← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1431

القرآن ونقض مطاعن الرهبان

صلاح الخالدي

Полный текст (753 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

المقَدَّسُ قولاً خالفه، حَكَمْنا بخطأ قولِ الكتابِ المقَدَّس، واعتمدْنا قولَ القرآن. الكتابُ المقَدَّسُ سَمّى الملكَ شاول، والقرآنُ سماهُ طالوت! والصحيحُ أَنَّ اسْمَه طالوت. وسمّى الكتابُ المقدسُ قائدَ الأَعداءِ جوليات، والقرآنُ سَمّاهُ جالوت! والصحيحُ أَنَّ اسْمَه جالوت. وأَخبرَ القرآنُ أَنَّ طالوتَ هو الذي امتحنَ جُنودَه بالنهرِ الذي مَرّوا به، وطلبَ منهم أَن لا يَشربوا منه إِلّا غَرفةً باليد، فَشَربوا منه إِلا قَليلاً منهم، وأَخبرَ الكتابُ المقَدَّسُ أَنَّ الذي امتحنَ الجنودَ بالنهرِ هو جدعون، وكان قائداً لبَني إسْرائيل، ظهرَ قَبْلَ طالوتَ بفترة! والصحيحُ هو ما ذكره القرآن. ولذلك كان الفادي مخطئاً في تخطئةِ القولِ الصحيحِ في القرآن. *** حول كلام عيسى في المهد أَخبرَ اللهُ أَنَّ عيسى ﵇ تكلمَ في المهد، أَيْ كَلمَ الناسَ وهو على حضْنِ أُمِّه. قال تعالى: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) . وقال تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا) . وذَكَرَ القرآنُ أَنَّ عيسى تكلمَ في المهدِ مرتَيْن: المرةُ الأُولى: بعد أَنْ وَلَدَتْه أُمُّه مباشرة، فناداها مِنْ تحتها، ودَعاها إِلى عَدَمِ الحُزْن، وأَرشَدَها إِلى الطعامِ والشرابِ، وعدم كلامِ الناس. قال تعالى: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) . المرةُ الثانية: بعدما حملَتْه وذهبَتْ به إِلى قومِها، وتَعَجَّبوا من الأَمْرِ، وسأَلوها عن تفسيرِ الأَمْر، فلم تُكلمْهم، وأَشارَتْ إِليه وهو على حضنِها،

стр. 177

فكلَّمَهم بلسانٍ فصيح، وقَدَّمَ نفسَه إِليهم.. قال تعالى: (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) . ولكنَّ الفادي كَذَّبَ القرآنَ وخَطَّاَه، وحاكَمَهُ إِلى كتابه المقَدَّس. قال: " ويقولُ الكتابُ المقَدَّس: إِنه لما جاءَ المسيحُ في الجَسَدِ كان يَنْمو نُمُوّاً طبيعياً، سواءٌ في بَدَنِه أَو عَقْلِه وتفكيرِه. فقالَ الإِنجيل: " وأَمّا يَسوعُ فكان يتقدَّمُ في الحكمةِ والقامةِ والنعمة، عندَ اللهِ والناس " فلم يَحدثْ أَنْ تكلمَ المسيحُ في المهد " (١) (٢) . وإن كلام الفادي المفترِي مردود، ومحاكمته القرآن إلى الكتاب المقدس خطأ منهجي منه، لأن القرآن هو الأصل والمرجع، وبما أنه ذكر أن عيسى ﵇ تكلم في المهد، فقد تكلم عيسى في المهد.. ثم إنه ليس في الأمر ما يدعو للاستغراب أو الإنكار، لأن كلامه في المهد لم يكن أمراً مألوفاً معتاداً، وإنما كان آية خارقة من آيات الله! والله الذي خلق عيسى ﵇ من غير أب هو الذي أنطقه في المهد!!. *** عيسى ومعجزة خلق الطير أَخْبَرَنا اللهُ أَنَّ عيسى ﵇ كان يَصنَعُ من الطينِ شَكْلاً على هيئةِ الطيرِ، ثم ينفخُ فيه فيكونُ طائِراً حَيّاً بإِذْنِ الله. قال تعالى: (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) .

стр. 178

وقال تعالى: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي) . وعَلَّق الفادي على هذا بِكلامٍ غامِض؟ قال فيه: " يَقولُ المسلمون: إِنَّ المسيحَ لما كان صَبِيّاً خَلَقَ من الطينِ طَيْرا.. ويؤمنُ المسيحيّون أَنَّ المسيحَ كلمةُ الله، وهو الذي (كُلُّ شيءٍ به كان، وبغيرِه لم يكنْ شَىءٌ مما كان) ، ولكنّهم يؤمنونَ أَنَّ المسيحَ لما تَجَسَّدَ لبثَ ثَلاثينَ سنة قبلَ أَنْ يبدأَ في الكرازةِ وعَمَلِ المعجزات ". لم يُصرح الفادي باعتراضِه على القرآن، ولم يُوَضِّحْ ما يريدُ من كلامِه عن المسيحِ ﵇، فما معنى جملة " كُلُّ شيء به كان، وبغيرِهِ لم يكنْ شيءٌ مما كانَ "!. ظاهرُ هذه الجملةِ أَنَّ كُلَّ شيء في الوجودِ متعلقٌ ومرتبطٌ بعيسى ﵇، وبدونه لا يوجَدُ شيء!! وهذا من صفاتِ اللهِ الخالق، وليسَ من صفاتِ عيسى المخلوق، فهذه صورةٌ من صورِ إِشراكِ النصارى، حيثُ أَشركوا عيسى بالله في الخلقِ والقوةِ والفعلِ والتصرُّف، وكأَنَ عيسى ﵇ هو المتصرفُ في الأَشياء، والقائمُ عليها، والحافظُ لها!!. ومع ذلك اعترضَ الفادي على القرآن، وخَطَّأَهُ في إِخبارِه عن معجزةٍ باهرةٍ لعيسى ﵇، حيث كانَ يأْخُذُ طيناً، ويَصنعُ منه تِمثالاً على شَكْلِ طائر، ثم يَنفخُ فيه، فتدبُّ فيه الروح، ويَصيرُ طائِراً حيّاً، وهذا بإِذْنِ اللهِ سبحانه ... فاللهُ في الحقيقةِ هو الذي جَعَلَه حَيَّاً، ونفخةُ عيسى ﵇ ما هي إِلّا سببٌ ماديّ، لأَنَّ المسبّبَ والخالقَ والمريدَ هو الله . وبما أَنَّ القرآنَ صَرَّحَ بذلك، فإِنَّنا نؤمنُ به ونُصَدِّقُه، ونَعتبرُه معجزةً من معجزاتِ عيسى ﵇، أَجْراها اللهُ على يَدَيْه.

стр. 179

من هو المصلوب ؟ الْتَبَسَ على النَّصارى صَلْبُ عيسى ﵇، كما الْتَبَسَ على اليَهود.. وحَلَّ القراَنُ الإِشكالَ، وأَزالَ اللَّبْسَ، لكنَّ النَّصارى لم يُصَدِّقوا القرآن. قال الله : (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) . واعترضَ الفادي على نَفْيِ القرآن قَتْلَ عيسى ﵇ وصَلْبَه، واعتبرَه خَطَأً من أَخطاءِ القرآن، واستغربَ من إِنكارِ القرآنِ أَمْراً مُجْمَعاً عليه بينَ اليهودِ والنصارى واليونان والرومان. ونُسجلُ اعتراضَ الفادي قبلَ أَنْ نفَنِّدَه: " لماذا ينكرُ القرآنُ صَلْبَ المسيحِ وقَتْلَه بأَيدي اليهود، مع أَنَّ اليهودَ يَعْترفون بذلك، والنصارى يُؤَكِّدونه ويَفْتَخرون به؟ والإِنجيلُ كُلّه هو خَبَرُ صَلْبِ المسيحِ والبشارةِ به، كَفادٍ للبشر؟. ويذكُرُ القرآنُ في مواضعَ أُخْرى موتَ المسيحِ وقيامتَه، وارتفاعَه إِلى السماء. كقوله تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) ، وفيه يَقولُ المسيحُ: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) ، ويقولُ أَيضاً: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) . أَليسَ غريباً أَنْ يَجيءَ مَنْ يُنكرُ صَلْبَ المسيحِ بعدَ حدوثِه بستمئة سنة؟! " (١) . إِنَّ حادثةَ الصَّلْبِ حقيقةٌ تاريخية، سَجَّلَها اليونانُ والرومانُ واليهودُ والمسيحيون.. وفي مجمع " نيْقية " الذي انعقدَ سنةَ (٣٢٥ م) كتبَ أَساقفةُ العالَم المسيحيِّ قانونَ الإِيمان، مُقَرّراً صَلْبَ المسيحِ لأَجْلِ خَلاصِنا، وهو القانون

стр. 180

الذي يَتْلوهُ كُلُّ مسيحي في كُلّ كنيسة، في كلِّ مكانٍ وزمان! وآثارُ المسيحيينَ في القرونِ العشرين الفائتة في كُلِّ أَنحاءِ العالَمِ تحملُ شاراتِ الصليب؟ فكيفَ ينكرُ أَحَدٌ تاريخيةَ الصليب؟! ". يُؤمنُ كُلّ النصارى أَن اليهودَ والرومانَ قَتَلوا عيسى ﵇ وصَلَبوه، وأَنَ روحَه خرجَتْ على الصَّليب، وبعد ثلاثةِ أيامٍ من دفْنِه رُدَّتْ إِليه روحُه، فقام من قَبْرِه، وصَعَدَ إِلى السماء!. وكانَ اليهودُ يَتَباهون ويَتَفاخَرون بقتْلِ عيسى ﵇، قال تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ) .. أَما النَّصارى فقد جَعَلوا الصليبَ جُزْءاً من عقيدتِهم ودينهم، والشعارَ المميزَ لهم عن باقي أَتْباعِ الأَدْيان، وَوَضَعوا الصليبَ في أَعناقِهم وعلى كنائِسهم وملابِسهم ومرافقِ حياتهم.. فإِذا نفى القرآنُ صَلْبَ عيسى ﵇ نَفْياً صَريحاً فإِنَ النصرانيةَ تَتَهاوى من أَساسِها، ولذلك كَذَّبَ الفادي القرآنَ في نفيهِ صَلْبَ عيسى ﵇. وعندَ النظرِ في كَلامِ القرآنِ عن الصَّلْب نَرى أَنه لم يَنْفِ الصَّلْبَ جملةً وتَفْصيلاً، وإِنما نفى صلبَ عيسى ﵇، وكَذًّبَ اليهودَ في ادعاءِ ذلك.. قال تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) ؟ فنفى أَنْ يَكونوا قَتَلوا عيسى ﵇ أَوْ صَلَبوه. ويُقررُ القرآنُ أَنَّ المختَلِفين في موضوعِ القتلِ والصلبِ من اليهودِ والنَّصارى في شكٍّ منه، لم يَصِلوا إِلى اليقين، لأَنهم لا يَنْطَلقونَ من العِلْم، وإِنما يَتَّبِعونَ الظَّنَّ، والظَّنّ لا يوصِلُ إِلى يَقين: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ... . ويؤكِّدُ القرآنُ مرةً أُخرى أَنهم لم يَقْتُلوا عيسى يَقيناً، لأَنَّ اللهَ العزيزَ الحكيمَ رَفَعَهُ إِليه: (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) . وتَدلُّ الجملُ القرآنيةُ السابقةُ على أَنَّ القرآنَ لم يَنْفِ الصلبَ مُطْلَقاً،

стр. 181

وإِنما نفى صَلْبَ عيسى ﵇، فاليهودُ والرومانُ أَرادوا صلْبَ عيسى ﵇، ولكنَّ اللهَ حَماهُ وعَصَمه منهم، ورفَعَهُ إِلى السماءِ حَيّاً بِجسْمِه وروحِه.. أَمّا هم فقد صَلَبوا رَجُلاً آخَر، وكُل ظَنَهم أَنه عيسى! فقالَ اليهود مُتَبَجّحين: إِنّا قَتَلْنا المسيحَ عيسى ابنَ مريمَ رسولَ الله. معنى قوله تعالى: (وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) : شُبهَ لهم أَمْرُ الصلْبِ والقَتْل، والْتَبَسَ عليهم، وَوَقَعوا في لَبْسٍ وشَبَهٍ بشأنِه! وهذا معناهُ أَنهم قَتَلوا وصَلَبوا شَخْصاً مَشْبوهاً، وكلُّ ظَنَهم أَنه عيسى، مع أَنَ المقتولَ المصلوبَ لم يكنْ عيسى، إنما كانَ شَخْصاً آخَر. ومعنى قوله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ) : لم يقتل اليهودُ عيسى ﵇ يَقيناً، ولم يكن الشخصُ المقتولُ المصلوبُ عيسى حقيقة، إِنما كانَ شَخْصاًاَخَرَ غَيْرَه، بينما كان عيسى ﵇ في السماء!!. وهذا معناهُ أَنَّ هُناكَ شخصاً مقتولاً مصلوباً، يَجزمُ اليهودُ والنصارى والرومانُ وغيرُهم أَنه المسيحُ عيسى ابنُ مريم رسولُ الله، ويَنفي القرآن الذي أَنزلَه اللهُ بعد ستمئة سنةٍ من الحادثةِ أَنْ يكونَ عيسى، ويُشيرُ إِلى أَنَّه شخصٌ آخرُ غير عيسى!! فمن هو هذا الشخصُ الآخَرُ المقتولُ المصلوب؟!. لم يتحدَّثْ عنه رسولُ اللهِ ﷺ في حديثٍ صحيحٍ مرفوع، وذَكَرَ قَصَّتَه الصحابى الجليلُ عبدُ الله بن عباس ﵄. وهو أَصَحُّ ما جاءَ في مصادِرِنا الإِسلامية، بشأنِ الأحداث الخطيرة في تلك الليلة، ورواية ابن عباس تتفق مع حديث القرآن عن عدم قَتْلِ عيسى وصَلْبِه، وتُشيرُ إِلى شخصيةِ القَتيل. ونسجل فيما يلي رواية ابن عباس، وتمهيد ابن كثير لها، وحديثه عن أحداث تلك الليلة المثيرة: قالَ ابنُ كثيرٍ في تفسيره: " وكانَ من خبرِ اليهودِ - عليهم لَعائنُ اللهِ وسَخَطُه وغَضَبُه وعِقابُه - أَنه لما بَعَثَ اللهُ عيسى ابنَ مريم بالبيناتِ والهدى، حَسَدوه على ما آتاهُ اللهُ من النبوة، والمعجزاتِ الباهراتِ التي كان يُبرئُ بها الأَكْمَهَ والأَبرصَ

стр. 182

ويُحيي الموتى بإِذْنِ الله ... فخالَفوه وكَذَّبوه، وسَعَوْا في أَذاهُ بكُل ما أَمْكَنَهم، حتى جعلَ نبيُّ اللهِ عيسى ﵇ لا يُساكنُهم في بلدة، بل يُكثرُ السياحةَ هو وأُمُّه ... ثم لم يُقْنِعْهم ذلك حتى سَعَوا إِلى ملكِ دمشق في ذلك الزمان - وكانَ رَجُلاً مشركاً من عبدةِ الكواكب، وكانَ يُقالُ لأهْلِ مِلَّتِه: اليونان - وأَنْهَوْا إِليه أَنَّ في بيتِ المقدسِ رجلاً يَفتنُ الناسَ ويُضلُّهم، ويُفسِدُ على الملكِ رعاياه.. فغضبَ الملكُ من هذا، وكتبَ إِلى نائبِه بالقُدْس، أَنْ يَحتاطَ على هذا المذكور، وأَنْ يَصْلُبَه، ويَضَعَ الشوكَ على رأْسِه، ويكفَّ أَذاهُ عن الناس.. فلما وَصَلَ الكتابُ امتثلَ والي القدس ذلك. وذهبَ هو وطائفة من اليهودِ إِلى البيتِ الذي فيه عيسى ﵇، وهو في جماعةٍ من أَصحابِه، اثْنَيْ عشر رجلاً. فلما أَحَسَّ عيسى بهم، وأَنه لا مَحالةَ من دخولِهم عليه، أَو خروجِه إِليهم، قالَ لأَصحابِه: أَيكم يُلْقى عليه شَبَهي، وهو رفيقي في الجنة؟. فانتدبَ لذلك شابٌّ منهم، فكأَنه استصغَرَه، فأَعادَها ثانيةً وثالثة، وكُلّ ذلك لا يَنْتِدبُ إِلّا ذلك الشّابّ ... فقالَ له عيسى: أَنتَ هوإ! وأَلقى اللهُ شَبَهَ عيسى عليه، فكأَنَّه هوإ!. وفُتِحَتْ " رُوزَنَة " من سَقْفِ البيتِ، وأَخَذَتْ عيسى ﵇ سِنَة من النوم، فرُفعَ إِلى السماءِ وهو كذلك ... فلما رُفعَ عيسى من سَقْفِ البيت، خَرَجَ أُولئك النفرُ من البيت. فلما رأى اليهودُ والجنودُ ذلك الشابَّ ظَنّوه عيسى، فأَخَذوهُ فى الليل وصَلَبوه، وَوَضَعوا الشوكَ على رأْسهِ.. وأَظهرَ اليهودُ أَنهم سَعَوْا في صَلْبِه، وتَبَجَّحوا بذلك.. وسَلَّمَ لهم طوائفُ من النصارى ذلك؟ لجهْلِهِم وقلةِ عَقْلِهم.. ما عدا مَنْ كانَ في البيتِ مع المسيح، فإِنهم شاهَدوا رَفْعَه.. وأَما الباقونَ فإِنهم ظَنُّوا كما ظَنَّ اليهودُ أَنَّ المصلوبَ هو المسيحُ ابنُ مريم ... حتى ذَكَروا أَنَّ مريمَ جَلَسَتْ تحتَ ذلك المصلوبِ وبَكَتْ.

стр. 183

وهذا كلُّهُ من امتحانِ اللهِ لعبادِه، لما لَه في ذلكَ من الحكمةِ البالغة. وقد أَوضحَ اللهُ الأَمْرَ وجَلّاه وأَظْهَرَه وبَينَه في القرآنِ العظيم، الذي أَنزلَه على رسولِه الكريمِ ﷺ ، حيثُ بَينَ أَنهم ما قَتَلوا عيسى ﵇ وما صلَبوه، ولكن شُبِّهَ لهم، حيثُ أَلْقى اللهُ شَبَهَه على ذلك الشّابّ، فَبَدا لهم عيسى، فقَتَلوه وصَلَبوه، ظانّينَ أَنَّه عيسى! وأَخبرَ اللهُ أَنَّ الذينَ اخْتَلَفوا في عيسى ﵇ من اليهودِ الذين ادَّعَوْا قَتْلَه، والنصارى الجُهّالِ الذين سَلَّموا لهم بذلك، كُلُّهم في شَكٍّ وحَيْرةٍ وضلالٍ من ذلك! وأَخبرَ أَنهم ما قَتَلوه مُتَيَقنِين أَنه هو، وإِنما كانوا شاكّين مُتَوَهِّمين ... قالَ ابنُ عباسٍ رضتها: " لما أَرادَ اللهُ أَنْ يرفعَ عيسى ﵇ إِلى السماء، خَرَجَ على أَصحابِه، وفي البيتِ اثْنا عَشَرَ رَجُلاً من الحواريّين، خَرَجَ عليهم من عينٍ في البَيْت، ورأسُه يَقطرُ ماءً، فقالَ إِنَّ منكم مَنْ يكفرُ بي اثنتَي عَشْرَةَ مرة، بعد أَنْ آمَنَ بي!. ثم قال: أيكم يُلْقى عليه شَبَهي، فيُقْتَلُ مكاني، ويَكونُ معي في دَرَجتي؟. فقامُ شابّ من أَحْدَثِهم سِنّاً، فقالَ له: اجلسْ، ثم أَعادَ عليهم، فقامَ ذلك الشابُّ، فقالَ له: اجلسْ! ثم أَعادَ عليهم، فقامَ ذلك الشاب، فقال: أنا! فقالَ له عيسى ﵇: هو أَنت!!. فأُلْقِيَ عليه شَبَهُ عيسى ﵇، ورُفِعَ عيسى من " روزَنَةٍ " في البيتِ إِلى السماء، وجاءَ الطَّلَبُ من اليهود، فأَخذوا الشَّبَهَ، فَقَتَلوه، ثم صَلَبوه.. ". وعلى ضوءِ كلامِ ابن عباسٍ ﵄ وابنِ كثيرٍ ﵀، يمكنُ أَنْ نَتَصَوَّرَ أَحداثَ تلك الليلةِ المثيرةِ كما يَلي: ١ - نجحَ اليهودُ في إِقناعِ الحاكمِ الروماني في إِلقاءِ القبضِ على عيسى ﵇.

стр. 184

٢ - توجِّهَتْ مجموعةٌ من الجنودِ الرومانِ واليهودِ إِلى المكانِ الذي فيه عيسى ﵇. ٣ - كان عيسى ﵇ في أَحَدِ بيوتِ القُدْس في تلك الليلة، وكانَ معه اثْنا عَشَرَ رَجُلاً من الحوارِيّين. ٤ - عَلِمَ عيسى ﵇ بقدومِ الجنودِ لاعْتِقالِه وقَتْلِه، فلم يَخَف ولم يَقْلَقْ ولم يَحْزَنْ، لأَنَّه يوقنُ أَنَّ اللهَ معه، بِحِفظِه وعنايتِه ورعايتِه. ٥ - أَخبرَ اللهُ عيسى ﵇ أَنهم لن يَصِلوا إِليه، وطَلَبَ منه أَنْ يَنتدبَ من أَتْباعِه شاباً، ليُلقيَ شَبَهَهُ عليه. ٦ - أَخبرَ عيسى ﵇ الحواريّين أَنَّ الله سيحميه، وعَرَضَ عليهم أَنْ ينتدبَ أَحدهم ليفديَه بنفسِه، بأَنْ يُلْقى عليه شَبَهُه، فيُؤْخَذَ ويُقْتَلَ ويَموتَ شهيداً، ويكونَ معه في الجنة. ٧ - استجابَ لعيسى ﵇ شابٌّ من أَصْغَرِ الحوارِيّين سِنّاً، وبقيَ اسْمُه مبهماً. ٨ - أَجرى اللهُ على ذلك الشابِّ الفدائيِّ آيَتَه الخارقة، فَحَوَّلَه إِلى عيسى، بأَنْ أَلْقى شَبَهَه عليه، بحيثُ لا يَشُكُّ مَنْ رآهُ أَنه عيسى. ٩ - رَفَعَ اللهُ رسولَه عيسى ﵇ إِلى السماء، بعدَ أَنْ أَلْقى عليه النَّوْم، وكانَ الحوارتون معه في البيت، فرأَوْه وقد أُلْقِيَ عليه النوم، ورأَوْهُ وهو يُرْفَعُ من فتحةٍ في البيت!. ١٥ - لما دخلَ الجنودُ واليهودُ البيتَ، رأَوْا أَمامَهم " عيسى "، وهو في الحقيقةِ " عيسى المُتَحَولُ "، شبيهُ النبي عيسى الذي رُفِعَ إِلى السماء. ١١ - أَخَذَ الجنودُ عيسى المتحوِّلَ، وهم لا يَشُكّونَ أَنه عيسى المطلوبُ، ولم يَنْفِ الشابّ أَنَّه عيسى. ١٢ - لا نَعرفُ ماذا جَرى للحوارِيّين الأَحَدَ عَشَرَ الذين كانوا في البيت، هل هَرَبوا أَم اعْتُقِلوا، أَم اعْتُقِلَ بعضُهم وهربَ آخرون.

стр. 185

١٣ - أَخَذَ الجنودُ " عيسى الثاني الشّبِيه "، وصَلَبوهُ على الخشبة، وقَتَلوهُ على الصَّليب، ولقيَ وَجْهَ اللهِ شهيداً، بينما كان عيسى الرسولُ ﵇ في السماء. ١٤ - كان الناسُ يَأتونَ إِلى الشّابِّ المقتولِ المصلوب، ولا يَشُكونَ أَنه عيسى، لأَنَّ اللهَ أَلْقى شَبَهَه عليه، فأَنزلوه عن الصَّليبِ ودَفَنوه. ١٥ - كان اليهودُ فَرِحين شامِتين، لأَنهم قَتَلوا عيسى وصَلَبوه، وأَذاعوهُ في الناس، وقالوا: إِنا قَتلْنا المسيحَ عيسى ابنَ مريمَ رسولَ الله.. بينما كانَ القتيلُ عيسى الشبيه. ١٦ - لَم يَعلم النَّصارى ماذا جَرى من معجزاتٍ ربانيةٍ في تلك الليلة، وأَيْقَنوا أَنَّ الشابَّ الذي خَرَجَتْ روحُه على الصليب، ودُفِنَ في الأَرضِ هو عيسى رسولُ الله، ﵊، وقالوا: قَتَلَ اليهودُ رسولَنا وصَلَبوه. ١٧ - صَبَّ اليهودُ والرومانُ العذابَ على الحوارِيّين والمؤمنين بعيسى ﵇، وقَتَلوا منهم وصلَبوا، وشَرَّدوا وطَرَدوا.. ولم يلتقطْ ذلك الجيلُ من النصارى أنفاسَهم ليُفَكِّروا بتَأَن وتَمَهُّلٍ فيما جرى في تلك الليلةِ المثيرة. ١٨ - بقيتْ حقيقةُ ما جَرى في تلك الليلةِ خافيةً على اليهودِ والنصارى، وهم يوقنون أَنَّ المقتولَ المصلوبَ هو عيسى رسولُ الله ﵊، حتى بَعَثَ اللهُ محمداً رسولاً ﷺ ، بعد ستة قُرون، وأنزل عليه القرآن، وَوَضَّحَ حقيقةَ الأَمْرِ وأَزالَ اللبس، وذَكَرَ أَنَّ المصلوبَ هو ذلك الشابُّ الفدائيُّ الشهيد، وأَنَّ عيسى الرسولَ ﵇ في السماء!!. معى قوله تعالى: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) ادّعى الفادي أَنَّ القرآنَ ذَكَرَ موتَ عيسى ﵇. قال: " ويذكُرُ القرآنُ في مواضِعَ أُخرى موتَ المسيح، وقيامتَه وارتفاعَه إِلى السماء، كقوله: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) ، وقوله: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ) .

стр. 186

وقوله: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) . وهذا فهمٌ خاطى للآياتِ الثَّلاث، فهي لا تتحدَّثُ عن موتِ عيسى ﵇ على الصليب، ثم دفنِه وقيامتِه، وإِنما تتحدَّثُ عن موتِه، وبعثِه يومَ القيامة. معنى آيةِ سورةِ مريم: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) : أَنَّ اللهَ سيمنَحُه السلام، ويُنْجيه من الخَطَرِ في المواطنِ الثلاثةِ التي يتعرَّضُ فيها الإِنسانُ لخطرٍ كبير: يومَ ميلادِه، ويومَ موتِه، ويومَ بعثِه حَياً يومَ القيامة!. والمرادُ بقولِه: (وَيَومَ أَمُوتُ) : موتُه الحقيقيُّ بعدَ إِنزالِه على الأَرضِ قُبَيْلَ قيامِ الساعة، حيثُ سيُنزلُهُ اللهُ حاكِماً بدينِ الإِسلام، وسيكسرُ الصَّليب ويقتلُ الخنزير، ويضعُ الجزية، ويُقاتلُ النَّصارى، ولا يقبلُ منهم إِلّا الإِسلام.. ثم يموتُ الموتةَ التي كَتَبَها اللهُ على كُلّ مخلوقٍ حيٍّ، ثم يُصَلي عليه المسلمونَ ويَدفنونه. والمرادُ بقوله: (وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) : بَعْثُه يومَ القيامة، معَ باقي الأَنبياءِ والإِنسِ والجِنّ. فليس المرادُ بقولِه: (وَيَومَ أَمُوتُ) : موتَهُ على الصليبِ وخروجَ روحِه عليه. كما أَنه ليس المرادُ بقولِه: (وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) : قيامَه من قبرِه الذي دَفَنوهُ فيه، بعد ثلاثةِ أَيامٍ من صَلْبِه ودَفْنِه. أمّا معنى آيةِ سورةِ آلِ عمران: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) فإِنه يَحتاجُ إِلى توضيح، لنفيِ اللَّبْسِ وحَلِّ الإِشكال. (مُتَوَفِّيكَ) في الآيةِ خبرُ " إِنَّ " مرفوعٌ بضمةٍ مقدَّرَةٍ على الياء، وهو اسْمُ فاعلٍ من الفعلِ الخُماسيّ: تَوَفّى. تقول: تَوَفّى، فهو المتوفِّي. والتوفّي في القرآنِ قد يُسْنَدُ إِلى الله.

стр. 187

قالَ تعالى: (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠) . وقد يُسْنَدُ إِلى الملائكة؟ قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ) . وقد يُسْنَدُ إِلى مَلَكِ الموت؟ قالى تعالى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) . وقد يُسْنَدُ إِلى الموتِ نفسِه؟ قالى تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) . والتَّوَفّي المسنَدُ إِلى اللهِ في القرآنِ ليس كُلُّه بمعنى الموت، بل إِنه يَرِدُ فيه بمعنَيَيْن: الأوَّل: الموتُ. فاللهُ يتوفّى الناسَ. أَيْ: يُميمُهم ويَقبضُ أَرواحهم. قال تعالى: (فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ) ، وقالى تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ) . الثاني: النّومُ. فاللهُ يتوفّى النّاسَ. أَي: يجعلُهم يَنامون. قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى) . ومعنى الآية: اللهُ يجعلُكم تَنامون في الليل، ويَقبضُ أَرواحَكم أَثناءَ نومِكم، ثم يُعيدُ أَرواحَكم إِلى أَجسادِكم عند استيقاظِكم، ويبعثكم في النهار. وقال تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) . اعتبرت الآيةُ النومَ مَوْتاً، وقَسَّمَت الناسَ بِالنوم إِلى قسمَيْن: هناك أُناسٌ يَنامونَ، ويَموتون أَثناءَ النّوم، لأَن اللهَ أَنهى آجالَهم أَثناءَ النوم، وقبضَ أَرواحَهم، ولم يُرْجِعْها إِلى أَبدانهِم: (فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ) . وهناك أُناسٌ يَنامونَ، ويتوفّى اللهُ أَرواحَهم أَثناءَ النوم، ثم يُعيدُها إِلى

стр. 188

أجَسادِهم عند الاستيقاظ، لأَنه بَقيَتْ في أَعمارِهم بقية: (وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) . والفريقان يتوفّاهم اللهُ أَثناءَ نَومِهم: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) .. والتوفّي معناه القبضُ، أَيْ: اللهُ يَقبضُ أَرواحَ الأنفس كُلِّها حينَ نومِها، فإِن انتهى عُمْرُ بعضِ الأَنفسِ أَمسكَ أَرواحَها أَثناءَ نومِها، وإِنْ بقيتْ في عمرِ بعضِ الأَنفسِ بقيةٌ أَعادَ لها أَرواحَها. وتدلُّ الآياتُ السابقةُ على أَنَّ التوفّي في القرآنِ بمعنى: " القبضِ " والتغييب. وهذا القبضُ والتغييبُ نوعان: قبضُ نَوْمٍ.. وقَبْضُ مَوْت. فالتوفّي في القرآنِ نوعان: تَوَفّي نَوْم.. وتوفّي مَوْت. والمعْنَيانِ مذكورانِ في قصةِ عيسى ﵇: فاللهُ تَوَفّى عيسى ﵇ تَوفّي نَوم، ثم سيتوفَّاهُ توفّي مَوْت ... التوفّي الأوَّل: وَرَدَ في قولِهِ تعالى: (إِد قَالَ اَدفَهُ يَعِيممَئَ إِقِ مُتَوَفيلثَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ) : أَي: إِنَّني أُلْقي عليكَ النَّوْم، وأَتَوَفّاكَ تَوَفّي النَّوْم، وأَقبضُكَ أَثناءَ نومك، وأَرفعُك إِلَيَّ وأَنت نائم، وأُطَفَرُكَ من الذينَ كفروا. التوفي الثاني: وَرَدَ في قوله تعالى: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) ، أَيْ: لما أَمَتَني وقَبَضتَ روحي، كنتَ أَنْتَ الرقيبَ عليهم. والخلاصةُ: توفّى اللهُ عيسى ﵇ تَوَفي نَوْم، وذلك عندما أَتاهُ الجنودُ واليهودُ لقَتْلِه وصَلْبِه، فحماهُ اللهُ منهم، وأَلْقى عليه النوم، وتوفّاهُ وقَبَضَه أثناءَ نومِه، ورَفَعَه إِليه، وجَعَلَه في السَّماء، وهو حيّ بروحِه وجسمِه في السماءِ، حياةً خاصةً معجزة، ليستْ كحياتِنا.. وسيَنزلُ قُبيلَ قيامِ الساعة. وسوفَ يَتَوَفَّى اللهُ عيسى ﵇ تَوَفي الموت، عِندما يُنزلُه في آخِرِ الزمان، ويَعيشُ بين المسلمين ما شاءَ اللهُ له أَنْ يَعيش.. ثم يتوفّاهُ اللهُ بقبضِ روحهِ وموته ... هذا ما قَرَّرَهُ القرآنُ بشأنِ تَوَفّي عيسى ﵇، وهو الحَق الذي لا خَطَأَ فيه والله أَعلم!! (١) ..

стр. 189

الفصل الثالث نقض المطاعن الأخلاقية

стр. 190

الرخصة لمن أكره على الكفر ْرَخَّصَ اللهُ لمنْ أُكْرِهَ على الكفرِ أَنْ يَنطقَ بكلمةِ الكُفْر. قال تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) . تُهَدِّدُ الآية ُ من ارْتَدَّ عن الإِسلام، وعادَ إِلى الكفر، وشَرَح صَدْرَه بالكفر، وتتوعَّدُه بالغضبِ من الله، والعذابِ العظيمِ في الآخرة. و" مَنْ " في أَوَّلِ الآيةِ اسْمُ شرْط. وجملةُ (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ) فعْلُ الشرط، وجَوابُ الشرطِ مَحْذوف، والتقدير: فهو مُؤاخَذٌ مُعَذَّب. والمعْنى: مَنْ كَفَرَ باللهِ مُخْتاراً راضياً، وعادَ إِلى الكفرِ بعدَ الإِيمان، برضاهُ واختيارِه، فهو الملعونُ المغضوبُ عليه الخاسرُ. وتَستثني الآية ُ من التهديدِ والوعيدِ الذي أُكْرِهَ على الكفر، وتُرَخِّصُ له بالنطقِ بكلمةِ الكفرِ بسببِ الإِكراه: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) . ونزلت الآية في ما جَرى لعمارِ بنِ ياسر ﵁، عندما أَكْرَهَه الكفارُ على النطقِ بكلمةِ الكفر. قال ابنُ كثير: " عَنْ أبي عبيدةَ محمدِ بنِ عمارِ بنِ ياسر قال: أَخَذَ المشركونَ عَمّارَ بنَ ياسر، فَعَذَّبوهُ حتى قارَبَهم في بعضِ ما أَرادوا، فشكا ذلك إِلى النبيِّ ﷺ فقالَ النبيُّ ﷺ : " كيفَ تَجِدُ قَلْبَك؟ ". قال: مطمئِناً بالإِيمان. قال: " إِنْ عَادوا فَعُدْ.. " فأَنزلَ اللهُ قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) ..

стр. 191

ولما أرادَ الفادي أَنْ يُثيرَ إِشكالاً على الآية، ذَهَبَ إِلى تفسيرِ البيضاوي، ونَقَلَ منه ما قيلَ عن نُزولِ الآيةِ فيما جَرى لعمارِ بنِ ياسر ﵁، وهو بمعنى الروايةِ السابقةِ عندَ ابنِ كثير في تفسيره. وعَلَّقَ البيضاويُّ على الآيةِ والروايةِ بقوله: " وَهوَ دَليلٌ على جَوازِ التكلمِ بالكفرِ عندَ الإِكراه ... ". وعَلَّقَ الفادي على كلامِ البَيْضاويِّ بقوله: " ونحنُ نسأل: هل من الأَمانَةِ أَنْ يُزَوِّرَ الإِنسانُ في عقيدتِه ويُنْكِرَ إِلهه الحَيَّ في سبيلِ إِرضاءِ النّاس؟ قالَ المسيحُ: ومَنْ أَنْكَرَني قُدّامَ الناس، يُنْكَرُ قُدّامَ ملائكةِ الله ". واعتراضُ الفادي على الآيةِ لا قيمةَ له، لأَنَّ الآيةَ تتحدَّثُ عن رخصةٍ رَخَّصَ اللهُ بها لبعضِ المسلمين، أَنْ يَنْطِقوا بكلمةِ الكفر، عندما يُكْرَهون على ذلك، بمعنى أَنهم إِنْ لم يَنْطِقوا قُتِلوا، وبعضُ الناسِ قد يُحِبُّ الحياةَ، فتُجيزُ له الآيةُ ذلك بشرطِ أَنْ تكونَ كلمةً باللسان، للنَّجاةِ من القَتْل، وأَنْ يكونَ القلبُ مطمئِنّاً بالإِيمان. ومع أَنَّ الإِسلامَ يُجيزُ النطقَ بكلمةِ الكفْرِ للنجاةِ من القَتْلِ إِلَّا أَنَّ الأَوْلى والأَفضلَ للمسلمِ أَنْ لا يَنطقَ بها، وأَنْ يَثْبُت على الإِيمانِ حتى لو أَدّى ذلك إِلى قَتْلِه. قالَ ابنُ كثير: ".. اتفقَ العلماءُ على أَنَّ المكْرَهَ على الكفرِ يَجوزُ له أَن يُوالي، إِبقاءً لمهْجَتِهِ، ويَجوزُ له أَنْ يأبى، كما كان بلالٌ ﵁ يأبى عليهم ذلك، وهم يفعلونَ به الأَفاعيل، حتى إِنهم ليَضَعُونَ الصخرةَ العظيمةَ على صَدْرِه، في شدةِ الحَرّ، ويأمرونَه بالشرك، فيأبى عليهم وهو يقول: أَحَدٌ، أَحَدٌ.. ويقول: واللهِ لو أَعلمُ كلمةً هي أَغيظُ لكم منها لقُلْتُها. ﵁ وأَرضاه. وكذلك حَبيبُ بنُ زَيْدٍ الأنصاري، لما قالَ له مسيلمةُ الكذاب: أَتشهدُ أنَّ محمداً رسولُ الله؟ فيقولُ: نعم. فيقولُ: أتشهدُ أَني رسولُ الله؟ فيقولُ: لا أَسمع! فلم يَزَلْ يُقَظعه إِرْباً إِرْباً وهو ثابتٌ على ذلك ".

стр. 192

وقد كان الفادي صاحبَ هوى خبيثاً في نَقْلِه عن تفسيرِ البيضاوي، حيثُ أَخَذَ منه ما يوافق هواه، ليتَّهمَ القرآنَ ويُخَطّئَهُ. فبعدَما ذَكَرَ البيضاويًّ نُزولَ الآيةِ في حادثةِ عمارِ بن ياسر، واستدلَّ بها على جوازِ التكلم بالكفر عند الإِكراه، ذكَر أَنَّ الأَوْلى والأَفضلَ للمسلم أَنْ لا يَنطقَ بالكفر، وأَنْ يَثبتَ على الإِسلام، حتى لو أَدّى ذلك إِلى قَتْلِه.. قال: ".. وهو دليلٌ على جَوازِ التكلمِ بالكفرِ عندَ الإِكراه.. وإِنْ كانَ الأَفْضَلَ له أَنْ يَتَجَنَّبَهُ عنه، إِعْزازاً للدين، كما فعلَه أَبُو عمار، ولما رُوِيَ أَنَّ مسيلمةَ أَخَذَ رجلَيْن، فقالَ لأَحَدِهما: ما تقولُ في محمد؟ قال: هو رسولُ الله ﷺ . قال: فما تقولُ فِيَّ؟ قال: أَنتَ أَيضاً رسولُ الله!! فَخَلّاه. وقالَ للآخَر: ما تقولُ في محمد؟ قال: هو رسولُ الله ﷺ . قال: فما تقولُ فِيَّ؟ قال: أَنا أَصَمّ. فأَعادَها عليه ثلاثاً، فأَعادَ جوابَه، فقَتَلَه.. فبلغَ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: " أَمّا الأَوّلُ فقد أَخَذَ برخصةِ الله، وأما الثاني فقد صَدَعَ بالحقّ، فَهنيئاً له ". ولو كان الفادي يَتصفُ بالموضوعيةِ والأَمانةِ العلميةِ لَذَكَرَ كَلامَ البيضاويِّ كاملاً، وَذكَرَ ما رَجَّحَه البيضاويُّ من أَنَّ الأَفضلَ للمسلمِ أَنْ لا يأخذَ بالرخصة، وأَنْ يَثبتَ على الحَقّ حتى لو قُتِل! ولكنه غيرُ أَمينٍ على العلمِ والنقل. *** العفو عن لغو اليمين قالَ اللهُ : (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) . تُخبرُنا الآيةُ أَنَّ اللهَ يَعفو عن لَغْوِ اليَمين، ولا يُؤاخِذُ بها، ولا يُحاسِبُ

стр. 193

عليها، وهو يُؤاخِذُ باليمينِ المقصودَة، التي يَعقدُها القلبُ ويَقصدُها ويتعمدُها. وحتى يُثيرَ الفادي الشبهاتِ حول الآيةِ ذَهَبَ إِلى تفسيرِ البيضاوي، لعلَّه يَجدُ عندَه ما يُريد. قالَ: فَسَّرَها البيضاويُّ بقولِه: " اللَّغْوُ: هو الساقطُ الذي لا يُعْتَدّ به من كلام وغيرِه.. ولَغْوُ اليمين ما لا عَقْدَ له، كالذي سَبَقَ به اللّسان، أَو تكلمَ به جاهِلاً لمعناه، كقولِ العرب: لا واللهِ، وبلى واللهِ، لمجردِ التأكيدِ لقولِه. (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) : المعنى: لا يُؤاخذُكم اللهُ بعقوبةٍ ولا كَفارة بما لا قَصْدَ منه، ولكن يُؤاخِذُكم بهما أَو بإِحداهما بما قصدتُم من الأَيْمان، وواطَأَتْ فيها قلوبُكم أَلسنَتَكم. وقالَ أَبو حنيفة: اللغوُ هو أَنْ يَحلفَ الرجلُ بناءً على ظَنّه الكاذبِ. والمعنى: لا يُؤاخذُكم بما أَخطاتُم فيه من الأَيْمان، ولكنْ يعاقبُكم بما تعمدتُم الكذبَ فيه ". ذَكَرَ البيضاويُّ قولَيْن في معنى لَغْوِ اليمينِ الذي لا يُؤاخَذُ صاحِبُه به: الأَول: هو الكلامُ الذي يَسبقُ به اللسانُ عندَ الكلام، فينطقُ به بدونِ قَصْدٍ ولا تَعَمُّد، كقولِ الرجلِ أَثناءَ كلامِه: لا والله، وبلى والله. وهذا هو قولُ الجمهورِ من الفقهاءِ والمفَسِّرين. ويُؤَيِّدُهُ ما صَحَّ عن عائشة ﵂ أَنها قالت: " إِنما اللغوُ في المزاحِ والهزل، وهو قولُ الرجل: لا والله، وبلى والله، فذاك لا كفارةَ فيه، إِنما الكفارةُ فيما عَقَدَ عليه قَلْبَهُ أَنْ يَفْعَلَه ثم لا يَفْعَلُه ". الثاني: هو أَنْ يَحلفَ الرجلُ اليمينَ بناءً على ظَنّه، وهو يَعتقدُ أَنه صادِق. ثم يَظهرُ له أَنَهُ أَخطأَ في ظَنَهِ ويمينِه، فهذا لا يُؤاخَذُ به مع أَن يمينَه غيرُ صحيح، لأَنَّ اللهَ لا يُؤاخِذُ بالخَطَأ. وهذا هو فهمُ أَبي حَنيفة. ويُؤَيّدُه ما صَحَّ عن عائشةَ أَيضاً ﵂ أَنها قالَتْ: " لَغْوُ اليَمينِ هو الشيءُ يَحلفُ عليه

стр. 194

أَحَدُكُم لا يُريدُ منه إِلّا الصّدْق، فيكون على غيرِ ما حَلَفَ عليه ". وهذا الكلامُ الواضحُ لم يعجب الفادي المفْتَري، واعْتَرَضَ عليه وخَطَّاَهُ قائلاً: " ونحنُ نسأَلُ: هل من مُقَوّماتِ النّبل والشَّرفِ أَنْ يَكْذِب الإِنسانُ؟! يقول المسيح: ليكنْ كلامُكُم: نَعَمْ، نَعَمْ.. لا، لا.. وما زادَ على ذلك فهو من الشِّرِّير ". ولا أَدري كيفَ فهمَ الفادي الغبيُّ من كلامِ البيضاويّ السابقِ أَنَّ القرآنَ يُجيزُ للإِنسانِ المسلمِ الكذبَ، ولذلك خَطَّأَ القرآنَ!!. القرآنُ لا يُجيزُ الكذبَ، ولا يُشَجِّعُ عليه، ولا يَدْعو إِليه، كما فَهِمَ هذا الغبيّ، وقد حَرَّمَ الكذبَ، وتَوَعَّدَ الكاذبين والمكَذِّبين بالعَذابِ الشديد يومَ القيامة، وعلى هذا آياتٌ كثيرة. وما قالَه أَبو حنيفة في بيانِ لَغْوِ اليمينِ ليسَ معناهُ مَدْحَ الكذبِ أَو الدعوةِ إِليه أَو التشجيعِ عليه! إِنَّ الإِنسانَ قد يُخطئُ في ظَنّه، ومن ثم قد يَحْلِفُ على ما ظَنَّه، فَيُخطئُ في يمينِه، بناءً على خطئِه في ظَنِّه.. ويكونُ هذا اليمينُ الخطأُ من بابِ اللَّغْو في اليمين، وهو ليس كذِباً، لأَنَّ الكذبَ هو ما قَصَد الإِنسانُ أَنْ يَنطقَ به، وتَعَمَّدَ أَنْ يَكونَ كلامُهُ غيرَ صحيح! وهذأ أَمْرٌ بَدَهيّ مُقَرَّرٌ لا شَكَّ فيه. *** حول إعطاء المؤلفة قلوبهم أَجازَ الإِسلامُ إِعطاءَ المؤلَّفةِ قُلوبُهم من الزكاة، وَوَرَدَ هذا في قولِه تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠) .

стр. 195

وذَهَبَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاويِّ ليُثيرَ الشبهاتِ على المؤلفةِ قلوبُهم. قال: فَسَّرَها البيضاويُّ بقوله: " المؤلفة قلوبهم ": قومٌ أَسْلَموا ونيتُهم ضعيفةٌ فيه، فَيَسْتَألِفُ قُلوبَهم.. أَو هم أشرافٌ قد يَترقبُ بإِعطائِهم ومراعاتِهم إِسلامَ نُظرائِهم. وقد أَعطى رسولُ اللهِ ﷺ عيينةَ بنَ حِصْن والأَقرعَ بنَ حابس والعباسَ بن مرداس لذلك. وقيل: هم أَشرافٌ يُسْتَألَفون على أَنْ يُسْلموا، فإِنَّه ﷺ كان يُعطيهم.. والأصحُّ أَنه ﷺ كان يُعطيهم من خُمُسِ الخُمُس، الذي كانَ خاصَّ مالِه، وقد عَدَّ منهم مَن يُؤَلِّفُ قَلْبَه بشيءٍ منها على قتالِ الكفارِ ومانعي الزكاة.. وقيل: كان سهمُ المؤلَّفَةِ لتكثيرِ سَوادِ الإِسلام، فلما أَعزه اللهُ وأَكثرَ أَهْلَهُ سقط. ذَكَرَ البيضاويُّ ثلاثةَ أَصنافٍ من المؤلَّفةِ قلوبُهم الذين يُعْطَوْنَ من الزكاة: ١ - منهم من دَخَلوا في الإِسلام، لكنَّ نيتَهم في الإِسلامِ ضعيفة، فيُعطونَ من الزكاةِ لتتألَّفَ قلوبُهم، ويتقوّى إِيمانُهم، ويَثْبُتوا على إسلامِهم. ٢ - ومنهم مَنْ هم أشرافٌ في أَقوامِهم، فيُعْطَوْنَ من الزكاةِ طَمَعاً في إِسلامِهم وإِسلامِ أَتْباعهم. ٣ - ومنهم مَنْ يُرْجى منه قِتالُ الكافرين ومانِعي الزكاة، فيُعْطَوْنَ من الزكاةِ للاستفادةِ منهم ومن قُوَّتِهم. وذَكَرَ البيضاويُّ قَوْلاً آخَرَ يَرَى أَنَّ المؤلَّفَةَ قلوبُهم أُعْطوا من الزكاة، لما كانَ المسلمونَ قَلائل، وكانَ الإِسلامُ ضعيفاً، فلما أَعَزَّ اللهُ الإِسلامَ والمسلمين لم يَعودوا يَحتاجونَ إِلى تأليفِ قُلوبِ الناس، وبذلك سَقطَ سهمُ المؤلَّفَةِ قلوبُهم من الزكاة!. وقد اعترضَ الفادي على هذا، وجَعَلَ عنوانَ اعتراضِه مُثيراً، هو " تَحليلُ الإِغراءِ بالمال ". وقالَ في اعتراضِه وتشكيكِه: " ونحنُ نسأَلُ: هل يُبيحُ الدينُ الإِغراءَ بالمالِ للدُّخولِ فيه؟ وهل يُؤْجَرُ النّاسُ ويُرْشَوْنَ لِيُهَدِّدوا ويَقْتُلوا الذينَ

стр. 196

لا يَرغبونَ فيه؟ وهل هذا المالُ يُعْتَبَرُ زكاةً وصدقة، أَمْ يُعتَبَرُ رشوةً ومفسدة ". إِنَّ إِعطاءَ المؤلَّفَةِ قلوبُهم نَصيباً من الزكاةِ ليس رشوةً لهم، ولا إِغراءً لهم بالمال، ولا اسْتِئْجاراً لهم ليَقْتُلوا الآخَرين، إِنما هو تأليفٌ لقلوبِهم، وترغيبهم للإِقبالِ على الإِسلام، وتقديمُ هديةٍ ماليةٍ لهم، وهذه الهديةُ لمصلحةِ الإِسلامِ والمسلمين. وإِنَّ اللهَ الذي شَرَعَ هذا الحكم، وأَذِنَ للمسلمينِ أَنْ يُعْطوا المؤَلَّفَةَ قلوبُهم، جُزءاً من زَكَواتِهم، يَعلمُ أَثَرَ المالِ في النفوس وتغييرِ مواقِفِها، وترسيخِ وتَثبيتِ قناعاتِها، ولذلك أَذِنَ بإِعطاءِ المؤلفَةِ قلوبُهم من الزكاةِ، لتثبيتِ الإِيمانِ في قلوبِهم. ثم إِنَ هذا التشريعَ ليسَ للوجوب، وإِنما هو للإِباحَة، ويُمكنُ أَنْ يَتَوَقَّفَ المسلمون عنه أَحياناً، ولذلك ذَهَبَ بعضُ العلماءِ إِلى توقيتِه بأَيَّامِ الإِسلامِ الأُولى، حيث كان المسلمونَ ضُعفَاء، أَما بَعْدَما انتصرَ المسلمونَ وانتشرَ الإِسلامُ فلم تَعُدِ الحاجةُ قائمةً لتأْليفِ قلوبِ الناس، فأَسْقَطوا سهمَ المؤلَّفَةِ قُلوبُهم، قالوا: لا نَحتاجُ إِلى تأليفِ قلوبِهم، فمن شاءَ فلْيُؤْمن، ومَنْ شاءَ فليكْفُرإ!. *** حول آيات الجهاد والقتال أعترضَ الفادي على آياتِ الجهادِ والقتالِ في القرآن، فأَوردَ لسِتَّ عشرةَ مجموعةً من تلك الآيات، تحت عنوانِ " تَحْليل القتل "، أَيْ أَنَّ القرآنَ يُحَرّضُ على القَتْل، ويجعلُه حلالاً، ويَجعلُ صاحبَه مأجوراً. والآياتُ التي أَوردَها هي:

стр. 197

١ - قولُه تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ) . ٢ - قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) . ٣ - قولُه تعالى: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) . ٤ - قولُه تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) . ٥ - قولُه تعالى: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) . ٦ - قولُه تعالى: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥) . ٧ - قولُه تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦) . ٨ - قولُه تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) . ٩ - قولُه تعالى: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) .

стр. 198

١٠ - قولُه تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) . ١١ - قولُه تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠) . ١٢ - قولُه تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩) . ١٣ - قولُه تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ) . ١٤ - قولُه تعالى: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) . ١٥ - قولُه تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦) . ١٦ - قولُه تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) . اعترضَ الفادي المفترِي على هذه الآيات، وأَنْكَرَها وخَطَّأَها، ونفى أَنْ تكونَ من عند الله، لأَنها تَدعو إِلى القَتْلِ وسَفْكِ الدماءِ ونَهْبِ الأَموال! قال: " ونَحنُ نَسأل: هل يُكْرِهونَ الناسَ على قَبولِ الدينِ بالسَّيْف؟ وماذا كانَ القَتْلُ مُحَلَّلاً فما هو الحَرام؟ وكيفَ يُحَرِّضُ نبيٌّ على القِتالِ وانتهاكِ الأَشهرِ الحُرُم، وتَجهيزِ القبائل بالعَتادِ والسُّيوفِ ليَقْتُلَ ويَنْهَب؟ ويَقولُ: إِنَّ هذا في سبيلِ اللهِ والدّين؟ ويُغْري أَتْباعَه بالغنائم، وأَخْذِ الجزيةِ في الدنيا، والجنةِ والحورِ العينِ في الآخِرة؟ ولقد جاءَ في حديثِ مسلمٍ أَنَّ محمداً قال: " اغْزُوا باسْمِ الله،

стр. 199

في سبيلِ الله، واقْتُلوا مَنْ كَفَرَ بالله، اغْزُوا ولا تَغْدُروا ولا تُمَثِّلوا، ولا تَقْتُلوا وَليداً ". إِنّنا نَعلمُ أَنَّ اليهودَ والنَّصارى وباقي طوائفِ أَعداءِ المسلمينِ تُزْعِجُهم آياتُ الجِهادِ والقِتال، وهم يُحاربونَ مبدأَ الجهادِ والقتالِ في الإِسلام، ويَحرصونَ على قَتْلِ روحِ الجهادِ في نفوسِ المسلمين.. في الوقتِ الذي لا يتوقفون هم عن الطمعِ في بلادِ المسلمين، وحشْدِ الجيوشِ للعُدوانِ عليهم، ومحاربتِهم واحتلالِ بلدانِهم، ونَهْب خيراتِهم، والقضاءِ على دينهم.. كما قال تعالى: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) . ولا عَجَبَ في أَنْ يَشُنَّ الأَعداءُ حربَهم الشرسةَ على الجهادِ والقتالِ في الإِسلام. ولا عَجَبَ في أَنْ يُشاركَ الفادي المفترِي في هذه الحرب الفكريةِ التدميرية، ولا عَجَبَ في أَنْ يَعترضَ على الآياتِ التي سَجَّلَها، وأًنْ يُنكرَها ويَرفضَها، وأَنْ يَعتبرَها من أَخطاءِ القرآنِ الأَخلاقية!. أَما نحنُ فإِننا نعلمُ أَصالةَ الجهادِ في الإِسلام، وكونَه من مقاصدِ القرآن، وهو يُشغلُ جانباً كبيراً في الفكْرِ والتصورِ والعلمِ والمعرفةِ والثقافةِ في الإِسلام. وإِذا كانَ الكفارُ المعادون لا يتوقَّفون عن العدوان على المسلمين، فكيفَ يُريدُ الفادي المفترِي وإِخوانُه، من المسلمين أَنْ يُلْغوا هذا الجانبَ الإسلاميَّ الكبير، وأَنْ يَتَحَوَّلوا إِلى مسالمين ومستسلمين، يَفْتَحون للمحتلّين بلَادهم وبيوتَهم، فإِنْ فَكَروا في جهادِهم ومواجهتِهم ورَدِّ عدوانِهم وتحريرِ البلادِ منهم كانوا مجرمين إِرهابيّين؟!.

стр. 200

حول إباحة الغنائم الغنائمُ هي ما يأخذُه المجاهدون من الأَعداء المحاربين، عندما يَهزمونَهم، وهذه الغنائمُ تَشملُ الأَموالَ والسِّلاحَ والدّوابّ، ومختلفَ الأَشياءِ المنقولة. وقد أَباحَ اللهُ للمجاهدينَ أَخْذَ تلك الغنائم، فقالَ تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) . وبَيَّنَ في القرآنِ كيفيةَ توزيعِ الغنائم، وذلك في قولِه تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) . واعترضَ الفادي على إِباحةِ الغنائمِ للمجاهدين، وذلك في قوله: " ونَحنُ نَسألُ: هل يَأمُرُ اللهُ بقَتْلِ النّاسِ ونَهْب أَموالِهم، ويَقولُ: إِنَّ هذا حلالٌ طَيّب؟ هل يُحَلّلُ اللهُ أَموالَ الغَيْرِ؟ ". لم تَكن الغنائمُ مُباحَةً عندَ السابقين، كاليهودِ والنَّصارى، وعندما كانوا يُقاتِلونَ أَعداءَهُم ويَهزمونَهم كانوا يَأخُذونَ الغنائمَ منهم، ويَجمعونها، ثم يُشعلونَ فيها النارَ ويَحرقونَها، وكانوا يُعاقِبونَ مَنْ أَخَذَ منها. ولذلك أَخْبَرَنا رسولُ الله ﷺ أَنَّ اللهَ أَحَلَّ الغنائمَ له ولأُمَّتِه، فقال: " وأُحِلَّتْ ليَ الغَنائم، ولم تُحَلَّ لأَحَدٍ منْ قَبْلي ". ولا معنى لاعتراضِ الفادي المفترِي على إِباحةِ الغنائم، وعلى أَخْذِ الغنائمِ من الأَعداء، فالأَعداءُ يَعْتَدونَ على المسلمين ويُحاربونجهم ويَهجمونَ

стр. 201

عليهم، وأَمَرَ اللهُ المسلمينَ برَدِّ عُدوانِ المعْتَدين، ومحاربةِ المحاربين، والوقوفِ أَمامَ الطامِعين فيهم، وأَوجبَ على المسلمين جهادَهم وقِتالَهم وقَتْلَ مَنْ يَقْدِرونَ عليه منهم. وجَميعُ الأَديانِ والشرائعِ والمذاهبِ والمناهجِ توجبُ على الناسِ مواجهةَ المعْتَدين، والدفاعَ عن الأَوطانِ والأَمْوال. ومن غيرِ المقبولِ والمعقولِ أَنْ يُشَجَّعَ المعْتَدون المحتَلّون، وأَنْ يُدْعى المعْتَدى عليهم إِلى محبةِ المعْتدين، واستقبالهم بالورودِ وأَغْصانِ الزيتونِ والأَحْضان!!. يُريدُ الفادي من قومِه أَنْ يُحاربوا المسْلِمين، وأَنْ يَحْتَلوا بلادَهم ويَنْهَبوا أَموالَهم، فإِنْ قامَ المسلمونَ بواجِبِهم في الجهادِ ورَدِّ العُدْوان، رَفَعَ صوتَه بالاعتراضِ والإِنكارِ، وقال: " هل يأمُرُ اللهُ بقَتْلِ الناسِ ونَهْبِ أَموالِهم، ويَقولُ: إِنَّ هذا حَلالٌ طَيّبٌ؟! هل يُحَفلُ اللهُ أَموالَ الغير؟! ". ونحنُ بالمقابلِ نَسْأَلُ المفترِي: هل أَباحَ اللهُ للصليبيّين - الذينَ يَزْعمُونَ الإِيمانَ بالنصرانيةِ والإِنجيل - احتلالَ بلادِ المسلمين، وسَفْكَ دمائِهم، ونَهْبَ أَموالِهم؟! وهل أَباحَ اللهُ للمستعْمِرينَ الإِنجليزِ والفرنسيينِ والإِسبانِ والطليانِ والأَمريكانِ احتلالَ بلادِ المسلمين في هذا الزمان ونَهْبَ أَموالِهم وموارِدِهم؟!. لماذا يُنكرُ الفادي على المسلمينَ جهادَ وقِتالَ المعتدينَ المحاربينَ المحتلّين، ولا يُنْكِرُ على أُولئك المعتدينَ عُدْوانَهم واحتلالَهم ونَهْبَهم؟!. وعندما يحاربُ الأَعداءُ المسلمينَ فإِنهم يستخدمونَ الأَموالَ والسلاحَ لحربِهم، وعندما ينتصرُ المسلمونَ عليهم ويَهزمونَهم، فإِنهم يَسْتَوْلون على بَعْضِ الأَموالِ والسلاحِ والعَتادِ والمَتاع، فماذا يَفعلونَ بها؟ هل يُعيدونَها للأَعداءِ المقاتلين، ليستَعينوا بها على قتالِ المسلمين؟ أَمْ يَحرقونَها بالنارِ كما كانَ يَفعلُ اليهودُ في العهد القديم؟.. لقد أَباحَ اللهُ للمسلمين أَخْذَ تلك الغنائم، والاستفادةَ منها والانتفاعَ بها، وقالَ لهم: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ) . واللهُ حكيمٌ في أَمْرِ المؤمنين بقتالِ المقاتِلين، لأَنَّ البادئَ أَظْلَم، وهو حكيمٌ في إِباحةِ الغنائمِ للمجاهدين، لأَنَّ في أَخْذِها من الأَعداءِ المقاتلينَ

стр. 202

إِضْعافاً لهم. واعتراضُ الفادي على حكْمِ اللهِ الحكيمِ دليلُ جَهْلِه وتحامُلِه! وهو لا وَزْنَ له، لأَنه يعترضُ على الصحيحِ، ويُخَطِّئُ الصَّواب!!. *** حول قسم الله بمخلوقاته أَقسمَ اللهُ بكثيرٍ من مخلوقاتِه في القرآن، بحيثُ أَصبحَ القَسَمُ بها ظاهرةً من ظواهرِ التعبيرِ القرآني. وقد ذَكَرَ الفادي بعضَ الآياتِ التي أقْسَمَ اللهُ فيها ببعضِ مخلوقاتِه " ١ - قولُه تعالى: (وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) . وعَلَّقَ الفادي المفترِي على هذه الآياتِ بقولِه: " فصاحِبُ القرآنِ يُقسمُ بالفجر، والليالي العشرِ الأَخيرةِ من رمضان، وبالأَشياءِ كُلّها شَفْعِها وَوَتْرِها، وبالليلِ المدْبِر، ويقولُ: إِنَّ أَقسامَه هذه لذي عَقْل! ". ومن كَيْدِ الفادي ولُؤْمِه أَنه لم يَقُل: " الله يقسم بالفجر "، وإِنما قالَ: " فصاحبُ القرآنِ يُقسمُ بالفجر "! ومن هو صاحبُ القرآنِ في نظرِه؟ إِنه لا يُقِرُّ أَنَّ القرآنَ كلامُ الله، أوحى به إِلى رسولِه محمدٍ ﷺ ، وإِنما يجعلُ القرآنَ من تأليفِ محمدٍ ﷺ ، فهو صاحبُ القرآنِ في نظرِ هذا المفتري!. ٢ - قولُه تعالى: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) .

стр. 203

وعَلَّقَ الفادي على هذا القَسَمِ بقولِه: " في هذه الآياتِ يُقسمُ صاحبُ القرآنِ بالشمسِ والقمر، والنهار والليل، والسماء والأرض، والنفس ". ٣ - قولُه تعالى: (وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) . ٤ - قولُه تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) . ٥ - قولُه تعالى: (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) . اعترضَ الفادي المفترِي على قَسَمِ اللهِ بهذهِ المخلوقات. فقال: " ونَحنُ نسأَلُ: لماذا يَحلفُ صاحبُ القرآن، ويُقسمُ بكلِّ شيء، بالشمسِ والقمرِ، والنهارِ والليلِ، والسماءِ والأَرض، والنفس والضحى، والتين والزيتون، وجبل سيناءَ ومكة، وغيرِ ذلك؟! هل يَحتاجُ صاحبُ القول الصادقِ إِلى قَسَمٍ يُؤَكّدُ كلامَه؟. قالَ المسيح: " لا تَحْلِفوا ألْبَتَة، لا بالسماءِ لأَنها كرسيُّ الله، ولا بالأَرضِ لأَنها موطئُ قدمَيْه، ولا بأورشليمَ لأَنها مدينةُ الملكِ العظيم، ولا تَحْلف برأسِك، لأَنك لا تقدرُ على أَنْ تجعَل شعرةً واحدةً بيضاءَ أَو سوداء.. بل ليكُنْ كلامُكم: نَعَم، نَعَم، لا، لا.. وما زادَ على ذلك فهو من الشِّرّير " أمتى: ٣٤/٥ - ٣٧،.. فما الذي دَعا صاحبَ القرآنِ ليحلفَ بكلِّ شيء؟! ". يتوقَّحُ الفادي المفترِي على اللهِ وعلى القرآن، وعلى رسول الله ﷺ ، عندما يُصِرُّ على استخدامِ كلمةِ " صاحبِ القرآن "، وهذا بسببِ تحامِله على الإِسلامِ وكرهِه له وحقْدِه عليه، بحيثُ لا يُطيقُ استخدامَ كلمةِ " قالَ اللهُ في القرآن، كما يَدَّعي المسلمون "!.

стр. 204

واعْتَبَرَ قَسَمَ اللهِ بمخلوقاته في القرآن من أَخطاءِ القرآنِ الأَخلاقية، لأَنَّ الصادق يَذكرُ كلامَه بدونِ قَسَم، فهو لا يَحتاجُ إِلى توكيدِ كلامِه بالقَسَم، ولا إِلى أَنْ يُصَدِّقَه السامعُ بالقَسم!. وليدللَ الفادي على صِدْقِ كلامِه وانتقادِه للقرآن، أَوردَ من إِنجيل مَتّى كَلاماً مَنْسوباً للمسيحِ يَنهى فيه أَتْباعَه عن القَسَمِ بأَيِّ شيء، لا بالسمواتِ ولا بالأَرضِ ولا بالقدسِ ولا بالرأْس!. وعندما نَنظرُ في الكلامِ المنسوبِ لعيسى ﵇ فِإنّنا نَرى أَنّه - إِنْ صَحَّتْ نسبتُه لعيسى ﵇ يتوافَقُ مع نهي المسلمين عن القسم بغير الله، فعيسى ﵇ يَنهى عن القَسَمِ بالمخْلوقات: السمواتِ والأَرضِ والقُدْسِ والرأس. والرسولُ ﷺ نَهانا عن القَسَمِ بغيرِ الله، واعتبرَهُ صورةً من صورِ الشركِ بالله، فَصحَّ عنه ﷺ أَنه قال: " مَنْ حَلَفَ بغيرِ اللهِ فقد أَشْرَكَ ". على أَننا نرفضُ اعتبارَ السماءِ كُرْسِيّاً لله! لأَنَّ كُرْسِيَّه سبحانه وسعَ السمواتِ والأَرْض. قال تعالى: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا) . ونرفضُ اعبتارَ الأَرضِ موطئَ قَدَمْي الله، فلا نَجعلُ قَدَمَيْنِ لله، يَطَأُ بهما على الأَرض! لأَنَّ هذا تَجسيم لله، ووصْف له بصفاتِ المخلوقين! واللهُ يقولُ في القرآن: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) . واعتراضُ الفادي على قَسَمِ اللهِ بمخلوقاتِه في القرآن مَرْدود، ومن غبائِه وجهلِه أَنه جَعَلَ القَسَمَ دليلاً على حرصِ الحالفِ المقْسِمِ على تَأْكيدِ كَلامِه، وتصديقِ السامعِ له، فيلجَأُ للقَسَمِ لتحقيقِ ذلك!. هذا ينطبقُ على قَسَمِ المخلوقين، ولذلك لا يَجوزُ لَهم أَنْ يُقْسِموا بغيرِ الله! لكنه لا يَنطبقُ على قَسَمِ اللهِ بمخلوقاتِه، فهو عندما يُقسمُ بها لا يُريدُ منّا أَنْ نُصَدّقَه، فهو الصادقُ في كلامِه سبحانه، وهو الذي يقول: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧) .

стр. 205

عندما يُقسمُ اللهُ ببعضِ مخلوقاتِه فإِنه يريدُ أَنْ يَلْفِتَ أَنظارَنا إِليها، لنلاحظَ عَظَمَتها وفائدتَها لنا، وكونَها آيةً دالةً على وحدانيةِ اللهِ وعظمتِه وقوتِه ورحمتِه وإنعامِه، وعندما نتذكَّرُها نذكُرُ خالقَها العظيمَ ونشكُرُه على تسخيرِها لنا!. وبهذا نعرفُ الفرقَ بين قَسَمِ اللهِ بهذه المخلوقاتِ وبين قَسَمِ المخلوقين بها، ونعرفُ سببَ قَسَمِ اللهِ بها!!. *** حول الترخيص بالكذب زَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ الإِسلامَ يُرَخِّصُ في الكذبِ ويُحَلِّلُه، ويَدْعو المسلمينَ إِلى أَنْ يَكْذِبوا.. وأَوردَ آيتَيَن، ليسَ فيهما أَدْنى إِشارةٍ إِلى ذلك: الأوِلى: قوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ) . لَتَحدَّثُ الآيةُ عن عَدَمِ مؤاخذةِ المسلمينَ باللَّغْوِ في أَيْمانِهم، وهي اليمينُ التي تَخرجُ من أفواهِهِم بدونِ تَعَمُّدٍ وقَصْد، كقولِ أَحَدِهم: لا وَالله، وبَلى والله. ثُم تُبَيِّنُ كفارةَ اليمينِ المنعقدة، إِذا حَنَثَ فيها صاحبُها. ولا تتحدثُ عن الكَذِب!. الثانية: قولُه تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ) . لا تَتَحَدَّثُ الآيةُ عن الكَذِب، وإنما تُشيرُ إِلى رخصةِ إِباحةِ النطقِ بكلمةِ الكفر، لمن كانَ مُكْرَهاً، مع أَنَّ الأَوْلى أَنْ لا يَنطقَ بها، حتى لو أَدّى ذلك إِلى قَتْلِه. وقد سَبَقَ أَنْ ناقَشْنا هذه الفكرةَ مع الفادي (١) .

стр. 206

فلا أَدري لماذا ذَكَرَ الفادي الآيتَيْن السابقتَيْن في اعتراضِه على الترخيص بالكذبِ في الإِسلام. وكتابُه كُلُّه خَصَّصَه لكشْفِ أَخطاءِ القرآن، فالآيَتانِ في مَوْضوعٍ آخَر غير الموضوعِ الذي يتحدَّثُ هو عنه. وزَعْمُ الفادي أَنَّ الإِسلامَ حَلَّلَ الكذبَ وأَباحَه، أَخَذَهُ من حديثِ رسولِ الله ﷺ . قال: قالَ الربيعُ بنُ سليمان ... عن أُمِّ كلثوم بنتِ عُقْبَة، قالَتْ: ما سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يُرخصُ في شيءٍ من الكَذِبِ إِلّا في ثَلاث: كان رسولُ الله ﷺ يقول: " لا أَعُدُّه كاذِباً: الرجلُ يُصْلِحُ بينَ الناسِ، يقولُ القولَ ولا يُريدُ به إِلّا الإِصلاح، والرجلُ يَقولُ في الحَرْبِ، والرجلُ يُحَدِّثُ امرأَتَه، والمرأةُ تُحَدّثُ زَوْجَها ". يُرَخِّصُ الحديثُ بالكذبِ في ثلاثِ حالات: في الإِصلاحِ بينَ الناس، وفي الحربِ، وفي بعضِ الحديثِ بينَ الزوجَيْن. ونَسَبَ إِلى الرسولِ ﷺ حَديثاً غَريباً، لم يَذْكُرْ مَنْ أَخْرَجَه من أَصحابِ السُّنَن، فقال: " وقالَ محمد: إِذا أَتاكم عَنّي حَديثٌ يَدُلّ على هُدى، أَو يَرُدُّ عن رَديّ فاقْبَلوه، قُلْتُه أَو لم أَقُلْه، وإِنْ أَتاكم عَنّي حديثٌ يَدُلُّ عَلى رَدِيّ، أَو يَرُدُّ عن هُدَى فلا تَقْبَلوه، فإِنّي لا أَقولُ إِلَّا حَقاً "!!. وهذا حَديثٌ غامض، ومَعناهُ غيرُ واضح، وأَخشى أَنْ يَكونَ من وَضْعِ الوَضّاعين!. وقد اعترضَ الفادي على حديثِ الترخيصِ بالكذبِ في الحالاتِ الثلاث بقوله: " أَلا تَفْتَحُ هذه الأَقوالُ البابَ للكذبِ على مِصْراعَيْه؟ وهل الأَخلاقُ الكريمةُ وصنعُ السَّلامِ يَقومُ على الأَكاذيب؟ وكيفَ يكونُ حالُ بيتٍ يكذبُ فيه الزوجانِ على بَعْضِهِما؟ وكيفَ يكونُ حالُ الأَبناءِ فيه؟.. يقولُ الإِنجيل: وأَمّا الزناةُ والسحرةُ وعَبَدَةُ الأَوثانِ وجميعُ الكذبةِ فَنَصيبُهم في البُحيرةِ بنارٍ وكبريتٍ، الذي هو الموتُ الثاني ".

стр. 207

واعتراضُ الفادي على الحديثِ مَرْدود، فَضْلاً عن أَنّه لا يَندرجُ ضمنَ موضوعِ كتابِه الذي خَصَّصَهُ للحديثِ عن الأَخطاءِ في القرآن.. وزعْمُه أَنَّ الإِسلامَ يُبيحُ الكذبَ، ويُؤَدّي هذا إِلى فسادٍ أَخلاقي؟ افتراءٌ منه على الإِسلام! فالإِسلامُ يُحَرِّمُ الكذبَ تَحريماً قاطعاً.. قال رسول الله ﷺ : "إِيّاكم والكذبَ فإِنَّ الكذبَ يَهْدي إِلى الفُجور، وإِنَّ الفُجورَ يَهْدي إِلى النّار، وما زال الرجلُ يَكْذِبُ ويَتَحَرّى الكذبَ، حتى يُكْتَبَ عندَ اللهِ كَذّاباً ". وترخيصُ الكذبِ في ثلاثِ حالات: الإِصلاحِ، والحربِ، وبينَ الزوجين، وهي ليست كذباً حقيقياً، وإِنما هي من بابِ " المعاريض ". والمعاريضُ من بابِ التعريض، وهو أَنْ يتكلمَ الرجُل بكلامٍ غير صريح، فيفهمُ منه السامعُ شيئاً آخَرَ، وهذا من بابِ الفطنةِ وفصاحةِ الكَلام، كأَنْ تقولَ لمن دَعاكَ إِلى تناولِ الغداء: لقد تغدَّيْت. فيفهمُ هو أَنك تغدَّيْتَ اليوم، لكنك تَقصدُ أَنك تغدَّيْتَ بالأَمس. وقد دَعانا رسولُ الله ﷺ إِلى استخدامِ المعاريضِ بقوله: " إِنَّ في المعاريض لمندوحةً من الكذب ". فما وَرَد من الترخيصِ بالكذبِ في الحالاتِ الثلاث هو من بابِ المعاريض، وليسَ من بابِ الكذب، فليس فيه ما يُعابُ عليه!!. *** إباحة ردِّ العدوان أَباحَ اللهُ للمسلمينَ المعتدى عليهم رَدَّ العدوان، وإِيقافَ المعْتَدين. ولكنَّ هذا لم يُعجب الفادي المفترِي، واعتبرَهُ من أَخطاءِ القُرآنِ. أَعطى اعتراضَه عنواناً مُثيراً هو " تحليلُ الانتقام "! أَيْ أَنَّ القرآنَ يُبيحُ ويُحللُ للمسلمينَ الانتقام، وهذا يَفتحُ بابَ القَتْلِ والتخريبِ والأَخْذَ بالثأر!. والآيةُ التي اعترضَ عليها هي قولُ اللهِ :

стр. 208

(الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) . وعَلَّقَ الفادي المفترِي على الآيةِ بقولِه: " ونحنُ نَرى الأَثَرَ السيِّئَ لمبدأ الأَخْذِ بالثَّار متفَشيا بسببِ هذا القول، وكم تَعِبَ رجال الشرطةِ من نتائجِه، وبُحَّتْ أَصواتُ المعلمينَ في التعليم ضدَّه! وهل الاعتداءُ على من اعتدى علاجٌ للجريمة؟! إِنَّ العنفَ يُوَلِّدُ المزيدَ من العنف. قال المسيح: " أَحِبوا أَعداءَكم، بارِكوا لاعِنيكُم، أَحْسِنوا إِلى مُبْغِضيكم، وصَلّوا لِأَجْلِ الذين يُسيئونَ إِليكم ويَطردونكم " أمَتّى: ٥/ ٤٤،.. وقال أيضاً: " سمعْتُم أَنه قيل: عَيْنٌ بعَيْنٍ، وسِنٌّ بسِنٍّ.. وأَما أَنا فأَقول لكم: لا تُقاوِموا الشَّرَّ، بل مَنْ لَطَمَكَ على خَدِّكَ الأَيمن فَحَوِّل له الآخَرَ أَيْضاً " أمتى: ٣٨/٥ -٣٩،. وقال الرسول بولس: " لا تَنْتَقِموا لأَنفسِكم أَيها الأَحبّاء، بل أَعْطوا مَكاناً للغَضَب، لأَنه مكتوبٌ: لي النِّقْمَة، أَنا أُجازي.. فإِنْ جاعَ عَدُوُّكَ فأَطْعِمْه، وإِنْ عَطِشَ فاسْقِه، لأَنك إِنْ فعلْتَ هذا تَجمعُ جمرَ نارٍ على رأسِه، لا يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ، بل اغلب الشَّرَّ بالخير " أرومية: ١٢/ ١٩ - ٢١،.. وقال بطرسُ الرسول: " المسيحُ أَيضأ تَأَلًّمَ لأَجْلِنا، تارِكاً لنا مثالاً لكي تَتَّبعوا خطواتِه: الذي لم يَفْعَلْ خطيئة، ولا وُجِدَ في فَمِه مكر، الذي إِذا شُتِمَ لم يكن يَشْتِمُ عِوَضاً، وإِذا تَأَلَّمَ لَمْ يكنْ يُهَدّدُ، بل كانَ يُسَلِّمُ لمن يَقْضي بالعَدْل " أبطرس: ١٢/ ٢١ - ٢٣، " (١) . نَقَلَ أَربعةَ أَقوالٍ عن المسيحِ وبولس وبطرس تَذُمُّ العنفَ والعُدْوان، وتَمدحُ العفوَ والتسامحَ والصَّفْح، وهي أَقوال مأَخوذةٌ من الإِنجيل، وكلُّ النَّصارى في العالمِ يُؤْمِنون به، فهل التزمَ النّصارى بهذه التوجيهاتِ الأَخلاقية؟ وهل تعَامَلوا مع غيرهم على أَساسِها وهَدْيِها؟ وهل كانَتْ صِلَتُهم بالمسلمين تَقومُ على العفوِ والتسامح؟ وهل رَدّوا إِساءَةَ المسلمين بالإِحسان؟!. التاريخُ القديمُ والمعاصرُ يَشهدُ بعكْسِ ذلك، فالنَّصارى الصليبيون هم

стр. 209

الذينَ بَدَؤوا بالعُدوانِ على المسلمين، واحتلّوا بلادَهم عشراتِ السنين، وقَتَلوا من المسلمين مَنْ قَتلوا في حملاتِ الحروبِ الصليبية، وهم الذينَ اجْتاحوا بلادَ المسلمين واستعْمَروها في مطلعِ القرنِ العشرين، وخضعَتْ كُل بلادِ المسلمين للاستعمارِ الصليبي: الإِنجليزيِّ والفرنسيِّ والإِسبانيّ والبرتغاليِّ والإِيطاليّ والهولندني والروسي ... وها هي أَمريكة الصليبيةُ تُعيدُ احتلالَ بلادٍ إِسلامية واستعمارَها في مطلعِ القرنِ الحادي والعشرين. وكلُّ ممارساتِ الصليبيين القديمةِ والمعاصرةِ ضدَّ المسلمين تُخالفُ توجيهاتِ الإِنجيلِ الأَخلاقية، ومع ذلك يَأتي الفادي المفترِي ويَتَغَنّى بجمالِ تلك التوجيهات، ويَتَناسى أَنَّ قومَه الصليبيّين هم الذين خالَفوها ونَقَضوها!!. إِنَّهُ خَبيثُ ماكر، يُريدُ أَنْ يَكونَ المسلمونَ أَغبياءَ بُلَهاء، في تعامُلِهم مع النصارى الصليبيين، فقومُه يَعْتَدونَ على المسلمين، ويحتلّون بلادَهم، ويَنْهَبون خيراتِهم، ويَسفكون دماءَهم، وهو يَدْعو المسلمين المعتدى عليهم إِلى عدمِ مواجهتِهم وكرهِهم، وعليهم أَنْ يُحِبّوا أَعداءَهم، ويُبارِكوا لاعِنيهم، ويُحْسِنوا إِلى مُبْغِضيهم، ويَشكروا الذين يحتلونَ بلادَهم ويَطردونَهم منها! هكذا يَجبُ أَنْ يفعلَ المسلمون، إِنْ أَرادوا أَنْ يكونوا حَضاريّين متقدمين، دعاةَ سَلامِ وأَمان!!. من هذا المنطلقِ خَطَّأَ الفادي المفترِي القرآنَ، لأَنه يُجيزُ للمسلمينَ المعتدى عليهم أَنْ يَرُدّوا على العدوانِ بالمثْل، وأَنْ يوقِفوا المعْتَدين، وأَنْ يَنْتَصِفوا منهم.. ولا يوجَدُ دينٌ أَو مبدأ - حتى الديانة النصرانية - يَطلبُ من أَتْباعِه المعتدى عليهم مُقابلةَ المعتدينَ بالمحبةِ والأَحضانِ والورود والرَّياحين، ويأمُرُهم بالتنازلِ لهؤلاءِ المعْتَدين عن كُلِّ شيء. فمواجهةُ المعْتَدين والرَّدُّ على عُدْوانِهم فِطْرَةٌ في النفسِ الإِنسانية، لا يتخلّى عنها إِلّا مَنْ كانَ ناقصَ الإِنسانية!!. ولذلك لا يُلامُ القرآنُ إِذا أَجازَ للمسلمين رَدَّ العُدْوانِ عليهم، ولا يُعْتَبَرُ هذا مأْخَذاً يُؤْخَذُ عليه.

стр. 210

وعَبَّرَ القرآنُ عن رَدِّ - العدوانِ بالعدوان، وذلك في قوله: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) . وهذا يُسَمّى " مشاكلةً "، وهي الاتفاقُ في اللفظِ مع الاختلافِ في المعنى! فاعتداءُ المعْتَدين مَذْموم، لأَنَهُ يَقومُ على البغيِ والظلمِ، واعتداءُ المسلمين على المعتدين محمودٌ ممدوح، لأَنه يقومُ على مواجهةِ العُدوانِ والقضاءِ عليه!. *** حول إباحة تعدد الزوجات أَباحَ القرآنُ تَعَدُّدَ الزوجاتِ في قولِه تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) . واعترضَ الفادي على هذه الرخصة، وهاجَمَ إِباحةَ القرآنِ لها. قال: " ونحنُ نسأَلُ: هل يُبيحُ دينٌ من عندِ الله تَعَدّدَ الزوجات، بخلافِ شريعةِ الله، الذي في البدءِ خَلَقَ الإِنسانَ، ذَكَراً وأُنْثى، وجعلَهما جَسَداً واحداً؟ " (١) (٢) . وهو في هذا الكلامِ القبيحِ يَنفي أَنْ يكونَ الإِسلامُ ديناً من عندِ الله، ويَنْفي أَنْ يكونَ القرآنُ الذي أَباحَ التعددَ كلامَ الله، ويَعتبرُ التعدُّدَ مخالِفاً لسنةِ الله، في أَنْ يكونَ للرجلِ امرأةٌ واحدة! فاللهُ خَلَقَ لآدمَ أُنثى واحدةً هي حواء! فلماذا الزوجتان والثلاث والأربع؟!. واعتراضُه مجردُ كلامٍ تافِه لا وَزْنَ له. وليسَ في إِباحةِ تَعَدُّدِ الزوجاتِ في القرآنِ ما يُخالفُ الفطرهً أَو يتصادَمُ مع العقل والمنطق، وِإذا جازَ أَنْ يكونَ للرجلِ زوجةٌ واحدة، جازَ أَنْ يكونَ له زوجتان أَو ثلاثٌ أَو أَربع، وهناك حالاتٌ خاصةٌ قد يَمُرُّ بها الرجل، أَو تمرُّ بها المرأةُ، أَو يمرُّ بها

стр. 211

المجتمعُ الإِسلامي، تجعلُ تَعَدُّدَ الزوجاتِ ضرورةً لا بُدَّ منها!. ثم إِنَّ تَعَددَ الزوجاتِ رخصةٌ لمن يَرْغَب، وليسَ واجبا على كل مسلم! ومعظمُ الرجالِ المسلمين لا يُعَدّدونَ زوجاتِهم.. وهذه الرخصةُ مباحةٌ بشرطِ العدلِ بين الزوجات، فإِنْ لم يَعْدِل الرجُل كان آثِماً مُعَذَّباً. وبما أَنَّ اللهَ أَباحَ التعدُّدَ، ونَصَّ على ذلك في القرآنِ، فهو الصحيحُ والصواب، وتَتَحَقَّقُ فيه المصلحةُ والحكمة، لأَنَّ اللهَ حكيمٌ عليمٌ سبحانه، لا خَطَأَ في أَحكامِه وتَشريعاتِه!. وقومُ الفادي الغربيّون الذينَ يُحاربونَ تَعَدُّدَ الزوجاتِ المشروعَ الطاهرَ النظيف، لا يَكْتَفي الرجلُ منهم بواحدة، كما ادَّعى الفادي أَنها سنةُ الله، وإنما يَذهبُ إِلى العشيقات، وُيمارسُ تَعَدُّدَ العشيقاتِ بالحَرام، وليس لهنَّ عددٌ مُعَيّن، وتُعَدّدُ المرأةُ عندهم عاشِقيها أَيضاً، ومن النادرِ جداً عندَهم أَنْ تَجدَ رجلاً غَيْرَ زانٍ، أَو أَنْ تَجدَ امرأةً غيرَ زانية، فالعفةُ وحفظُ الفرج عن الزنى نقصٌ وعيبٌ وذَمّ عندهم!!. أَبَعْدَ هذه الإِباحيةِ الجنسيةِ عند الغربيين، قومِ الفادي المفترِي، يأَتي هؤلاء الملَوَّثون المدَنَّسون، الغارِقون في الرذيلةِ والزنى إِلى آذانِهم، يَعْتَرِضون على الإِسلامِ الذي أَباحَ تَعَددَ الزوجات!!. ويَعترضُ الفادي على قولِ اللهِ : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠) . قالَ في اعتراضه بوقاحة: " كيفَ يُبيحُ كتابٌ من عندِ اللهِ لرسولٍ من عندِ الله، أَنْ يتزوَّجَ بمنْ ملكَتْ يَمينُه من الأَسرى، وبأيةِ امرأةٍ تَهواهُ فتهبُه

стр. 212

نَفْسَها، إِنْ وَقَعَ هو في هواها؟!.. ". ما حكمةُ الزواجِ بالأَسيراتِ اللّواتي أَصبحنَ ملكَ اليمين؟ " الإِمامُ مخيَّرٌ في الكافرينَ المقاتلينَ اللذين يَقَعون أَسْرى بأيدِي المسلمين، فهو إِمّا أَنْ يُطلقَ سَراحَ بعضِهم مَنّاً بدونِ مُقابل، وإِمّا أَنْ يُطلقَ سراحَ آخَرينَ بالفِداء، مقابلَ مبلغٍ من المال، وإِمّا أَنْ يسترق آخَرين، ويجعلَهم أَرقّاءَ عَبيداً للمسلمين لأَنهم حارَبوهم. وهو يَختارُ من هذه الخياراتِ ما يُحققُ مصلحةَ المسلمين. والذينَ يَتَّخِذُ القرارَ باسترقاقِهم يُوَزَّعونَ على الرجالِ المجاهِدين، ليكونوا عَبيداً عندهم، يُؤَمِّنونَ لهم تكاليفَ حياتِهم مقابلَ خدمتِهم لهم.. ويُرَغِّبُ الإِسلامُ المسلمين في إِطلاقِ سَراحِهم وتَحريرِهم لوجْهِ الله، وأَوجبَ على مَنْ وَجَبَتْ عليه بعضُ الكَفّارات تَحريرَ هؤلاءِ العَبيد، كما في كَفَّارةِ القَتْلِ والظهارِ واليَمين. وإذا كانت الأَسيرةُ المسترَقَّةُ امرأةً، فإِنها تَكونُ مِلْكاً لسيِّدها، وتُسَمّى " مِلْكَ اليَمين "، ولسيدِها أَنْ يُعاشِرَها، كما أَنَّ له أَنْ يتزوَّجَها، أَو يزوِّجَها لغيرِه، فإذا أَنجبَتْ منه وَلَداً وَجَبَ عليه عتقُها وتَحريرُها. وقد رَتَّبَ الإِسلامُ نظامَ الرِّق والعتقِ بشروطٍ وقواعدَ وضوابط، في الوقتِ الذي كانَ العالَمُ القديمُ فيه يمارسُ ضدَّ العبيدِ أَشَدَّ صورِ الظلمِ والعُدْوان!!. ولا يُلامُ الإِسلامُ عندما أَجازَ للمسلمِ معاشرةَ الأَمَةِ أَو الزواجَ منها، لأَنها تَحتاجُ إِلى مَنْ يُؤْويها، ويتكفَّلُ بحاجاتِها، فهي ليس لها أَهل، فمن أَيْنَ ستؤَمِّنُ حاجاتِها؟ هل سَتُتْرَكُ الإِماءُ والجواري في الشَّوارع، يُتاجِرْنَ بأَجسادِهنَّ مقابلَ تأمينِ حاجاتِهنّ؟!! ويَنشُرْنَ الفَسادَ والرذيلةَ والفاحشةَ بين المسلمين؟ الحَلُّ أَنْ يتكفَّلَ رجلٌ بكلِّ مجموعةٍ منهن، ويَبقى المجتمعُ الإِسلاميُّ مُحافِظاً على طهارتِه وعفَّتِه!.

стр. 213

وقد أَباحَ اللهُ لرسولِه ﷺ أَنْ يتزوَّجَ مَنْ وَهَبَتْ نفسَها له، وجعلَ هذا الحكْمَ خاصّاً به، وليس عامَّاً لجميع المؤمنين، فقالَ لَه: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) . وليس الأَمْرُ أَمْرَ عِشْقٍ وَهَوى كما زَعَمَ المفْتَري، فلا تهوى امرأةٌ مسلمةٌ رجلاً أَجنبيّاً، ولا تعشَقُه، حتى لو كانَ رسولَ الله ﷺ ، والرسولُ ﵇ عنوانُ العفَّةِ والطهر، ولا يَقَعُ في هوى امرأةٍ أَجنبية! ولذلك كانَ الفادي مُفترياً مُتوقحاً عندما قال: " يتزوجُ بأيةِ امرأةٍ تَهواهُ فتهبُه نَفْسَها، إِنْ وقعَ هو في هواها!! ". وتتحدَّثُ الآية ُ عن حالةٍ خاصة، لظروفٍ خاصة، وحكْمٍ خاصٍّ لرسولِ الله ﷺ .. روى البخاريُّ ومسلمٌ عن سهل بنِ سعدٍ الساعديّ ﵁ قال: إِنّي لفي القومِ عندَ رسولِ الله ﷺ ، فجاءَتْه امرأةٌ، فقالَتْ: يا رسولَ الله إِنّي قد وَهَبْتُ نفسي لك، فَرَ فِيَّ رَايَكَ! فقامَتْ قِياماً طويلاً، فقالَ رَجل: يا رسولَ الله! زَوّجْنِيها.. فقالَ رسولُ الله ﷺ : " هل عندَك من شيء تصدُقُها إِيّاه؟ " قال: لا. قال: " التمس ولو خاتَماً من حَديد! " فالْتَمَسَ فلم يَجِدْ شيئاً، فقالَ رسولُ الله ﵇: " هل مَعك من القرآنِ شيء؟ " قالْ معي سورةُ كذا وسورةُ كذا.. قال: " زَوَّجْتُكَها بما مَعك من القرآن ". فرغمَ أَنَّ اللهَ أَباحَ لرسولِه ﵇ أَنْ يتزوَّجَ مَنْ وَهَبَتْ نفسَها له، إِلَّا أَنه لم يَتَزَوَّجْها، وإِنما زَوجَها لأَحَدِ أَصحابِه. ولم تتكررْ تلك الحادثةُ معه. وإِباحةُ الزواجِ للرسولِ ﵇ عن طريقِ الهبةِ خاصٌّ به، كما أُبيحَ له الزواجُ بأَكثرَ من أَربعِ نساء، وكان زَواجاً بدونِ وَليٍّ ولا مَهْر، وهذا لا يَجوزُ لغيرِه، مع أَنه زواجٌ لم يَتَحَقَّقْ!. ولهذا قالَ قَتادة: ليسَ لامرأةٍ تَهَبُ نفسَها لرجُلٍ بغيرِ وَليٍّ ولا مَهْر، إلّا للنبيّ ﵇، لقوله: (خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) . وقالَ ابنُ عباس ﵄: لم يكنْ عندَ رسولِ الله ﷺ امرأةٌ وَهَبَتْ نَفْسَها له.

стр. 214

أَيْ أَنَ الرسول ﷺ لم يَقْبَلْ تلك المرأةَ التي وَهَبَتْ نفسَها له، مع أَنَّ الأَمر كانَ مُباحاً له ومَخْصوصاً به، لأَنه مردودٌ إِلى مشيئتِه: (إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا) . واعترضَ الفادي المفترِي على حديثِ القرآنِ عن الحورِ العين في الجنة، التي يَتَنعَّمُ بها المؤمنون، والتي وَرَدَ الحديثُ عنها في قولِه تعالى: (وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) . وهذا في رأيه خَطَأ، لأَنَّ المؤمنين لا يَتزَوَّجونَ فيها!! ولذلك. قال: " وهل جَنَةُ اللهِ مكانٌ لِلَّهوِ مع الحورِ العين؟! قال المسيح: (لأَنهم في القيامةِ لا يُزَوَّجونَ ولا يَتَزوَّجون، بل يَكونونَ كملائكةِ اللهِ في السماء ". واعتراضُ الفادي مردود، لأَنَّ اللهَ أَخْبَرَنا في القرآن عن استمتاع المؤمنين في الجنةِ بالحورِ العين، وهو صادِقٌ فيما قال، ونحنُ نؤمنُ بكلِّ ما وردَ في القرآن! وما نَسَبَهُ إِلى المسيح ﵇ من أَنَّ المؤمنينَ في الجنة يَكونون كالملائكة، لا يَستمتعونَ بالنِّساءِ مشكوكٌ فيه (١) ، لأَنَّ الرهبانَ حَرَّفوا الأَناجيل " وأَضافوا إِلى كلامِ اللهِ فيها الكثيرَ من كلامِهم ومزاعمِهم وافتراءاتِهم!!. والآياتُ التي تَحَدثَتْ عن استمتاعِ المؤمنين بالحورِ العين والنساءِ عديدة، منها قولُه تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥) . ومنها قولُه تعالى: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) . ومنها قولُه تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) .

стр. 215

وما المانعُ من أَنْ يَلهوَ المؤمنون مع أَزواجِهم والحورِ العين في الجنة؟! إِنَّ الجنةَ دارُ جزاءٍ ونعيم، ومتعةٍ وسَعادة. قال تعالى: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) .
следующие страницы →