إدريس وليس أخنوخ
ذَكَرَ القرآنُ إِدريسَ ﵇ ضمنَ الأَنبياءِ، قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)
وقد حاكمَ الفادي - كعادته - القرآنَ إِلى العهدِ القديم، ولَمّا لم يجد اسْمَ
إِدريسَ فيه حَكَمَ بتخطئةِ القرآن، والذي في العهدِ القديم هو أخنوخ وليسَ
إِدريس..
ونَقَلَ الفادي عن سِفْرِ التكوينِ أَنَّ أَخنوخَ عاشَ ثلاثمئةٍ وخمساً
وستينَ سنة، وسارَ أَخنوخُ مع الله، ولم يوجَدْ بعدَ ذلك لأَنَّ اللهَ أَخَذَه.
ونقلَ عن البيضاويّ قولَه: " إِدريسُ: هو جَدُّ أَبي نوح، واسْمُه أَخنوخ،
واشتقاقُ إِدريسَ من الدَّرْس، لكثرةِ دُروسِه، إِذْ رويَ أَنَّ اللهَ أَنزل عليه ثلاثين صحيفة، وأَنه أَولُ مَنْ خَطَّ بالقَلَم، ونَظَرَ في علمِ النجومِ والحسابِ (إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧) .
يَعْني شرف النبوةِ والزلْفى عندَ الله، وقيلَ: الجنة، وقيلَ: السماءَ السادسةَ أَو الرابعة " (١) .
واعترضَ الفادي على تسميةِ القرآنِ له بإِدريس، وقال: " ونحنُ نسأَل:
مِن أَينَ جيءَ باسمِ إِدريسَ بدل أَخنوخ، فالصوابُ أَخنوخُ وليس إِدريس! ".
لا تَجوزُ محاكَمَةُ القرآنِ إِلى الكتابِ المقَدَّس، لما سبقَ أَنْ قَرَّرْناهُ،
وقرآنُنا هو المهيمنُ على ما قبلَه من الكُتُب، لأَنَّ الكتبَ السابقةَ مُحَرَّفَة،
والقرآنُ محفوظ.
فما ذَكَرَه القرآنُ هو الصواب، والاسْمُ الذي خالَفَ المذكورَ
في القرآن هو المرفوض، وبما أَنَّ اسْمَه في القرآنِ إِدريسُ فهذا هو اسْمُه ولا
نَدْري من أَينَ جاء مؤلفو سِفرِ التكوين باسم أخنوخ، وهو اسْمٌ مرفوض!.
ولَسْنا مع البيضاويِّ في ما ذَكَرَه عن إدريسَ من أَنَّ اسْمَه أَخنوخ، وأَنه
стр. 107
جَدُّ أَبي نوح، وأَنه أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بالقلم، ونَظَرَ في علمِ النجومِ والكواكب،
وأُنزلَ عليه ثلاثون صحيفة، وأَنه رُفِعَ بجسْمِه إِلى السماءِ، كما رُفِعَ عيسَى ﷺ وهذا الكلامُ من الإِسرائيليات، ولا دليل عليه من حديثِ رسولِ الله ﷺ .
وأَخبرَ اللهُ أَنه رَفَعَ إِدريسَ مكاناً عليّاً: (إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧) .
وأَخَذَ بعضُ العلماءِ الكلامَ على ظاهرهِ، وقالوا: رُفِعَ إِدريسُ
بجسْمِه وروحِه إِلى السماء، كما رُفِعَ عيسِى ﵇.
وذهبَ آخَرون إِلى أَنَّه لم يُرْفَعْ إِلى السماء، وأَنه ماتَ موتاً طبيعياً، ودُفِنَ
على الأَرض، والراجحُ أَنَّ المرادَ برفعِه مكاناً علياً منزلةُ النبوة، ودرجةُ القُربى والكرامةِ عندَ الله، لأَنه صِدّيقٌ نبى ﷺ .
وفي زمنِ نبوةِ إِدريس ﷺ خِلافٌ بين العلماء:
- فمنهم مَنْ ذهَبَ إِلى أَنه كانَ بعدَ آدمَ وقبلَ نوحٍ - صلى الله عليهما وسلم -، كما ذَكَرَ البيضاوي، وعندما يَعُدُّونَ الأَنبياءَ يكونُ هو في الرقمِ الثاني، فيقولون: آدمُ، إدريسُ، نوح، هود، صالح ... وهكذا.
ولعلَّ هؤلاءِ تَأَثَّروا بكلامِ العهدِ القديم، حيثُ ذَكَرَ الأَحبارُ أَنَّ اسْمَه
أَخنوخ، وأَنه رُفِعَ بِجِسْمِهِ إِلى السماء، فقالَ هؤلاءِ العلماءُ بقولهم.
- وذهبَ آخرونَ إِلى أَنَّ نبوةَ إِدريسَ ﵇ متأَخرَةٌ، وأَنه كانَ نبيّاً في بني إِسرائيل، نَقَلَ القرطبيُّ في تفسيرِه عن القاضي أَبي بكر بنِ العربيِّ قولَه: " ومَنْ قالَ: إِنَّ إِدريسَ كان قبلَ نوح، فقد وَهِم!.
والدليلُ على وَهْمِه الحديثُ الصحيحُ في المعراجِ، حينَ لقيَ النبيُّ ﷺ آدمَ وإدريس.
فقالَ له آدَمُ: مرحباً بالنبيِّ الصالحِ والابنِ الصالح، وقالَ له إدريس: مرحباً بالنبيِّ الصالحِ والأَخ الصالح..
فلو كانَ إِدريسُ أَباً لنوحٍ لقال: مَرحباً بالابنِ الصالحِ والنبيِّ الصالح، ولَمّا قَالَ له إِدريسُ: الأَخ الصالح دَلَّ على أَنه يجتمعُ معه في نوح (١) ..
стр. 108
ونحنُ مع ابنِ العربيِّ والقرطبيّ في أَنَّ إدريسَ مُتَأَخِّر، وأَنه من أَنبياءِ بني
إِسرائيل، ومما يُؤَكِّدُ ما قالَه ابنُ العربي أَنَّ آدمَ وإِبراهيمَ خاطَبا محمداً ﷺ بالبُنُوَّة، وقالا له: مَرْحَباً بالنبيِّ الصالح والابنِ الصالح.
بينما خاطَبَهُ الخمسةُ الآخَرون: يوسفُ وموسى وهارونُ وإِدريسُ وعيسى بالأُخُوَّة، وقالوا له: مرحباً بالنبيِّ الصالحِ والأخ الصالح.
وبهذا نعرفُ خَطَأَ كلامِ الفادي من أَنَّ إِدريسَ هو أَخنوخ، وأَنه جَدُّ
نوح، فما قالَه عنه القرآن هو الصحيح، وهو من أَنبياءِ بني إِسرائيل
المتأَخِّرين.
***
من هم أتباع نوح ﵇ -؟
لَمّا دعا نوحٌ عَلّإِثر قومَه إِلى عبادةِ اللهِ وَخدَه كَفَروا به وكَذَّبوه، ولم
يَتْبَعْه إِلّا قليلٌ منهم، وأَثارَ الملأُ من قومِه الشبهاتِ ضِدَّه، وأَخبَرَنا اللهُ في
القرآنِ عن بعضِ تلك الشبهات.
قال (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧) .
اتَّهَمَ الملأُ نوحاً بأَنَّه ليسَ نبيّاً، وأَنه بَشَرٌ مثلُهم، وأَنَّ الذين آمَنوا به
واتَّبَعوهُ ليسوا سادَةَ القومِ وأَشْرافَهم، إِنما هم الأَراذلُ والضعفاءُ: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ) .
وخَطَّأَ الفادي القرآنَ في هذا الكلام، لأَنه يتعارضُ مع كلامِ الأَحبارِ في
العهد القديم، والمعتمدُ عنده هو ما في العهدِ القديم..
قال: " ونحنُ نسأَل:
أَينَ الأَراذلُ الذينَ اتَّبَعوا نوحاً وآمَنوا به؟
إِنَّ أَحَداً لم يُؤْمِنْ بكَرازَتِه، كما تقولُ
стр. 109
التوراةُ والإِنجيلُ، ولم يدخُل معه في الفلكِ إِلا امرأَتُه وأَولادُه ونساءُ أَولادِه،
وهم ليسوا أَراذل، والقرآنُ يقول: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) ..
وهذا يعني أَنَّ الحديثَ الذي دارَ بين نوحٍ وقومِه عن إِيمانِ البعضِ به
لم يَحْدُثْ " (١) .
وقد سبقَ أَنْ بَيَّنّا كذبَ الأَحبارِ والفادي في زعْمِهم أَنَّ ركابَ السفينةِ
كانوا ثمانيةَ أَشخاصٍ فقط، هم أُسرةُ نوح.
ويواصِلُ الفادي هنا كذبَه وافتراءَه عندما ادّعى أَنَّه لم يؤمنْ به أَحَدٌ من
قومِه! ولا ندري ماذا كان نوحٌ يفعلُ معهم طيلة حوالي أَلْف سنة؟
يَزعمُ الأَحبارُ والفادي أَنه لم يَدْعُهم إِلى اللهِ خلالَ هذه المدةِ كُلِّها، ولذلك لم يُؤمِنْ به أَحَد! وقد أَخطأَ القرآنُ عندما أَخبرَ عن كلامٍ بينَه وبين قومِه عن إِيمانِ بعضِهم، لأَنَّ هذا الحديثَ لم يَحدثْ كما جزمَ الفادي!.
لقد كانَ القرآنُ صَريحاً في إِيمان عددٍ قليلٍ من قومِه.
قال تعالى: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠) .
وأَخطأَ الأَحبارُ والفادي عندما زَعموا أَنَّ كُلَّ عائلةِ نوحٍ كانوا في
السفينة، وقد سَبَقَ أَنْ بَيَّنّا خَطَأَهم فيما مَضى، وذَكَرْنا أَنه لم يركبْ معه في
السفينة إِلّا المؤمنونَ من أَهْلِه، وأَنَّ امرأَتَه كافرة، وأَنَّ أَحَدَ أبنائِه كافر..
فلم يُخطئ القرآنُ في حديثِه عن ما جرى بينَ نوحٍ وقومِه الكافرين، وإِنما أَخْطَأَ الفادي في اعتراضه على القرآنِ، واعتمادِه على أَخطاء العهدِ القديمِ التي كَذَّبها القرآن.
стр. 110
بابل والنمرود
أَخبرَ اللهُ أَنه دَمَّرَ بيوتَ كافرين سابقين.
قال تعالى: (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦) .
وقد نقلَ الفادي المتحامِلُ قولاً ذَكَرَه البيضاويُّ في تفسير الآية، أَنه
لم يَعتمدْه، وعَرَضَه بصيغةِ " قيل " الدالَّةِ على التضعيف.
قال: " قالَ البيضاوي:
قيل: المرادُ به نُمرودُ بنُ كنعان، بَنى الصرحَ بِبابِلَ، سُمْكُهُ خمسةُ آلافِ ذراع، ليترصَّدَ أَمْرَ السماء، فأَهَبَّ اللهُ الريحَ، فَخَرَّ عليه وعلى قومِه فَهَلكوا ... " (١) .
مع أَنَّ القولَ الذي يقولُ به البيضاوي غيرُ الذي ذكره أعلاه قال: " (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) : أي: سَوّوا مَنْصوبات، لِيَمْكُروا بها رسلَ اللهِ
عليهم الصلاة والسلام.
(فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ) : فأتاها أَمْرُه من جهةِ العُمُدِ التي بَنْوا عليها، بأَنْ ضُغضِعَتْ (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ) :
وصار سببَ هلاكِهم.
(وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ) : لا يَحْتَسِبون ولا يتوقَّعون..
وهو على سبيلِ التمثيل.. ".
الآيةُ عامةٌ تتحدثُ عن الكفارِ الذين يمكرونَ بأولياءِ اللهِ ودينِه، على
اختلافِ الزمانِ والمكان، فيُبْطِلُ الله مكْرَهم، ويَنصرُ الحَقَّ، وهي من بابِ
التمثيل.
وهذا معناهُ أَنَّ البيضاويَّ لا يَرى أَنَّ الآيةَ تتحدَّثُ عن بابلَ والنمرود،
وأَنه أَوردَ روايةً بذلك من بابِ الذكْر، ولكنَّه لا يَقولُ بها!!.
ولكنَّ الفادي المتحامِلَ اعتبرَ هذه الروايةَ دليلَ تخطئةِ القرآنِ والبيضاوي،
стр. 111
ولذلك قال: " ونحنُ نسأَل: من أَيْنَ جاءَ للبيضاويِّ أَن نمرودَ هو ابنُ كنعان؟
فنمرودُ هو ابنُ كوش بن حام بن نوح [تكوين: ٦/١٠ - ١٨] .
وأَخَذَ الناسُ بعدَ الطوفانِ يَبنونَ مدينةً وبُرْجاً عالياً يُخَلِّدونَ به اسْمَهم، فعاقَبَهم اللهُ بأَنْ بلبلَ أَلسنتهم، فلم يَستطيعوا التفاهم، وكَفّوا عن البنيان ...
ولذلك سُميت المدينة " بابل "، لأنَّ هناكَ بلبلَ اللهُ أَلسنَتَهم [تكوين: ١١/ ١ - ٩] ".
إِنَّ الآيةَ تتحدثُ عن الكفارِ السابقين، بدونِ تعيينٍ أَو تَحديد، كانوا
يمكرونَ بالأَنبياء، ويتآمَرون على المؤمنين، فأنجى اللهُ المؤمنين، وأوقع بهم
عقابَه، بأَنْ قَلَعَ بُنيانَهم من القواعِد، فخرَّ عليهم السقفُ من فوقِهم، وعَجَزوا عن النجاة..
وهذا ينطبقُ على كل الأَقوام الكافرين، مثل قومِ نوح، وعاد،
وثمود، ومدين، وقوم لوط، والفراعِنة، والآشوريين، والبابليين، واليونان، والرومان، وغيرهم.
وقد وردَ في سِفْرِ التكوينِ أُسطورةُ برج بابل، التي كَتَبَها الأَحبار،
وزَعَموا أَنها من عندِ الله، وخلاصةُ تلك الأُسطورةِ الخرافية، أَنه كانَ الناسُ
جميعاً مُتجمعين في بابل، ويتكلَّمون لغةً واحدة، وأَنهم أَرادوا بناءَ مدينةٍ
عظيمة، وبُرْجاً عالياً، لِيخَلِّدوا اسْمَهم، ولما رآهم الرَّبُّ على هذا الاجتماع والتعاونِ والاتفاقِ، خاف أَنْ يَغْلِبوه، إِنْ نَجحوا في تحقيقِ مُرادِهم، فعاقَبَهم بأَنْ بَلْبَلَ أَلسنَتَهم وفَرَّقَ قُلوبَهم، وشَتَّتهم، فكَفُّوا عن مشروعِهم الكَبير، وتفَرَّقوا في الأَرض..
وسُميت المدينةُ التي كانوا فيها " بابل " لهذا السبب!!.
هذه الأُسطورةُ الخرافيةُ التي كَتَبَها الأَحبارُ الكافرون في سفْر التكوين
١١/ ١ - ٩، يؤمنُ بها الفادي، مع أَنها أَباطيلُ وكفْز بالله، ونحنُ ننكرُها
ونُكَذِّبها ونكفُرُ بها..
أما اعتراضُ الفادي على البيضاوي لأَنه جعلَ نمرودَ ابناً لكَنْعان، فهو لا
معنى له، وما قالَه هو من أَنَّ نمرودَ هو ابنُ كوشِ بن حام بن نوح ادِّعاءٌ ليس
стр. 112
عليه دليل، لأَنه لم يَرِدْ في مصادِرِنا الإِسلاميةِ اليقينية، فنحنُ نتوقَّفُ فيه، لا
نَنْفيه ولا نُثبته.
فلا نقول: نمرودُ بن كنعان، ولا نقولُ: نمرود بن كوش، ولا نقول: نمرود فقط.
ونقول: اللهُ تعالى أَعلم، والجهلُ بذلك لا يَضيرنا!!.
والعجيبُ في تحامُلِ المفترِي الفادي أَنه يُحَمِّلُ القرآنَ الكلامَ الذي ذَكَرَه
البيضاوي، مع أَنه لم يأخذْه من القرآن، وإنما أَخَذه من الإخباريّين السابقين،
وإِذا كانَ ذلك الكلامُ خطأً فكيف يتحمَّلُه القَرآنُ، الذي لم يَذْكُرْهُ في آياتِه؟!.
***
ما هو أصل الكعبة ؟
أَخبرَ اللهُ في القرآنِ أَنَّ إِبراهيمَ وإِسماعيلَ ﵉ هما اللَّذان بَنَيا الكعبة قال تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) .
إِبراهيمُ وإِسماعيلُ ﵉ هما اللَّذان بَنَيا بَيْتَ اللهِ الحرام، وكانا
يَدْعُوانِ اللهَ وهما يَرْفَعان قواعدَ البيت، وجَعَلَ اللهُ البيتَ الحرامَ مثابةً للناسِ
وأَمْناً، يأتونَه زائرين مُصَلّين، وحاجّين ومعتَمِرين، من كلِّ مكانٍ في الأَرض.
ويُخَطِّئُ الفادي المفترِي القرآنَ في كلامِه عن بناءِ الكعبة، ويُحاكمُ القرآنَ
إِلى أَسفارِ كتابِه المقَدَّس، وبما أَنَّ الأَحبارَ لم يَذْكُروا مجيء إِبراهيمَ إِلى بلادِ
الحجاز، فإِنَّ القرآنَ مخطئٌ في كلامِه عن مجيئِه إِلى الحجاز!.
قالَ المفترِي: " ولكنَّ الكتابَ المقَدَّسَ يُعَلِّمُنا أَنَ إِبراهيمَ دُعِيَ من أُورِ
الكلْدانيين إِلى أَرضِ كنعان، وهُناك بَنى مَذْبَحاً للرّبّ.
ولم يَرِدْ ذكْرٌ لذهابِه إِلى
стр. 113
بلادِ العَرَب، ولا ذِكْرٌ لبنائِه هو وإِسماعيل الكعبة، ولكنَّه تَغَرَّبَ في أَرضِ
كنعان، التي وَعَدَهُ اللهُ وَوَعَدَ بها نَسْلَه ".
وكَلامُ الفادي تَحَكُّمٌ في التاريخِ، ووصايةٌ عليه، فالأَصْلُ عنْدَه أَسفارُ
الكتابِ المقدس، فكلُّ ما وردَ فيها فهو عنْدَه الصواب، وكل ما سَكَتَتْ عنه
تلك الأَسفارُ فهو الخطأ! وهذا تَحَكُّمٌ مَرْدود، فلم يَذْكُرِ الكتابُ المقَدَّسُ كُلَّ
أَحداثِ التاريخِ الماضي، حتى نُخَطِّئ أَيَّ حَدَثٍ لم يَرِدْ فيهِ!.
هذا إِذا كانَتْ أَسْفارُ الكتاب المقَدّس - بعهدَيْه القديمِ والجديد - صحيحةً
صادقة، فكيفَ إِذا كانتْ تلكَ الأًسْفارُ مشكوكاً فيها، لأَن الأَحبارَ الكاذبين هم الذين كتَبوها؟
وهم ليسوا أُمَناءَ على التاريخ!!.
إِنَّ المرجعَ في أَحْداثِ التاريخ الماضي هو القرآنُ الكريم، لأَنه كَلامُ اللهِ
المحفوظُ الثابت، وكَلُّ ما فيه حَقٌّ وصِدْقٌ وصواب، وبما أَنَّ القرآنَ أَخبَرَنا
بصريح آياتِه أَنَّ إِبراهيمَ هاجَرَ إِلى الأَرضِ المقَدَّسَة، فهذا الخَبَرُ صحيح، وبما
أَنه أَخْبَرَنا أَنَّ إِبراهيمَ أَتَى إِلى بلادِ الحجاز، فهذا الخَبَرُ صحيح، وبما أَنه
أَخْبَرَنا أَنَّ إِبراهيمَ وإِسماعيل ﵉ هما اللَّذان بَنَيا الكعبة، فهذا الخَبَرُ صحيح..
واعتراضُ الفادي على هذا مردود، وتخطئَتُه كلامَ القرآن هي الخطأ
الفادحُ الذي وَقَعَ هو فيه!!.
ويتكلمُ الفادي المفترِي عن الكعبةِ كلاماً فاجِراً خطيراً، يقومُ على
الكذبِ والافتراء.
اللهُ أَخبرَ أَنَّ إِبراهيمَ وإِسماعيلَ ﵉ هما اللَّذان بَنَيا الكعبة، والفادي يَنْفي ذلك ويُخَطِّئُه ويُكَذِّبُه.
واللهُ أَخبرَ أَنَّ الكعبةَ أَوَّلُ بيتٍ وُضِعَ للناسِ لعبادةِ اللهِ.
قال تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ) .
والفادي المفترِي يُكَذِّبُ ذلك، ويَعتبرُ الكعبةَ بيتاً بُنِيَ لعبادةِ كوكبِ زُحَل! قالَ في فقرة قبيحةٍ فاجرة: " ونحنُ نَسأَلُ: كيف تكونُ
стр. 114
الكعبةُ بيتَ الله، وبيتَ المثوبة، وبيتَ الأَمن، وهي بيتُ الأَوْثان؟
! وقد بُنيتْ أَولَ الأَمْرِ لعبادِةِ كوكبِ زُحَل؟
! وكان كلُّ مَن استولى عليَها يقهَرُ أَهْلَها، ليمارسوا شعائِرَ مذهبه! وفي أَيامِ محمدٍ كان في الكعبةِ ثلاثمئَةٍ وستون صَنَماً، لكلّ حيٍّ من أَحياءِ العرب صَنم! وقد شَدُّوا أَقدامَها بالرصاص فجاءَ محمدٌ ومعه قَضيب، وجعلَ يَهوي به على كلِّ صنَم منها، فيسقطُ الصنمُ إِلى الأَرض، وهو يقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ".
من أَينَ جاءَ المفترِي بكذبتِه الكُبرى، من أَنَّ الكعبةَ بُنيتْ لعبادةِ زُحَل
أَوَّلاً؟ !
لقد بُنيتِ الكعبةُ لعبادةِ الله، لا لتكونَ بيتاً للأصنام، ودَعا بانيها الأَولُ
إِبراهيمُ ﷺ الله أَنْ يجعلَ مكةَ كلَّها آمنة، لأَنها بَلَدُ الكعبة، وسأَلَه أَنْ يُبعدَ عن بنيه عبادةَ الأَصنام.
قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) .
ويتوقَّحُ المفْتري فيُكَذِّبُ كلامَ اللهِ تكذيباً صريحاً.
فاللهُ يقول: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) ..
والفاجر يُكَذِّبُ ذلك قائلاً: " كيفَ تكونُ الكعبةُ بيتَ الله، وبيتَ المثوبة، وبيتَ الأَمن، وهي بيتُ الأَوثان، وقد بنيتْ أَوَّلَ الأَمْرِ لعبادةِ كوكبِ زُحَل؟! ".
إِننا نؤمنُ بكلام اللهِ ونُصَدقُه ونثقُ به، ونكفرُ بكلِّ كلامٍ يُكَذِّبُه ويتناقَضُ
معه، فالكعَبةُ هي أَولُ بيتٍ وُضِعَ لعبادةِ اللهِ في الأَرض، والذي بناها هو
إِبراهيمُ وإسماعيلُ - صلى الله عليهما وسلم -، وجَعَلها اللهُ مثابةً للناسِ وأَمْناً، وبقيَتْ خالصةً لعبادةِ اللهِ وحْدَه عِدةَ قُرون، وحَوْلَها المؤمنون العابدون لله ...
ثم طَرَأَ عليها الشركُ بالله، وأُدخلتْ فيها الأَصنام، وكانَ أَوَّلَ مَنْ أَدْخَلَ
الأَصنامَ إِليها هو " سالمُ بن عمرو الخزاعي "، وكانَ زعيمَ أَهْلِ مكة، وتَوَجَّهَ
إِلى البلقاءِ في الشامِ للعلاج، وأَقامَ في " رَبَّةِ عَمّون " - مدينة عمان حالياً - فترة من الزمن، ورأى فيها تماثيلَ وأَصناماً جميلة، أَعجبَه منظرُها، فحملها معه إِلى مكة، وَوَضعَها في الكعبة، ودَعا قومَه إِلى عبادتِها فاستَجابوا له.
وكان هذا بعدَ عِدة قُرونٍ من وفاةِ إِبراهيمَ وإِسماعيلَ - صلى الله عليهما وسلم.
стр. 115
وما زالَ المشركون يَضَعون الأَصنامَ فيها، ويزيدونَ أَعْدادَها، حتى
وَصَلَتْ عند بعثةِ رسولِ الله ﷺ إلى ثلاثمئةٍ وستّين صَنَماً!! ولكنَّ الشركَ طارئٌ على الكعبة، بعد أَنْ بقيتْ قُروناً عديدة بيتاً للإِيمانِ والتوحيد.
ثم إِنَّ الرسولَ ﷺ أَعادَ الكعبةَ مثابةً للناسِ وأَمْناً، وبيتاً لعبادةِ الله، وطهرَها للطائفينَ والعاكفينَ والرُّكَّعِ السُّجود..
ولما دخلَها يومَ فتْحِ مكةَ في العشرين من رمضان في السنةِ الثامنةِ للهجرة حَطَّمَ الأَصنامَ كُلَّها، وهو يتلو قولَه تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١) .
وواصلَ الفادي المجرمُ شَتْمَ الإِسلامِ والرسول ﷺ ، عندما اتهم شعائِرَ الحجّ والعمرةِ بأَنها من مُخَلَّفاتِ الوثنيّين عابِدي الأَصنام.
قال: ".. ولما استولى محمدٌ على البيتِ أَبقى فيه أَغْلَبَ الشعائرِ الوثنية كما هي، كالحَجِّ، والطواف، والإحرام، والاعتمار، ورجمِ الحجارة، وتقبيل الحجرِ الأَسود، والنحر، وغير ذلك!.. ".
ومن بابِ الخداعِ والدَّجلِ والتمويه أَحالَ الفادي المفترِي على بعضِ
الكتب التي أَلَّفها مسلمون، مثل كتاب تاريخِ الكعبة للخربوطلي، هو كتاب: الكعبة على مر العصور، للدكتور علي حسني الخربوطلي،، والجذور التاريخية للشريعة الإسلامية لعبد الكريم الخليل.
واتِّهامُ الإِسلام بأَنه استمرار للدياناتِ السابقة رَدَّدَهُ اليهودُ والنَّصارى
والمستشرقون، وزَعَموا فيه أَنَّ القرآنَ مُسْتَمَدٌّ من التوراةِ والإِنجيل، وأَنَّ
الإِسلامَ مأخوذٌ من اليهودية والنصرانية، وأَنَّ الأَحكامَ الإسلاميةَ مأخوذة من
الشرائعِ السابقة، وأَنَّ مناسكَ وشَعائرَ الحجِّ والعمرة، مأخوذةٌ من ممارساتِ
العربِ الوثنيين الجاهليّين قبلَ الإِسلام.
فما قالَه الفادي المفترِي هنا حولَ الحجِّ والعمرةِ استمرار في الأَكاذيبِ
التي رَدَّدَهَا إِخوانُه المفترون الكاذبون الكافرون.
стр. 116
ونحن نوقنُ أَنَّ القرآنَ كلامُ الله، وأَنَّ الإِسلامَ دينُ الله، وأَنَّ أَحكامَ
الإِسلامِ من عند الله!!.
***
إِبراهيم ﵇ ونمرود
وَرَدَ في القرآنِ جِدالٌ وحِجاجٌ ونِقاشٌ بينَ إِبراهيم ﵇ وبينَ مَلِكٍ في عهدِه.
قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) .
وكان دْلك الملكُ يَدَّعي الأُلوهية، ودَعاهُ إبراهيمُ ﷺ إِلى الإِيمانِ باللهِ وَحْدَهُ، والخضوعِ له، ولكنَّه أَبى، فقالَ له إِبراهيم: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) .
فقالَ الملِكُ: أَنا أُحيي وأُميت..
فقالَ له إِبراهيم: اللهُ هو الذي يأتي بالشمسِ من المشرق إِلى المغرب، فإِنْ كنتَ إِلهاً فَسَيْطِرْ على الكون، وغَيّرْ حركةَ الشمس، وائتِ بها من المغرب! عند ذلك بُهِتَ الملكُ الكافر، واعترفَ بعجْزِهِ عن فعْلِ ذلك!!.
وذهبَ كَثيرٌ من المُفسِّرينَ إِلى أَنَّ اسْمَ ذلك الملِكِ الكافرِ هو: " نمرود ".
ونَقَلَ الفادي عن البيضاوي قوله: " قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ) تَعَجُّبٌ من مُحاجَّةِ نمرودَ وحماقتِهِ ".
واعتبرَ الفادي هذا الكلامَ خطأً، لأَنَّه لا يتفقُ مع التاريخ.
وحَمَّل القرآنَ هذا الخَطَأَ التاريخي: فقال: " ونحنُ نسأل: كيف حدثَتْ هذه المحاجَّة، ونمرودُ سابقٌ لإِبراهيمَ بثلاثِمئة سنة؟
فَبَيْنَ إِبراهيمَ ونوْحٍ اثْنا عَشَرَ جيلاً [لوقا: ٣/ ٣٤ - ٣٦] ، وبين نمرودَ ونوحٍ أَربعةُ أَجيالٍ [تكوين: ٠ ١/ ١ - ٨] ".
стр. 117
واعتراضُ الفادي مَرْدود: فالقرآنُ أَبْهَمَ اسْمَ ذلك الملكِ الكافر، الذي
حاجَّ إِبراهيمَ في ربِّه، ولم يذكُرْ رسولُ اللهِ ﷺ اسْمَه، وعلينا أَنْ لا نَخوضَ في تحديدِ اسْمِه، لأَنَّ ذلك لا يُؤخَذُ إِلاّ من الآيات ِ القرآنية الصريحةِ أَو الأَحاديثِ النبويةِ الصحيحة.
وبما أَنَّ القرآنَ والحديثَ الصحيحَ سَكَتا عن اسْمِه فعلينا أَنْ
نتابعَهما ونَبقى مَعَهما!.
وهذا معناهُ أَنَّنا لَسْنا مع البيضاويِّ وجمهورِ المفسرين في أَنه نمرود،
لأَنَّ هذا التحديدَ من الإِسرائيليات، ونقولُ: اللهُ أَعْلَمُ باسْمِه.
وما ذَكَرَهُ الفادي نَقْلاً عن سِفْرِ التكوينِ في العهدِ القديم من وُجودِ أَربعةِ
أَجيالٍ بينَ نوحٍ ونمرود لا دليلَ عليه، ولذلك نتوقَّفُ فيه، وما ذَكَرَه من أَنَّ
نَمرود عاشَ قبلَ إِبراهيمَ ﷺ بثلاثمئة سنة نتوقفُ فيه أيضاً، كذلك نتوقَّفُ في ما نقلَه عن إِنجيل لوقا من وُجودِ اثْنَيْ عَشَرَ جيلاً بين نوحٍ وإِبراهيم - صلى الله عليهما وسلم -.
وقد ذَكَرَ الإِخباريّونَ والمؤَزَخُون أَنَّ نمرودَ كان مَلِكاً في العراق، في
ذلك الزمنِ البعيدِ، ونحنُ نتوقَّفُ فيه، فلا نُصَدِّقُ ما ذكَروه عنه ولا نكذِّبُه،
ولا نَنفيهِ ولا نُثبتُه، ونقول: اللهُ أَعلمُ بحقيقتِه!!.
وقد كانَ الفادي مُتَحامِلاً على القرآن، عندما حَمَّلَه كلاماً لم يَقُلْه، لأَنَّ
هَدَفَهُ الانتقاصُ من القرآن وتخطئَتُه، وإِدانَتُه بما لم يَقُلْه!!.
***
إسماعيل صِدِّيقَّ نبٌيّ ﵇ -
إِسماعيلُ هو ابنُ إِبراهيمَ البكر، وإِسحاقُ هو أَخوه، وهو عَمُّ يعقوب،
أَبو بني إسرائيل، وذَكَرَ القرآنُ أَنَّ إِبراهيمَ وإِسماعيلَ وإِسحاقَ ويعقوبَ كانوا
أَنبياء - صلى الله عليهم وسلم -.
وقد نَصَّ القرآنُ على نبوةِ إِسماعيلَ ﵇ في أَكثر من آية، منها قولُه تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) .
стр. 118
واعترضَ الفادي على القول بنبوةِ إِسماعيلَ ﷺ ، واعتبرَ هذا من أَخطاءِ القرآنِ التاريخية، وحاكَمَ القرآنَ إِلى أَسفارِ العهدِ القديمِ.
قال: "ونحنُ نسأَل:
كيفَ يكونُ إسماعيلُ نبيّاً، والتوراةُ تصفُه في سِفْرِ التكوينِ بقولِها: " وإنَّه يكونُ إِنسانأ وَحْشِيّاً، يَدُهُ على كلِّ واحدٍ ويَدُ كُلِّ واحدٍ عليه؟
[تكوين: ١٦/ ١٢،] .
لقد كانَ الفادي مُخْطِئاً في محاكمةِ القرآنِ لأسفارِ العهدِ القديمِ، لأَنَّ
تلكَ الأَسفارَ من تأليفِ الأَحبار، وما ذَكَروهُ فيها من كلامٍ مشكوكٌ فيه، أَمّا
القرآنُ فهو كلامُ الله، ونَجزمُ بأَنَّ كلَّ ما فيهِ حَقّ وصِدْق، وصحيحٌ وصواب.
وبما أَنَّ القرآنَ صرَّحَ بأَنَّ إِسماعيلَ ﷺ كان رسولاً نبياً، فهو الصوابُ، ونحنُ نُؤمنُ أَنَّ إِسماعيل هو أَحَدُ الأَنبياءِ الكرامِ عليهم الصلاة والسلام.
إِنَّ الخلافَ بَيْنَنا وبينَ الفادي وإِخوانِه النَّصارى كبير، فمرجعيَّتُه التي
يَحتكمُ إِليها هي أَسفارُ الكتابِ المقَدَّس، وكُلُّ ما لم يَرِدْ فيها فهو عندَه خَطَأ،
وهذه المرجعيةُ مرفوضةٌ عندنا..
ومرجعيتُنا التي نحتكمُ إِليها هي القرآنُ، وكلُّ ما ذُكِرَ فيه فهو صَواب، وهذا مرفوضٌ عنْدَه، لأَنه لا يوفنُ أَنَّ القرآنَ من عندِ الله! فكيفَ نَلْتَقي مَعَه؟!.
***
كيف احتال إخوة يوسف ﵇ على أبيهم ؟
ذَكَرَ القرآنُ أَنه لما تآمَرَ إِخوةُ يوسفَ عليه، واتَّفَقوا على أَنْ يَطْرَحوهُ في غَيابةِ الجُبِّ، احْتالوا على أَبيهم، ليوافِقَ على إِرسالهِ معهم، وأَوهموهُ أَنَّهم يُريدونَ مصلحةَ الصَّغير، ليرتعَ ويلعبَ ويقفزَ ويمرح.
стр. 119
قال تعالى: (قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤) .
وحاكَمَ الفادي المفترِي ما وردَ في هذه الآياتِ إِلى سِفْرِ التكوين، فلم
يَجِدْ فيه كَلاماً عنه، وَوَجَدَ فيه كَلاماً آخَر، فحكَمَ بردِّ ما في الآيات، واعتبارِه من أَخطاءِ القرآنِ التاريخية.
وتساءَلَ بخُبْثٍ ولُؤْم قائلاً: " ونحنُ نسأَلُ: من أَينَ جاءَتْ هذه
المعلوماتُ؟
معَ أَنَّ التوارةَ لا تقولُ: إِنَّ إِخوةَ يوسفَ طَلَبوا من أَبيهم أَنْ
يُرْسِلَه معهم ليلعب، ولا اتَّهَمَ يَعقوبُ أَولادَه بالغفلةِ عن يوسفَ حتى يأكُلَهُ
الذئب! لكنَّ الواقعَ أَنَّ يَعقوبَ أَرسلَ يوسفَ ليسأَلَ عن سلامةِ إِخوتِه، ولما
رأَوْهُ قالوا: هُو ذا صاحبُ الأَحلامِ قادم.
فالآنَ هَلُمَّ نَقْتُلْه ونَطْرَحْه في إِحدى الآبار، ونقول: وَحْشٌ رديءٌ أَكله، فنرى ماذا تكونُ أَحلامُه. [تكوين: ٣٧/ ١٩ - ٢٠] ..
ولما باعوهُ للإسماعيليّين أَخَذوا قميصَه، ولَوَّثوهُ بِدَمِ جدْي، وأَحضروهُ إِلى أَبيهم، ليوهموهُ أَنَّ ذِئْباً أَكَلَه.. " (١) .
إِذا وَرَدَ في القرآنِ كلامٌ عن أَمْرٍ، ووردَ في الكتابِ المقَدَّسِ كَلامٌ آخَرُ
عن الأَمْرِ نفسِه، يَتَعارَضُ مع ما وردَ في القرآن، فالصَّحيحُ عندنا هو ما وَرَدَ
في القرآن، لأَنه كلامُ الله، ولا أَحَدَ أَصْدَقُ من الله، وكلُّ ما خالفَه وعارضَه نحكمُ بأَنه خطأٌ وباطلٌ ومردود.
وهذه بدهيَّةٌ إِيمانيةٌ مقررةٌ عندنا.
ذَكَرَ القرآنُ أَنَّ الإِخوةَ تآمَرُوا على يوسفَ ليتخلَّصوا منه، وتَحايَلوا على
أَبيهم، ليأذنَ بخروجِه معهم، وأَوهموه بِأَنَّهُمْ يُريدونَ مصلحَتَه، بأَنْ يَخرجَ
مَعَهُمْ ليرتعَ ويَلعبَ، ولما ذَكَرَ لهم يَعقوبُ بأَنه يَخافُ أَنْ يَغْفَلُوا عنه، ويَأكُلَه
الذئب، طَمْأَنوهُ، بأَنَّ ذلك لَنْ يكون، لأَنهم حَريصونَ عليه، حافِظونَ له.
стр. 120
وهذا معناهُ أَنَّ اعتراضَ الفادي عليه مردود، وتخطئَتَه له هي الخطأُ
الكبيرُ الذي وَقَعَ هو فيه، لأَنَّهُ اعتمدَ على كلامِ سِفْرِ التكوين عنه، وهو من
تأليفِ الأَحبار، الذين حَرَّفوا كلامَ الله، ومَزَجوهُ بأَقوالِهِمْ وأَكاذيبهم
ومَزاعمِهم!!.
الذي وردَ في سِفْرِ التكوينِ: أَنَّ يَعقوبَ كان يسكنُ في " النَّقَبِ " في
جنوبِ فلسطين.
وذهبَ أَبناؤُهُ العشرةُ من النَّقَبِ في الجنوب إِلى شَكيمَ - هي
نابلس - في الشمالِ يَرْعَوْن غَنَمَهم، وقَلِقَ يعقوبُ عليهم، ولم يكنْ عندَه إِلّا
ابْنُه يوسفُ، وكان طِفْلاً صغيراً، فطلبَ منه أَنْ يَذْهَبَ إِلى إِخوتِه ليطمئنَّ
عليهم! وسارَ الطفلُ وَحْدَه، وقطعَ المسافةَ من الجنوبِ إِلى الشمالِ وحده،
واجتازَ منطقةَ النقبِ والخليل وبيتَ لحم والقدس ورام الله وحْدَه، وهي مسافة طويلة، يستغرقُ عُبورُها عدةَ أَيام!!! ووصلَ إِلى إِخوانِه في منطقةِ شكيم، وكانوا يَرعونَ مواشيهم، وكانوا يَكْرَهونَ يوسف، فلما رأَوه قادماً إِليهم تآمَروا على إِلقائِه في أَحَدِ الآبارِ على الطريقِ ليتخلَّصوا منه، فهجَموا عليه، وجَرَّدوهُ من قميصه الموَشَّى، وأَلْقوهَ في بِئْرٍ، وذَبَحوا جَدْياً، ولَطَّخوا القميصَ بدمِه، وزَعَموا لأبيهم أَنَّ ذِئْباً أَكلَه!!.
وإِذا كان الفادي يَعتمدُ هذا الكلام، لأَنه يؤمنُ أَنَّ كُلَّ ما في الكتابِ
المقَدَّس صحيح، فإِننا لا نَعتمدُه ولا نقولُ به، لأَنه يُخالفُ ما ورَدَ في القرآن، وأَيُّ كلامٍ يَتَعارضُ مع القرآنِ مردودٌ عندنا!!.
***
الشاهد ببراءة يوسف ﵇ -
ذكرَ القرآنُ أَنه بعد أَن اتهمت امرأةُ العزيزِ يوسفَ بمراودتِها، ودافعَ
يوسفُ عن نفسِه، تدخَّلَ أَحَدُ أَفرادِ الأُسرةِ للحكْمِ في هذه المسألة.
стр. 121
قال تعالى: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩) .
وذهبَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاويِّ ليتعَرَّفَ منه على هويةِ هذا الشاهد،
وأَخَذَ عن البيضاويِّ قولَه: " قيل: هو ابنُ عَمٍّ لها، كان صبيّاً في المهد ".
واتَّهَمَ الفادي القرآنَ بالخَطأ، لأَنَّ البيضاويَّ ذَكَرَ ذلك! وكيفَ يتحملُ
القرآنُ مسؤولية كلامٍ لم يَقُلْه؟ ! ولذلك عَلَّقَ على ذلك بقوله: " ونحنُ نسأل: من أَينَ جاءَ هذا الشاهد؟
هل كانَ في البيت؟ ومعَ مَنْ كان؟
والبيتُ لم يكنْ به أَحَد؟..".
ويمكنُ أَنْ يصحَّ اعتراضُ الفادي لو قُلْنا: كان الشاهدُ طِفلاً صغِيراً في
المهد! مع أَنَّ هذا الكلامَ الذي رواهُ البيضاويُّ لم يصِحّ، ولا نقولُ به، إِذ
كيفَ يشهدُ هذه الشهادةَ الواعيةَ طفلٌ صغيرٌ في المهد؟
وأَينَ كانَ هذا الطفل؟
هل كانَ داخلَ البيتِ وشاهَدَ مراودةَ المرأةِ ليوسف؟.
الراجحُ أَنَّ هذا الشاهدَ كانَ رجلاً واعياً حصيفاً حكيماً، ولا نَعرفُ شيئاً
عن هوية هذا الشاهد، إِلّا أَنَّه من أَهْلِ امرأةِ العزيز.
ولا يَلْزَمُ أَنه شاهدَ مراودةَ المرأةِ ليوسفَ، كما أَنه لا يلزمُ أَنه كانَ معَ العزيزِ عندما رآهُمَا لدى الباب ...
فمن المعقولِ - بعدَما اتَّهمت المرأةُ يوسفَ، ودافعَ يوسفُ عنِ
نفْسِهِ - أَنْ يَطلبَ العزيزُ حَكَماً ليحققَ في الأَمْرِ ويُصْدِرَ حُكْمَه، وأَنْ يُختارَ هذا الحَكَمُ الشاهد القاضي من أَهْلِها ليكونَ أَبعد عن التهمة.
وتدلّ شهادةُ الشاهدِ على رجاحَةِ عقْلهِ واتزانِه، حيثُ دَعا إِلى النظرِ إِلى
القميصِ الذي يَرتديه يوسف، فإِنْ قُدَّ من الأَمام كانت المرأةُ صادقةً في
دَعْواها، وكان هو كاذباً، لأَنَّه يكونُ قد هَجَمَ عليها، وهي تَردُّهُ وتُدافعُ عن نفسها، فتَقُدُّ قَميصَه من قُبُك، وإِنْ قُدَّ قَميصه من دُبُرٍ كانَ يوسفُ صادقاً وهي
стр. 122
كاذبة، لأَنه يكون هارباً منها، وهي تَلحقُ به لتُعِيدَهُ إليها، وتَشُدُّ قميصَه من
الخلفِ فَتَقُدُّه!.
ولما رأَى العزيز القميصَ قُدَّ من دُبُرٍ، عَرَفَ أَنَّ امرأَتَه هي التي
راودَتْ يوسف، فقال لها: هذا من كيدِكُنَّ، إِنَّ كيدَكُنَّ عظيم.
وبهذا نعرفُ خَطَأَ الفادي عندما خَطَّأَ القرآنَ في كلامِه عن هذا الشاهد،
وعندما وَضَعَ عنواناً تهكُّمياً، وهو: " اختراعُ طِفْلٍ يَنطقُ بالشهادة "! والاختراعُ يَعْني الادِّعاءَ والافتراءَ والكَذِب.
وبما أَنَّ القرآنَ أَخبرَ عن الشاهدِ وشهادتِه فهو الصحيح، لأَننا نَثِقُ ونؤمنُ
بكلِّ ما وَرَدَ في القرآنِ!.
وفي الوقتِ الذي خَطَّأَ فيه الفادي القرآنَ في كلامِه عن الشاهد، فقد
اعتمدَ كلامَ الكتابِ المقَدَّس، الذي زعمَ مُؤَلِّفوه الأَحبارُ أَنه لما راودت المرأةُ
يوسفَ أَمسكَتْه من ثوبه، فتركَ ثوبَه مَعَها وهَرَب!..
ونحنُ ننكرُ ذلك ونَرُدُّه، ولا نقولُ إِلّا بما قال به القرآن.
ويُنكرُ الفادي المفْتَري أَنْ تكونَ المرأةُ قالَتْ لزوجِها ما ذَكَرَه القرآن
عنها: (قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) .
وذلكَ في قولِه: " وكيفَ يُعلنُ فوطيفارُ براءةَ يوسفَ وذَنْبَ امرأتِه، ثم يُبْقيها هي ويوسف في البيت، ويرضى بهذا العار؟
وكيفَ بَعْدَ أَنْ يَحكُمَ فوطيفارُ ببراءةِ يوسف، وبعدَ أَنْ تُصَرِّحَ زوجتُه أَنها راودَتْه عن نفسِه فاستعصم، تعودُ لِتهدِّدَ يوسفَ بالسجنِ إِنْ لم يَفعلْ ما أَمَرَتْه به من فحشاء، فَيَقْبَلُ فوطيفارُ أَنْ يسجنَه، لا لشَرّهِ بل لِعفَّتِهِ.. ".
واعتراضُ الفادي على هذا دليلُ جهلِه وغبائِه، وهو اعتراضٌ لا مَعنى
له، فبما أَنَّ اللهَ ذَكَرَ ذلك في القرآن فإِننا نجزمُ بأنه حَصَلَ كما أَخبرَ الله.
стр. 123
يوسف ومراودة نسوة المدينة
أَخبرَ اللهُ أَنَّ نسوةً في المدينةِ عَذَلْنَ امرأةَ العزيز لحبِّها فَتاها يوسف،
ومراودَتِها له، وكانت هي أَمْكَرَ منهن، حيثُ أَعَدَّتْ لهنَّ مأدبة، وأَظهرتْ لهنَّ يوسف، فلما رأَيْنَه فُتِنَّ وأُعجبنَ به، فجاهرت المرأةُ بُحبِّها له، وتصميمِها على معاشرته.
قال تعالى: (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) .
واعترضَ الفادي المفترِي على ما قالَه الله، وأَنكرَه وكَذَّبه، وكانَ عنوانُ
اعتراضِه: " وليمةٌ نسائيةٌ وهمية " أَيْ لم تكنْ تلك المأدبةُ حقيقية، وإِنما كانَتْ
وهميةً متخيَّلَة، افْتَراها القرآن.
وقال في إِنكارِه وتكذيبِه: " ونحنُ نسأل: هل يُعقلُ أَنَّ زوجةَ ضابطٍ، كبير، تُهيِّئُ وليمةً خِصّيصاً، وتَدْعو سيداتِ أَشرافِ المدينة، لتُعلنَ أَمامَهنَّ غَرامَها وهيامَها بعبدِها، وتكشفَ عن وجهها بُرْقُعَ الحياء، دونَ أَنْ تخشى فضيحة؟
وكيفَ يُعْقَلُ أَنَّ النسوةَ ينشغلْنَ بجمال يوسفَ حتى يُقَطِّعْنَ أَيديهنَّ بالسكاكين من غيرِ إِحساسٍ، من شدةِ الذُّهول؟
أَليس هذا من الخيالاتِ السقيمة؟ ! " (١) .
اعتبرَ الفادي المفترِي كَلامَ القرآنِ عن المأدبةِ من الخيالاتِ السقيمة،
فهي مكذوبةٌ مختَلَقَة، واعتبرَها متناقضةً مع المنطقِ العقليِّ! فمن غيرِ المعقول
стр. 124
أَنْ تُجاهرَ المرأةُ بعشقها لفَتاها أَمامَ النساء، وأَنْ تتخلَّى عن برقعِ الحياءِ!
وكأَنه لا يَعرفُ ماذا يَدورُ بين النساءِ الفاجراتِ من كلامٍ إِباحيٍّ بَذيءٍ، حول
الجنسِ والشهوة!! وْمن غيرِ المعقول عنده أَنْ تُصابَ النساءُ بالدهشةِ والذُّهولِ عندما شاهدْنَ جَمالَ يوسف فيقطِّعْنَ أَيديهنَّ بالسكاكين!! مع أَنه لا غرابةَ فيه، فالنساءُ شهوانياتٌ خاضعاتٌ لسلطانِ الشهوة، وكان جمالُ يوسفَ طاغياً، فلما رأَيْنَه صَرَخْنَ قائلات: (مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) .
وليس معنى قوله: (وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) أَنهنَّ قَطَّعْنَ أَيديهنَّ حقيقة، وفَصَلْنَ
أَيديهنَ عن أَجسامِهن، إِنما معناهُ أَنهنَّ جَرَحْنَ أَيديهنَّ بسكاكينهن، ونزَفت
الدماءُ منها، دونَ أَنْ يَشعرنَ، لفرطِ تأَثّرهِنَّ ودهشَتِهِنَّ وإِعجابِهن!!.
وبما أَنَّ الله أَخبرَ أَنَّ ذلك حَصَل، فإِننا نجزمُ أَنه حصل، ولا يَجوزُ
لمسلم أَنْ يُكَذِّبَ كلامَ الله، لأَنه لا أَحَدَ أَصدقُ من الله حديثاً! ولْيذهب
الفادي وتكذيبُه إِلى الجحيم!!.
***
توجيه طلبِ يوسفَ ذكرَه عند الملك
أَخْبَرَنا اللهُ أَنه كانَ معَ يوسف في السجن رَجُلان، وأَنه رأى كلّ واحدٍ
منهما رؤيا، وأَوَّلَ لكلِّ واحدٍ منهما رُؤْياه، وطلبَ من الذي سَيفرجُ عنه أَنْ
يَذْكُرَه عند الملك، وأَنه مسجونٌ ظلماً، لعلَّ الملكَ يفرجُ عنه.
قال تعالى: (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢) .
معنى قوله: (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) : اذْكُرْ للملِك قِصَّتي، وأَخْبِرْهُ أَنني مسجونٌ ظلماً.
ومعنى قوله: (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) : أنسى الشيطانُ الرجلَ
الناجيَ المُفْرَجَ عنه تَذكيرَ الملكِ بقصةِ يوسفَ السجين.
فالهاءُ المفعولُ به في
стр. 125
" أَنساهُ " تَعودُ على الرجلِ الناجي، وليس على يوسف.
و" ذِكْرَ " بمعنى تذكير، والهاءُ المضافُ إِليه في " رَبِّه " تعودُ على الرجلِ نفسِه.
و" رَبّه " هو الملك، الذي كانَ يؤمنُ أَنه ربُّه.
ولما نسيَ الرجلُ تذكير الملكِ لَبِثَ يوسُفُ في السجنِ بِضْعَ سنين، لم
يذكُرْه ولم يفطنْ له أَحَد.
وقد اعترضَ الفادي على الآية، لأَنه ظَنَّ أَنها تَنهى عن استعانة الإِنسانِ
بالإِنسان.
وذَهَبَ إِلى تفسيرِ البيضاوي، ونَقَلَ منه كلاماً مَرْجوحاً، وحَديثاً غيرَ
صحيح..
قال الفادي: " قال البيضاوي: قال محمد: رحمَ اللهُ أَخي يوسُف.
لو لم يَقُلْ: اذْكُرْني عنْدَ ربِّك، لما لبثَ في السجن سَبْعاً بعد الخمس ".
يَعْني بكلمةِ " محمد ": محمداً رسولَ الله ﷺ .
فهل يُمكنُ للإمامِ البيضاويِّ أَنْ يذكُرَ كلمة " محمد " غيرَ مقرونةٍ بالصلاةِ والسلام، ﷺ ؟
لِننظُر!..
قالَ البيضاوي: " أَو أُنْسِيَ يوسفُ ذِكْرَ الله، حتَّى استعانَ بغيرِه..
ويؤَيِّدُهُ قولُه ﵊: رحم الله أخي يوسف ... ".
البيضاويُّ يَقول: " قالَ محمدٌ ﵊ "، ولما نَقَلَ المفتري
الفادي هذه الجملة حَرَّفَها إِلى قوله: " قال محمدٌ ".
لأَنه لا يؤمنُ أَنَّ محمداً ﷺ رسولُ الله، ولا يستحقُّ منه الصلاةَ والسلامَ عليه، لذلك يذكُرُ اسْمَه مُجَرداً، بوقاحةٍ وسوءِ أَدبِ معه..
أَما نحنُ فإِننا مأمورونَ بالأَدَبِ مع رسولِنا، فلا نذكُرُ اسْمَه إِلا مَقْروَناً بالصلاةِ والسلامِ عليه، فنقول: قالَ محمدٌ رسولُ اللهِ ﷺ .
والحديثُ الذي ذَكَرَهُ البيضاوي لم يصحّ عن رسولِ الله ﷺ ، وفيه اتهامٌ وإدانةٌ ليوسفَ ﵊، بأَنه نسيَ ذِكْرَ اللهِ واستعانَ بغيرِه، ولذلك عاقَبَهُ اللهُ بأَنْ أَطالَ سجْنَه، من خمسِ سنين إلى سبعِ سنين.
стр. 126
وقد عَلَّقَ البيضاويُّ على الحديثِ الذي لم يصحّ بقولِه: " والاستعانةُ
بالعبادِ في كشفِ الشدائدِ وإنْ كانت محمودةً في الجملة، لكنَّها لا تَلِيقُ
بمنصبِ الأَنبياء ".
وهذا تفسير للآيةِ مَرجوح، والراجحُ هو ما ذكَرْناه قبلَ قليل، من أَنَّ
المقصودَ بجملةِ (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) هو الرجلُ الناجي وليسَ
يوسُفَ ﷺ .
وهذا هو الراجحُ عند البيضاويِّ نفسه، ولذلك قال: " (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) .
فأُنْسِيَ الشَّرابيُّ أَنْ يَذْكُرَهُ لرَبِّه، فأَضافَ إليه المصدَرَ لملابستِه له.. ".
وإِذا كانَ الراجحُ في معنى الآية ما قُلْناه، فإِنَّ اعتراضَ الفادي عليها
مردود، وهو قولُه: " ونحنُ نسأَلُ: هل حرام أَنْ يستعينَ الإِنْسانُ بأَخيه وقْتَ الشدائد؟
لَمْ يَنْسَ يوسفُ ربَّه عندما كَلَّفَ الساقِيَ أَنْ يذكُرَه لدى فرعونَ،
ليُنْصِفَه ويُخرجَه من السجن، كما لم يَنْسَ بولسُ الرسولُ ربَّه عندما استغاث من اليهود، واستأْنَفَ قضيتَه إِلى محكمةِ قَيْصَر.
وماذا يَقولونَ في محمدٍ الذي استعانَ بِعَلِيٍّ وأَلْبَسَه ثوبَه تَعْمِيَةً لأَهْلِ قريش، فنجا محمدٌ بعد أَنْ كان عُرْضَةً للخَطَر؟
أَمَّا ذكْرُ السّاقي ليوسُفَ أَمامَ فرعونَ فيدلُّ على حكمةِ يوسف، وعلى
واجب الساقي، من غير وقوعِ أَيِّ ضررٍ على أَيِّ أَحَد.. ".
والخلاصةُ: لم يُخطِئْ يوسفُ ﷺ عندما طَلَبَ من الرجلِ المفْرَجِ عنه ذكْرَ قصَّتِه عندَ الملك، ولم يكنْ هذا منه استعانةً بغيرِ الله، ولا نسياناً لذِكْرِ الله، ولم يتسلَّطْ عليه الشيطان، ولم يُنْسِه ذكْرَ ربّه، والذي نَسي هو الرجل، حيث نَسِيَ تذكير الملكِ بقضيةِ يوسفَ المظلوم، وأَدّى هذا إِلى أَنْ يَلبثَ يوسُفُ في السجنِ بضعَ سنين، وهذه المدةُ لم تكنْ عقوبةً من اللهِ
ليوسفَ ﷺ ، لأَنه لم يُذْنِبْ حتى يعاقبهُ الله، وإِنما كانت ابتلاءً من اللهِ له.
стр. 127
والحديثُ الذي ذَكَرَه البيضاويُّ عن رسولِ الله ﷺ لم يصحّ..
وهذا معناهُ رَفْضُ كلامِ الفادي المفترِي وَرَدُّه، لأَنه بَناهُ على غيرِ أَساس!!.
***
عدد مرات مجيء إخوة يوسف لمصر
خَطّأَ الفادي المفترِي القرآن، في حديثِه عن عددِ مَرّاتِ مجيءِ إِخوةِ
يوسُفَ إِليه في مصر، وحاكَمَ القُرآنَ إِلى سِفْرِ التكوين.
قالَ في اعتراضِه على القرآنِ وتخطئتِه له: " قالَ البيضاوي: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا) :
يأتيني بيوسفَ وبنيامين وأَخيهما الذي توقَّفَ بمصر..
ولكنَّ الكتابَ المقَدَّسَ يُخْبرُنا أَنَّ إخوةَ يوسُفَ العشرةَ جاؤوا إِلى مصْرَ
ليَشْتَروا قَمْحاً، فَعَرَفَهم يوسُفُ، ولكنَّه تَنَكَّرَ لهم، وليعرفَ أَحوالَهم اتَّهمهم
أَنهم جواسيسُ، فقالوا: لا، بل إِنّنا إِخوة، وأَحَدُنا مفقود، وواحدٌ صَغيرٌ مع أَبيه، ونحنُ العَشَرَةُ، فأَخَذَ يوسفُ شمعونَ، وقَيَّدَه رهينَة، حتى يُحْضروا الأَخَ الأَصْغر، ليُبَرْهِنوا أَنهم ليسوا جواسيس..
وهذا لم يَذْكُرْه القرآنُ!.
ولما رَجَعوا إِلى أَبيهم، أَخذوا بنيامين، وجاؤُوا به إِلى مصر، وَوَضَعَ
رجالُ يوسُفَ كأسَ يوسُفَ في عِدْلِ بنيامين، واتَّهَموه بالسرقة، فدافَعَ عنه
إِخوتُه..
عندَها عَرَّفَهم يوسُفُ بنفسه، وأَرسلَهم ليُحْضروا أَباهم، فَحَضَروا مع
أبيهم إِلى مصر، حيثُ استَقَرُّوا..
ولكنَّ القرآنَ يَقولُ: إِن يوسُفَ حَبَسَ بنيامين، وإِنَّ شمعون بقيَ في
مِصْر، وإِنَ إِخوةَ يوسُفَ رَجَعوا لأَبيهم بدونهما..
فجعَل عَدَدَ مراتِ مجيءِ إِخوةِ يوسُفَ لمصر أَربعَ مَرّاتٍ بَدَلَ ثلاث.. " (١) .
عندما يُحاكمُ الفادي القرآنَ إِلى كتابه المُقَدس، وُيخَطِّئُه في ما خالَفَ فيه
стр. 128
كتابَه المقَدَّسَ يَقَعُ في خطأٍ منهجى كَبيرٍ، سبق أَنْ ذكَرْناهُ أَكْثَرَ من مَرَّة، إِنه
يجعلُ كتابَه المقَدَّسَ أَصلاً، ويجعلُ القرآنَ تابعاً له، فإِنْ لم يوافِقْه ويُتابِعْه فهو
المخطئ! وهذا باطلٌ ومردود، فمن المعلومِ من الدينِ بالضرورة عندَنا أَنَّ
القرآنَ هو الأصل، وأَنَّ الكتابَ المقَدَّسَ هو الذي يُحْمَلُ عليه ويُحاكمُ إِليه،
وما خالَفَ فيه القرآنَ، فهو الذي أَخْطَأَ وليس القرآن!.
وخلاصَةُ ما قالَه القرآنُ عن ما جَرى بينَ يوسفَ وأَخيه هي:
بعدَ أَنْ سَلَّمَ الملكُ يوسفَ مقاليدَ البلاد، وجَعَلَه على خزائنِ الأَرض،
جاءَ الناس من البلادِ المجاورةِ إِلى مصر، ليأخُذوا منها القمح، ومنهم إِخوةُ
يوسف، الذينَ جاؤوا من البَدْوِ إِلى مصر.
١ - جاءَ إِخوةُ يوسفَ العَشرةُ طالبينَ القمح، ولما دَخَلوا عليه عَرَفَهم،
لكنَّهم لم يَعْرِفوه..
ولما جَهَّزهم بجَهازهم، وأَعطاهم القمح الذي يُريدون، أَعادَ
لهم بضاعَتَهم التي أَتَوْا بها إِكراماً لهم، وتَرْغيباً لهم بالعودة..
وقبلَ أَنْ يُغادروه طلبَ منهم أَنْ يُحْضِروا معهم أَخاهم من أَبيهم، فإِنْ لم يَأتوا به فلنْ يُعطيهم كَيلاً ولا قمحاً ولا شيئاً كما ورد في الآيات (٥٨ - ٦٢) من سورة يوسف ﷺ .
ولما رَجَعوا إلى أَبيهم أَخْبَروه بما حَصَلَ معهم، وطَلَبوا منه أَنْ يُرْسِلَ
معهم أَخاهم، وذَكَّرَهم الأَبُ بما فَعَلوا مع أَخيهم يوسف، وانْتَهى الأمْرُ إِلى
أَن اشترط عليهم أَنْ يَحْلِفوا له الأَيْمانَ المغَلَّظَةَ أَنْ يُحافظوا على أَخيهم
الصغير، وأَنْ يُعيدوهُ إليه سالماً، إِلَّا أَنْ يَحْدُثَ شيءٌ لم يكنْ في الحسبان كما
ورد في الآيات (٦٣ - ٦٨) من سورة يوسف ﵇.
٢ - دخل الإِخوةُ العشرةُ على يوسف، ومعهم أَخوهم الصَّغير، الذي
يُسَمّيه سِفْرُ التكوين " بنيامين "، ونتركُ نحنُ اسْمَه ضمنَ مبهماتِ القرآن، لعدمِ وجودِ دليلٍ على بيانِه.
وهذا هو اللقاءُ الثاني بين يوسفَ وإِخوتِه.
ولما عَرَّفَ يوسُفُ أَخاه الصَّغيرَ على نفسِه، وطلبَ منه أَنْ لا يُخبرهم
بذلك، قامَ يوسُفُ بتصرفٍ ليحتفظَ بأَخيه، حيثُ جَعَلَ السقايةَ في رَحْلِ أَخيه الصغِير، وانتهى الأَمْرُ بأَخْذِه بتهمةِ السرقة، ولم تنفع محاولاتُ الإِخوةِ إِطلاقَ
стр. 129
سراحِ أَخيهم الصغير، أَو جَعْلَ أَحَدِهم مكانَه كما ورد في الآيات (٦٩ - ٧٩) من سورة يوسف ﷺ .
عند ذلك أَصَرَّ الأَخُ الأَكبرُ أَنْ يَبْقى في مصرَ ليُتابعَ الأَمْر، وأَمَرَ إِخوانَه
التسعةَ أَنْ يعودوا إِلى أَبيهم، ويُخْبِروه بما حَدَث، من أَخْذِ الأَخِ الصغيرِ بتهمةِ السرقة، وعَجزِهم عن إِطلاقِ سَرَاحِهِ أَو استبدالِه.
كما ورد في الآيات (٨٠ - ٨٢) من سورة يوسف ﵇.
عند ذلك حَزنَ على فَقْدِ أَبنائِه الثلاثة: يوسف والابنِ الأَكبر والابنِ
الأَصغر، وقال: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا) ، ويقصدُ بذلك الأَبناءَ الثلاثة.
وطلبَ يعقوبُ من أَبنائه التسعةِ أَنْ يَعودوا إِلى مِصْر، ويَتَحَسّسوا من
يوسفَ وأَخيه الصغير، ولا يَيْئَسوا من رَوْحِ اللهِ، فَفَعَلوا.
كما ورد في الآيات (٨٣ - ٨٧) من سورة يوسف ﷺ .
٣ - دَخَلَ الإِخوةُ على يوسف، وهذا هو اللقاءُ الثالثُ به، وأَخْبَروه بما
أَصابَهم من ضُرٍّ وتَعَبٍ، ورَجوهُ أَنْ يُعيدَ معهم أَخاهم الصغير..
عند ذلك عَرفَهم يوسفُ على نفسِه، فأَصابَتْهم الدهشةُ والمفاجأة، وطلبَ منهم الإِتيانَ بأَبويهم وأَهْلِهم أَجمعين! وَأَن يأخذوا قميصه، ويلقوه على وجه أبيه ليرتد بصيراً.
كما ورد في الآيات (٨٨ - ٩٨) من سورة يوسف ﵇.
٤ - رجعَ الإِخوةُ إِلى مصر، ومعهم أَهْلُهم أَجمعون، والْتَقَوْا بيوسفَ ﵇
اللقاءَ الرابع، ورَفَعَ أَبوَيْه على العرش، وخَرَّ الجميعُ له سُجَّداً.
وبذلك استقرت العائلةُ كُلّها في مصر، آمِنين مطمئنين.
كما ورد في الآيات (٩٩ - ١٠٢) من سورة يوسف ﵇.
والمعتمدُ عندنا هو ما قالَه القرآن، عن ما جرى بينَ يوسف ﵇
وإِخوتِه، ونَقبلُ ما وَرَدَ في الكتابِ المقَدَّس، مما جاءَ موافِقاً للقرآن، نَقْبَلُه
لأَنه وَرَدَ في القرآن، وليس لأَنه وَرَدَ في الكتابِ المقَدَّس.
ونَرُدُّ ما وَرَدَ في الكتابِ المقَدَّس مما جاءَ مخالفاً لما في القرآن، ونعتبره مما عَبَثَتْ به أَيدي الأَحبارِ المحَرِّفين للتوراة.
стр. 130
قالَ الأَحبارُ: إِنَّ يوسفَ عَرَّفَ إِخوتَه على نفسه في لقائِه الثاني بهم، وقالَ
القرآنُ: إِنه عَرَّفَهم على نفسِه في لقائِه الثالثِ بهم، والصوابُ ما وَرَدَ في القرآن.
وقالَ الأَحبارُ: إِنَّ يوسفَ أَخَذَ أَخاهُ الكبيرَ شمعونَ رهينة، وحَبَسَه عنده
إِلى أَنْ يَعودَ الإِخوةُ ومعهم أَخوهم الصغير بنيامين.
وهذا لم يَذْكُرْه القرآن، ولذلك لا نَقولُ به.
وقالَ القرآنُ: إِنَّ يوسفَ هو الذي وَضَعَ السقايةَ في رَحْلِ أَخيه، ثم أَخَذَه
بتهمةِ السرقة، وتأَخَّرَ الأَخُ الكبيرُ في مصر لمتابعةِ الموضوعِ، ورجعَ الإِخوةُ
التسعةُ إِلى أَبيهم ليُخبروه بالموضوع، فزادَ حُزْنُ يعقوبَ على فَقْدِ أَبنائِه
الثلاثة..
وهذا ما لم يذكُرْهُ الأَحبارُ في سِفْرِ التكوين.
ونحنُ نؤمنُ به ونعتمدُه لورودِه في القرآن، ولا يهمُّنا عدمُ ورودهِ في الكتاب المقدس، ولا وَزْنَ لاعتراضِ الفادي على ما قالَه القرآن وتخطئتِه له!.
***
حقيقة قميص يوسف
تَهَكَّمَ الفادي المفترِي على قميصِ يوسفَ ﵇، الذي أَمَرَ إِخوانَه أَنْ يُلْقوهُ على وَجْهِ أَبيه ليرْتَدَّ بَصيراً، وجعلَ عنوانَ اعتراضِه: " قميصٌ سحري ".
وقد أَشارَ إِلى القميصِ قولُه تعالى: (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) .
وذَكَرَ الفادي المفْتَري خُرافةً حولَ القميص، نَسَبَها إِلى التابعيِّ المفَسِّر
مجاهد بن جبر، ولم يَذْكُر المرجعَ الذي أَخَذَها منه، ويَستحيلُ أَنْ يقولَ
التابعيُّ مجاهدٌ تلكَ الأُسطورةَ المكذوبة، لتعارُضِها مع العقيدة والإِيمان!
وخلاصَةُ تلك الأَسطورةِ الباطلة أَنَ القَميصَ الذي كان يلبسُه يوسفُ كان
قميصاً لإِبْراهيمَ ﷺ ، أَنزلَهُ اللهُ عليه من الجنة، عندما أُلْقِيَ في النار، وكانَ قميصاً من حَرير، وتوارَثَه أَبناؤُه إِسحاق ويعقوب، ووضعَه يَعقوبُ في قَصَبَةٍ من فِضةٍ وعَلَّقَه في عنقِه، تعويذةً تَدفَعُ عنه العين، ولما أُلْقِيَ يوسفُ في البئرِ
стр. 131
أتاهُ جبريلُ وأَلْبَسَهُ إِيّاه، وكانَ يوسُفُ مَحفوظاً مُوَفَقاً بفضْلِ القميص..
وأَمَرَ يوسُفُ بإِرسال القميصِ إِلى أَبيه، لأَنَّ فيه ريحَ الجَنَّة، وله أَثَرُ السحر، فما وُضِعَ على مَريضٍ إِلاّ عوفي.
وعَلَّقَ الفادي على هذه الأَسطورةِ المكذوبةِ فقال: " ونحنُ نسأَل: كيفَ
يَلْبَس سُكانُ الأَرضِ ثيابَ سُكانِ السَّماء؟
وكيفَ يعملُ القَميصُ عملَ المعجزاتِ، على أَيْدي الذين توارَثوهُ، أَيًّا كانوا وأَنى كانوا؟ ما هو مَصيرُ هذا القميصِ الآن؟
أَلا نَسْخَرُ من الذينَ يُلْبِسونَ أَولادَهُم وبهائِمَهم تَعاويذ؟
وهل يَتَساوى الأَنبياءُ والآباءُ الكرامُ إِبراهيمُ وإِسحاقُ ويَعقوبُ ويوسفُ بمن
يستعملونَ التعاويذ؟ " (١) .
وبما أَنَّ الكلامَ الذي ذَكَرَه الفادي عن القميصِ خُرافَةٌ مكذوبة، فكُلُّ
الأَسئلةِ التي أَثارَها حولَه باطلةٌ مُلْغاة، ولا دَاعي لها، وكان الأَوْلى به أَنْ
يُريحَ نَفْسَه فلا يُثيرُها، لأَنها أَسئلةٌ تافهةٌ لا وَزْنَ لها! وهو خَبيثٌ مُتحامل على
القرآن، لأَنه حَمَّلَ القرآنَ مسؤوليةَ كلامٍ لم يذكُرْه، وما دَخْلُ القرآنِ بخرافةِ
القميص؟
ولماذا يُخَطِّئُ الفادي القرآنَ بشيء ليسَ فيه؟..
لو قالَ: إِنَّ هذا الكلامَ عن القميصِ خَطَأ، لقبلْنا كلامَه، لأَنه خَطَأٌ فِعْلاً، أَمّا أَنْ يُنْسَبَ هذا الخطأُ للقرآن، ويُسَجَّلَ ضمنَ أَخطاءِ القرآن التاريخية، فهذا هو الاتّهامُ الباطلُ والتحاملُ المفضوخ!.
كلُّ ما ذَكَرَه القرآنُ عن القميصِ، أَنَ يوسُفَ ﷺ أَمَرَ إِخوانَه أَنْ يُلْقوهُ على وجهِ أَبيه، ليعودَ له بَصَرُه، ولما فعلوا ذلك عادَ بَصيراً.
قال تعالى: (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦) .
стр. 132
ولا يوجَدُ في مصادِرِنا الإِسلاميةِ اليقينية - المحصورةِ في الكتابِ والسنة -
ما تُضيفُه على ما وَرَدَ في هذه الآيات ِ حولَ قَميصِ يوسفَ ﵇، ونحنُ مأمورونَ أَنْ نبقى مع الآيات، نؤمنُ بما وَرَدَ فيها، ونسكتُ عما سَكَتَتْ عنه.
فنقول: كانَ القَميصُ قَميصاً عاديّاً، كباقي القُمصانِ العادية، يَلْبَسُه
يوسُفُ ﵇، كما يلبَسُ أَيُّ إنسانٍ قميصَه..
وأَوحى اللهُ ليوسفَ أَنْ يرسلَ قميصه إِلى أَبيهِ ليعودَ له بصرُه، ولما أُلقيَ على وجْهِه عادَ له بَصرُه، وكان هذا بأَمْرٍ من الله، الفَعَّالِ لما يُريد، فهو سبحانَه الذي جَعَلَ القميصَ سَبَباً ماديّاً لإِعادةِ البصر، وجعلَ هذا آيةً من آياتِه، جَرَتْ على أيدي النبيَّيْن يعقوبَ ويوسفَ - صلى الله عليهما وسلم -.
***
امرأة فرعون تتبنَّى موسى ﵇ -
أَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ أَنَّ امرأةَ فرعونَ رَأَت الطفلَ موسى في التابوت، فأَحَبَّتْهُ وتَبَنَّتْه، وطلبتْ من زوجِها فرعونَ أَنْ يَتَبَنّاهُ ولا يَقْتُلَه، فاستَجابَ لها.
قال تعالى: (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩) .
وقال تعالى: (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) .
أُخرَى@ إَذ أَوْحَيْنَاَ إِكَ أُقِكَ مَا يُوحَى@
ولكنَّ الفادي يُخَطِّئُ القرآنَ في هذا الكلام، ويُحاكِمُه إِلى الكتابِ
المقَدس، وبما أَنه خالَفَ ما في الكتابِ المقَدَّس، فما وَرَدَ في الثاني هو
الصَّواب، وما وَرَدَ في القرآنِ هو الخطأ!!.
ذَكَرَ الكتابُ المقَدَّسُ أَنَّ التي رأَتْ موسى هي ابنةُ فرعون وليستِ
امرأَتَه.
قال الفادي: "ويُعَلمُنا الكتابُ المقدسُ أَنَّ ابنةَ فرعونَ هي التي نَزَلَتْ
стр. 133
إِلى نهرِ النيلِ لِتَغْتَسِل، لأَنهم كانوا يَعتبرونَه إِلهاً، يُطَهِّرُهُم من النجاسَة.
فرأَتْ سُفْطاً من البَرَدى بين الحَلْفاء، ففتَحَتْه، فإذا صبيٌّ يَبْكي، فأَخذتْه ابنةُ فرعونَ ابْناً لها.
لكنَها لم تكنْ زوجةَ فرعون ...
وقال موسى في سِفْرِ الخروج: إِنها ابنةُ فرعون، وهو أَعلمُ بمَنْ رَبَّتْه ... " (١) .
الراجحُ والصحيحُ والمعتمدُ عندنا أَنَّ التي أَخَذَتْ موسى الرضيعَ وتَبَنَّتْهُ
وَرَبَّتْه هي امرأةُ فرعون كما ذَكَرَ القرآن، وليستْ ابنتَه كما ذَكَرَ الأَحْبارُ في
العهد القديم، ومن المعلومِ أَنه إِذا تعارضَ ما في القرآنِ مع ما وَرَد في
الكتابِ المقَدَّس، فالصحيحُ هو ما وَرَدَ في القرآنِ، لأَنَّهً هو كلامُ الله المحفوظُ
الثابتُ، ويُتْرَكُ ما وَرَدَ في الكتابِ المَقدَّس، لأَنه هو الخطأ!!.
***
حول تقتيل أولاد بني إسرائيل
أَخْبَرَنا اللهُ في القرآن أَنَّ فرعونَ وآلَه كانوا يَسومون بني إِسرائيل سوءَ
العذاب، يُقَتِّلونَ أَبناءَهم، ويَستحيونَ نساءَهم.
لكن مَتى كان هذا؟
هل كانَ قَبْلَ بعثةِ موسى ﵇ أَمْ بَعْدها؟.
وَرَدَ في سورةِ القَصص أَنَّ هذا التعذيبَ والتقتيلَ كان قبلَ رسالةِ
موسى ﵇.
قال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦) وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) .
стр. 134
تَذْكُرُ الآياتُ أَنَّ تَذبيحَ الأَبناءِ واستحياءَ النساءِ كان قبلَ ولادةِ موسى،
بل إِنَّ موسى وُلِدَ في هذا الجَوِّ، وكان عُرْضَةً للذَّبْح، لولا أَنَّ اللهَ حَماهُ بأَنْ
أَلْهَمَ أُمَّهُ حُسْنَ التصرف، بأَنْ تَضَعَهُ في التابوت، وتَضَعَ التابوتَ في اليَمِّ،
فيأْخُذَه الماءُ إِلى الساحل، وهناكَ يَأْخُذُهُ رجالُ أُسْرَةِ فرعونَ، ليُرَبّوهُ وَيَتَبَنَوْهُ!!.
ووردَ في سورةِ الأَعرافِ أَنَّ هذا التعذيبَ والتقتيلَ كان بعدَما بَعَثَ الله
موسى رسولاً ﷺ ، وبعدما قَدَّمَ نَفْسَه إِلى فرعون، ودَعاهُ إِلى الإِيمانِ بالله.
قال تعالى: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا) .
تَذْكُرُ هذه الآياتُ أَنَّ الملأَ من قومِ فرعونَ حَرَّضوهُ على البطشِ بموسى
النبيِّ وأَتْباعِه، فأَمَرَ بقتْلِ أَبناءِ بني إِسْرائيل واستحياءِ نسائِهم، ولما فَعَلَ ذلك
أَمَرَ موسى قومَهُ بالصبرِ والاستعانةِ بالله! (١) .
واعتبرَ الفادي الآيتَيْن متناقضتَيْن، قال: " تقولُ سورةُ الأَعرافِ: إِنَّ
المصريّينَ اشتكَوْا لفرعونَ من تصرفِ موسى، فأَمَرَ بقتْلِ أَبناءِ العبرانيّين
واستحياءِ نسائهم..
وتقولُ سورةُ القَصصِ: إِنَّ فرعونَ قبلَ ولادةِ موسى أَمَرَ
بذبْحِ الأَولادِ واستِحياءِ النِّساء، حتى خافَتْ أُمُّ موسى عليه، وخَبَّاَتْه في صفطِ البَرَدَى، إِلى أَن انتشلَتْه ابنةُ فرعون..
فالآيتان مُتناقِضَتان ".
ومن المعلومِ عندنا أَنه لا تَناقُضَ في القرآن، ولا تَعارُضَ بين آياتِه..
وفي الإِخبارِ عن تعذيب آلِ فرعونَ لبني إِسرائيل، لا تَعارُضَ ولا تَناقُضَ بين
سورةِ القَصَص وسورةِ الأَعراف.
إِنَّ تعذيبَ فرعونَ وآلِه لبني إسرائيل استمرَّ وَقْتاً طويلاً، بدأ قبلَ ولادةِ موسى، واستمرَّ إِلى ما بعد ولادته، وبقيَ إِلى أَنْ عادَ موسى من أَرضِ مَدْيَنَ رسولاً إِلى فرعونَ، ولما جَرى ما جَرى بينَ موسى ﵇ وفرعون، واصَلَ فرعونُ وآلُهُ التعذيبَ والتذبيحَ والتقتيل، وجَدَّدَ فرعونُ أَمْرَهُ السابق بقَتْلِ الأَبْناء واستحياءِ النساء.
стр. 135
وهذا معناهُ أَنه لا تناقُضَ بين حديثِ سورةِ القصصِ وسورةِ الأَعراف،
فالتعذيبُ بدأَ قبلَ ولادةِ موسى بفترة، وهذا ما تحدثَتْ عنه سورةُ القَصص،
واستمرَّ إِلى ما بعد ولادتِه وطفولتِه وشبابِه، وبقيَ متواصلاً إِلى أَنْ عاد موسى
نبيّاً من مَدْين، وازدادَ التعذيبُ والتذبيحُ والتقتيلُ بعدما احْتَدَمَ الصراعُ بين
موسى ﵇ وبينَ فرعون، وهذا ما تحدَّثَتْ عنه سورةُ الأَعراف!!.
وأَكَّدَتْ آياتُ سورةِ غافر آياتِ سورةِ الأَعراف.
قال تعا لى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٢٥) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦) .
***
حول صداق امرأة موسى ﵇ -
أَخْبَرَ اللهُ أَنَ موسى ﵇ اتفقَ مع الرجلِ الصالحِ في مدينَ على أَنْ يَعْمَلَ عنده ثمانيَ أَو عَشْرَ سنوات مقابل أَنْ يُزَوجَه ابنَتَه.
قال تعالى: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) .
وقد اعترضَ الفادي على هذه الآية، واعتبرَها من أَخطاءِ القرآن، لأَنها
مخالفةٌ لما في كتابِه المقَدَّس.
قال: " وَمَعروفٌ أَنَّ يَثْرونَ حما موسى ﷺ له
سبعُ بَناتٍ لا اثْنَتَيْن، وزَوَّجَه واحدة، بدونِ أَنْ يخْدمَه ثماني سنواتٍ أَو
عَشْراً ...
وأَمّا الذي خَدَمَ حماهُ كصداقٍ لامرأَتِه فهو يَعقوب، الذي خَدَمَ
حماهُ سَبْعَ سنين " (١) .
стр. 136
واعتراضُ الفادي عندنا لا وَزْنَ له، ولا يهمنا ماذا قالَتْ أَسفارُ العهدِ
القديمِ عن يعقوبَ وموسى - صلى الله عليهما وسلم -..
إِنَ الذي يَعْنينا ويهمُّنا هو ما قالَه القرآن، وهو الصحيحُ، والمعتمدُ عندنا، وكُل ما وَرَدَ فيه فهو الصواب.
لقد خَدَمَ موسى ﷺ عند الرجلِ الصالحِ في مَدْيَن - الذي لم يَذكر القرآنُ اسْمَه - عَشْرَ سنوات، مقابلَ زواجِه من إِحدى ابنَتَيْه، كان فيها يَرعى الغنم، وكانت السنواتُ العشرُ التي قضاها مَهْراً للمرأةِ التي تزوَّجَها.
هذا ما صَرَّحَ به القرآن، وهو الذي نؤمنُ به عن يَقين.
***
وراثة بني إسرائيل للأرض
وَعَدَ اللهُ بني إِسرائيلَ أَنْ يَرِثوا الأَرضَ بعدَ هلاكِ فرعونَ وجنودِه.
قال تعالى: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) .
وأَرادَ الفادي أَنْ يُثيرَ شبهةً على الآية، فذهبَ إِلى تفسير البيضاوي، لعلَّهُ
يَجِدُ فيه ما يُرِيدُ.
فَنَقَلَ عنه قولَه في تفسيرِ الآية.
" هي وَعْدٌ لهم بالنّصرة، وتذكيرٌ لمَا وَعَدَهم، من إِهلاكِ القِبط، وتوريثِهم ديارَهم وتحقيقٌ له ... "..
وقالَ في تفسير قوله تعالى: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ ... ) : " وقد رُوِيَ أَنَّ مصرَ إِنما فُتِحَت لهم في زمنِ داود ﷺ .
وعَلَّقَ الفادي على كَلام البيضاويّ بقولهِ: " ومعروفٌ للجميعِ أَنَّ بَني
إِسرائيلَ وَرِثوا أَرْضَ مصر " (١) .
стр. 137
ولَسْنا مع البيضاوي في ما أَوردَه من أَنَّ المرادَ بالأَرضِ هناْ أَرضُ
مِصْر، لأَنَّ بَني إِسرائيلَ لم يَرِثوا أَرْضَ مصرَ من فرعونَ وآلِه، ولم يَسْكُنوها
بعدَ هلاكِ فرعون.
ولكن ما ذَكَرَه البيضاويُّ مما لا يتفقُ مع التاريخ لا يتحمَّلُه القرآن، ولا
يَجوزُ أَنْ يُعتبرَ من أخطاءِ القرآنِ التاريخية، لأَنَ أَخطاءَ المفَسِّرين لا تكونُ
أَخطاءً للقرآن، لأَنَّها أَخطاءٌ في فهم الآيات، وليسَ في نَصِّ الآيات.
ذَكَرَ القرآنُ " الأَرضَ "، وليس " مصر "، فقد قال موسى لبني إِسرائيل:
(إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) ، والمراد بالأَرضِ هنا كُلُّ بقاعِ الأَرض، وكُلُّ بُلدانِها وأَقطارِها، ومِصْرُ جزءٌ منها، واللهُ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ من عبادِه..
وقد أَورَثَ اللهُ بني إِسرائيلَ أَرضَ فلسطين بعدَ ذلك، واستخلَفَهم فيها، وحَقَّقَ بذلك كلامَ موسى ﷺ لهم: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ) .
وحَقَّق اللهُ لهم ما أَخبرنا عنه في القرآنِ من أَنه مذكورٌ في الزبور.
قال تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) .
ولكنَّ بَني إِسرائيلَ لم يُحْسِنوا الاستخلاف في أَرضِ كنعان، ومارَسوا
فيها ما حَرَّمَ الله، فنزعَ اللهُ الأَرضَ منهم، وأَوقع بهم لعنتَه، وأَخرجَهم منها
أَذلاءَ صاغرين.
***
تسع آيات لا عشر ضربات
أَخْبَرَنا اللهُ أَنه أَرسلَ موسى ﵇ بتسعِ آياتٍ بَيِّنات، قال تعالى: (فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) .
стр. 138
وقال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ) .
وأَرادَ الفادي أَنْ يُثيرَ إِشكالاً حولَ هذا الكلام، وحاكَمَ القرآنَ إِلى كتابِه
المقَدَّسِ، فَزَعَمَ أَنه وَجَدَ خَطَأً في عَدَدِ الآيات، التي آتاها اللهُ لموسى ﵇.
قال: " يَقولُ الكتابُ المقَدَّس: إِنَّ الضرباتِ التي ضَرَبَ اللهُ بها المصريّين عَشْرٌ لا تِسْعٌ، وإِنَّ بني إسرائيلَ بعدَ هَلاكِ فرعونَ وجيشِه في البَحْر لم يَسْكُنوا في أَرضِ مصر، بل في أَرَضِ كنعان، وإِنَ فرعونَ لم يكنْ يُريدُ أَنْ يُخْرِجَ اليهودَ من مصر، بل أَرادَ أَنْ يَستعبدَهم فيها.. " (١) .
واعتراضُ الفادي على الرقمِ المذكورِ في القرآنِ مَرْدود، لأَنَ ذِكْرَ العددِ
فيه مَقْصود، فهي تسعُ آياتٍ بالضَّبْط، وليستْ عَشْراً كما زَعَمَ الأَحبارُ في
العهدِ القديم! وإذا تَعارضَ المذكورُ في الكتابِ المقَدسِ مع المذكورِ في
القرآن فإِنَّ الصوابَ هو ما ذُكِرَ في القرآن، كما قَرَّرْنا أَكثرَ من مَرَّة.
والآياتُ التسعُ هي: العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقُمَّل،
والضفادع، والدم، والسنين، ونقص الثمرات.
وظَنَّ الفادي لغَبائِه أَنَّ المرادَ بالأَرضِ في قوله تعالى: (وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ) أَرضُ مصر.
ولذلك اعترضَ على الآيةِ قائلاً: " وإِنَ بني إِسرائيل بعد هَلاكِ فرعونَ وجيشِه في البحرِ لم يَسْكُنوا في أَرضِ مصر؟ بل في أَرضِ كَنْعان "..
وسبقَ أَنْ ناقشناهُ في هذه المسألةِ في المبحثِ السابق، وقُلْنا: إِنَّ المرادَ بالأَرض التي أَسكنَ اللهُ بني إِسرائيلَ فيها بعدَ خروجِهم من مصْرَ هي الأَرضُ المقدسةُ فلسطين، والتي يُسميها الأَحبارُ أَرضَ كنعان!.
стр. 139
والمرادُ بالأَرضِ في هذه الآية مختلفُ بقاعِ العالَمِ القديم، مثلُ: فارسَ
والروم والحبشة واليونان وغيرها، التي شَتَّتَ الله اليهودَ فيها، وعاشوا " عَصرَ الشَّتاتِ " الذي استمرَّ قُروناً عديدة.
وسَيَبْقَوْن مُشَتَّتينَ في مختلفِ بقاعِ الأَرض، في مختلفِ البلدان، إِلى أَنْ يَحينَ موعدُ إِفسادِهم الثاني، حيثُ سيجمعُهم اللهُ من تلك البلدان، ويأْتي بهم إِلى الأرضِ المُقدَّسة! وهذا ما تصرحُ به الآية: (وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤) .
وهذا ما تحققَ في هذا الزمان، الذي يَعيشُ فيه اليهودُ إفسادَهم الثاني
الكبير، حيثُ أَتى الله بهم لَفيفاً، من مختلفِ القارّاتِ الخَمْس، وأَقاموا دولَتَهم على الأَرضِ المقَدَّسَة!.
***
العيون المتفجرة من الحجر
أَخْبَرَنا اللهُ أَنَّ بني إِسرائيلَ استسقَوْا موسى وهم في الصحراء، فَأَمَرَهُ اللهُ
أَنْ يضربَ الحجرَ بعصاه، ولما فعلَ فَجَّرَ اللهُ من الحجرِ اثْنَتا عشرة عَيْناً، على عَدَدِ أَسباطِ بني إِسرائيل.
قال تعالى: (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) .
وقال تعالى: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) .
وخَطَّأَ الفادي كلامَ القرآن، وحاكَمَه إِلى كلامِ العهدِ القَديم، الذي أَلَّفَه
الأَحبار، وكلُّ ما خالَفَ العهدَ القديم عندَه خَطَأ!
نَقَلَ الفادي عن سِفْرِ الخروجِ: " أَنه لما خَرَجَ بنو إِسرائيلَ إِلى سيناء،
جاؤُوا إِلى " إِيليم "، وَوَجَدُوا فيها اثنتئ عشرةَ عينَ ماء، وسَبْعين نخلة، فَنَزَلوا
стр. 140
عندَ النخلِ والماءِ قليلاً، ثم ارْتَحلوا إِلى بَرِّيَّةِ " سين "، ونَزَلوا في " رفيديم "
فيها، ولم يكنْ فيها ماءٌ ليَشْرَبوا، وطَلَبوا من موسى أَنْ يُعطيهم ماءً لِيَشْرَبوا، وتَذَمَّروا عليه وخاصَموه، وصَرَخَ موسى إِلى الرَّبِّ، طالِباً منه التَّصَرُّف، فأَمَره الربُّ أَنْ يأخذَ الشَّعْبَ معه، إِلى صخرةِ " حوريب "، ويضربَ الصخرةَ بعصاه، ولما فعلَ ذلك أَنْبَعَ اللهُ منها عينَ ماءٍ لبني إِسرائيل ".
وعَلَّقَ الفادي على ما نَقَلَه من سِفْرِ الخروجِ بقوله: " فليست الاثْنَتا عشرةَ عيناً التي في إِيليمَ هي الصخرةُ التي في حوريب " (١) .
ما ذَكَرَهُ الأَحبارُ في سِفْرِ الخروج، أَنَّ بَني إِسرائيلَ مَرّوا على اثْنَتَيْ
عشرةَ عيناً، أَنْبَعَها اللهُ قبلَ مرورِهم، وعندما احْتاجوا إِلى الماء بعد ذلك
أَنبعهُ اللهُ لهم، بعدَ أَنْ ضربَ موسى الصخرةَ بعصاه، فخرجَتْ منها عينُ
ماءٍ واحدة، هذا مردود عندنا، لأَنه يتعارض مع ما ورد في القرآن،
والمعتمدُ عندنا هو ما وردَ في القرآن! فالذي نقولُ به أَنه بينما كان بنو
إِسرائيلَ في الصحراء، احْتاجوا إِلى الماء، فَطَلَبُوا من موسى ﷺ أَنْ يستسقيَ اللهَ لهم، فأَمَرَهُ اللهُ أَنْ يضرِبَ الحَجَر بعَصاه، وكان حَجَراً في ذلك المكان، ولم يكنْ صخرةً كما زعَمَ الأَحبار، ولما ضَرَبَه انفجرتْ منه اثْنَتا عشرةَ عيناً، كلُّ عينٍ منفصلةٌ عن غيرِها، على عَدَدِ أَسْباطِ بني إسرائيل، ليشربَ كُلُّ سِبْطٍ من عينٍ خاصّة: (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) ..
ولم يكنْ خروجُ هذه العيونِ من الحجرِ عاديّاً، إِنما كان معجزةً خارقة، من فعلِ الله .
ولَسْنا مع الأَحبارِ في تحديدِهم الأَماكن، في إِيليم وسين ورَفيديم
وحُوريب، ونَبْقى مع القرآنِ في إِبهام المكان، ولا يَضُرّنا الجهلُ به، لعدمِ
تحديدِه في الآياتِ والأَحاديث، فقد يكونُ في إِيليم، وقد يكونُ في حوريب،
وقد يكونُ في مكانٍ آخر، وعلْمُ ذلك عندَ اللهِ وَحْدَه!.
стр. 141
الألواح التي كتبت عليها التوراة
أَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ أَنَّه لما ناجاهُ موسى ﵇ على جبلِ الطّور، أَنزل عليه التوراةَ من السماءِ مكتوبةً على أَلواح.
قال تعالى: (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) .
وأَخَذَ موسى ﵇ الأَلواحَ وتَوَجَّه إِلى بني إِسْرائيل، فوجَدَهم يَعْبدونَ العجل، فأَلْقى الأَلواح.
قال تعالى: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ) .
ولما زال عنه الغضبُ أَخَذَ الأَلواح، ودَعا بني إِسرائيلَ إِلى الالتزامِ بما
فيها.
قال تعالى: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) .
وقد خَطَّأَ الفادي القرآنَ في كلامِه عن أَلواحِ التوراة؟
فقال: " ومَعروف أَنَ موسى كتبَ الشريعةَ على لوحَيْن لا على أَلواح، وعلى اللوحَيْن كَتَبَ الوصايا العشرَ فقط، وليس تفصيل كُلِّ شيء " (١) .
لا نقول إِلاّ بما قال به القرآن، من أَنَّ اللهَ أنزل التوراةَ على موسى ﷺ ، وهو على جبلِ الطور، وكانت التوراةُ مكتوبةً على " أَلْواح "، والأَلْواحُ جمع، فهي عدةُ أَلواح، أَبهمَ القرآنُ عَدَدَها، فلا نعرفُه، إِنما نقول: كانتْ أَلواحاً مكتوبةً في السماء، ولا نَعرفُ كيف كُتِبَتْ في السَّماء، ولا ما هو حجمُ كُلِّ
стр. 142
لوح ومقاسُه، ولا نعرفُ ما كُتِبَ على كُلِّ لوحٍ منها، لأَنَّ اللهَ لم يُبَيِّنْ ذلك في القرآن.
وما قالَه الأَحبارُ في سِفْرِ الخروجِ من أَنهما لوحانِ فقط، وأَنَّ موسى عَلَّإِنر
هو الذي كَتَبَهما بيدِه، كلامٌ مردود عندنا لمخالفتِه ما وَرَدَ في القرآن!.
ثم إِنَّ اللهَ أَخْبَرَنا أَنه كتبَ في التوراةِ كُلَّ شيء: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ) .
أَيْ أَنَ اللهَ جعلَ فيها أَحكاماً وتشريعات، وجعلَ فيها مواعظَ ونصائح، وجعلَ فيها تفصيلَ كُلِّ ما يحتاجُ إِليه بنو إِسرائيل، في ذلك الماضي السحيق.
وهذا معناه أَنْ نَرُدَّ كلامَ الأَحبار، الذينَ يزعمونَ أَنَّ موسى ﷺ لم يَكتبْ على اللَّوحَيْن إِلّا الوصايا العَشْرَ فقط.
فالوصايا العَشْرُ لا تَزيدُ عن عَشْرِ جُمَلٍ مختصرةٍ مجملة، وهذه الوصايا العَشْرُ ليست موعظةً وتَفْصِيلاً لكُلّ شيء!.
إِنَّ مرجعيَّتَنا غيرُ مرجعيةِ الفادي وقومِه، والحَكَمُ عندنا غيرُ الحَكَمِ
عندهم، وإِنَّ القرآنَ هو المهيمنُ على الكتابِ المقَدَّس، ولا يكونُ الكتابُ
المُقَدَّسُ الذي أَلَّفَه الأحبارُ مهيمناً على القرآنِ العظيم!.
***
هل طلب بنو إسرائيل رؤية الله ؟
أَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ أَنَّ بني إِسرائيلَ طَلَبوا من موسى ﷺ أَنْ يَرَوا اللهَ جَهرة، وأَنْ يُشاهِدوهُ بعيونِهم، فعاقَبَهم اللهُ على هذا الطلبِ القبيحِ بأَنْ أَخَذَهم بالصاعقةِ، ثم أَحياهم.
قال تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) .
стр. 143
وقال تعالى: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ) .
وقد خَطَّأَ الفادي القرآنَ لمخالفته ما وَرَدَ في الكتابِ المقَدَّس.
قال: " ولكنَّ الكتابَ المقَدَّسَ يُعَلِّمُنا أَنَ بني إِسرائيل خافوا من الله، وقالوا لموسى: " تَكَلَّمْ أَنتَ مَعَنا، ولا يتكلم اللهُ معنا لئَلّا نَموت " ...
فعكسَ القرآنُ الموضوعَ، وقالَ: إِنَّ بني إِسرائيلَ طَلَبوا أَنْ يَرَوُا الله فأَماتَهم اللهُ بالصاعقة، ثم بَعَثَهم ثانية..
ولعلَّ الدافعَ على هذا أَنْ يُخيفَ العَرَبَ الذينَ سأَلوا محمداً أَنْ
يَنزّلَ لهم كتاباً من السماء ... " (١) .
يَزعمُ الفادي أَنَّ بَنِي إِسرائيل لم يَطْلُبوا أَنْ يَرَوُا اللهَ جهرة، كما ذَكَرَ
القرآن، وإِنَّما طَلَبوا أَنْ لا يُكَلِّمَهم الله، لأَنهم خافُوا إِنْ كَلَّمَهم أَنْ يَموتوا.
ونحنُ لا يَعنينا ما قالَه الأَحبارُ في سِفْرِ الخروج، إِنما يَعْنينا ما ذَكَرَهُ
القرآن، لأَنَّه عِندنا أَمْرٌ يَقينيّ جازم.
لقد كان بَنو إِسرائيلَ جاهِلين، غَيْرَ مُعَظِّمينَ لله، فقد ظَنُّوا أَنه يُمكنُ أَنْ يَرَوا الله بعيونِهم، وظَنُّوا أَنَّ موسى ﷺ يرى الله عندما يُكلِّمُه ويُناجيه، فحسدوهُ وغَاروا مِنْه، وطَلَبوا أَنْ يَرَوا الله بِعيونِهم، كما يَرى هو اللهَ بعينَيْه..
علماً أَنَّ موسى ﵇ لم يَرَ رَبَّه، وعندما سأَلَ اللهَ أَنْ يرَاهُ أَخْبَرَه أَنه لنْ يَراه.
قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) .
وقد عَلَّقَ بنو إِسرائيل الجاهلين إيمانَهم لموسى واستسلامَهم وطاعتَهم له
على رؤيتِهم اللهَ جهرةً بعيونِهم، وطَلَبوا منه أَنْ يَطْلُبَ مق الله أَنْ يَنزلَ أَمامَهم، ويُخاطِبَهم، فَيَرَوْهُ ويُشاهدوه وتسمعوه!! عند ذلك عاقَبهم، فأَخَذَتْهم الصاعقة،
стр. 144
فَصُعِقوا وأُغميَ عليهم، وكانوا كالأَموات، ثم أَيقظَهم وبَعَثَهم، وأَعادَهم إِلى الحياة، ليستكملوا أَعمارَهم.
وسألَ اليهودُ في المدينةِ رسولَ الله محمداً ﷺ أَنْ يُنزلَ عليهم كتاباً من السماء، وكانَ سؤالَ تَعَسفٍ وتعجيز، كما كانَ سؤالُ أَجدادِهم لموسى ﵇.
قال تعالى: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ.
***
قارون الإسرائيلي الكافر
أَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ عن قارونَ وكفرِه وغِناه، وأَنَّه كان إسرائيليّاً كافراً،
انضمَّ إِلى فرعونَ ضدَّ موسى وقومِه بني إِسرائيل.
قال تعالى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) .
وكانتْ نهايةُ قارونَ سيئةً، حيثُ خَسَفَ اللهُ به وبدارِه الأَرض.
قال تعالى: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١) .
وقد خَطَّأَ الفادي القرآنَ، ونَقَلَ عن السابقينَ أَنَّ قارونَ هو مَلِكُ ليديا في
القرنِ السادسِ قبلَ الميلاد، وذَكَرَ الأَحبارُ في الكتاب المقَدَّسِ أَنَّ الذي خرجَ
على موسى هو قورحُ وليس قارون.
قال: " ومعروفٌ أَنَّ قارونَ القرآن هو كروسوس ملكُ ليديا (٥٦٠ - ٥٤٦ ق. م) ، وهو عَلَم على الغِنى، بينَ العربِ وغيرهم..
ولا يوجَدُ ما يُبَرِّرُ خَلْطَه بقورَح، الذي وَرَدَ ذكْرُه في التوراة، فلا
علاقَة لقارونَ بقورح، الذي ثارَ على داثان وأَبيرام على موسى، فَفَتَحت
الأَرْضُ فاها وابْتَلَعَتْهم ".
لا دليلَ على أَنَّ ملكَ ليديا في القرنِ السادس قبلَ الميلاد كان اسْمُه
стр. 145
قارون، وكلامُ المَؤَرِّخين ليس يقينياً قاطعاً، إِنما هو محتملٌ للصحةِ والخَطَأ،
فلا يُعْتَمَدُعليه.
وكلامُ الأَحبارِ أَيضاً ليس يَقينيّاً، فلا يُعْتَمَدُ عليه، ولا يُحْكَمُ به على
كلامِ اللهِ في القرآن، ولذلك لا نقول: إِنَّ قورحَ هو الذي خرجَ على
موسى ﷺ ، مع اثنيْنِ من بني إِسرائيل، وأَنَّ اللهَ خَسَفَ بالثلاثةِ في البرية.
ونتوقَّفُ في هذا الكلامِ الذي ذَكَرهُ الأَحْبار، فلا نُصَدّقُه ولا نُكَذِّبُه..
والذي نقولُه ونؤمنُ به أَنَّ قارونَ المذكورَ في القرآنِ ليس هو قارونَ ملكَ
ليديا، ولا قورحَ الذي خَرَجَ على موسى، قارونُ المذكورُ في القرآنِ إِسرائيليّ من قومِ موسى، وقد أَغناهُ الله، وآتاهُ من الكنوزِ ما يعجزُ الرجالُ الأَشدّاءُ الأَقوياءُ عن حَمْلِه، واختارَ الكفْرَ والبغيَ والطغيان، وانحازَ إِلى فرعونَ ضدَّ قومِه الإِسرائيليين، واستخدمَ أَموالَه وكنوزَه في محاربةِ موسى ﷺ وأَتْباعِه، ولم يَستجبْ لنصْحِ الناصحين المؤمنين، فعاقَبَه اللهُ وخَسَفَ به وبدارِه الأَرض، قال تعالى: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١) .
والراجحُ أَنَّ قارونَ الإِسرائيليَّ كان قد انضمَّ إِلى فرعونَ ضدَّ بني إِسرائيل،
قبلَ أَنْ يبعثَ اللهُ موسى ﵇ نبيّاً إِلى فرعون، ولذلك أَرسلَه اللهُ نبيّاً إِلى الطُّغاةِ الثلاثة: فرعونَ وهامانَ وقارون.
قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) .
والراجحُ أَنَّ اللهَ خَسَفَ بقارونَ ودارِه الأَرض في مصر، قبلَ أَنْ يَخرجَ
بنو إِسرئيل منها!!.
***
بين داود وسليمان ﵉ -
كان داودُ رسولاً ومَلكاً على بني إِسْرائيل، وكان ابْنُه سليمان نبيّاً مَلكاً
من بعدِه على بني إِسرائيل، وكان سليمانُ مساعِداً لأَبيه في عهدِه ﵇.