← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1431

القرآن ونقض مطاعن الرهبان

صلاح الخالدي

Полный текст (753 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الألواح التي كتبت عليها التوراة أَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ أَنَّه لما ناجاهُ موسى ﵇ على جبلِ الطّور، أَنزل عليه التوراةَ من السماءِ مكتوبةً على أَلواح. قال تعالى: (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) . وأَخَذَ موسى ﵇ الأَلواحَ وتَوَجَّه إِلى بني إِسْرائيل، فوجَدَهم يَعْبدونَ العجل، فأَلْقى الأَلواح. قال تعالى: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ) . ولما زال عنه الغضبُ أَخَذَ الأَلواح، ودَعا بني إِسرائيلَ إِلى الالتزامِ بما فيها. قال تعالى: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) . وقد خَطَّأَ الفادي القرآنَ في كلامِه عن أَلواحِ التوراة؟ فقال: " ومَعروف أَنَ موسى كتبَ الشريعةَ على لوحَيْن لا على أَلواح، وعلى اللوحَيْن كَتَبَ الوصايا العشرَ فقط، وليس تفصيل كُلِّ شيء " (١) . لا نقول إِلاّ بما قال به القرآن، من أَنَّ اللهَ أنزل التوراةَ على موسى ﷺ ، وهو على جبلِ الطور، وكانت التوراةُ مكتوبةً على " أَلْواح "، والأَلْواحُ جمع، فهي عدةُ أَلواح، أَبهمَ القرآنُ عَدَدَها، فلا نعرفُه، إِنما نقول: كانتْ أَلواحاً مكتوبةً في السماء، ولا نَعرفُ كيف كُتِبَتْ في السَّماء، ولا ما هو حجمُ كُلِّ

стр. 142

لوح ومقاسُه، ولا نعرفُ ما كُتِبَ على كُلِّ لوحٍ منها، لأَنَّ اللهَ لم يُبَيِّنْ ذلك في القرآن. وما قالَه الأَحبارُ في سِفْرِ الخروجِ من أَنهما لوحانِ فقط، وأَنَّ موسى عَلَّإِنر هو الذي كَتَبَهما بيدِه، كلامٌ مردود عندنا لمخالفتِه ما وَرَدَ في القرآن!. ثم إِنَّ اللهَ أَخْبَرَنا أَنه كتبَ في التوراةِ كُلَّ شيء: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ) . أَيْ أَنَ اللهَ جعلَ فيها أَحكاماً وتشريعات، وجعلَ فيها مواعظَ ونصائح، وجعلَ فيها تفصيلَ كُلِّ ما يحتاجُ إِليه بنو إِسرائيل، في ذلك الماضي السحيق. وهذا معناه أَنْ نَرُدَّ كلامَ الأَحبار، الذينَ يزعمونَ أَنَّ موسى ﷺ لم يَكتبْ على اللَّوحَيْن إِلّا الوصايا العَشْرَ فقط. فالوصايا العَشْرُ لا تَزيدُ عن عَشْرِ جُمَلٍ مختصرةٍ مجملة، وهذه الوصايا العَشْرُ ليست موعظةً وتَفْصِيلاً لكُلّ شيء!. إِنَّ مرجعيَّتَنا غيرُ مرجعيةِ الفادي وقومِه، والحَكَمُ عندنا غيرُ الحَكَمِ عندهم، وإِنَّ القرآنَ هو المهيمنُ على الكتابِ المقَدَّس، ولا يكونُ الكتابُ المُقَدَّسُ الذي أَلَّفَه الأحبارُ مهيمناً على القرآنِ العظيم!. *** هل طلب بنو إسرائيل رؤية الله ؟ أَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ أَنَّ بني إِسرائيلَ طَلَبوا من موسى ﷺ أَنْ يَرَوا اللهَ جَهرة، وأَنْ يُشاهِدوهُ بعيونِهم، فعاقَبَهم اللهُ على هذا الطلبِ القبيحِ بأَنْ أَخَذَهم بالصاعقةِ، ثم أَحياهم. قال تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) .

стр. 143

وقال تعالى: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ) . وقد خَطَّأَ الفادي القرآنَ لمخالفته ما وَرَدَ في الكتابِ المقَدَّس. قال: " ولكنَّ الكتابَ المقَدَّسَ يُعَلِّمُنا أَنَ بني إِسرائيل خافوا من الله، وقالوا لموسى: " تَكَلَّمْ أَنتَ مَعَنا، ولا يتكلم اللهُ معنا لئَلّا نَموت " ... فعكسَ القرآنُ الموضوعَ، وقالَ: إِنَّ بني إِسرائيلَ طَلَبوا أَنْ يَرَوُا الله فأَماتَهم اللهُ بالصاعقة، ثم بَعَثَهم ثانية.. ولعلَّ الدافعَ على هذا أَنْ يُخيفَ العَرَبَ الذينَ سأَلوا محمداً أَنْ يَنزّلَ لهم كتاباً من السماء ... " (١) . يَزعمُ الفادي أَنَّ بَنِي إِسرائيل لم يَطْلُبوا أَنْ يَرَوُا اللهَ جهرة، كما ذَكَرَ القرآن، وإِنَّما طَلَبوا أَنْ لا يُكَلِّمَهم الله، لأَنهم خافُوا إِنْ كَلَّمَهم أَنْ يَموتوا. ونحنُ لا يَعنينا ما قالَه الأَحبارُ في سِفْرِ الخروج، إِنما يَعْنينا ما ذَكَرَهُ القرآن، لأَنَّه عِندنا أَمْرٌ يَقينيّ جازم. لقد كان بَنو إِسرائيلَ جاهِلين، غَيْرَ مُعَظِّمينَ لله، فقد ظَنُّوا أَنه يُمكنُ أَنْ يَرَوا الله بعيونِهم، وظَنُّوا أَنَّ موسى ﷺ يرى الله عندما يُكلِّمُه ويُناجيه، فحسدوهُ وغَاروا مِنْه، وطَلَبوا أَنْ يَرَوا الله بِعيونِهم، كما يَرى هو اللهَ بعينَيْه.. علماً أَنَّ موسى ﵇ لم يَرَ رَبَّه، وعندما سأَلَ اللهَ أَنْ يرَاهُ أَخْبَرَه أَنه لنْ يَراه. قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) . وقد عَلَّقَ بنو إِسرائيل الجاهلين إيمانَهم لموسى واستسلامَهم وطاعتَهم له على رؤيتِهم اللهَ جهرةً بعيونِهم، وطَلَبوا منه أَنْ يَطْلُبَ مق الله أَنْ يَنزلَ أَمامَهم، ويُخاطِبَهم، فَيَرَوْهُ ويُشاهدوه وتسمعوه!! عند ذلك عاقَبهم، فأَخَذَتْهم الصاعقة،

стр. 144

فَصُعِقوا وأُغميَ عليهم، وكانوا كالأَموات، ثم أَيقظَهم وبَعَثَهم، وأَعادَهم إِلى الحياة، ليستكملوا أَعمارَهم. وسألَ اليهودُ في المدينةِ رسولَ الله محمداً ﷺ أَنْ يُنزلَ عليهم كتاباً من السماء، وكانَ سؤالَ تَعَسفٍ وتعجيز، كما كانَ سؤالُ أَجدادِهم لموسى ﵇. قال تعالى: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ. *** قارون الإسرائيلي الكافر أَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ عن قارونَ وكفرِه وغِناه، وأَنَّه كان إسرائيليّاً كافراً، انضمَّ إِلى فرعونَ ضدَّ موسى وقومِه بني إِسرائيل. قال تعالى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) . وكانتْ نهايةُ قارونَ سيئةً، حيثُ خَسَفَ اللهُ به وبدارِه الأَرض. قال تعالى: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١) . وقد خَطَّأَ الفادي القرآنَ، ونَقَلَ عن السابقينَ أَنَّ قارونَ هو مَلِكُ ليديا في القرنِ السادسِ قبلَ الميلاد، وذَكَرَ الأَحبارُ في الكتاب المقَدَّسِ أَنَّ الذي خرجَ على موسى هو قورحُ وليس قارون. قال: " ومعروفٌ أَنَّ قارونَ القرآن هو كروسوس ملكُ ليديا (٥٦٠ - ٥٤٦ ق. م) ، وهو عَلَم على الغِنى، بينَ العربِ وغيرهم.. ولا يوجَدُ ما يُبَرِّرُ خَلْطَه بقورَح، الذي وَرَدَ ذكْرُه في التوراة، فلا علاقَة لقارونَ بقورح، الذي ثارَ على داثان وأَبيرام على موسى، فَفَتَحت الأَرْضُ فاها وابْتَلَعَتْهم ". لا دليلَ على أَنَّ ملكَ ليديا في القرنِ السادس قبلَ الميلاد كان اسْمُه

стр. 145

قارون، وكلامُ المَؤَرِّخين ليس يقينياً قاطعاً، إِنما هو محتملٌ للصحةِ والخَطَأ، فلا يُعْتَمَدُعليه. وكلامُ الأَحبارِ أَيضاً ليس يَقينيّاً، فلا يُعْتَمَدُ عليه، ولا يُحْكَمُ به على كلامِ اللهِ في القرآن، ولذلك لا نقول: إِنَّ قورحَ هو الذي خرجَ على موسى ﷺ ، مع اثنيْنِ من بني إِسرائيل، وأَنَّ اللهَ خَسَفَ بالثلاثةِ في البرية. ونتوقَّفُ في هذا الكلامِ الذي ذَكَرهُ الأَحْبار، فلا نُصَدّقُه ولا نُكَذِّبُه.. والذي نقولُه ونؤمنُ به أَنَّ قارونَ المذكورَ في القرآنِ ليس هو قارونَ ملكَ ليديا، ولا قورحَ الذي خَرَجَ على موسى، قارونُ المذكورُ في القرآنِ إِسرائيليّ من قومِ موسى، وقد أَغناهُ الله، وآتاهُ من الكنوزِ ما يعجزُ الرجالُ الأَشدّاءُ الأَقوياءُ عن حَمْلِه، واختارَ الكفْرَ والبغيَ والطغيان، وانحازَ إِلى فرعونَ ضدَّ قومِه الإِسرائيليين، واستخدمَ أَموالَه وكنوزَه في محاربةِ موسى ﷺ وأَتْباعِه، ولم يَستجبْ لنصْحِ الناصحين المؤمنين، فعاقَبَه اللهُ وخَسَفَ به وبدارِه الأَرض، قال تعالى: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١) . والراجحُ أَنَّ قارونَ الإِسرائيليَّ كان قد انضمَّ إِلى فرعونَ ضدَّ بني إِسرائيل، قبلَ أَنْ يبعثَ اللهُ موسى ﵇ نبيّاً إِلى فرعون، ولذلك أَرسلَه اللهُ نبيّاً إِلى الطُّغاةِ الثلاثة: فرعونَ وهامانَ وقارون. قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) . والراجحُ أَنَّ اللهَ خَسَفَ بقارونَ ودارِه الأَرض في مصر، قبلَ أَنْ يَخرجَ بنو إِسرئيل منها!!. *** بين داود وسليمان ﵉ - كان داودُ رسولاً ومَلكاً على بني إِسْرائيل، وكان ابْنُه سليمان نبيّاً مَلكاً من بعدِه على بني إِسرائيل، وكان سليمانُ مساعِداً لأَبيه في عهدِه ﵇.

стр. 146

وقد أَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ عن استدراكٍ لسليمان على حُكْمٍ حَكَمَ به والدُه داودُ. قال تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) . وأَوردَ الفادي روايةً عن ابنِ عباس ﵄ في حُكْمٍ داودَ وسليمانَ في قضيةِ الحرثِ والغنم، استدركَ فيها سليمانُ على حُكْمِ أبيه.. وخَطَّأَ القرآنَ في استدراكِ سليمانَ على حُكْمِ أَبيه، كما خَطَّأَ الروايةَ عن ابنِ عباس، واعتبرَ ذلك مُتعارضاً مع فطنةِ ودقةِ وحُكْمِ داود. قالَ في تخطئَتِه: " كانَ داودُ من الأَنبياءِ الملْهَمين، ومن الملوك الحكماء، فلا يُعْقَلُ أَن سُلَيمانَ كان يتعقَّبُ أَحكامَه، وهو والدُه، ولا نظنُّ أَنَّ داودَ الملْهَمَ يعْجَزُ عن حَلّ قضيةٍ كهذه.. أَمّا الذي انتقدَ أَحكامَ أَبيه فكانَ أَبْشالوم وليس سليمان، فإنَّ أَبْشالومَ لما عَزَمَ على الثورةِ ضِدَّ والدِه كان يسترقُّ قلوبَ بني إِسرائيل، ويقولُ: مَنْ يجعلُني قاضياً في الأَرضِ لأُنصفَ المظلومَ! فكانَ يَقْبَلُ الواحدَ ويكرمُه ويُعَظّمُه، فاستمالَ الناسَ ثم قامَ بانقلابٍ فاشلٍ على والدِه ... " (١) . ما ذَكَرَهُ الفادي عن قصةِ الملكِ اليهوديِّ أَبْشالوم مع أَبيه وثورتِه عليه نتوقَّفُ فيه، فلا نُصَدّقُه ولا نُكَذِّبُه، لعدمِ وجودِ دليلٍ عنْدَنا عليه. أَمّا تخطئةُ الفادي لكلامِ القرآنِ عن ما جَرى بينَ داودَ وسليمانَ - صلى الله عليهما وسلم - فهي مردودةٌ عليه، وما قالَه القرآنُ عنها فهو الصحيحُ والصَّواب، وهذا عندنا يَقين. لقد استدركَ سليمانُ على حكْمِ لأَبيه ﷺ في قضيةِ الحَرْثِ والغَنَم، وقَبِلَ داودُ استدراكَ ابنه وأَنْفَذَ له حُكْمَه، وليس معنى هذا اتهامَ داودَ ﷺ بالعجْزِ أَو الضعفِ أَو الخَطأ في الحُكْم، فقد آتى اللهُ داودَ فقْهاً وعلْماً وحكمةً وفِطْنَة، قال تعالى عنه: (وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ) . وقال تعالى: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠) .

стр. 147

شَدَّدَ اللهُ ملكَه وقَوّاه، وآتاهُ اللهُ الحكمة، وهي الفهمُ والعقلُ والصواب، كما آتاهُ فَصلَ الخطاب، وهو منعُ الخلافِ والجدالِ والنزاع، بين المتخاصمَيْن المحتكِمَيْن عنده، حيثُ يُصْدِرُ حُكْمَهُ الذي يَحُلُّ المشكلة، ويُنهي الأَمْر!. وكان يساعِدُه في أَحكامِه ابْنُه سليمان، الذي آتاهُ اللهُ الحكمةَ والعلمَ والفهم، وبذلك أُضيفَتْ حكمتُه إِلى حكمةِ أَبيه، وأُضيفَ عِلْمُه إِلى عِلْمِ أَبيه.. وإِذا دَعت الحاجةُ استدركَ الابنُ على حُكْمِ أَبيه، وتَقَبَّلَ الأَبُ استدراك الابنِ وحُكْمَه بِرضاً، وأَمْضى حُكْمَه!. وهذا ثَناءٌ على داودَ في فَهْمِه وحُكْمِه وعِلْمِه، وليس اتِّهاماً له بالضعفِ والغفلةِ والجَهْل، كما ظَنَّ الفادي الجاهل. وقد أَشارت الآيتانِ من سورةِ الأَنبياءِ إِشارةً مجملةً مبهمةً إِلى حادثةٍ مُعَيَّنَة، احتكمَ فيها خَصمانِ إلى داودَ ﷺ ، ثم استدركَ عليه ابنُه سليمان، فَقَبلَ الأَبُ حُكْمَه وأَمْضاه. احتكمَ إِلى داودَ رَجُلانِ في قضيةِ الحَرْثِ والغَنَم، والحرثُ هو الزَّرْع، فدخلتْ غنم صاحب الغنم إلئ ذلك الزرع، ونَفَشَتْ فيه لَيْلاً، واشتكى صاحبُ الزرعِ على صاحبِ الغنمِ عندَ داودَ ﷺ ، فحكمَ داودُ بحُكْمٍ لم تذكُرْه الآيَتان، واستدركَ سليمانُ على حُكْم أَبيه، وأصدرَ هو حُكْماً فَهَّمَه اللهُ إِيّاه، وكان هو الحكمَ الأَصَحّ!! ونُلاحظُ أَنَّ الكلامَ في الآيتيْن مجملٌ مختصرٌ مُبْهَم، لم يَذكُرْ تفَاصيلَ القضيةِ المعروضَة، ولا حُكْمَ داودَ في القضية، ولا كيفيةَ استدراكِ سليمان، ولا حُكْمَه فيها. ولا يوجَدُ عندنا حديثٌ صحيحٌ مرفوعٌ لرسولِ الله ﷺ ، يُضيفُ شيئاً إِلى ما وَرَدَ في القرآن. وقد وردَتْ روايةٌ موقوفةٌ على ابن عباسٍ ﵄، يُمكنُ أَنْ " نستأنسَ " بها في تَصَوّرِ المسألة. قالَ ابنُ عباس: دَخَلَ رجلانِ على داود، أَحَدُهما صاحبُ حَرْث، والآخَرُ صاحب غَنَم. فقال صاحبُ الحَرْث: إِنَّ هذا أَرسلَ غَنَمَهُ في حَرْثي، فلم يُبْقِ من حَرثي شيئاً!.

стр. 148

فقال له داود: اذهبْ فإِنَّ الغنمَ كُلَّها لك!. فَمَرَّ صاحبُ الغنمِ بسليمان، وأَخبرَه بالذي قَضى به داود.. فَدَخَلَ سليمانُ على داود ﷺ ، فقال: يا نبيَّ الله! إِنَّ القضاءَ سِوى الذي قَضيْتَ!. فقالَ له داودُ: كيفَ؟ قال سليمانُ: إِنَّ الحرثَ لا يَخفى على صاحبِه ما يخرجُ منه في كُلِّ عام، فلَه أَنْ يَبيعَ من أَولادِها وأصوافِها وأَشعارِها، حتى يستوفيَ ثمنَ الحَرْث! فقالَ له داودُ: أَصبتَ. القضاءُ ما قضيتَ!. وفي روايةٍ أُخْرى لابنِ عباسِ: أَنه قال: قضى داودُ بالغنمِ لأَصحابِ الحَرْثِ، فقالَ لهم سليمانُ: كيفَ قضى بينكم؟ فأَخْبَروه.. فقالَ لهم: لو وُلّيتُ أَمْرَكْم لقضيتُ بغيرِ هذا! فأُخبرَ داودُ بكلامِ سليمانَ، فقال له: كيفَ تَقْضي بينَهم؟. قالَ سليمانُ: أَدفعُ الغنمَ إِلى صاحبِ الحَرْثِ، فيكونُ له أَولادُها وأَلبانُها ومنافعُها، ويَبذُرُ أَصحابُ الغنمِ لأَهْلِ الحَرْثِ مثْلَ حَرْثهم، فإِذا بَلَغَ الحرثُ الذي كانَ عليه، أَخَذَ أَصحابُ الحرثِ حَرْثَهم، وردّوا الغَنَمَ إِلى أَصحابِها. إِنَّ هذا التفصيلَ موقوفٌ على ابنِ عباس، ولم يرفَعْهُ إِلى رسول اللهِ ﷺ ، ونحنُ نذكُرُ كلامَه من بابِ الاستِئْناس، مع التحفُّظِ والاحتياط. لكنَّنا نقولُ: لم يُخطئْ داودُ ﷺ في حُكْمه، لأَنه معصومٌ من الله، إِنما نقول: كانَ حُكْمُهُ خلافَ الأَوْلى، فَفَهَّمَ اللهُ سليمانَ المسألةَ، وأَلهمه الحُكْمَ الأَصَحَّ والأَوْلى. فحُكْمُ داودَ صحيحٌ صواب، ولكنَّ حُكْمَ سليمانَ هو الأَصَحُّ الأَصوبُ.. والله أعلم!!.

стр. 149

بين هاجر ومريم ﵉ - أَخْبَرَنا اللهُ عن ما جَرى لمريمَ العذراء ﵍، بعدما نَفَخَ فيها الروحُ جبريلُ، وحَمَلَتْ بعيسى ﵇. قال تعالى: (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) . وقد سَبَقَ أَنْ ناقَشْنا الفادي المفترِي في تخطئَتِه القرآنَ في كلامِه عن انتباذِ مريمَ عن أَهْلهِا، وعن النخلةِ وجِذْعِهاَ ورُطَبِها، وعن وَليدِها عيسى الذي كَلَّمها بعد لحظةٍ من ولادتِه. وقد اعترضَ على القرآنِ من زاويةٍ أُخْرى، حيثُ زَعَمَ أَنَّ القرآنَ خَلَطَ بينَ مريمَ وهاجر، فنَسَبَ لمريمَ ما حَصَلَ مع هاجر. قال: " وفي هذا خَلْطٌ بينَ مريمَ العذراء وهاجرَ أُمّ إِسماعيل.. فهاجر هربت إِلى البرية بإسماعيل، ولما عطشت هيَّأَ الله لها عين ماء فشربت. أَمّا العذراءُ فلم تَهْرُبْ إِلى بَرّيَّة، ولا احتاجَتْ إِلى الماء، ولا كانَتْ تحتَ نَخْلَة ... " (١) . واعتراضُه مردود، لأَنَّنا نتحفَّظُ على ما ذَكَرَهُ الأَحبارُ في سِفْرِ التكوين، بالنسبةِ لهربِ هاجرَ بابنِها إِسماعيلَ إِلى البرية، بسببِ اضطهادِ سارةَ لها، فما ذَكروهُ ليس في مصادِرِنا ما يُؤَيِّدُه ويُصَدّقُه، ولذلك نتوقف فيه بدونِ تصديقٍ أَو تكذيب، ونقول: اللهُ أَعلمُ بذلك (٢) . ويتجرأُ الفادي المفترِي على حديث القرآنِ عن مريم العذراء، فيُكَذِّبُه

стр. 150

قائِلاً: " وأَمّا العذراءُ فلم تَهْرُبْ إِلى بَرِّيَّة، ولا احتاجَتْ إِلى ماء، ولا كانتْ تَحْتَ نَخْلَة "!. وقد أَحبَرَنا اللهُ في القرآنِ أَنَّ مريمَ العذراءَ ﵍ اعتزلَتْ أَهْلَها، وابتعدتْ عنهم، وانتبذَتْ بابنِها الذي حَمَلَتْه مكاناً قَصِيّاً.. وهناك جاءَتْها آلامُ المَخاض، فأَلجأَتْها إِلى جذعِ نخلةٍ حَيَّة، فاعتمدَتْ عليه، واستندَتْ إِليه، وازدادت الآلامُ بها حتى إِنها تمنتْ أَنْ تكونَ ماتَتْ قبلَ هذا الوضع.. وما هي إِلا لحظةٌ حتى وضعتْ مولودَها عيسى بيُسْر، وما هي إِلّا لحظةٌ حتى سمعَتْ مولودَها يُكَلّمُها وهو تَحْتَها، ويَدْعوها إِلى عدمِ الحُزْن، ويُرشدُها إِلى أَنْ تَشربَ من ماءِ الجدولِ الذي أَجراهُ اللهُ تحتَها، وأَنْ تَهُزَّ جذعَ النخلةِ إِليها، حيث يتساقَطُ عليها الرطَبُ الجنيُّ الذي أَنضجَهُ اللهُ لها، وإِذا رأَتْ أَمامها أَحَداً لا تكلِّمُه، لأَنها صائمةٌ عن الكلام، وسيتولّى مولودُها مهمةَ الكلامِ نيابهً عنها. هذا ما قالَه القرآنُ عن ولادةِ مريمَ ابنَها عيسى ﵉، وهو الصحيحُ والصوابُ عندنا، ولا وَزْنَ لكلامِ الفادي المخالفِ له، ولا قيمةَ لاعتراضِه عليه!!. *** حول نزول المائدة على الحواريين أَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ أَنَّ الحوارِيّين طَلَبوا من عيسى ﵇ أَنْ يسأَلَ اللهَ إِنزالَ مائدةٍ من السماءِ عليهم، فسأَلَ عيسى ﵇ ربَّه. قال تعالى: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥) .

стр. 151

وقد اعترضَ الفادي المفترِي على كلامِ القرآنِ وخَطَّاَه، واتَّهَمَه بعدمِ فهمِ كلامِ الأَناجيل عن معجزاتِ عيسى ﵇ أَمامَ الحواريين، وقصةِ " العَشاءِ الرباني " (١) . قالَ: " لا يقولُ الإِنجيلُ إِنَّ تلامِيذَ المسيحِ طَلَبوا منه آيةً من السماء، ولا يَقولُ إِنَّ مائدةً نزلَتْ من السماء، ولكنَّ الذين تبعوا المسيحَ ليَسْمَعوا تَعاليمَه في البَريةِ مَكَثوا مَعَه وَقْتاً طويلاً، ولم يُرِد المسيحُ أَنْ يَصْرِفَهم صائمين، لئلا يَخورُوا في الطريق، فأَخَذَ خَمْسَ خبزاتٍ وسَمَكَتَيْن، وبارَكَ وكَسَّرَ، وأَطْعَمَهم جميعاً، وزادت عن الآكلين اثنتا عشرةَ قُفَّة!!. ولعلَّ قصةَ القرآنِ عن نزولِ مائدةٍ من السماءِ، نَشَأَتْ عن عدمِ فهمِ بعضِ آياتِ الإِنجيل (١) ، فوردَتْ في " مَتى: ٢٦/ ٢٠ - ٢٩ "، و " مرقس: ١٤/ ١٧ - ٢٥ "، و " لوقا: ٢٢/ ١٤ - ٢٠ "، و: " يوحنا: ١٣/ ١ - ٣٥ "، قصةُ العشاءِ الرّبّانيّ، الذي رسَمَه المسيحُ تذكاراً لصلْبِه، فوردَ في " لوقا: ٢٢/ ٣٠ " (٢) . بخصوصِ مائدةِ المسيح، حيثُ قال لهم: " لتأْكُلوا وتَشْرَبوا على مائِدَتي في ملكوتي، وتَجْلِسوا على كراسي، لتُدينوا أَسباطَ إِسرائيل الاثني عَشَرَ ". يَعترفُ الفادي بالمائدة، التي أَكَلَ منها الحواريّون؟ بحضورِ عيسى ﵇، ويُحيلُ على الأَناجيلِ الأَربعةِ في حديثِها عنها، ويذكُرُ أَنَّ تلك المائدةَ قامَتْ على تكثير الطعامِ بين يَدَيْ عيسى ﵇، حيثُ كان معه خمسةُ أَرغفة وسمكَتان، فَدَعا اللهَ ليُبارِك فيها، فبارَكَ فيها، وتَعَشّى منها الحواريّون جميعاً " عَشاءً ربانياً "، زادَ عنهم اثْنَتا عَشْرَةَ قُفَّةً مليئةً بالطعام!. وإِنَّ اللهَ الذي كَثَّرَ الطعامَ أَمامَ عيسى ﵇ قادرٌ على إِنزالِ مائدةٍ من الطعام من السماء، ليأكلَ منها الحواريّون، فلا داعيَ لإِنكار إِنزالِ المائدةِ من

стр. 152

السماءِ في الوقْتِ الذي يتمُّ الإِيمانُ بتكثيرِ الطعام، طالما أَنَّ كلا الأَمْرَيْنِ من فعْلِ الله، الذي هو على كلِّ شيءٍ قدير. والإِيمانُ بأنَّ القرآنَ كلامُ الله، يَدْعونا إِلى الإِيمانِ والتصديقِ بكلِّ ما وردَ في القرآن. وقد أَخبرنا اللهُ أَنه مُنَزِّلُ المائدة، في قوله تعالى: (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ) ، والتعبيرُ عن إِنزالها بصيغة اسمِ الفاعل: " مُنَزِّلُها "، لتأكيدِ حقيقةِ إِنزالِها. *** أصحاب القرية والرسل الثلاثة أَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ بقصةِ أَصحابِ القريةِ مع الرسلِ الثلاثة الذين أُرسلوا إِليهم ليَدعوهم إِلى الله. وخلاصَةُ تلك القصةِ أَنه كانَ أَهلُ قريةٍ من القرى كافِرين باللهِ، فأَرسلَ اللهُ إِليهم رجلَيْن رسولَيْن، ولما وَصلا إِليهم وَدَعواهم إِلى اللهِ كَذَّبوهُما، فَعَزَّزَهما اللهُ برسولٍ ثالث، وقامَ الرسُل الثلاثة بإِقامةِ الحُجةِ على أَهْلِ القَرية، ولكنَّهم لم يَسْتَجيبوا لهم.. وجاءَ رجل مؤمنٌ من أَقصى المدينة، مُؤَيّداً الرسلَ الثلاثةِ، ودَعا القومَ إِلى الإِيمان بالرسلِ وتصديقِهم والدخولِ في دينهم، وعبادةِ اللهِ وَحْدَه، لكنَّهم لم يَسْتَجيبوا له.. وأَمامَ إِصرارِ أَهْلِ القريةِ على الكفرِ والتكذيبِ والإِيذاء، حَقَّتْ عليهم كلمةُ الله، فأَوقعَ بهم العذاب.. كما ورد في الآيات (١٣ - ٢٩) من سورة يس. وقد أَبهمَ القرآنُ تفصيلَ قصةِ أَصحابِ القرية، فلم يذكُر اسْمَها، ولا زمانَها، ولا مكانَها، ولا جِنسيةَ أَهْلِها، كما لم يبيِّن أسماءَ الرسلِ الثلاثة، ولا مَنْ أَرْسَلَهم، هل هم رسلٌ من اللهِ مباشرة، أم أَرسلَهم رسولٌ من عند الله، ولم يذكُرْ دِينَهم، ولا كيفَ وَصَلوا إِلى القرية، ولم يذكُر اسْمَ الرجلِ المؤمنِ الذي جاءَ يسعى ويَنْصُرُ الرسل، ولا تفاصيلَ ما جَرى بينَه وبينَ القوم، ولا كيفَ كانَتْ نهايةُ الرسلِ الثلاثة والرجلِ المؤمن، هل قُتِلوا أَوْ نَجَوْا، ولا كيفَ

стр. 153

كانتْ تفَاصيلُ الصيحةِ الواحدةِ التي أَخذَتْهم وأَهلكَتْهم وجعلَتْهم خامدين!!. ولم يَرِدْ حديث صَحيحٌ عن رسولِ اللهِ ﷺ يُفَسِّرُ بعضَ المبهماتِ في قصةِ أَصحابِ القرية، ويُوَضَحُ بعض التفاصيل، ولو وَرَدَ لَقُلْنا به.. فالواجبُ علينا أَنْ نبقى مع القرآنِ في حديثهِ عن القصة، ونسكتَ عن ما سكَتَ عنه، ولا نُبَيِّنَ بعضَ المبهماتِ التي أَبهمها القرآنُ عمداً!. ولكنَّ كثيراً من المفَسِّرين لم يَفْعَلوا ذلك، وذَهَبوا إِلى الأَخبارِ والرواياتِ التي لم تثبت، والإِسرائيلياتِ التي تُفَصِّلُ الكلام، وفَسَّروا بها كلامَ الله، وبَيَّنوا بها المبهماتِ التي أَبهمها القرآن. ومن ذلك ما فعلَه الإِمامُ البيضاويُّ في تفسيرِ قصةِ أَصحابِ القريةِ في سورةِ يسَ، مما جعلَ الفادي ينتقدُه، ويُحَمِّلُ القرآنَ خَطَأَه!. قال: " (أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ) : القريةُ هي إِنطاكية. (إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ) : هم رسلُ عيسى ﵇. (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ) : لأَنه فِعْلُ رسولِه وخليفتِه، وهما يَحيى ويونس، وقيل: غيرهما. (فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) : هو شمعون. (فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) : وذلك أَنهم كانوا عبدةَ أصنام، فأَرسلَ إِليهم عيسى ﵇ اثْنَيْن، فلما قَرُبا من المدينةِ رأَيا حبيباً النجار يَرعى غنماً، فسأَلَهما فأَخبراه، فقال: أَمعكما آية؟ فقالا: نَشْفي المريضَ، ونُبرئُ الأَكْمَهَ والأَبرص، وكان له ولد، فَمَسحاه فَبَرأ، فآمَنَ حَبيب، ففشا الخَبَرُ، وشُفيَ على أَيديهما خَلْق كثير. وبَلَغَ حديثُهما إِلى الملك، فقالَ لهما: أَلَنا آلهة سوى أَصنامِنا؟ قالا: نعم، مَنْ أَوجدَك وآلهتَك؟ ... قال: حَتّى أَنظرَ في أَمْرِكما، فحبَسَهما.. ثم بَعَثَ عيسى شمعون، فدخَلَ مُتَنكراً، وعاشَرَ أَصحابَ الملك ... ، فأَنس به الملك، فقالَ له يوماً: سمعتُ أَنك حبستَ رجلَيْن فهل سمعْتَ ما يَقولان؟ قال: لا. فَدَعاهما. فقال شمعون: مَنْ أَرسلكما؟ قالا: اللهُ الذي خَلَقَ كُلَّ شيء، وليس له شريك. فقال: صِفَاه وأَوْجِزا. فقالا: هو يَفعلُ ما يشاءُ ويحكُمُ بما يُريد. فقال: وما آيَتُكما؟ قالا: ما يَتَمنّى الملِك.

стр. 154

فدعا بغُلامٍ مَطموسِ العينَيْن، فدَعَوَا اللهَ حتى انشقَّ له بَصَرُه، وأَخَذا بُنْدُقَتَيْن، فوضَعاهُما في حَدَقَتَيْه، فصارا مقلَتَيْن ينظرُ بهما. فقالَ شَمعون للملك: أَرأيتَ لو سأَلْتَ آلهتَك هل تصنَعُ مثلَ هذا؟ فقالَ الملك: لا أُخفي عنك سِرّاً، آلهتُنا لا تَسمعُ ولا تُبصر، ولا تَضر ولا تَنْفَع.. ثم قال: إِنْ قَدَرَ إِلهُكما على إحياءِ الميتِ آمَنّا به، فأَتَوا بغُلامٍ ماتَ منذُ سبعةِ أَيامِ، فدعَوَا الله، فقامَ حَيّاً، وقال: إِني أُدخلتُ سبعةَ أَوديةٍ من النار، وأنا أُحَذرُكُم ما أَنتم فيه.. فآمِنوا ... وقال: فُتحتْ أَبوابُ السماء، فرأيتُ شابّاً حَسَناً يشفعُ لهؤلاءِ الثلاثة ... فلما رأى شمعونُ أَن قولَه أَثّرَ في الملكِ نَصَحَه، فآمَنَ في جَمْع، ومَنْ لم يؤمنْ صاحَ عليهم جبريلُ فَهَلَكوا.. (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى) . هو حبيبٌ النَجار، وكان يَنحتُ أَصنامَهم، وهو ممنْ آمَنَ بمحمد، وبَيْنَهما ستُّمئة سنة.. وقيل: كانَ في غارٍ يَعْبُدُ الله، فلما بَلَغَه خَبَرُ الرسولِ أَتاهم وأَظهر دينَه..". تُحَدِّدُ هذه الروايةُ الإِسرائيليةُ القريةَ بأَنها إِنطاكية، والرَّجلينِ الرَّسولينِ بأَنهما يحيى ويونس، وأَنَّ الذي أَرسلَهما هو عيسى، وأَنَّ الرسولَ الثالثَ المؤَيّدَ لهما هو شمعون. وأَنَّ الذي جاءَ يَسعى من أَقصى المدينة هو حَبيبٌ النجار، وأَن حوارَهم كان مع ملكِ المدينة، وأَنهم قَدَّموا له الآياتِ من الشفاءِ والإِحياءِ حتى آمَن ... وقد اعترضَ الفادي على هذه الروايةِ الإِسرائيلية، وحَمَّلَ القرآنَ مسؤوليتَها، قال: " معلومٌ أَنَّ إِنطاكيةَ كانَتْ تحتَ حكْمِ الرومان، فكيفَ يقولُ القرآنُ: إِن لها مَلِكاً؟ ويقولُ البيضاوي: إِنَّ حبيباً النجارَ نَحّاتَ الأَصنامِ في إِنطاكية آمَنَ بمحمد، فهل من المعقولِ أَنْ يؤمنَ برسالةٍ جاءَتْ بعْدَه بستِّمئة سنة؟ ثم إِنَّه ليسَ مِن تلاميذِ مَنْ يُدْعى شمعون أو يونس؟ فشمعونُ هو ابنُ يعقوبَ بنِ إِسحاقَ بنِ إِبراهيم، ويونسُ أَو يونانُ هو أَحَدُ أَنبياءِ التوراة، الذي

стр. 155

ابْتَلَعَه الحوت ". ونحنُ لَسْنا مع البيضاويِّ في الروايةِ الإِسرائيليةِ التي ذَكَرَها، ولا نُفَسّرُ بها كلامَ الله، ونَبقى مع حديثِ القرآنِ عن قصةِ أَصحابِ القرية، لا نُضيفُ له أَيَ تفصيل. وهذا معناهُ أَنَّ اعتراضَ الفادي على القرآنِ مَرْدودٌ من أَساسِه، لأَنَّ القرآنَ لم يَذكرْ أَنَّ القريةَ هي إِنطاكية، ولا أَنه كان يحكُمُها مَلِك، ولم يُسَمِّ الرسلَ الثلاثة: يحيى ويونس وشمعون، ولم يتحدَّثْ عن حبيبٍ النجار. ولقد كانَ الفادِي متحامِلاً على القرآن، عندما حَمَّلَه خَطَأَ كلام البيضاوي، وادَّعى أَنَّ القرآنَ هو الذي قال: كان الملكُ يحكمُ إنطاكية! ومعلومٌ أَنَّ القرآنَ لا يتحمَّلُ مسؤوليةَ أَيِّ فهمٍ خاطئ له!!. *** حول قوم عاد أَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ عن قصةِ قومِ عاد، وكُفْرِهم بالله، وتكذيبهم نبيَّهم هوداً ﵇، ولما أَصَرّوا على كفْرهم وتكذيبهم أَوقعَ اللهُ بهم عِقابَه، حيث أَخَذَتْهم الصيحةُ فقضتْ عليهم وأَهلكَتْهم. وقد ذُكرتْ قصةُ عادٍ بالتفصيلِ في سور: الأَعرافِ وهودٍ والشعراءِ وفُصِّلت والقمر وغيرها. وفَصَّلَتْ سورةُ الأَحقافِ - قليلاً - العذابَ الذي أَوقعَهُ اللهُ بهم. قالَ تعالى: (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) .

стр. 156

وقد اعترضَ الفادي على كلامِ القرآنِ عن قومِ عاد، واعتبرَهُ غيرَ صَحيح، لأَنه لا يتفقُ مع حديثِ العهدِ القديمِ.. وأَخَذَ من تفسيرِ البيضاويِّ تفصيلَ العذابِ الذي أوقعَهُ اللهُ بهم. قال: " قال البيضاوي: هودٌ هو ابنُ عبدِ الله بنِ رباح بنِ الخلودِ بن عاد بن عوص بن إِرَم بن سامِ بن نوح ... وقومُ عادٍ كانوا يَعْبدونَ الأَصنام، فبعثَ اللهُ إِليهم هُوداً، فكَذَّبوه وازدادوا عُتُوّاً، فأَمسكَ اللهُ المطرَ عنهم ثلاث سنين، حتى جهدَهم.. وأَنشأَ اللهُ سَحاباتٍ ثلاثاً، بيضاءَ وحمراءَ وسوداء، ثم نادى مُنادٍ من السماء لزعِيمِهم " قِيَلِ بنِ عَثَر ": يا قِيَل! اخْتَرْ لنفسِك وقومِك. فقالَ: اخترتُ السوداء، فإِنها ْأَكْثرهُنَّ ماء!!.. فخرجَتْ على عادٍ من وادي المُغيث، فاستَبْشروا بها، وقالوا: هذا عارضٌ ممطِرُنا.. فجاءَتْهم منها ريخ عَقيم، فأَهلكَتْهم.. ونجا هود والمؤمنونَ معه، فأَتَوْا مكَّة، وعَبَدوا اللهَ فيها حَتى ماتوا ". وعَلَّقَ الفادي على كلامِ البيضاويِّ قائلاً: " ولا تذكُرُ التوراةُ أَنَّ نبياً قامَ بينَ نوحٍ وإبراهيم، وتذكُرُ بينَ ذريةِ نوحٍ رَجُلاً اسْمُه عاد، ولا تذكُرُ عقاباً بانقطاعِ المطرِ ثلاث سنوات، إِلَّا في أَيامِ النبيِّ إِيليا ". وقد سبقَ أَنْ قَرَّرْنا القاعدةَ العلميةَ الموضوعيةَ في التعاملِ مع أَحداثِ الزمن الماضي، وهي أَخْذُها من المصادرِ الإِسلاميةِ الموثوقة، المحصورةِ في الآياتَ القرآنيةِ الصريحة، والأحاديثِ الصحيحةِ المرفوعةِ إِلى رسولِ الله ﷺ وخلاصَةُ ما ذكَرَهُ القرآنُ حولَ قصةِ عادٍ: أَنهم كانوا يسكنونَ في منطقةِ الأَحقافِ في جَنوبِ شرقِ الجزيرةِ العربية، وأَنهم كانوا بعدَ قومِ نوحٍ ﷺ ، وأَنهم كانوا كافرينَ بالله، وكانوا ظَالمين معتدين، أَقوياءَ أشِدّاء. فبعثَ الله ُ لهم هوداً ﷺ رسولاً، وجَرى بينَه وبينهم جدالٌ ونقاش، وأَصَرّوا على كفرهم،

стр. 157

ولما أَوقعَ اللهُ بهم عذابَه أَنجى هوداً ﵇، والذين آمَنوا معه، وأَرسلَ على القوم الكافِرين ريحاً باردةً شديدةً قويةً عاتية، سَخَّرها عليهم سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أَيامٍ حُسوماً، وأَرسلَ عليهم سَحاباً أَسود، اعترضَ جبالَهم ووديانَهم، فظنّوه سَحاباً ممطراً، واستبْشَروا به، فأَهلكَهم الله. ولَسْنا مع ما أَوردَه البيضاويُّ من نَسَبِ هودٍ إِلى نوح ﵉، لأَنه لا دليلَ عندَنا على هذا النَّسَب، فلم يَرِدْ كلامٌ عنه في حديثِ رسولِ الله ﷺ .. كما أَننا لَسْنا مع البيضاوي في حديثِه عن السحاباتِ الثلاث، وعن اختيارِ زعيمِهم السحابةَ السوداء " لأَنها ممتلئةٌ مطراً. لا نقولُ إِلا بما قالَ به القرآنُ حولَ هذا العارضِ الذي يَحملُ العذاب: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ) ... . وإِذا كانَ في كلامِ البيضاويّ ما ليسَ عليه دليل، فإِنَّ القرآنَ لا يتحملُ ذلك، والقراَنُ لا يتحملُ إِلَّا ما ذكَرَه ونَصَّ عليه بصراحة! فاعتراضُ الفادي على القرآن مردود. وقد أخطأَ الفادي عندما شَكَّكَ في كلامِ القرآن عن قوم عادٍ، واعتبره من أخطاءِ القرآن التاريخية! وهو يَنفي وُجودَ قومِ عادٍ في التاريخ، ويُنكرُ نبوةَ هودٍ ﵇، والسببُ هو عدمُ حديثِ التوراةِ عن ذلك! وعدمُ حديثِ التوراةِ عن عادٍ لا يَعْني عدمَ وجودِهم في التاريخ، فلم تَذكر التوراةُ كُلَّ شيء من قَصصِ السابقين، وما سكَتَتْ عنه لا يَعني عدمَ وجوده! ثم إِنَّ الأَحبارَ حَرَّفوا التوراةَ وأَضافوا لها كثيراً من مزاعمِهم وأكاذيبهم وأَخطائِهم، فليس كلُّ ما فيها صحيحاً!. وبما أَنَّ القرآنَ تحدَّثَ عن عادٍ فهو الحديثُ الصحيح، لأَنه هو مرجعُنا المأمونُ الموثوقُ به، ولا وَزْنَ لاعتراضِ الفادي على حديثِه، وتخطئتِه له!.

стр. 158

حول النبي ذي الكفل ﵇ ذو الكِفْلِ نبيّ من الأَنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وقد ذَكَرَهُ القرآنُ ضمنَ الأَنبياء. قال تعالى: (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) . وقال تعالى: (وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨) . وذَهَبَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاويِّ لينظرَ فيما أَوردَه عن قصةِ ذي الكِفْلِ، ليشكِّكَ في ذِكْرِ القرآنِ له. قال: " قالَ البيضاويُّ في تفسيرِ سورةِ (ص) : ذو الكِفْلِ ابنُ عَمِّ الْيَسَع، أَو بِشْرُ بنُ أَيّوب، واخْتُلِفَ في نبوتِه ولَقَبِه. فقيل: فَرَّ إِليه مئةٌ من أنبياءِ بني إِسرائيلَ من القَتْل، فآواهُم وكَفِلَهم. وقيلَ: كُفِلَ برجلٍ عملَ صالحاً، وكان يُصَلي كُلَ يومٍ مئةَ صلاة ". وقالَ البيضاويُّ في تفسيرِ سورةِ الأَنبياءِ: " ذو الكفلِ يَعْني إِلياس، وقيل: يوشع، وقيل: زَكريا، سُمِّي به لأَنه كانَ ذا حَظ من اللهِ تعالى، أَو تَكَفَّلَ أُمَتَه! ". وجاءَ في بعضِ التفاسير أَنَّ ذا الكفلِ نبيّ من بَني إِسرائيل، وحكايَتُه أَنَّ مَلِكاً أَوحى اللهُ إِليه إِنّي أُريدُ قَبْضَ روحِك، فاعْرِضْ مُلْكَكَ على بَني إِسرائيل، فمنْ تَكَفَّلَ أَنْ يُصَلِّيَ الليلَ ولا يَفْترَ، ويَصومَ النهارَ ولا يُفْطِر، ويَقضيَ بينَ الناسِ ولا يَغْضَب، فادْفَع إِليه مُلْكَكَ، فَفَعَلَ ذلك.. فقامَ شابّ، فقال: أَنا أَتكفَّلُ لك بهذا.. فتكفَّلَ وَوَفّى، فَشَكَرَ اللهُ له، ونَبَّأَه.. وسُمِّيَ ذا الكفل.. ". وعَلَّقَ الفادي على ما نَقَلَه بتخطئةِ القرآن، قال: " ولا تَذْكُرُ التوراةُ ذا الكفل، ولكنها تذكُرُ أَنَّ الرجلَ الذي عالَ مئةً من الأَنبياءِ هو عوبديا، وزيرُ الملك أَخْآب، وكان يخشى الرَّبَّ جِدّاً، وخَبَّأَ هؤلاء المئة وَقْتَ أَنْ قَتَلت

стр. 159

الملكةُ إِيزابلُ أَنبياءَ الرب ". لم يُفَصل القرآنُ الحديثَ عن ذي الكفل، واكْتَفى بذكْرِهِ ضِمنَ الأَنبياء، وكُلّ ما يتعلَّقُ بنبوَّتِه وقِصَّتِه فهو من مبهماتِ القرآن، التي لا نعرفُ عنها شيئاً، ولا نملكُ الوسيلةَ لبيانِها، وكلُّ ما نقولُه عنه: إِنَ ذا الكفل نبيٌّ من أَنبياءِ بني إِسرائيل. وهذا مَعْناهُ أَنْ نتوقَفَ في ما حكاهُ البيضاويُّ والمفسِّرونَ الآخرون عن قصته، كما نتوقَّفُ في كُلِّ ما تذكُرُه الإِسرائيلياتُ، فلا نُصَدِّقُه ولا نُكَذِّبُه، والتوقُّفُ يعني أَنْ لا نذكُرَه ولا نعتمدَه ولا نقولَ به. أَما منهجُ الفادي المفترِي في النظرِ إِلى ما ذَكَرَهُ القرآنُ، فإِنه منهج خاطئٌ مردود، فهو يُحاكمُ القرآنَ إِلى التوراة، فما وافَقَ التوراةَ صَدَّقَه، وما لم تذكُرْه التوراةُ خَطَّأَهُ وكَذَّبَهُ ورَدَّه. ولذلك لا يَعتبرُ ذا الكِفْلِ نبيَّاً، لأَنَّ التوراةَ لم تذكُرْ ذلك!. ذو الكفلِ في نظر الفادي ليسَ نبياً، والقراَنُ أَخْطَأَ عندما ذَكَرَهُ مع الأنبياء! أَما نحنُ فإِننا نؤمنُ أَنَّ ذا الكفلِ نبيٌّ من أَنبياءِ بني إِسرائيل، لأَنَّ اللهَ أَخْبَرَنا عنه في القرآن، وتَفاصيلُ قِصتِه من مبهماتِ القرآن، ومَنْ أَنكرَ كونَه نبياً فهو كافر بالله لأَنه كَذَّبَ القرآنَ!!. *** من هم أصحاب الرَّسِّ ؟ أَشارَ القرآنُ إِشارةً إِلى أَصحابِ الرّش. قال تعالى: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) . وقال تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) .

стр. 160

وذهب الفادي إِلى تفسيرِ البيضاوي، ليتعَرَّفَ منه على أَصحابِ الرسّ. ونَقَلَ عنه قولَه: " أَصحابُ الرسّ: قومٌ كانوا يَعبدونَ الأَصْنام، فبعثَ اللهُ لهم " شعَيْباً فكَذَّبوه، فبينما هم حَوْلَ الرَّسِّ (وهي البئرُ غيرُ المطويَّة) انهارَتْ، فَخُسِفَ بهم وبديارِهم.. وقيل: الرسُّ: قريةٌ بجهةِ اليَمامة، كان فيها بقايا ثمود، فبُعث لهم نبيّ فقَتَلوه، فهَلكوا.. وقيل: الرسُّ: الأُخْدود. وقيل: الرسُّ: بئرٌ بإِنْطاكية، قَتَلوا فيها حَبيباً النجار.. وقيل: هم أَصحابُ حنظلةَ بنِ صفوان النبي، ابْتلاهم اللهُ تعالى بطيرٍ عَظيم، كان فيها من كُلّ لون، وسَمّوها عَنْقاء، لطولِ عُنُقِها، وكانت تسكنُ جَبَلَهم الذي يُقالُ له: فَتْح أَو دمخ، وتنقضُّ على صبيانهم فتخطفُهم إِذا أَعوزَها الصيْد، فدعا عليها حنظلةُ فأَصابَتْها الصاعقة. ثم إِنهم قَتَلوه فأُهلِكوا.. وقيل: هم قومٌ كَذَّبوا نبيَّهم وَرسّوه، أَيْ: دَسُّوهُ في بئر ". وشَكَّكَ الفادي في هذا الكلام، وهاجَمَ القرآنَ قائلاً: " ونحنُ نسألُ: ما هذه الرسّ؟ وفي أَيِّ بلاد؟ وفي أَيِّ زمن؟ لماذا لم يُوَضّحْ لنا القرآنُ ذلك، إِنْ كانَ للرس وجود؟! (١) . " الرَّس) ": مصدر. تقولُ: رَسَّ، يَرُسُّ، رَسّاً. وهو بمعنى الإِدْخال. تقول: رَسَّه. أَيْ: أَدْخَلَه. ويُطْلَقُ على البئرِ المحفورةِ في الأرض، ولكنَّها لم تُطْوَ، أَيْ: لم تُبْنَ من الداخل. و"أَصحابُ الرسِّ ": هم قومٌ كانوا يُقيمونَ حولَ بئرٍ مطويّة، غيرِ مبنيةٍ بالحجارة. فقيل عنهم: أَصحابُ الرسِّ. ولم يُفَصل القرآنُ الحديثَ عنهم، ولم يَقُصَّ قصتَهم، واكتفى بذكْرِ اسْمِهم ضمنَ مجموعةٍ من الأَقوامِ الكافرين السابقين، في سورَتَي الفرقان وق. فكانت قصةُ أَصحابِ الرسِّ من مبهماتِ القرآن. ولم يَرِدْ حديثٌ صحيحٌ عن رسولِ الله ﷺ يتحدثُ عنهم. ولذلك لا نتحدَّث عنهم، ونكتفي بالإِشارةِ القرآنيةِ المجملة.

стр. 161

ولَسْنا مع البيضاويّ في ما نَقَلَه عنهم، لأَنه كلامٌ لا دَليلَ عليه، فقد ذَكَرَ خمسةَ أَقوالٍ في تَعيينهم، وكلُّها أَقوالٌ ظنية، والتفاصيلُ التي ذَكَرَها من بابِ الإِسرائيليات التي لم تصحّ عندنا، فنتوقَفُ فيها، لا نُصدِّقُها ولا نُكذبُها ولا نَرويها. وما نقلَه البيضاويُّ في تَعيينِ أصحابِ الرس لا يتحملُه القرآن، فإِنْ كانَ خطأً فيتحمَّلُ مسؤوليتَه الذين رَووه وذَكروه!!. وتشكيكُ الفادي في وُجودِ أَصحابِ الرسّ اتهامٌ وتكذيبٌ منه للقرآن، وتَساؤُلُه عن مكانِ وزمانِ أَصحابِ الرسّ من بابِ خبثِه ولؤمِه: " لماذا لم يُوَضِّحْ لنا القرآنُ ذلك إِنْ كانَ للرسِّ وُجود؟! ". إِننا نؤمنُ أَنَّ للرسِّ وجوداً، وأنه كانَ قومٌ من الناسِ مُقيمونَ حولها، نؤمنُ بذلك لأَنَ القرآنَ ذَكَرَ ذلك، وكُلُّ ما وردَ في القرآنِ فهو صادق وصحيحٌ وثابت، لأَنه كلامُ الله. أَما لماذا لم يُوَضِّح القرآنُ زمانَ أَصحابِ الرسِّ أو مكانَهم، ولم يُفصلْ قصتَهم مع نبيّهم، فإِنَّ هذا يتفقُ مع منهج القرآنِ في حديثهِ عن قَصصِ السابقين. إِنَّ القرآنَ ليس كتابَ تاريخٍ مُفَصَّل، وحديثُه عن قَصصِ السابقين ليسَ روايةً تاريخيةً فنيةً مفصَّلَة، إِنه لا يذكُرُ من أَخبارِ السابقين إِلّا ما فيه عبرةٌ وعِظَة، وهو يعرضُ من أَخبارِهم ما يُحققُ أَهدافَه من الحديثِ عن قَصصِ السابقين، وما يَعرضُه يتناسقُ مع السياق الذي وَرَدَ فيه. وهذا مَعناهُ أَنَّ ما وردَ في القرآنِ من أَخبارِ السابقين هو لَقَطاتٌ ومَشاهد ومواقف قليلة، وما لم يوردْه من تَفاصيلِ أَخبارِهم أَكثرُ مما أَورده، وقد تعَمَّدَ القرآنُ إِبهامَ الكثير من تَفاصيلِ حياتِهم، عن تَعَمُّدٍ وقَصْد، لأَنَ اللهَ الحكيمَ العليمَ يَذكرُ للناسِ ما يَحتاجونَ إِليه ويستفيدونَ منه، وما طَواهُ عنهم يَعلم أَنهم لا يَحتاجون إِليه!. المهمُّ أَنَّ ما ذَكَرَه القرآنُ من أَخبارِ السابقين صادقٌ صحيحٌ ثابت،

стр. 162

ولا يُلامُ القرآنُ على ما أَغفَلَه من تفاصيلِ قَصصِ السابقين، إِنما يُلامُ أَوْ يتهم إِذا أَخطأَ فيما أَوردَه من قَصصهم!!. *** حول لقمان الحكيم في القرآنِ سورة سماها اللهُ سورةَ لقمان، وأَخبرَ المسلمين فيها عن طَرَفٍ من قصةِ لقمانَ الحكيم. وقال فيها: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) . وذَهَبَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاويِّ ليأخذَ منه مادتَه التشكيكيةَ بالقرآن، ونَقَلَ عنه قولَه: " لقمانُ بنُ باعوراء، من أَولادِ آزَرَ، ابنِ أُخْتِ أَيوب أَو خالتِه، وعاش حتّى أَدركَ داودَ ﵊، وأَخَذَ منه العلم، وكان يُفتي قبلَ مبعَثِه ". وعلقَ على كلامِ البيضاويِّ قائلاً: " فكيفَ يكونُ لقمانُ هذا نبيّاً؟ وكيفَ يعتبرُه البيضاويُّ أَنه عاصرَ أيوبَ وعاصَرَ داودَ، وبينَ أيوبَ وداودَ ما يقربُ من تسعمئةِ سنة؟! وأَينَ بلادُ عوصٍ حيث عاشَ أَيوبُ من بلادِ فلسطينَ حيثُ عاشَ داودُ؟! ". لم يُفَصّل القرآنُ الحديثَ عن لُقمان، وكلُّ ما ذكَرَه عنه أَنه كان رَجلاً مؤمناً بالله، عابداً شاكِراً له، آتاهُ اللهُ الحكمةَ والعلمَ والفهم، وكان داعيةً ناصحاً، وكان له وَلد، فقامَ بواجبِه في نصحِه وتوجيهِه وتذكيرِه وتعليمِه. وقد ذَكرتْ سورةُ لقمانَ طَرَفاً مما وَعَظ ونصحَ به ابْنَه. ولم تُضِفْ مصادرُنا الإسلاميةُ اليقينيةُ على ما وردَ في القرآنِ عنه، ولذلك معظمُ ما يتعلقُ بقصتِه من مبهماتِ القرآن، التي لا نملكُ دَليلاً على بيانها، فلا دَليلَ على زمانِه أَو مكانِه، ولا على القومِ الذين كانَ يَعيشُ معهم،

стр. 163

ولا نَعرفُ هل كان نبيَّاً أَمْ مجردَ مؤمن عالمٍ حَكيم، ولا نَعرفُ من كلامِهِ ومواعظِه وحِكمِهِ إِلَّا ما وردَ في القرآنِ!. وهذا معناهُ أَنْ نتوقَّفَ في القولِ بما وَرَدَ عنهُ من أَخبارٍ وأقوالٍ وحِكم، لأَنها من الإِسرائيلياتِ والرواياتِ التي لم تَثْبُت، فلا نُصدقُها ولا نُكذبُها ولا نَرويها. ولَسْنا مع البيضاويّ في حديثِه عن لُقْمان، لأَنه لا دليلَ عليه. وقد كان الفادي مُتَحامِلاً على القرآنِ عندما اعترضَ على كلامِ البيضاوي، وجَعَلَه من أَخطاءِ القرآنِ التاريخية، فما دَخْلُ القرآنِ في كلامِ البيضاوي؟ لا يُسأَلُ القرآنُ إِلا عن الكلامِ الذي يذكُرُه، ولا يُسْأَلُ عن كلامِ البَشَرِ المفَسِّرين، فهم قد يُخطئونَ وقد يُصيبون!. لم يُصَرِّح القرآنُ بنبوةِ لقمان، كما أَنه لم يَنْفِ نبوَّتَه، وإِنما سَكَتَ عنها، ولذلك لا نَقولُ بنبوَّته، لأَنه قد لا يكون نبيّاً!! ولا نَنْفي عنه النبوَّة، لأَنه قد يكونُ نبيّاً، فالأَسلمُ هو التوقُّفُ في هذا القول، والاعترافُ بقصورِ العِلْم، فنحنُ لا نَعلمُ إِلا ما عَلَّمَنا اللهُ إِياه، أَو وَفَّقَنا إِليه!. ثم إِنَ ما ذكرَهُ الفادي نَقْلاً عن العهد القديم لا دليلَ عليه، فلا دليلَ على أَنَّ أَيوبَ كانَ قبلَ داودَ ﵇ بتسعمئة سنة، ولا دَليلَ على أَنَّ أَيوبَ كان ببلادِ عوصٍ العربية، ولم يَقُلْ لنا أَينَ تقعُ بلادُ عوصٍ في الجزيرةِ العربية. فما عابَه الفادي على البيضاوي وَقَعَ هو فيه، وما وَجَّههُ إِليه من انتقادٍ يُوَجَّهُ إِليه. *** بين الإسكندر وذي القرنين ذَكَرَ اللهُ طَرَفاً من قصةِ ذي القرنَيْن في سورةِ الكهف الآيات (٨٣ - ٩٨) وخلاصةُ ما ذكَرَه عنه: أَنه كانَ رَجُلاً مؤمناً صالحاً، وكان قوياً شُجاعاً ظافراً منصوراً، وقامَ بثلاثِ رحلات، رحلةٍ نحو مغربِ الشمس، فَتَحَ فيها بلاداً،

стр. 164

وأَحسنَ معاملةَ أَهلها، ورحلةٍ نحو مشرقِ الشمس، وصلَ فيها إِلى أرضٍ مكشوفةٍ سهلة منبسطة، ورحلةٍ نحو الشمال، وَجَدَ فيها قوماً ضِعافاً، شكوا إِليه هجماتِ يأجوج ومأجوج، فأَقامَ سَدّاً عالياً بين جبلَيْن، ليقيهم من هجماتِهم. ورجعَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاوي، وأَخَذَ بعضَ ما قالَه عن ذي القرنَيْن، ونسبَ له قوله: " قال البيضاوي وابنُ هشام: إِنَّ ذا القرنَيْن هو إسكندرُ الأَكبر. وقال البيضاوي: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ) : يَعني إِسكندرَ الرومي، مَلَكَ فارس والروم، وقيل: مَلَكَ المشرقَ والمغرب، ولذلك سُمِّيَ ذا القرنين، أَو لأَنه طافَ قَرني الدنيا شرقَها وغربَها، وقيلَ: لأَنه انقرضَ قرنان من الناس، وقيلَ: كانَ له قرنان، أَيْ ضفيرتان، وقيل: كانَ لتاجه قَرْنان.. ويُحتملُ أَنه لُقّبَ بذلك لشجاعتِه، كما يقال: الكبشُ للشُّجاع، كأَنه ينطحُ أَقرانَه. واختُلفَ في نبوَّته مع الاتفاقِ على إِيمانِه وصَلاحِه ". ولا نُوافقُ البيضاويَّ على هذا الكلام، لأَنه ليس عليه دليلٌ من القرآنِ أَو الحديثِ الصحيحِ عن رسول اللًه ﷺ ، ولا داعي للأَقوال السبعةِ المختلفة التي ذَكَرَها في سببِ تسميته بذي القرنَيْن، ولا داعيَ لترجيحِ أَحَدٍ منها، لأَنها كُلَّها مما لا دليلَ عليه!. لم يَزِد القرآنُ على وصْفِ ذلك الرجلِ بذي القرنَيْن، وأَبهمَ اسْمَه وزَمانَه ومكانَه، فلا نَعرفُ هل كان نبيّاً أَم لا، ولا نَعرفُ اسْمَه ونَسَبَه، ولا نَعرفُ البلدَ الذي كانَ يحكُمُه، ولا نَعرفُ النبيَّ الذي كانَ في عصره، ولا نَعرفُ تَفاصيلَ رحلاتِه المذكورةِ في سورةِ الكهف، ولا يُمكنُنا تَحديدُ المكانِ الذي وَصَلَ إِليه في الغرب، ولا تحديدُ العينِ الحمئةِ التي وَقَفَ عندها، ولا تَحديدُ المكانِ في المشرق، ولا تَحديدُ المكانِ الذي وَصَلَه في الشمال، ولا السَّد الذي بَناه بين الجبلَيْن، فهذا كُلُّه من المبهماتِ التي لا تَبيينَ لها، لعدمِ وجودِ دليلٍ عليها.

стр. 165

ونَرُدُّ القولَ الذي أَوردَه البيضاوي من أَنَّ ذا القرنين هو الإسكندرُ الأَكبرُ الرومي، ملكُ اليونانِ المعروف، الذي فَتَحَ بلادَ اليونان والرومان وتركيا والشام ومصر وفارس، وماتَ في شبابِه في مدينةِ بابل، كما قال المؤرخون. فهذا القول خطأ، وإنْ قالَ به كثيرٌ من المؤَرِّخين والإِخباريّين والمفَسِّرين، لأَنه يَتعارضُ مع القرآن، فالإِسكندرُ المقدونيُّ الرومي كان وثنياً كافراً مشركاً بالله، وذو القرنين كان رَجُلاً مؤمناً صالحاً داعياً إِلى الله، فأَيْنَ هذا من هذا؟!. إِذنْ أَخْطَأَ البيضاويُّ ﵀ ومَنْ معه عندما قالوا: ذو القرنين هو الإِسكندر! لكنَّهُ خطؤُهم وليسَ خَطَأ القرآن. وبهذا نَرُدُّ الأَسئلةَ والإِشكالاتِ التي أَثارها الفادي على حديثِ القرآنِ عن ذي القرنينِ في قوله: " ونحنُ نسأل: كيفَ يَجعل القرآنُ إِسكندرَ الأَكبرَ الملكَ اليونانيَّ الوثنيَّ نبيّاً يُخاطبُه اللهُ ويُوحي إِليه؟ وكيفَ يَعْزو إِليه زيارةَ سدودٍ تَحُدُّ الأَرضَ وآبارٍ تَغيبُ فيها الشمس؟ وإِذا كانَ إِسكندرُ عَمَّرَ جيلَيْن كما قال البيضاوي، فما كانَ أَقصر أَعمارِ أَهلِ زمانه؟ فالتاريخُ يقول: إِنَّ إِسكندرَ توفيَ ابنَ ثلاثٍ وثلاثين سنة في مدينة بابل سنة (٣٢٣ ق. م) ، وكيفَ يكونُ نبيّاً أَو صالِحاً مؤمناً، وقد كانَ من عبدةِ الأَوثان، وادَّعى أَنه ابنُ آمون إِله المصريين؟! ". إِنَّ الفادي يَفتري ويُغالط وَيَتَلاعب، ويتهمُ القرآنَ بما ليسَ فيه، ويَحَمّلُه أَخطاءَ المفسِّرين، ويَنسبُ كلامَ المفسِّرين إِلى القرآن. إِنه يَكذبُ في قولِه: " كيفَ يجعلُ القرآنُ إِسكندرَ الأَكبرَ الملكَ اليونانيَّ الوثنيَّ نبياً يُخاطبُه اللهُ ويوحي إِليه؟ ". مع أَنَّ القرآنَ لم يَقُلْ ذلك، وإِنما أَخْبَرَ عن ذي القرنين، ولم يُصَرِّحْ بنبوةِ ذي القرنين، فضلاً عن أَنْ يَقول: إِنَّ ذا القرنين هو الإِسكندر، وإِنه نبيّ!. إِنَّ الذي قَال بأَنَّ ذا القرنين هو الإِسكندرُ هو البيضاوي ومَنْ معه من

стр. 166

المفسرينَ والمؤَرِّخين، وقد أَخْطَؤوا في كلامِهم كما سبقَ أَنْ قَرَّرْنا، فكيفَ يَنسبُ الفادي المفترِي كلامَهم إِلى القرآن، ويَجعلُ خَطَأَهم من أَخطاءِ القرآن؟!. وبمناسبةِ اتِّهامِه للقرآنِ وتشكيكِه في معلوماتِه، فقد شَكَّكَ في كلامِ القرآنِ عن العينِ الحمئةِ التي وَصَلَها ذو القرنين، وعن السَّدِّ الذي بَناه. قال: " وإِنْ كانت الشمسُ تَغربُ في بئرٍ فهل تَدورُ الشمسُ حولَ الأَرض أَم الأَرضُ حولَ الشمس؟ أَمّا السَّدُّ الذي بَناهُ إِسكندر من زُبَرِ (قِطَعِ) الحَدِيدِ والنحاسِ بين جَبَلَيْن، أحدهما مأهولٌ بأُمَّةٍ صالحة، والآخَرُ بأُمَّةٍ متوحشةٍ، فلا نَجِدُ له أَثَراً ". وقد سَبَقَ أَنْ نَاقَشْنا الفادي في تشكيكِه في غروبِ الشمسِ في عينٍ حمئة، التي أَخبرَ اللهُ عنها في قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) . أَما تشكيكُه في إِخبار القرآنِ عن سَدِّ ذي القرنين بحجةِ أَنَّ السَّدَّ ليس موجوداً؟ فلا وَزْنَ له، لأَنَّ عَدَمَ وجودِ السَّدِّ على الأَرضِ لا يَعْني أَنه لم يُبْنَ ولم يَكنْ موجوداً من قبل، فمن الراجح عندنا أَنَّ السَّدَّ قد تَمَّ نقضُه وهدمُه، ولم يَعُدْ له أَثَر، لكننا نوقنُ أَنَّ ذا القرنين بَناهُ بين الجبلَيْن من الحديدِ والنحاس، لأَنَّ اللهَ أَخبرَنا عن ذلك في القرآن. *** الكعبة ومقام إبراهيم ﵇ - أَخْبَرَنا اللهُ أَنَّ الكعبةَ هي أَولُ بيتٍ وُضِعَ للناسِ لعبادةِ الله. قال تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) .

стр. 167

وشَكَّكَ الفادي في هذا واعتبرَهُ من أَخطاءِ القرآنِ التاريخية. ونَقَلَ عن الدكتورِ علي حسني الخربوطلي قولَه: " إِنَّ الوثنيّين هم الذين بَنَوُا الكعبةَ لعبادةِ زُحَل والأَصنام، وكان العربُ يحجّونَ إِليها لتعظيمِ أَصنامِهِم ". ويُعَلِّقُ الفادي على كلام الخربوطلي بأَنه من الخطأ اعتبارُ الكعبةِ بيتاً لعبادةِ الله، قال: " من الخَطَأ أَنْ يُقالَ: إِنَّ الكعبةَ بيتُ اللهِ أَو مقامُ إبراهيم، فأين بيتُ اللهِ من بيتِ الأَصنام؟ " (١) . وما نسبَهُ الفادي إِلى الخربوطلي مردود، والدكتورُ علي حسني الخربوطلي مسلمٌ، لا يُخالفُ ما وَرَدَ في القرآن، وهو في كتابه " الكعبة على مر العصور " يذكرُ بعضَ ما قيلَ عن تاريخِ الكعبةِ وماضيها، فذَكَرَ أَنَّ بعضَهم ذهبَ إِلى أَنَّ الكعبة بُنيتْ لعبادةِ الكواكبِ والأَصنام، والخربوطلي لا يَقولُ بذلك، لكنه وجدَ هذا القول فسجَّلَه، ضمن أقوالٍ أُخرى، وباعتبارِه كاتباً مسلماً فقد رَجَّحَ ما وَرَدَ في القرآنِ، من أَنها أَوَّلُ بيت وُضِعَ لعبادةِ الله!. ولكنَّ الفادي الخبيث، وَقَفَ أَمامَ الأَقوالِ التي أَوردَها الخربوطلي، وَرجَّحَ القولَ الذي يتفقُ مع هواه، فاختارَه من بين تلك الأَقوال، ليجعَلَه دَليلاً على خطأ القرآن. وكنا نتمنَى على الدكتورِ الخربوطلي لو لم يذكُرْ تلكَ الأَقوالَ الباطلةَ المردودة المخالفةَ للقرآن، وأَنْ يكتفي بذكْرِ ما وَرَدَ في القرآن، حتى لا يحتجَّ أَصحابُ الأَهواءِ والمغرضون - كالفادي - بتلك الأَقوال!!. والراجحُ في نشأةِ الكعبةِ هو ما قالَه القرآنُ، من أَنَّها أَوَّلُ بيتٍ وُضِعَ للناس لعبادةِ الله، وكان الموحِّدونَ المؤمنونَ يحجُّونَ إِليها لعبادةِ اللهِ وحْدَه. وخَطَّأَ الفادي المفترِي القرآنَ في إِخبارهِ أَنَّ إِبراهيمَ هو الذي بنى الكعبة، وبقيَ " مَقامُ إبراهيم " الذي كان يَقِفُ عليه أَثناءَ البناءِ بجانبها، قالَ تعالى: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ) . وزَعَم أَنَّ إِبراهيمَ ﵇ كانَ يُقيمُ في فلسطين، فأَينَ هو من الحجاز؟!. قال: " ومعلومٌ أَنَّ إِبراهيمَ كان يَسكنُ أَرضَ

стр. 168

كنعان، ولم يَذهبْ إِلى بلادِ العرب، فمن الخطأ أَنْ يُقالَ: إِنَّ الكعبةَ بيتُ اللهِ أَو مقامُ إِبراهيم، فأَينَ بيتُ اللهِ من بيتِ الأَصْنام؟! وأَينَ العِبْرِيُّ من العربي؟! وأَينَ فلسطينُ من الحجاز؟ وقد أَوردَ الدكتورُ طه حسين هذه الفكرةَ في كتابِه الشعر الجاهلي ". أَمَّا أَنَّ إِبراهيمَ ﵇ كان يُقيمُ في الأَرضِ المقدَّسَة، فهذا حَقّ وصواب، نقولُ به لأَنَّ القرآنَ أَخبرَ عنه. وكونُه في بلادِ فلسطين لا يمنعُ ذَهابَه إِلى بلادِ الحجاز، وليسَ في هذا محذورٌ عقلاً، فقد كانَ في العراق، ثم توجَّهَ إِلى فلسطين، والمسافةُ بين فلسطينَ والحجازِ ليستْ أَبعدَ من المسافةِ بينَ فلسطينَ وجنوبِ العراق، فلماذا صَدَّق الفادي وطه حسين قُدومَ إِبراهيمَ من العراقِ لفلسطين، ولم يُصَدّقا ذهابَه من فلسطينَ إِلى الحجاز؟ أَلِأَنَّ الخبرَ الأَولَ وَرَدَ في العهدِ القديم فَصَدَّقاه، ولأَنَّ الخبرَ الثاني لم يَرِدْ في العهدِ القَديم، فلم يُصَدِّقا به؟ ومَنْ قالَ: إِنَّ الحقيقةَ محصورةٌ بما وردَ في العهدِ القديم؟ ولماذا لم يُصَدّقا ما وَرَدَ في القرآن؟ وهو كلامُ اللهِ الثابتُ المحفوظ!. إِنَ مرجعيتَنا الأُولى هي القرآن، وكلُّ ما وَرَدَ في القرآنِ نُؤمنُ به، وقد نَصَّ القرآنُ على أَنَّ إِبراهيمَ أتى إِلى بلادِ الحجاز، وأَسكنَ بعضَ أَهْلِه فيها. قال تعالى: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) . كما نَصَّ القرآنُ على أَنَ إِبراهيمَ وإِسماعيلَ هما اللذان بَنَيا البيتَ الحرام. قال تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) . وعلى ضوءِ هذا البيانِ القرآنيِّ الصادقِ يكونُ كلامُ الفادي خَطَأً وباطلاً ومردوداً.

стр. 169

يمين أيوب والضغث والضرب أَشارَ القرآنُ إِشارةً مبهمةً مجملةً إِلى يمينٍ حَلَفَه أَيوب، فأَرشَدَه اللهُ إِلى كيفيةِ التحللِ من يمينهِ، وعَدَمِ الحنْثِ فيه، بأَنْ يأخذَ ضِغْثأ فيضربَ به الطرفَ الآحْرَ. قال تعالى: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤) . وذهبَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاوي، ليأخذَ منه دليلاً على تخطئةِ القرآنِ في حديثِه عن يمينِ أَيوب ﵇. قال: " قال البيضاوي: الضغْثُ: الحزمةُ الصغيرةُ من الحشيشِ ونحوِه (فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ) : رُوِيَ أَنَّ زوجةَ أَيوبَ " ليا بنت يعقوب "، وقيل: " رحمة بنت أَفرايم بن يوسف " ذهبتْ لحاجةٍ فأَبطأَتْ، فحلَفَ إِنْ برئ أَن يضربَها مئةَ ضربة، فحلَّلَ اللهُ يَمينَه بذلك، وهي رخصةٌ باقيةٌ في الحدود ". وأَثارَ الفادي تشكيكَه وشبهاتِه قائلاً: " ونحنُ نسأل: كيفَ يصحُّ لأَيّوب البارّ، الصبورِ على ضَياعِ أَولادِه وعبيدِه ومواشيه، أَنْ يغضبَ على زوجتِه، وهو المشهودُ له في التوراةِ باللطفِ والحِلْم، وخاصةً مع زوجته، إِذْ قالَ لها: " تتكلَّمين كَلاماً كإِحدى الجاهلات!! آلْخَيْرَ نقبلُ من عندِ الله والشَّرَّ لا نَقْبَل؟ ".. وكيفَ يصحُّ لأَيوب أَنْ يتوعَّدَ زوجَتَه بالضربِ مئةَ ضربةٍ لمجردِ إِبطائِها؟ وكيفَ يحلفُ لِيَضْرِبَنَهَا مئةَ سوط، فينصحُه اللهُ أَنْ يأخذَ حُزْمَةً فيها مئةُ عود، فيضربَها بها ضربةً واحدةً فلا تقعُ يمينُه؟ وأَينَ أَيوبُ من يعقوبَ حتى يزوَّجَ ابنتَه؟ أو من يوسفَ حتى يتزوَّجَ حفيدتَه؟ والمعروفُ أَنَّ أَيوبَ سابقٌ ليعقوبَ ويوسفَ تاريخياً؟.. وهذه القصةُ موجودةٌ في خرافاتِ اليهودِ القدماء ".

стр. 170

لَسْنا مع الإِمامِ البيضاويِّ في تبيينِه ما أَبهمه القرآن، لأَنَه لا دليلَ له على ذلك. فلا نقول: إِنَّ امرأَتَه هي لَيا بنتُ يعقوب، ولا نقول: إِنها رحمةُ بنتُ أَفرايم، ولا نقول غيرَ ذلك، وبهذا يسقطُ اعتراضُ الفادي على تعيينِ اسمِ زوجتِه، واعتبارُه ذلك من أَخطاءِ القرآن، لأَنَّ القرآنَ لم يُبَيِّنْ ذلك أَصلاً. ويُخطئُ الفادي في زَعْمِه أَنَّ أَيوبَ كانَ قبلَ يعقوبَ ويوسفَ بفترةٍ طويلة، وأَنه كانَ في بلادِ عوض العربية، والراجحُ من خلالِ حديثِ القرآنِ عن الأَنبياءِ أَنه كانَ من أَنبياءِ بني إِسْرائيل المتأَخِّرين، نقول هذا من بابِ الترجيحِ والاحتمال، وليسَ من بابِ الجزمِ واليقين. ولَسْنا مع الإِمام البيضاويِّ في تَبيينِه سَبَبَ حَلْفِ أَيّوب، وكيفيةَ تكفيرِه عنه، فلا دليلَ عندنا من الآيات ِ الصريحة والأَحاديثِ الصحيحة لرسولِ الله ﷺ ، على أَنَ أَيوبَ غضبَ على امرأتِه لأَنها أَبْطَأَتْ عليه، فَحَلَفَ أَنْ يضربَها مئةَ سوط، وأَرشدَهُ اللهُ إِلى أَنْ يأخذَ غُصناً به مئةُ عود، فيضربَها به ضربةً واحدةً، لئلا يحنثَ في يمينِه. وبهذا يسقطُ اعتراضُ الفادي على ما أَوردَه البيضاوي، لأنه اعترضَ على كلامٍ لم يَصحّ ولم يَثْبُت، وجَعَلَه دليلاً على إِدانةِ القرآنِ وتخطئتِه، مع أَنَّ القرآنَ لم يَقُلْه! وكيفَ يُدانُ القرآنُ ويُخَظَّأُ على كلامٍ لم يَقُلْه؟!. وعلَينا أَنْ نبقى مع القرآنِ والحديثِ الصحيح في فهمِ ما ذَكَرَه القرآنُ عن قَصَصِ السابقين، ولا يَجوزُ أَنْ نُضيفَ إِليهما كلاماً لأَي شخصٍ آخر، أَو من أَيِّ مصدرٍ آخَر. وقد أَبهمَ القرآنُ الحديثَ عن يَمينِ أَيوبَ ﵇، واكتفى بإِشارةٍ مجملة: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ) . ومعنى الآية: إِنَّ أَيوبَ ﵇ حَلَفَ يَميناً أَنْ يَضربَ شَخْصاً ضَرْباً، فَدَعاهُ اللهُ إِلى أَنْ لا يَحنَثَ في يمينِه، وذلك بأَنْ يأخذَ ضِغْثاً فيضربَ به الطرفَ الآخَر، والضغْثُ هو القبضةُ من الحشيشِ أَو العيدان؟ يمْسِكُ بها الكَفُّ.

стр. 171

فأَخَذَ أَيوبُ الضِّغْثَ من الحشيشِ أَو العيدانِ وضربَ به الطرفَ الآخَر، وبذلك أَمضى يمينَه ولم يَحْنَثْ!. وكلُّ كلامٍ إِضافةً على هذا الكلامِ لا دليلَ عليه، ولا يَجوزُ أَنْ نُفَسِّرَ به كلامَ الله، ولذلك نَستبعدُ ما قيلَ بأَنَّ أَيوبَ حَلَفَ على امرأتِه أَنْ يضربَها مئةَ سوط، وأَنَّ اللهَ أَمَرَهُ أَنْ يضربَها بغصْنٍ فيه مئةُ عودٍ كي لا يَحْنَث!. *** الصرح الذي بُني لفرعون أخْبَرَنا اللهُ أَنَّ فرعونَ أَصَرَّ على كُفْرِهِ وادعى الأُلوهية، وطلبَ من وزيرِه هامانَ أَنْ يَبنيَ له صَرْحاً ليبحثَ عن إِله موسى. قال تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) . وقد اعترضَ الفادي على القرآن، وخَطَّأَه، ووضعَ لكلامِه عِنْواناً استفزازيّاً هو: " فرعونُ بنى بُرْجَ بابلَ بمصر! ". وهو تهكُّمٌ وسخريةٌ بكلامِ القرآن، فأَينَ برجُ بابلَ الذي في العراقِ من فرعونَ حاكم مِصر؟!. قالَ الفادي في تخطئتِه للقرآن: " ومعلومٌ أَنَّ البرجَ الذي كانَ بنو آدم يَبنونَه ليسَّ رأسُه السماء، وقد صنَعوهُ من الطّينِ اللَّبِنِ المشويِّ بالنّار، هو برجُ بابلَ في بلادِ الكِلْدانيّين، وقد شَرَعوا في بنائِه عقبَ حادثةِ الكِلْدانيّين.. فلا يمكنُ أَنْ يكونَ الآمِرُ بالبرجِ هو فرعون، كما أَنَّ البرجَ لم يُبْنَ في مصر، ولا يُمكنُ أَنْ يكونَ وزيرُ فرعون هو هامانَ الوزيرَ الفارسيّ، وقد بُنِيَ برجُ بابلَ قبلَ فرعونَ بقرونٍ طويلة! ". خَطَّاَ الفادي القرآنَ في حديثهِ عن صَرْحِ فرعون، بينما اعتمدَ حديثَ سِفْر

стр. 172

التكوينِ عن برجِ بابل، مع أَنها أُسطورةٌ وخُرافة، لا تتفقُ مع الإِيمانِ بالله، وخلاصَتُها: أَنَّ الناسَ تجمعوا في سهل بابلَ بعدَ انتهاءِ طوفانِ قومِ نوحٍ، فاتفقوا على أنْ يَبْنوا بُرْجاً عالياً، يَمَسُّ رأْسُه السماء، ليخلّدَ ذكْرَهم على الأَرض، ولما شَرَعوا في بنائِه، رآهم اللهُ وهو في السماء، وخافَ منهم أَنْ يَصْعَدوا إِليه، فقال لمن حَوْلَه من الملائكة: هؤلاء بنو آدم يَبْنون بُرْجَهم إِلى السماء، وإِنْ تَرَكْناهم وَصَلوا إِلينا، فَتَعالوا نَنْزِلْ ونُبَلْبِلْ أَلسنَتَهم ونُفَرِّقْهم!! فنزلَ الرَّبُّ إِليهم وبَلْبَلَ أَلسنَتَهم، فَتوقَّفوا عن البناء، وتَشَتَّتوا وتَفَرقوا في الأَرض!!. هذه الأُسطورةُ الخرافيةُ الكافرةُ يُصَدِّقُها الفادي لأَنها وردَتْ في العهدِ القديمِ، مع أَنها لا تتفقُ مع قوةِ اللهِ وقدرتِه وعظمتِه وعدلِه، وهي من تأليفِ الأَحبارِ المحَرِّفين للتوراة. أَما حديثُ القرآنِ عن الصرحِ الذي طَلَبَ فرعونُ من وزيرِه هامانَ أَنْ يبنيَه فإنه يُخَطِّئُه ويَرفضُه، كما يَرفضُ أَنْ يكونَ هامانُ وزيراً لفرعون، لأَنه كان وزيراً لملكِ الفرسِ، الذي كان بعدَ فرعونَ بقرون. والصَّرْحُ هو البناءُ العالي، والأَبنيةُ العاليةُ موجودةٌ في كثيرٍ من المدنِ القديمة، وقد ذَكَرَ القرآنُ صرحَيْن: الأَول: صَرْحُ فرعونَ الذي بَناهُ له هامانُ من الطينِ المحروق، والذي أَخبرتْ عنه آيةُ سورةِ القَصَص: (فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا) . وأَخبرَتْ عنه آيةُ سورةِ غافر: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا) . الثاني: صرحُ سليمانَ العجيب، الذي فاجأَ به ملكةَ سبأ. قال تعالى: (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤) .

стр. 173

وبما أَنَّ اللهَ أَخبرَنا عن صرحِ فرعونَ الذي بناهُ له وزيرُه هامانُ فإِننا نُصَدِّقُ ذلك ونؤمنُ به، ومعلوم أَنَّ الفراعنةَ تركوا خَلْفَهم مجموعةً من الأهراماتِ الأَثرية، والذين بَنَوْا تلك الأَهراماتِ لا يَعجزون عن بناءِ صَرْحٍ عالٍ!!. وقد سَبَقَ أَنْ ذَكَرْنا أَنه لا تَعارُضَ بين هامانَ المصري، الذي كان وَزيراً لفرعون، والذي ذَكَرَ القرآنُ اسْمَه صريحاً، وبينَ هامان الفارسي، الذي كان وزيراً لملكِ الفرس، فكثيراً ما تتشابَهُ الأَسْماء!. *** حول الطوفان على المصريين أَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ أنَّه لما أَصَرَّ فرعونُ وقومُه على الكفرِ واضطهادِ بني إِسرائيل، أَرسَلَ اللهُ عليهم عدةَ آيات، وابتلاهم بعدةِ ابتلاءات، لعلَّهم يَتَراجعونَ ويُؤمنون. قال تعالى: ( وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦) . ذَكَرت الآياتُ خمس عقوباتٍ عاقبَ اللهُ بها فرعونَ وقومَه، وهي: الطوفانُ والجرادُ والقُمَّلُ والضفادعُ والدَّمُ، وقد كان عاقَبَهم قبلَ ذلك بالمحلِ والجَدْبِ والسنين ونقصِ الثمرات، وَوَرَدَ ذلك في قولِه تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) . ويبدو أَنَ هذه العقوباتِ كانَتْ متتابعة: فعاقَبَهم اللهُ أَوَّلاً بالسنينَ والمحلِ ونقصِ الثمرات، حيثُ حُبستْ عنهم الأَمْطار، وقَلَّتْ مياهُ نهرِ النيل، وجَفَّتْ مزروعاتُهُم، وتَلِفَتْ أَشجارُهم وثِمارُهُم ... ثم أَرسلَ اللهُ عليهم الطوفان، بأَن

стр. 174

امتلأَ نهرُ النيلِ بالمياه، التي أَدّى طوفانُها إِلى إِغراقِ أَراضيهم ومزروعاتِهم بالمياه.. ولَمّا انْحَسَرت المياهُ ونَبَتَ الزرعُ أَرسلَ الله عليه الجرادَ فقضى عليه ... وما سَلِمَ من الزرعِ من الجراد، وحَصدوه، وخَزَّنوا حُبوبَه، أَرسلَ اللهُ عليه " القُمَّلَ " - بتشديدِ الميم - وهو السّوسُ الذي أَكَلَه ونَخَرَه وأَفْسَدَه.. أَمّا الضفادح والدمُ فهما عقوبتان منفصلتانِ عما قبلَهما، ولا نَعرفُ عن تفاصيلِهما، لأَنَ اللهَ لم يُخبرْنا عن ذلك، فنَكْتَفي بالإشارةِ القرآنيةِ الإِجمالية. وقد رَفَضَ الفادي قَبولَ ذلك، واعتبرَهُ من أَخطاءِ القرآنِ التاريخية، وحاكَمَ القرآنَ إِلى العهدِ القديم، فوجَدَ فيه الحديثَ عن عَشْر ضَرْبات، ضَرَبَ اللهُ بها آل فرعون. قال: " معلومٌ أَنَّ اللهَ ضَرَبَ المصريين على يَدِ موسى عَشْرَ ضربات، هي: الدَّمُ، الضفادح، البعوضُ، الذُّبَّانُ، موتُ المواشي، الدمامِلُ، البَرَدُ، الجرادُ، الظلامُ، موتُ الأَبكار ... أَمّا الطوفانُ فلم يُصِبْ مصرَ زمنَ فرعون، بل كانَ حَدَثاً مَشْهوراً حَلَّ بقومِ نوح ". وكلامُ الفادي عندنا مَرْدود، وعودَتُه لسِفْرِ الخروجِ لاستخراجِ الضرباتِ الربانيةِ العشرة منه غيرُ صحيحة، لأَنَّ الأَحبارَ حَرَّفوا أَسفارَ العهدِ القديم! فنحنُ لا نعتمدُ ما وردَ فيه، وإِنما نعتمدُ ما وَرَدَ في القرآن، فنقول: أَرسلَ اللهُ. على فرعونَ وقومِهِ الطوفانَ والجرادَ وَالقُمَّلَ والضفادح والدم، بعد أَنْ أَخَذَهم بالسنين ونقصِ الثمراتِ، لعلَّهم يتذكرون!!. وقد خَطَّأَ الفادي القرآنَ في حديثِه عن الطوفان، الذي عاقَبَ اللهُ به قومَ فرعون، لأَنه لا يوجَد عندَه إِلّا طوفانٌ واحد، وهو الذي عَمَّ الجبالَ والسهول، وأَغرقَ قومَ نوحٍ الكافرين! وهذا بسببِ فكرِهِ القاصرِ وعقْلِه الصغير، فالطوفانُ زمنَ نوحٍ ﵇ طوفانٌ عامّ شاملٌ كامل، عمَّ وَجْهَ الأَرضِ كُلّها، لكن هذا لا يَمنعُ وُجودَ وحدوثَ حوادثِ طوفانٍ أُخرى جزئية، ومنها ذلك الطوفانُ الذي أَرسلَه اللهُ على قومِ فرعون!!.

стр. 175

حول طالوت وجيشه أَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ عن قصةِ طالوت، وخلاصَتُها أَنَّ بَني إِسرائيل لما تسلَّطَ عليهم أَعداؤُهم، طَلَبوا من نَبيٍّ لهم أَنْ يجعلَ عليهم مَلِكاً، يَقودُهم لقتالِ أَعدائِهِمْ، فأَخبرهم أَنَّ اللهَ بَعَثَ لهم طالوتَ مَلِكاً، فاعْتَرَضوا عليه بأَنه ليسَ من بيتِ الملوكِ، وليسَ عندَه مال، فأَخبرهم أَنَّ آيةَ مُلْكِه أَنْ يَأْتِيَهم التابوتُ الذي سَلَبَهم إِياهُ أَعداؤُهم.. وخرجَ طالوتُ بالجيش، وطَلَبَ منهم أَنْ لا يَشْرَبوا من النهر، إِلا غَرْفَةً باليد، فشَربوا من النهر إِلا عَدَداً قليلاً منهم، وخاضَ بذلك العددِ القليلِ المعركةَ الفاصلة، وهَزَمَ اللهُ أَعداءَهم، وكانَ داودُ جنديّاً في جيشِ طالوت، وقَتَلَ جالوتَ قائدَ الكفار، وصارَ بعدَ ذلكَ نبياً ومَلِكاً على بَني إِسرائيل. واعترضَ الفادي على عرضِ القرآنِ لقصةِ طالوت، وحاكَمَ القرآنَ إِلى أَسْفارِ العهدِ القديم، وحَكَمَ بخطَأِ ما جاءَ في القرآنِ مُخالِفاً لكلامِ الأَحْبار. وقال: " والقصةُ أنَّ صموئيلَ النبيَّ مَسَحَ شاولَ الملك - الذي يُسميه القرآنُ طالوتَ لِطولِ قامتِه - ملكاً على بني إِسرائيل، وفي أيامِه بارزَ داودُ جالوتَ - الذي هو جُولْيات - وقَتَلَه، ونَصَرَ اللهُ بني إِسرائيل.. غير أَنَّ القرآنَ خَلَطَ هذه القصةَ بحكايةِ جيشِ جَدْعون، الذي امتحنَهُ بالشربِ من النهر، عندما حارَبَ المدْيانيّين، واعتبرَ أَنَّ شاولَ أَو طالوتَ هو جَدْعون، واعتبرَ أَنَّ الحربَ مع الفلسطينيِّين هي الحربُ مع المديانيين، مع أَنَّ بينَ الحادثتين زَمَن مديد! ". إِنَّ المرجعَ والمعتمَدَ هو القرآن، فإِذا قالَ القرآنُ قَوْلاً، وقالَ الكتابُ

стр. 176

المقَدَّسُ قولاً خالفه، حَكَمْنا بخطأ قولِ الكتابِ المقَدَّس، واعتمدْنا قولَ القرآن. الكتابُ المقَدَّسُ سَمّى الملكَ شاول، والقرآنُ سماهُ طالوت! والصحيحُ أَنَّ اسْمَه طالوت. وسمّى الكتابُ المقدسُ قائدَ الأَعداءِ جوليات، والقرآنُ سَمّاهُ جالوت! والصحيحُ أَنَّ اسْمَه جالوت. وأَخبرَ القرآنُ أَنَّ طالوتَ هو الذي امتحنَ جُنودَه بالنهرِ الذي مَرّوا به، وطلبَ منهم أَن لا يَشربوا منه إِلّا غَرفةً باليد، فَشَربوا منه إِلا قَليلاً منهم، وأَخبرَ الكتابُ المقَدَّسُ أَنَّ الذي امتحنَ الجنودَ بالنهرِ هو جدعون، وكان قائداً لبَني إسْرائيل، ظهرَ قَبْلَ طالوتَ بفترة! والصحيحُ هو ما ذكره القرآن. ولذلك كان الفادي مخطئاً في تخطئةِ القولِ الصحيحِ في القرآن. *** حول كلام عيسى في المهد أَخبرَ اللهُ أَنَّ عيسى ﵇ تكلمَ في المهد، أَيْ كَلمَ الناسَ وهو على حضْنِ أُمِّه. قال تعالى: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) . وقال تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا) . وذَكَرَ القرآنُ أَنَّ عيسى تكلمَ في المهدِ مرتَيْن: المرةُ الأُولى: بعد أَنْ وَلَدَتْه أُمُّه مباشرة، فناداها مِنْ تحتها، ودَعاها إِلى عَدَمِ الحُزْن، وأَرشَدَها إِلى الطعامِ والشرابِ، وعدم كلامِ الناس. قال تعالى: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) . المرةُ الثانية: بعدما حملَتْه وذهبَتْ به إِلى قومِها، وتَعَجَّبوا من الأَمْرِ، وسأَلوها عن تفسيرِ الأَمْر، فلم تُكلمْهم، وأَشارَتْ إِليه وهو على حضنِها،

стр. 177

فكلَّمَهم بلسانٍ فصيح، وقَدَّمَ نفسَه إِليهم.. قال تعالى: (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) . ولكنَّ الفادي كَذَّبَ القرآنَ وخَطَّاَه، وحاكَمَهُ إِلى كتابه المقَدَّس. قال: " ويقولُ الكتابُ المقَدَّس: إِنه لما جاءَ المسيحُ في الجَسَدِ كان يَنْمو نُمُوّاً طبيعياً، سواءٌ في بَدَنِه أَو عَقْلِه وتفكيرِه. فقالَ الإِنجيل: " وأَمّا يَسوعُ فكان يتقدَّمُ في الحكمةِ والقامةِ والنعمة، عندَ اللهِ والناس " فلم يَحدثْ أَنْ تكلمَ المسيحُ في المهد " (١) (٢) . وإن كلام الفادي المفترِي مردود، ومحاكمته القرآن إلى الكتاب المقدس خطأ منهجي منه، لأن القرآن هو الأصل والمرجع، وبما أنه ذكر أن عيسى ﵇ تكلم في المهد، فقد تكلم عيسى في المهد.. ثم إنه ليس في الأمر ما يدعو للاستغراب أو الإنكار، لأن كلامه في المهد لم يكن أمراً مألوفاً معتاداً، وإنما كان آية خارقة من آيات الله! والله الذي خلق عيسى ﵇ من غير أب هو الذي أنطقه في المهد!!. *** عيسى ومعجزة خلق الطير أَخْبَرَنا اللهُ أَنَّ عيسى ﵇ كان يَصنَعُ من الطينِ شَكْلاً على هيئةِ الطيرِ، ثم ينفخُ فيه فيكونُ طائِراً حَيّاً بإِذْنِ الله. قال تعالى: (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) .

стр. 178

وقال تعالى: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي) . وعَلَّق الفادي على هذا بِكلامٍ غامِض؟ قال فيه: " يَقولُ المسلمون: إِنَّ المسيحَ لما كان صَبِيّاً خَلَقَ من الطينِ طَيْرا.. ويؤمنُ المسيحيّون أَنَّ المسيحَ كلمةُ الله، وهو الذي (كُلُّ شيءٍ به كان، وبغيرِه لم يكنْ شَىءٌ مما كان) ، ولكنّهم يؤمنونَ أَنَّ المسيحَ لما تَجَسَّدَ لبثَ ثَلاثينَ سنة قبلَ أَنْ يبدأَ في الكرازةِ وعَمَلِ المعجزات ". لم يُصرح الفادي باعتراضِه على القرآن، ولم يُوَضِّحْ ما يريدُ من كلامِه عن المسيحِ ﵇، فما معنى جملة " كُلُّ شيء به كان، وبغيرِهِ لم يكنْ شيءٌ مما كانَ "!. ظاهرُ هذه الجملةِ أَنَّ كُلَّ شيء في الوجودِ متعلقٌ ومرتبطٌ بعيسى ﵇، وبدونه لا يوجَدُ شيء!! وهذا من صفاتِ اللهِ الخالق، وليسَ من صفاتِ عيسى المخلوق، فهذه صورةٌ من صورِ إِشراكِ النصارى، حيثُ أَشركوا عيسى بالله في الخلقِ والقوةِ والفعلِ والتصرُّف، وكأَنَ عيسى ﵇ هو المتصرفُ في الأَشياء، والقائمُ عليها، والحافظُ لها!!. ومع ذلك اعترضَ الفادي على القرآن، وخَطَّأَهُ في إِخبارِه عن معجزةٍ باهرةٍ لعيسى ﵇، حيث كانَ يأْخُذُ طيناً، ويَصنعُ منه تِمثالاً على شَكْلِ طائر، ثم يَنفخُ فيه، فتدبُّ فيه الروح، ويَصيرُ طائِراً حيّاً، وهذا بإِذْنِ اللهِ سبحانه ... فاللهُ في الحقيقةِ هو الذي جَعَلَه حَيَّاً، ونفخةُ عيسى ﵇ ما هي إِلّا سببٌ ماديّ، لأَنَّ المسبّبَ والخالقَ والمريدَ هو الله . وبما أَنَّ القرآنَ صَرَّحَ بذلك، فإِنَّنا نؤمنُ به ونُصَدِّقُه، ونَعتبرُه معجزةً من معجزاتِ عيسى ﵇، أَجْراها اللهُ على يَدَيْه.

стр. 179

من هو المصلوب ؟ الْتَبَسَ على النَّصارى صَلْبُ عيسى ﵇، كما الْتَبَسَ على اليَهود.. وحَلَّ القراَنُ الإِشكالَ، وأَزالَ اللَّبْسَ، لكنَّ النَّصارى لم يُصَدِّقوا القرآن. قال الله : (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) . واعترضَ الفادي على نَفْيِ القرآن قَتْلَ عيسى ﵇ وصَلْبَه، واعتبرَه خَطَأً من أَخطاءِ القرآن، واستغربَ من إِنكارِ القرآنِ أَمْراً مُجْمَعاً عليه بينَ اليهودِ والنصارى واليونان والرومان. ونُسجلُ اعتراضَ الفادي قبلَ أَنْ نفَنِّدَه: " لماذا ينكرُ القرآنُ صَلْبَ المسيحِ وقَتْلَه بأَيدي اليهود، مع أَنَّ اليهودَ يَعْترفون بذلك، والنصارى يُؤَكِّدونه ويَفْتَخرون به؟ والإِنجيلُ كُلّه هو خَبَرُ صَلْبِ المسيحِ والبشارةِ به، كَفادٍ للبشر؟. ويذكُرُ القرآنُ في مواضعَ أُخْرى موتَ المسيحِ وقيامتَه، وارتفاعَه إِلى السماء. كقوله تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) ، وفيه يَقولُ المسيحُ: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) ، ويقولُ أَيضاً: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) . أَليسَ غريباً أَنْ يَجيءَ مَنْ يُنكرُ صَلْبَ المسيحِ بعدَ حدوثِه بستمئة سنة؟! " (١) . إِنَّ حادثةَ الصَّلْبِ حقيقةٌ تاريخية، سَجَّلَها اليونانُ والرومانُ واليهودُ والمسيحيون.. وفي مجمع " نيْقية " الذي انعقدَ سنةَ (٣٢٥ م) كتبَ أَساقفةُ العالَم المسيحيِّ قانونَ الإِيمان، مُقَرّراً صَلْبَ المسيحِ لأَجْلِ خَلاصِنا، وهو القانون

стр. 180

الذي يَتْلوهُ كُلُّ مسيحي في كُلّ كنيسة، في كلِّ مكانٍ وزمان! وآثارُ المسيحيينَ في القرونِ العشرين الفائتة في كُلِّ أَنحاءِ العالَمِ تحملُ شاراتِ الصليب؟ فكيفَ ينكرُ أَحَدٌ تاريخيةَ الصليب؟! ". يُؤمنُ كُلّ النصارى أَن اليهودَ والرومانَ قَتَلوا عيسى ﵇ وصَلَبوه، وأَنَ روحَه خرجَتْ على الصَّليب، وبعد ثلاثةِ أيامٍ من دفْنِه رُدَّتْ إِليه روحُه، فقام من قَبْرِه، وصَعَدَ إِلى السماء!. وكانَ اليهودُ يَتَباهون ويَتَفاخَرون بقتْلِ عيسى ﵇، قال تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ) .. أَما النَّصارى فقد جَعَلوا الصليبَ جُزْءاً من عقيدتِهم ودينهم، والشعارَ المميزَ لهم عن باقي أَتْباعِ الأَدْيان، وَوَضَعوا الصليبَ في أَعناقِهم وعلى كنائِسهم وملابِسهم ومرافقِ حياتهم.. فإِذا نفى القرآنُ صَلْبَ عيسى ﵇ نَفْياً صَريحاً فإِنَ النصرانيةَ تَتَهاوى من أَساسِها، ولذلك كَذَّبَ الفادي القرآنَ في نفيهِ صَلْبَ عيسى ﵇. وعندَ النظرِ في كَلامِ القرآنِ عن الصَّلْب نَرى أَنه لم يَنْفِ الصَّلْبَ جملةً وتَفْصيلاً، وإِنما نفى صلبَ عيسى ﵇، وكَذًّبَ اليهودَ في ادعاءِ ذلك.. قال تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) ؟ فنفى أَنْ يَكونوا قَتَلوا عيسى ﵇ أَوْ صَلَبوه. ويُقررُ القرآنُ أَنَّ المختَلِفين في موضوعِ القتلِ والصلبِ من اليهودِ والنَّصارى في شكٍّ منه، لم يَصِلوا إِلى اليقين، لأَنهم لا يَنْطَلقونَ من العِلْم، وإِنما يَتَّبِعونَ الظَّنَّ، والظَّنّ لا يوصِلُ إِلى يَقين: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ... . ويؤكِّدُ القرآنُ مرةً أُخرى أَنهم لم يَقْتُلوا عيسى يَقيناً، لأَنَّ اللهَ العزيزَ الحكيمَ رَفَعَهُ إِليه: (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) . وتَدلُّ الجملُ القرآنيةُ السابقةُ على أَنَّ القرآنَ لم يَنْفِ الصلبَ مُطْلَقاً،
следующие страницы →