قلتُ: كذا قال! ولم يتفرد به حماد، فتابعه إسماعيل بنُ إبراهيم: ثنا الحجاج بن أبي عثمان، عن أبي الزبير، عن جابر فذكر مثله.
стр. 235
أخرجه أبو يعلى (ج ٤ / رقم ٢١٧٥)، وعنه ابنُ حبان (٣٠١٧)، قال: ثنا إبراهيم بنُ عبد الله الهرويُّ: ثنا إسماعيل بنُ إبراهيم.
قال أبو نعيم: "هذا حديثٌ صحيحٌ" أخرجه مسلمٌ في كتابه.
أمَّا الحاكمُ فقال: "صحيحٌ على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبيُّ!. كذا قالا! والبخاري لم يحتج بأبي الزبير عن جابر.
стр. 236
١٩١/ ٢٦ - (مَنْ نامَ عَنْ وِتْرِهِ فَلْيَقْضِهِ إذا أَصْبَحَ).
(رواه: محمد بنُ مطرف، وعبد الرحمن بنُ زيد بن أسلم، كلاهما عن زيد بن أسلم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا به). (حديثٌ صحيحٌ) (د، ت، ق، حم، ابن نصر قيام الليل، ابن شاهين، قط، ك، هق) (التوحيد / رمضان / ١٤١٤ هـ).
١٩٢/ ٢٧ - (مَنْ أَدْرَكَ الصُّبحَ، ولم يُوتِر، فلا وِتْرَ عليه).
(رواه: قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا به). (قال الحاكمُ: صحيحٌ على شرط مسلم، ووافقه الذهبيُّ. ولكن أعلَّه البيهقيُّ بقوله: ورواية يحيى ابن أبي كثير كأنها أشبه، فقد روينا عن أبي سعيد في قضاء الوتر. اهـ.
قلتُ: يشر إلى حديث مسلم وغيره: أوتروا قبل أن تصبحوا) (خز، حب، ك، هق) (التوحيد / رمضان / ١٤١٤ هـ).
١٩٣/ ٢٨ - (أَوتِرُوا قبلَ أن تُصْبِحُوا).
(رواه: يحيى بنُ أبي كثير، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا به).
(صحيحٌ) (م، عو، س، ق، مي، حم، ش، طي، خز، عب، ابن نصر قيام الليل، ك، هق، نعيم حلية) (التوحيد / رمضان / ١٤١٤ هـ).
سألتْ سائلةٌ، فقالت: قرأتُ حديثين، أحدهما يقول: "مَنْ نامَ عَنْ
стр. 237
وِتْرِهِ فَلْيَقْضِهِ إذا أَصْبَحَ"، وحديثًا آخر يقول: "مَنْ أَدْرَكَ الصُّبحَ، ولم يُوتِر، فلا وِتْرَ عليه". فهل كلاهما صحيحٌ؟ وكيف نفهم الحديثين مع أن ظاهرَهما التعارض؟
فقال شيخُنا: أمَّا أحاديث قضاء الوتر بعد الصبح، والنهي عن ذلك، فيحتاج الأمرُ إلى الفصل في صحة الحديث قبل تأويله، كما عليه جماعةُ العلماء.
... ولكن لا منافاة عندي بين الروايتين، وهما حديثان مستقلان لا حديث واحد حتى يعل أحدهما الآخر. وتفصيل هذا في موضع آخر.
وفي الباب أحاديث أخرى كثيرة، ولا تعارض بين الحديثين، لأن الحديث الآذن بقضاء الوتر خاص بمن نسيه أو نام عنه وكان ينوي أن يصليه ففاته قصده بالعذر.
والحديث الآخر المانع من قضاء الوتر خاص بمن تركه هملاً وكسلاً، فهذا يعاقبُ بأنْ يُحْرَم مِنْ قضائه وإحراز فضيلته وأجره. والله أعلمُ.
стр. 238
١٩٤/ ٢٩ - (هذا لَعَمْرُ الله التَّكَلفُ، اتَّبِعُوا ما بُيِّنَ لكم مِنْ هذا الكتاب "التكلف"، قال في النهاية: أراد كثرة السؤال والبحث عن الأشياء الغامضة التي لا يجب البحث عنها).
(رواه الزهريُّ , عن أنس ﵁، أنَّهُ سمع عُمر بنَ الخطاب ﵁، قال: "ما الأبُّ؟ " ثم قال: "مه" ورمى بعصاهُ الأرضَ، فقال: .... فذكره).
(صحيحٌ. قال الجوزقانيُّ: هذا حديثٌ صحيحٌ) (ابن جرير، عبد تفسيره، هق شعب، الجوزقاني) (التسلية / ح ١٤؛ ابن كثير ١/ ١٢٧).
١٩٥/ ٣٠ - (بينما عُمرُ جالسٌ في أصحابه إذ تلا هذه الآية ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عبس: ٢٧ - ٣١]، ثم قال: هذا كلُّهُ قد عرفناهُ، فما الأبُّ؟ قال: في يده عُصَيَّةٌ يضربُ بها الأرض، فقال: "هذا لَعَمْرُ الله التَّكَلُّفُ، فخذوا أيها الناسُ بما بُيِّنَ لكم فاعملوا به، وما لم تعرفوه فكلُوهُ إلى ربِّهِ").
(رواه: عليّ بنُ المديني، قال: حدثنا الوليد بنُ مسلم، قال: ثنا الأوزاعيُّ، قال: ثنا الزهريُّ، قال: حدثني أنس بنُ مالكٍ، قال: .. فذكره).
(صحيحٌ) (خط، الجوزقاني، جوزي مناقب) (التسلية / ح ١٤؛ ابن كثير ١/ ١٢٧).
стр. 239
ثم روى الخطيبُ، عن أبي بكر المروزيّ، قال:
قلتُ لأبي عبد الله أحمد بنِ حنبل:
إنَّ عليّ بنَ المدينيّ يُحَدِّثُ، عن الوليد ابنِ مسلم، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن أنس، عن عُمر: "كِلُوُهُ إلى خالقه".
فقال أبو عبد الله: كَذِبٌ. حدثنا الوليدُ مرتين، ما هو هكذا، إنما هو: "كِلُوهُ إلى عالمه".
قلتُ لأبي عبد الله:
إن عباسًا العنبريّ، قال: لمَّا حدّث به بالعسكر، قلتُ لعلي بن المديني: إنَّهم قد أنكروه عليك؟
فقال: حدَّثتُكُم به بالبصرة، وذكر أن الوليد أخطأ فيه، فغضب أبو عبد الله، وقال: فنعم! قد عَلِمَ -يعني: علي بن المديني- أنَّ الوليدَ أخطأَ فيه، فَلِمَ أرادَ أنْ يُحَدِّثَهم به؟ يُعطيهم الخطأ؟ وكَذَّبهُ أبو عبد الله.
وقد ذكرَ أبو بكر المروزيّ ﵀ أنَّهُ لمَّا كان أيام المحنة، أحضر عليّ ابن المدينيّ عند ابن أبي داود، فقال له ابنُ أبي داود:
ما تقولُ في القرآن؟ فحدثه عليٌّ بحديث عُمر: "فَكِلُوُهُ إلى ربِّه"، ففرح بذلك ابنُ أبي داود وقبلَ رأسَ عليٍّ.
وذكر الخطيبُ (١١/ ٤٧٠): أنَّ أبا إسحاق الحربيّ سُئلَ: أكان عليّ ابنُ المديني يُتَّهمُ بشيءٍ من الكذب؟
стр. 240
فقال: لا , إنما كان حدَّث بحديثٍ، فزاد في خبره كلمة ليُرضي بها ابنَ أبي داود.
فقال شيخُنا:
فحاشا لله أنْ يزيد ابنُ المديني من عند نفسه عامدًا، وإنما أخطأ الوليد بنُ مسلم في هذه اللفظة، كما قال ابنُ المديني، وأقرَّه أحمدُ.
وإنما قال ابن المديني ما قال تقيَّةً لا عقيدةً، فأنكر عليه الإمامُ أحمد أشدّ الإنكار، وَهَجَرَهُ، وبدَّعَهُ، وكذَّبَهُ فيما روى.
وهذا كان مذهبًا لأحمد، اجتهد فيه، أملاهُ عليه جسامةُ الخطب بالفتنة الملعونة التي فرَّقت بأن العلماء، وكثيرًا ما ينفسخُ عزمُ القلب في المحن، والثابتُ على الحقِّ من ثبَّتَهُ الله تعالى.
وكان عليّ بنُ المديني ضعيفًا على المحنة، فقد قال عليّ بنُ الحسين ابن الوليد: حين ودَّعْتُ علي بنَ المدينيّ، قال:
بَلِّغ أصحابي عنِّي أن القوم كفارٌ، ضُلَاّلٌ، ولم أجد بُدًّا من متابعتهم لأني جلستُ في بيتٍ مُظلِمٍ ثمانية أشهر، وفي رجلي قيدٌ ثمانية أمنان حتى خفتُ على بصري، فإن قالوا: يأخذ منهم، وقد سُبِقْتُ إلى ذلك، فقد أخذَ من هو خيرٌ منِّي.
ولكن ذكر الذهبيَّ في "السير" أنَّها حكايةٌ منقطةٌ.
وذكر ابنُ عمَّار أنَّ ابنَ المدينيّ، قال:
ما في قلبي مما قلتُ وأجبتُ إليه شيءٌ، ولكني خفتُ أنْ أُقتلَ، قال: وتعلم ضعفي، وأني لو ضربتُ سوطًا واحدًا لمُتُّ. اهـ.
فهذا عُذْرُ عليّ بن المدينيّ ﵀، وقد ترخص مثلما ترخَّص عمَّار بنُ
стр. 241
ياسر، ثم رجع عن قوله، وأبدا عذره.
ومع ما قاله أحمد، فإنه روى عن عليٍّ في "مسنده" نيِّفًا وستين حديثًا، وهذا يدفعُ ما ذُكِرَ عن عبد الله بن أحمد، قال:
كان أبي حدَّثنا عنه، ثم أمسك عن اسمه، ويقولُ: حدثنا رجلٌ، ثم تركَ حديثه بعد ذلك.
وعلَّق الذهبيُّ على هذا بقوله:
"بل حديثُه عنه في "مسنده"، وقد تركه إبراهيم الحربيُّ، وذلك لميله إلى أحمد بن أبي داود، فقد كان مُحسنًا إليه، وكذا امتنع مسلمٌ من الرواية عنه في "صحيحه" لهذا المعنى، كما امتنع أبو زرعة، وأبو حاتم من الرواية عن تلميذه محمد -يعني: البخاري- لأجل مسألة اللفظ". اهـ.
وبالجملة: فابنُ المديني إمامٌ ثقةٌ جبلٌ، عظمت عليه المحنةُ بكلام أحمد فيه، فرضي الله عنهما وغفر لنا ولهما، وإني أدينُ الله بحبهما وأمثالهما من السلف. فلله الحمدُ على ما أنعم، ووفق وألهم.
وسُئلَ الدارقطنيُّ كما في "العلل" (٢/ ١٢٠) عن حديث عُمر بن الخطاب هذا، فقال:
"من روى هذا الحديثَ "فَكِلُوُهُ إلى خالقه" فقد وَهِمَ، وقال ما لم يقُلْهُ أهلُ الحديث، فإنَّه لا يُعرَف فيه إلا قولُهُ: "فكلوه إلى عالمه". أو "كلوا علمه إلى الله ، أو فدعوه". اهـ.
قلتُ (والقائل شيخنا ﵁:
стр. 242
فانظر إلى أدب الدارقطنيّ ﵀، كيف عرَّضَ بمقالة عليّ بن المدينيّ، ولم يذكر اسمَه لجلالته وعلمِهِ، فليتَ طلاب العلم يتأسون بهؤلاء الأساطين، ويرحم بعضُهُم بعضًا، فما أعظم المحنة بصغار الأسنان. والله المستعان.
стр. 243
١٠ - أبواب: التفسير وفضائل القرآن
(متن الحديث) (إسناده) (درجته) (تخريجه) (موضعه في كتب الشيخ)
١٩٦/ ١ - (الآيتان مِنْ آخر سورة البقرة، مَنْ قرأ بهما في ليلةٍ كَفَتَاه).
(رواه: منصور بنُ المعتمر، والأعمش، كلاهما عن إبراهيم، عن علقمة وعبد الرحمن بن يزيد، عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ مرفوعًا به). (هذا حديثٌ صحيحٌ) (خ، م، د، سي، ت، ق، مي، حم) (التوحيد / ذو الحجة / ١٤١٧ هـ؛ ابن كثير ١/ ٣٠٠؛ الفضائل ٢٣١؛ التسلية / ح ١١١).
١٩٧/ ٢ - (أصبنا سبايا يوم أوطاس لُهنَّ أزواجٌ في قومِهِنَّ، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فنزلت: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. أي: فهن لكم حلالٌ إذا انقضت عدتهنَّ).
(رواه: عثمان البَتِّيُّ وهذا حديثه، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: .. فذكره. وتوبع عثمان عليه، تابعه قتادة. فرواه: شعبة، وسعيد بنُ أبي عروبة، كليهما عنه، عن أبي الحليل، عن أبي سعيد الخدري ﵁. ورواه: همام ابنُ يحيى، وسعيد بنُ أبي عروبة، وشعبة، ثلاثتهم عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشمي، عن أبي سعيد الخدري ﵁. فزادوا في الإسناد: "أبا علقمة").
стр. 244
(قال الترمذيُّ في حديث عثمان: "هذا حديثٌ حسنٌ. وهكذا روى الثوريُّ عن عثمان البتِّيّ، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ ﷺ نحوه، وليس في هذا الحديث "عن أبي علقمة"، ولا أعلمُ أن أحدًا ذكرَ "أبا علقمة" في هذا الحديث إلا ما ذكرَ همام، عن قتادة، وأبو الخليل اسمُهُ: صالح بنُ أبي مريم". انتهى. قلتُ: رضي الله عنك! فقد توبع همام كما رأيت .. وقد نظر أهل العلم في هذا. فقال الدارقطنيُّ في "العلل": "يرويه قتادة .. وخالفه عثمان البتي، وقول قتادة أصحُّ".
وتبعه على ذلك المزيُّ في "الأطراف" (٣/ ٣٤٤) وفي "التهذيب" (١٣/ ٩٠)، والعلائيُّ في "جامع التحصيل" (ص ٢٩٥). وقد تقدم أن الثقات يروونه، عن قتادة على الوجهَين. وتابع البتيّ -وهو عثمان بن مسلم- قتادة على الوجه الثاني، فَذِكْرُ "أبي علقمة" من المزيد في متصل الأسانيد، ولذلك اعتمده مسلمٌ وأدخله في "صحيحه". ورجّح النوويُّ في "شرح مسلم" (١٠/ ٣٤) أنَّ أبا الخليل سمِعَهُ على الوجهين، فرواه تارةً هكذا، وتارةً هكذا. ويُؤَيِّدُ كلام النووي أن الترمذيّ حسَّن حديث "أبي الخليل، عن أبي سعيد". والله تعالى أعلم) (م، د، ت، س كبرى، حم، يع، ش، طي، عب، ابن جرير، الواحدي، قط علل، هق) (تنبيه ١٢ / رقم ٢٤٢٣).
١٩٨/ ٣ - (أقرؤنا أُبيُّ، وأقضانا عليُّ، وإنَّا لنَدَعُ مِنْ قولِ أُبَيٍّ، وذاك أَنَّ أُبَيًّا يقول: لا، أَدَعُ شيئًا سمعتُهُ مِنْ رسول الله ﷺ . وقد قال الله تعالى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. ومعنى: (أقرؤنا) أجودنا قراءة للقرآن. (أقضانا) أعلمنا بالقضاء. (لندع) لنترك.
стр. 245
(رواه: الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن عُمر بن الخطاب ﵁ به. ورواه عن الثوري: يحيى القطان، وأبو أحمد الزبيري، وقبيصة بنُ عقبة. وتابعه الأعمش ومسعود بن سليمان معًا عن حبيب). (خ، س كبرى، حم، ش، عبد الله بن محمد بن سعيد، ابن سعد، عمر بن شبة، قط علل، ك، هق دلائل، ابن بشران، نعيم حلية، كر، ابن الأنباري) (حديث الوزير / ٧٥ - ٧٦؛ التسلية / ح ٦٠).
١٩٩/ ٤ - (الصمدُ: الذي لا جوفَ له).
(رواه: منصور، وابنُ أبي نجيح كلاهما، عن مجاهد ﵀. (صحيحٌ) (ابن جرير) (حديث الوزير / ١٦٤ - ١٦٥ ح ٤٩).
٢٠٠/ ٥ - (أن النبيّ ﷺ طَرَقَهُ وفاطمةَ بنتَ النبي ﷺ ، فقال: ألا تصليان؟ قلتُ: يا رسول الله! إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أنْ يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلتُ ذلك، ولم يرجع إليّ شيئًا، فسمعته يقول وهو مُوَلٍّ، يضرب فَخِذَه، ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف: ٥٤]).
(رواه: الزهريّ، قال: أخبرني عليّ بن الحسين، أنَّ حسين بنَ عليّ أخبره، أنَّ عليّ بنَ أبي طالب ﵁ أخبره به). (صحيحٌ. قال أبو نعيم: صحيحٌ متفقٌ عليه، من حديث الزهريّ) (خ، بخ، م، عو، س تفسير، حم، حم زوائد عبد الله، عب، خز، حب، هق، نعيم حلية) (حديث الوزير / ٧٣ ح ١٣).
стр. 246
٢٠١/ ٦ - (أنَّ رسولَ الله ﷺ يوم حُنَين، بعث جيشًا إلى أوطاس، فلقوا عدوًّا، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا. فكأن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ تحرَّجوا من غِشيانهن من أجل أزواجهنَّ من المشركين. فأنزل الله في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي فهنَّ لكم حلالٌ إذا انقضت عدتهنَّ).
(رواه: همام بنُ يحيى، وسعيد بنُ أبي عروبة وهذا حديثه، وشعبة، ثلاثتهم عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشمي، عن أبي سعيد الخدري به.
ورواه: شعبة، وسعيد بنُ أبي عروبة، كليهما عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري .. فسقط ذكر "أبي علقمة". وتوبع قتادة على هذا الوجه بإسقاط "أبي علقمة"، فرواه عثمان البَتِّيُّ، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد به، ولم يذكر "أبا علقمة"). (نظر أهل العلم في هذا. فقال الدارقطنيُّ في العلل: "يروية قتادة .. وخالفه عثمان البتي، وقول قتادة أصحُّ". وتبعه على ذلك المزيُّ في "الأطراف" (٣/ ٣٤٤) وفي "التهذيب" (١٣/ ٩٠)، والعلائيُّ في "جامع التحصيل" (ص ٢٩٥).
وقد تقدم أن الثقات يروونه عن قتادة على الوجهين. وتابع البتيُّ -وهو عثمان ابن مسلم- قتادةَ على الوجه الثاني، فذِكْرُ "أبي علقمة" من المزيد في متصل الأسانيد، ولذلك اعتمده مسلمٌ وأدخله في "صحيحه". ورجَّح النوويُّ في "شرح مسلم" (١٠/ ٣٤) أنَّ أبا الخليل سمِعَهُ على الوجهين، فرواه تارةً هكذا، وتارةً هكذا. ويُؤَيِّدُ كلام النووي أن الترمذيّ حسَّن حديث أبي الخليل، عن أبي سعيد. والله تعالى أعلم) (تقدم تخريجه، برقم ١٩٧). (تنبيه ١٢ / رقم ٢٤٢٣).
стр. 247
فصلٌ: وروى محمد بنُ مسلم بنِ أي الوضاح، وشريك بنُ عبد الله النَّخَعِي، كلاهما عن سالم الأفطس، قال: حدثني رزين الجُرجانيّ، قال: سألت سعيد بنَ جبير عن هذه الآية ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾، قال: لا علم لي بها، فسألتُ الضحاك بنَ مزاحم، وذكرتُ له قولَ سعيد بنِ جبير، قال: أشهدُ لسمعتُهُ يَسألُ عنها ابنَ عباس. فقال ابنُ عباس: نزلتْ يوم خيبر. يعني قوله تعالى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤]. لما فتح رسول الله ﷺ خيبر أصاب المسلمون نساءً من نساءِ أهل الكتاب لهُنَّ أزواجٌ، وكان الرجلُ إذا أراد أن يأتي المرأة منهن، قالت: إن لي زوجًا، فسلْ رسولَ الله ﷺ عن ذلك، فأُنزِلَت هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾. يعني السَّبي من المشركين يُصاب لا بأسَ بذلك. قال -يعني رزين الجُرجاني-: فذكرتُ ذلك لسعيد بنِ جبير، فقال: صدق الضحاكُ.
(ورزين الجُرجاني: قال الهيثميُّ في "المجمع" (٧/ ٣): "لم أعرفه".
وقد ذكره السهميُّ في "تاريخ جرجان" (ص ٢١٢)، ولم يذكر فيه شيئًا، فرسمه رسم المجهول. ثم في روايته نكارة من وجهين، الأول:
قوله: "سألت الضحاكَ فقال: أشهد لسمعتُهُ -يعني: سعيد بن جبير- يسأل عنها ابن عباس". فهذا يعني أن الضحاك بنَ مزاحم سَمِع ابن عباس وهو يجيب سعيد بنَ جبير. وهذا لا يصحُّ، فقد مضت كلمةُ أهل العلم أن الضحاك لم يسمع من ابن عباس.
قال شعبة: قلت لمشاش: الضحاك سمع من ابن عباس؟ قال: ما رآه قط.
стр. 248
قال عبد الملك بن ميسرة: الضحاك لم يلق ابن عباس، إنما لقي سعيد بنَ جبير بالريّ، فأخذ عنه التفسير. وذكرهما الطبريُّ في تفسيره (١١٠، ١١١ - شاكر). وكذلك قال شعبة وأبو زرعة الرازي والدارقطني وسائرُ النقاد.
الوجه الثاني: قوله: "نزلت لمَّا فتح رسولُ الله ﷺ خيبر" فهو وهمٌ، والصوابُ: "حنين" كما يأتي إن شاء الله تعالى، ويدلُّ عليه أن النسائيَّ، أخرج هذا الحديث في "الكبرى" (١١٠٩٨) قال: أخبرنا يحيى بنُ حكيم: نا محمد بنُ جعفر: أنا إسرائيل، عن أبي حُصَين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وأحال على حديث أبي سعيد أن ذلك كان في "حنين"، كما سيأتي في التعقب القادم إن شاء الله تعالى.) (تخريجه: طب أوسط، طب كبير، السهمي، المطرِّز) (تنبيه ١٢ / رقم٢٤٢٢).
٢٠٢/ ٧ - (أنَّ رسولَ الله ﷺ قال وهو في قبَّةٍ، يوم بدر: "اللهم إني أَنشُدُكَ عهدَك ووعدَك، اللهم إن شئِتَ لم تُعبدْ بعد اليوم "فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبُك يا رسول الله، فقد ألححت على ربِّك.
وهو يثبُ في الدِّرعِ، فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ [القمر: ٤٥]).
(قال عبد الوهاب بنُ عبد المجيد الثقفيّ، ووهيب بنُ خالد -وهذا لفظه-، وخالد ابنُ عبد الله الواسطيّ: ثنا خالد الحذَّاء، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ به). (حديث صحيحٌ) (خ، س تفسير، حم، طب كبير، أوسط، هق دلائل، صفات، بغ) (تنبيه ١٢ / رقم ٢٤٨٤).
стр. 249
٢٠٣/ ٨ - (أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يسيرُ في بعض أسفاره، وعُمر ابنُ الخطاب يسر معه ليلًا، فسأله عُمر بنُ الخطاب عن شيءٍ فلم يُجِبْه رسول الله ﷺ ، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، وقال عُمر ابنُ الخطاب: ثكلتكَ أُمُّكَ يا عُمر، نزرتَ رسولَ الله ﷺ ثلاث مرات، كلُّ ذلك لا يُجِيبُك. قال عُمر: فحرَّكتُ بعيري، ثم تقدمتُ أمام المسلمين، وخشيتُ أن ينزلَ فيَّ قرآن فما نشبتُ أن سمعتُ صارخًا يصرخُ بي، قال: فقلتُ: لقد خشيتُ أن يكون نزلَ فيَّ قرآن، وجئتُ رسولَ الله ﷺ ، فسلمتُ عليه، فقال: "لقد أُنزِلت عليَّ الليلة سورةٌ لهي أحبُّ إليَّ مما طلعت عليه الشمس"، ثم قرأ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح: ١]).
(رواه: عبد الله بنُ مسلمة القعنبيّ، وعبد الله بنُ يوسف، وإسماعيل بنُ أبي أويس، ويحيى بنُ بكر، ويحيى بن يحيى كلهم، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن أبيه بهذا).
(هذا الحديث رواه: محمد بنُ خالد بن عثمة، وأبو نوح عبد الرحمن بنُ غَزْوان، وأبو مصعب الزبيريُّ أحمد بنُ أبي بكر، ومحمد بنُ حرب الحولانيُّ، وروح بنُ عبادة، وإسحاق بنُ إبراهيم الحنينيُّ، ويزيد بن أبي حكيم، وعبد الله بنُ داود الخريبيُّ، ثمانيتُهُم عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عُمر به.
وخالفهم من تقدم فرووه عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ -
стр. 250
هكذا مرسلًا؛ وهو اختيارُ البخاريّ، ويحيى بن يحيى في الموطأ وغيرُهم.
قال الدارقطنيُّ في "العلل" (١٧١) أن أصحاب الموطأ رووه عن مالك مرسلًا، منهم معن بنُ عيسى والقعنبيُّ والشافعيُّ ويحيى بنُ بكير وغيرهم.
فيُفهم من كلامه أنه يرجح المرسل، وكذلك إيراده في "التتبع" يدلُّ على ذلك. فرد عليه الحافظُ في "مقدمة الفتح" (٣٧٣)، قائلًا: بل ظاهر رواية البخاري الوصل فإن أوله وإن كان صورته صورةُ المرسل، فإن بعده ما يصرِّحُ بأن الحديث لأسلم، عن عُمر، ففيه بعد قوله: فسأله عُمر عن شيء فلم يُجِبْه، فقال عُمر: نزرت رسولَ الله ﷺ ثلاث مرات، كلُّ ذلك لا يجيبك، قال عُمر: فحركتُ بعيري .. وساق الحديث على هذه الصورة حاكيًا لمعظم القصة عن عُمر فكيف يكونُ مرسلًا؟ هذا من العجب. انتهى.
وسبقه إلى هذا ابنُ عبد البر، فقال: هذا الحديث عندنا على الاتصال، لأن أسلم رواه عن عُمر، وسماعُ أسلم من مولاه عُمر ﵁ صحيحٌ، لا ريب فيه. انتهى).
(تخريج المرسل: خ، ط، هق دلائل. تخريج الموصول: ت، س كبرى، حم، حب، الإسماعيلي، البزار، يع، بغ أبو القاسم، ابن عبد البر، بغ تفسير) (تنبيه ١٢ / رقم ٢٥١٨).
٢٠٤/ ٩ - (إنَّ هذا لهو التَّكلُّف يا عُمر!. قوله: "نهينا"، أي: نهانا رسول الله ﷺ . "التكلف"، قال في النهاية: أراد كثرة السؤال والبحث عن الأشياء الغامضة التي لا يجب البحث عنها).
(رواه يزيد بنُ هارون، عن حميد الطويل، عن أنس ﵁، أَن عُمر بنَ الحطاب ﵁ -
следующие страницы →