المجتمعُ الإِسلامي، تجعلُ تَعَدُّدَ الزوجاتِ ضرورةً لا بُدَّ منها!.
ثم إِنَّ تَعَددَ الزوجاتِ رخصةٌ لمن يَرْغَب، وليسَ واجبا على كل مسلم!
ومعظمُ الرجالِ المسلمين لا يُعَدّدونَ زوجاتِهم..
وهذه الرخصةُ مباحةٌ بشرطِ العدلِ بين الزوجات، فإِنْ لم يَعْدِل الرجُل كان آثِماً مُعَذَّباً.
وبما أَنَّ اللهَ أَباحَ التعدُّدَ، ونَصَّ على ذلك في القرآنِ، فهو الصحيحُ
والصواب، وتَتَحَقَّقُ فيه المصلحةُ والحكمة، لأَنَّ اللهَ حكيمٌ عليمٌ سبحانه، لا خَطَأَ في أَحكامِه وتَشريعاتِه!.
وقومُ الفادي الغربيّون الذينَ يُحاربونَ تَعَدُّدَ الزوجاتِ المشروعَ الطاهرَ
النظيف، لا يَكْتَفي الرجلُ منهم بواحدة، كما ادَّعى الفادي أَنها سنةُ الله، وإنما يَذهبُ إِلى العشيقات، وُيمارسُ تَعَدُّدَ العشيقاتِ بالحَرام، وليس لهنَّ عددٌ
مُعَيّن، وتُعَدّدُ المرأةُ عندهم عاشِقيها أَيضاً، ومن النادرِ جداً عندَهم أَنْ تَجدَ
رجلاً غَيْرَ زانٍ، أَو أَنْ تَجدَ امرأةً غيرَ زانية، فالعفةُ وحفظُ الفرج عن الزنى
نقصٌ وعيبٌ وذَمّ عندهم!!.
أَبَعْدَ هذه الإِباحيةِ الجنسيةِ عند الغربيين، قومِ الفادي المفترِي، يأَتي
هؤلاء الملَوَّثون المدَنَّسون، الغارِقون في الرذيلةِ والزنى إِلى آذانِهم، يَعْتَرِضون
على الإِسلامِ الذي أَباحَ تَعَددَ الزوجات!!.
ويَعترضُ الفادي على قولِ اللهِ : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠) .
قالَ في اعتراضه بوقاحة: " كيفَ يُبيحُ كتابٌ من عندِ اللهِ لرسولٍ من
عندِ الله، أَنْ يتزوَّجَ بمنْ ملكَتْ يَمينُه من الأَسرى، وبأيةِ امرأةٍ تَهواهُ فتهبُه
стр. 212
نَفْسَها، إِنْ وَقَعَ هو في هواها؟!.. ".
ما حكمةُ الزواجِ بالأَسيراتِ اللّواتي أَصبحنَ ملكَ اليمين؟ "
الإِمامُ مخيَّرٌ في الكافرينَ المقاتلينَ اللذين يَقَعون أَسْرى بأيدِي
المسلمين، فهو إِمّا أَنْ يُطلقَ سَراحَ بعضِهم مَنّاً بدونِ مُقابل، وإِمّا أَنْ يُطلقَ
سراحَ آخَرينَ بالفِداء، مقابلَ مبلغٍ من المال، وإِمّا أَنْ يسترق آخَرين، ويجعلَهم أَرقّاءَ عَبيداً للمسلمين لأَنهم حارَبوهم.
وهو يَختارُ من هذه الخياراتِ ما يُحققُ مصلحةَ المسلمين.
والذينَ يَتَّخِذُ القرارَ باسترقاقِهم يُوَزَّعونَ على الرجالِ المجاهِدين،
ليكونوا عَبيداً عندهم، يُؤَمِّنونَ لهم تكاليفَ حياتِهم مقابلَ خدمتِهم لهم..
ويُرَغِّبُ الإِسلامُ المسلمين في إِطلاقِ سَراحِهم وتَحريرِهم لوجْهِ الله، وأَوجبَ
على مَنْ وَجَبَتْ عليه بعضُ الكَفّارات تَحريرَ هؤلاءِ العَبيد، كما في كَفَّارةِ القَتْلِ والظهارِ واليَمين.
وإذا كانت الأَسيرةُ المسترَقَّةُ امرأةً، فإِنها تَكونُ مِلْكاً لسيِّدها، وتُسَمّى
" مِلْكَ اليَمين "، ولسيدِها أَنْ يُعاشِرَها، كما أَنَّ له أَنْ يتزوَّجَها، أَو يزوِّجَها لغيرِه، فإذا أَنجبَتْ منه وَلَداً وَجَبَ عليه عتقُها وتَحريرُها.
وقد رَتَّبَ الإِسلامُ نظامَ الرِّق والعتقِ بشروطٍ وقواعدَ وضوابط، في الوقتِ الذي كانَ العالَمُ القديمُ فيه يمارسُ ضدَّ العبيدِ أَشَدَّ صورِ الظلمِ والعُدْوان!!.
ولا يُلامُ الإِسلامُ عندما أَجازَ للمسلمِ معاشرةَ الأَمَةِ أَو الزواجَ منها،
لأَنها تَحتاجُ إِلى مَنْ يُؤْويها، ويتكفَّلُ بحاجاتِها، فهي ليس لها أَهل، فمن أَيْنَ
ستؤَمِّنُ حاجاتِها؟
هل سَتُتْرَكُ الإِماءُ والجواري في الشَّوارع، يُتاجِرْنَ بأَجسادِهنَّ
مقابلَ تأمينِ حاجاتِهنّ؟!!
ويَنشُرْنَ الفَسادَ والرذيلةَ والفاحشةَ بين المسلمين؟
الحَلُّ أَنْ يتكفَّلَ رجلٌ بكلِّ مجموعةٍ منهن، ويَبقى المجتمعُ الإِسلاميُّ مُحافِظاً على طهارتِه وعفَّتِه!.
стр. 213
وقد أَباحَ اللهُ لرسولِه ﷺ أَنْ يتزوَّجَ مَنْ وَهَبَتْ نفسَها له، وجعلَ هذا الحكْمَ خاصّاً به، وليس عامَّاً لجميع المؤمنين، فقالَ لَه: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) .
وليس الأَمْرُ أَمْرَ عِشْقٍ وَهَوى كما زَعَمَ المفْتَري، فلا تهوى امرأةٌ مسلمةٌ
رجلاً أَجنبيّاً، ولا تعشَقُه، حتى لو كانَ رسولَ الله ﷺ ، والرسولُ ﵇ عنوانُ العفَّةِ والطهر، ولا يَقَعُ في هوى امرأةٍ أَجنبية! ولذلك كانَ الفادي مُفترياً مُتوقحاً عندما قال: " يتزوجُ بأيةِ امرأةٍ تَهواهُ فتهبُه نَفْسَها، إِنْ وقعَ هو في هواها!! ".
وتتحدَّثُ الآية ُ عن حالةٍ خاصة، لظروفٍ خاصة، وحكْمٍ خاصٍّ
لرسولِ الله ﷺ ..
روى البخاريُّ ومسلمٌ عن سهل بنِ سعدٍ الساعديّ ﵁
قال: إِنّي لفي القومِ عندَ رسولِ الله ﷺ ، فجاءَتْه امرأةٌ، فقالَتْ: يا رسولَ الله إِنّي قد وَهَبْتُ نفسي لك، فَرَ فِيَّ رَايَكَ! فقامَتْ قِياماً طويلاً، فقالَ رَجل: يا رسولَ الله! زَوّجْنِيها..
فقالَ رسولُ الله ﷺ : " هل عندَك من شيء تصدُقُها
إِيّاه؟ " قال: لا.
قال: " التمس ولو خاتَماً من حَديد! " فالْتَمَسَ فلم يَجِدْ شيئاً،
فقالَ رسولُ الله ﵇: " هل مَعك من القرآنِ شيء؟ " قالْ معي سورةُ كذا وسورةُ كذا..
قال: " زَوَّجْتُكَها بما مَعك من القرآن ".
فرغمَ أَنَّ اللهَ أَباحَ لرسولِه ﵇ أَنْ يتزوَّجَ مَنْ وَهَبَتْ نفسَها له، إِلَّا أَنه لم يَتَزَوَّجْها، وإِنما زَوجَها لأَحَدِ أَصحابِه.
ولم تتكررْ تلك الحادثةُ معه.
وإِباحةُ الزواجِ للرسولِ ﵇ عن طريقِ الهبةِ خاصٌّ به، كما أُبيحَ له الزواجُ بأَكثرَ من أَربعِ نساء، وكان زَواجاً بدونِ وَليٍّ ولا مَهْر، وهذا لا يَجوزُ لغيرِه، مع أَنه زواجٌ لم يَتَحَقَّقْ!.
ولهذا قالَ قَتادة: ليسَ لامرأةٍ تَهَبُ نفسَها لرجُلٍ بغيرِ وَليٍّ ولا مَهْر، إلّا
للنبيّ ﵇، لقوله: (خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) .
وقالَ ابنُ عباس ﵄: لم يكنْ عندَ رسولِ الله ﷺ امرأةٌ وَهَبَتْ نَفْسَها له.
стр. 214
أَيْ أَنَ الرسول ﷺ لم يَقْبَلْ تلك المرأةَ التي وَهَبَتْ نفسَها له، مع أَنَّ الأَمر كانَ مُباحاً له ومَخْصوصاً به، لأَنه مردودٌ إِلى مشيئتِه: (إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا) .
واعترضَ الفادي المفترِي على حديثِ القرآنِ عن الحورِ العين في الجنة،
التي يَتَنعَّمُ بها المؤمنون، والتي وَرَدَ الحديثُ عنها في قولِه تعالى: (وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) .
وهذا في رأيه خَطَأ، لأَنَّ المؤمنين لا يَتزَوَّجونَ فيها!! ولذلك.
قال: " وهل جَنَةُ اللهِ مكانٌ لِلَّهوِ مع الحورِ العين؟!
قال المسيح: (لأَنهم في القيامةِ لا يُزَوَّجونَ ولا يَتَزوَّجون، بل يَكونونَ كملائكةِ اللهِ في السماء ".
واعتراضُ الفادي مردود، لأَنَّ اللهَ أَخْبَرَنا في القرآن عن استمتاع
المؤمنين في الجنةِ بالحورِ العين، وهو صادِقٌ فيما قال، ونحنُ نؤمنُ بكلِّ
ما وردَ في القرآن! وما نَسَبَهُ إِلى المسيح ﵇ من أَنَّ المؤمنينَ في الجنة يَكونون كالملائكة، لا يَستمتعونَ بالنِّساءِ مشكوكٌ فيه (١) ، لأَنَّ الرهبانَ حَرَّفوا الأَناجيل " وأَضافوا إِلى كلامِ اللهِ فيها الكثيرَ من كلامِهم ومزاعمِهم وافتراءاتِهم!!.
والآياتُ التي تَحَدثَتْ عن استمتاعِ المؤمنين بالحورِ العين والنساءِ
عديدة، منها قولُه تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥) .
ومنها قولُه تعالى: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) .
ومنها قولُه تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) .
стр. 215
وما المانعُ من أَنْ يَلهوَ المؤمنون مع أَزواجِهم والحورِ العين في الجنة؟!
إِنَّ الجنةَ دارُ جزاءٍ ونعيم، ومتعةٍ وسَعادة.
قال تعالى: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) .
стр. 216
الفصل الرابع نقض المطاعن اللاهوتية
стр. 217
التوحيد والتثليث والأقانيم
اعترضَ الفادي على الآياتِ التي تُبطلُ التثليث، وتُكَفِّرُ النَّصارى القائلين
بأَنَّ اللهَ ثالثُ ثَلاثة.
والآياتُ التي ذَكَرَها هى قولُه تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١) .
وقولُه تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) .
وقولُه تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) .
تَنهى الآيةُ الأُولى النَّصارى عن الغُلُوِّ في دينِهم، وعن المبالغةِ في النظرِ
إِلى عيسى ﵇، وتَدْعوهُم إِلى عَدَمِ تَأليهه، وعدمِ إِشراكِه مع الله، فإِنْ قالوا: الآلهةُ ثَلاثَة، كانوا كافِرين، وتُخبرُهم عن حقيقةِ عيسى ﵇، فهو رسولُ الله، وكلمتُه أَلْقاها إِلى مريم، فَحَمَلَتْ به ووضَعَتْه، وهو روحٌ من عندِ الله، جَعَلَها في جَسَدِه، فصارَ عيسى الرسول البَشَرَ ﵇.
وتُصرحُ الآيةُ الثانيةُ بكفْرِ النَّصارى الذين آمَنوا بالتَّثْليث، وقالوا: إِنَّ اللهَ
стр. 218
ثالثُ ثلاثةِ آلِهة، هي: الله وعيسى وأمُّه مريم، أَو: اللهُ وعيسى وجبريل.
وتُخبرُ الآية ُ الثالثةُ عن السؤال الذي سيوجِّهُه اللهُ إِلى عيسى ﵇ يومَ القيامة، حيث سيقول له: أَأَنْتَ قُلْتَ للناس: اتَّخذوني وأُمَيَ إِلهَيْنِ من دونِ الله؟
وسيتبرأُ عيسى ﵇ ممن عَبَدوهُ وأَلَّهُوه.
وتَلتقي الآياتُ مع آياتٍ غيرها على تقريرِ وحدانيةِ الله، ونفيِ وُجودِ
شركاءَ معه، وكُفرِ النَّصارى القائلين بالتثليث أَو الثالوث!.
يَعترضُ الفادي على هذه الآيات، وينكرُ كونَ النصارى قائِلين بثلاثةِ
آلهة.
قال: " يَتَّضحُ من هذه الآياتِ أَنَّ مُحَمَّداً سمعَ من بعْضِ أَصحابِ البدعِ من النَّصارى أَنه يوجَدُ ثلاثةُ آلهة، هم: اللهُ ومريمُ وعيسى، فَرَدَّ على هذه
البدعة، وكَرَّرَ المرةَ بعدَ المرةِ أَنَّ اللهَ إِلهٌ واحد! ".
يعترفُ الفادي في هذه الفقرةِ بوجودِ فرقةٍ من النَّصارى يقولون: اللهُ ثالثُ
ثلاثة، هم: اللهُ، ومريمُ، وعيسى، ويَعتبرُ هذه الفرقةَ النصرانيةَ مبتدعَة ...
وقد ذَكَرَ القرآنُ ذلك وأَبْطَلَه وكَذَّبَ قائِليه، وهذا ما ظَهَرَ واضحاً صريحاً في
الآياتِ السابقة: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ... ) ، (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ... ) ، و (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... ) .
ويُصرحُ الفادي في عبارتِه بأَنَّ القرآنَ من تأليفِ الرسول ﷺ وليْس من عندِ الله، وذلك في قوله: "..
إن محمداً سمعَ من بعضِ أَصحابِ البدعِ من النَّصارى أَنه يوجَدُ ثلاثةُ آلهة..
فَرَدَّ على هذه البدعة "! فالرسول ﷺ هو الذي
سمعَ تلك البدعة بأُذُنَيْه، وهو الذي رَدَّ على تلك البدعة، وكَرَّرَ في القرآنِ
المرةَ بعد الأُخرى أَنَّ اللهَ إِلهٌ واحد! فالكلامُ كلامُه والرَّدُّ رَدُّه، والقرآنُ من
تأليفِه، وليس وحياً من عندِ الله مُنَزَّلاً عليه!!.
مع أَنَّ الآياتِ صريحةٌ في أَنَّ اللهَ هو الذي أَخْبَرَ عن كُفْرِ النَّصارى وتَثْليثهم.
стр. 219
ولنقرأ هذه الآياتِ التي تتحدَّثُ عن نفسِ الموضوع.
قال الله :
(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) .
وزَعَمَ الفادي أَنَّ الوحدانيةَ هي أَساسُ الدينِ النصراني، وأَنه لا يوجَدُ
نصرانى يَعْبُدُ ثلاثةَ آلهة، قال: " وكُلُّ مَنْ له إِلمامٌ بالتوراةِ والإِنجيلِ يَعرفُ أَنَّ
وحدانيةَ اللهِ هي أَساسُ الدينِ المسيحيّ..
فقد قالَت التوراةُ والإِنجيل: " الرَّبُّ إِلهنا رَبّ واحِد "التثنية: ٦/ ٤.
ومرقس: ٢٩/١٢، ولم يَقُلْ مسيحيّ حقيقيّ قَطّ إِنَّ العذراءَ مريمَ إِله، مع كلِّ التقديرِ والمحبَّةِ لها ".
وهذه دعوى كبيرةٌ ادَّعاها الفادي، ونَرجو أَنْ تكونَ صحيحةً صادقة،
لكنَ واقِعَهم لا يُصَدِّقُها ولا يتوافَقُ معها.
ويَشرحُ الفادي الثالوثَ، ويجعلُه بمعنى التوحيد، ويَزعمُ أَنَّ القرآنَ اتفقَ
مع الإِنجيلِ على القولِ به!!.
قال: " المسيحيّون لا يَعبدونَ ثلاثةَ آلِهة، بلْ إِلهاً
واحداً في وحدانيةٍ جامعةٍ: هو الآبُ والابنُ والرّوحُْ القُدُس، أَو بعبارةِ
القرآن: الله وكلمتُه وروحُه!! والكلُّ في ذاتٍ واحدة ".
النصارى حسبَ زعمِ الفادي يَعْبُدونَ إِلهاً واحداً في وحدانيةٍ جامِعَة،
تتعدَّدُ فيها الأَقانيمُ الثلاثة: الآبُ والابنُ والروحُ القُدُس!.
стр. 220
علماً أَنَّ الأَقانيمَ الثلاثةَ هي ثلاثُ ذواتٍ مُنفصلَة، فالآبُ عندهم هو الله،
والابنُ عندَهم هو عيسى، والروحُ القُدُسُ هو جبريلُ ﵇، فكيف صارَتْ هذه الذواتُ والشخصياتُ المتباينةُ إِلهاً واحداً جامعاً؟!.
وزَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ القرآنَ يقولُ بالثالوث المقَدَّس مثلُ الإِنجيل،
والثالوثُ القرآنيُّ هو: اللهُ وكلمتُه وروحُه!!.
وأَينَ وردَتْ هذه الكلماتُ الثلاثُ بهذا اللفظِ في القرآن؟
إِنّ الفادي كاذبٌ مُفْتَرٍ مُدَّع.
قالَ اللهُ في القرآن: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ) .
لا تتكلمُ الآيةُ عن ثلاثةِ أَقانيم، وإِنما تُبطلُ الأَقانيمَ الثلاثة، وتَذْكُرُ
حقيقةَ عيسى ابنِ مريمَ ﵇.
وتَصِفُه بثلاثِ صِفات:
الأُولى: أَنَّهُ رسولُ الله: جعلَه اللهُ نبيّاً رَسولاً، وأَرسلَه إِلى بني إِسرائيل.
الثانية: أَنَّهُ كلمةُ الله: (وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) .
ومعنى كونِ عيسى ﵇ كلمةَ اللهِ: أَنَّ اللهَ خَلَقَه بكلمةِ " كُنْ " الكونيةِ التكوينيّة، التي يَخْلُقُ بها سبحانَه جميعَ المخلوقين.
وهي الكلمةُ التي خَلَقَ بها أَبا البشر آدم ﵇،
وقد أَشارَ لها في قولِه تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) .
أَيْ: أَنَّ اللهَ خَلَقَ عيسى بكلمتِه " كُنْ "، فكانَ كما أَرادَ الله، كما خَلَقَ آدمَ بكلمتِه " كُنْ "، فكانَ كما أَرادَ الله!.
أَلْقى اللهُ العظيمُ كلمتَهُ " كُنْ " إِلى مريم، فكانت المخلوقَ عيسى
الرسولَ ﵇، حيثُ تَخَلَّقَ عيسى في رحمِها، ولما نفخَ اللهُ فيه الروح، وضعَتْه مولوداً بشراً.
وكلُّ المخلوقاتِ يخلُقُها اللهُ العظيمُ بكلمتِه " كن "، التي خَلَقَ بها
عيسى ﵇، وجاءَ هذا صَريحاً في قوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) .
стр. 221
الثالثة: أَنَّهُ روحٌ من عند الله: (وَرُوحٌ منهُ) .
أَيْ: أَنَّ اللهَ خَلَقَ روحَ عيسى ﵇، كما خَلَقَ روحَ أَيِّ إِنسان، سواءٌ كانَ نبيّاً أَو إِنساناً عاديّاً، وأَمَرَ جبريلَ الروحَ القُدُسَ أَنْ يحملَ روحَ عيسى المخلوقة، وأَنْ ينفُخَها في مريمَ العذراءِ البتولِ ﵍، ففعل، وحملَتْ بعيسى بأَمْرِ الله (١) .
و" مِنْ " في قوله: (وَرُوحٌ منْهُ) بيانيَّة، وليستْ تبعيضيَّة، تُبَيِّنُ أَنَّ روحَ
عيسى التي نُفخَتْ في فَرْجِ مريمَ إِنما هي من عندِ الله.
وقد حَرَّفَ الفادي المفترِي صفاتِ عيسى ﵇ الثلاثةَ: " رسولُ اللهِ وكلمتُه أَلْقاها إِلى مريم وروحٌ منه " لتكونَ أَقانيمَ ثلاثةً يؤمنُ بها النصارى: " اللهُ وكلمتُه وروحُه "، وكَذَبَ المفترِي في قولِه: " والكلُّ في ذاتٍ واحدة ".
فالأَقانيمُ الثلاثةُ: الآبُ والابنُ والروحُ القُدُسُ ثَلاثُ شخصياتٍ منفصلة، وليستْ ذاتاً واحدة.
أَما الصفاتُ الثلاثةُ المذكورةُ في القرآن: " عيسى ابنُ مريم: رسولُ الله،
وكلمتُه أَلْقاها إِلى مريمَ، وروحٌ منه " فهي ثلاثُ صفاتٍ لِذاتِ المسيحِ
وشخصِه ﵇.
فالمسيحُ رسولُ الله، وهو نفسُه كلمةُ الله، خُلِقَ بكلمةِ " كُنْ "
الإِلهية، وهو نفسُه روحٌ من الله، الروحُ التي في بَدَنِه من عندِ الله.
وانتقلَ الفادي المفترِي إِلى افتراءٍ آخَرَ يتعلَّقُ بالثالوث، زَعَمَ فيه التقاءَ
القرآنِ مع الإِنجيلِ في القولِ بالثالوث!! قال: " وقد اتفقَ القرآنُ مع الكتابِ
المقَدَّسِ في إِسنادِ الفعلِ وضميرِ المتكلمِ في صيغةِ الجَمْعِ إِلى الله..
ولم يَرِدْ في الكتابِ المقَدَّسِ ولا في القرآنِ كلامُ مخلوقٍ كائناً مَنْ كان تَكَلَّمَ عن نفسِه بصيغةِ الجَمْع، مما يدلُّ على وحدةِ الجوهرِ مع تَعَدُّدِ الأَقانيمِ في الذاتِ
العلية.
فمثلاً وَردَ في سورةِ البقرة: (نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) ، بصيغةِ الجمع، وَوَرَدَ في سورةِ الأَعراف: (اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ) ، بصيغةِ المفرد..
فتُشيرُ الصيغةُ الأُولى إِلى جمعِ الأَقانيم، وتُشيرُ الصيغةُ الثانيةُ إِلى توحيدِ الذات.. ".
стр. 222
يَزعمُ المفترِي الجاهلُ أَنَّ إِسنادَ ضميرِ الجمعِ إِلى الله الأَحَدِ في القرآنِ
دليلٌ على " الثالوثِ المقَدَّسِ "، وعلى تَعَدُّدِ الأَقانيم في الذاتِ العليةِ الواحدةِ
وِحدَةَ جَوْهَر! وما دَرى الجاهلُ أن هذه النونَ في (نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) لا تُسَمّى
نونَ الجمع، وإِنما تُسمى " نونَ العَظَمَة "، فاللهُ المتكلمُ واحدٌ أَحَدٌ، فَرْدٌ صَمَد، وعندما يتكلمُ بضميرِ " نحنُ " - المنفصلِ أَو المتصلِ أَو المستتر - فإِنما يُريدُ أَنْ يُعَظِّمَ نَفْسَه..
وليسَ في الأَمْرِ تَعَدُّدُ أَقانيم أَو شخصياتٍ أَو جواهر أَو إِرادات..
إِنما هو إِلهٌ واحدٌ سبحانه!!.
ويَزعمُ المفترِي أَنَّهُ لم يَرِدْ في القرآنِ كلامُ مخلوقٍ كائناً مَنْ كانَ تكلَّمَ
عن نفسِه بصيغةِ الجمع، وهذا زعمٌ باطلٌ منقوض، ويَكفي في تكذيبِه تذكرُ
قولِ اللهِ وَجضَّ: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) .
لما حَرَّضَ الملأُ من قومِ فرعونَ فرعونَ على محاربةِ موسى، والقضاءِ عليه
هو وأَتْباعه، رَدَّ فرعونُ عليهم بضميرِ الجمع، مع أَنه شخصٌ واحد، وأَوردَ في كلامِه أَربعَ كلماتٍ بصيغةِ الجمع: " سَنُقَتِّلُ "، و " نَسْتَحْيي "، و " إِنّا "، و " قاهرون ".
فكيفَ يَدَّعي الفادي المفترِي أَنه لم يتكلمْ فَرْدٌ مخلوق بصيغةِ الجمعِ في
القرآن؟!.
وحتى يُقْنِعَنا بأَنَّ التثليثَ توحيدٌ لله، وأَنَّ القرآنَ قالَ بالتثليث، قَدَّمَ كلامَ
القرآنِ عن أسماءِ اللهِ الحسنى دليلاً على التثليث، وخَصَّ اسْمَ " الوَدود "
بالذّكْر..
قال: " ومن أَسماءِ الله الحسنى أَنه الوَدود، لقوله : (وَهُوَ اَلغَفُورُ اَلْوَدُودُ) فالوُدُّ صفةٌ من صفاتِه، ومن معرفتِنا أَنَّ هذه الصفةَ أَزلية،
نستدلُّ أَنَّ هناكَ تَعَدُّد أَقانيم في الوحدةِ الإِلهية، لتَبادُلِ الوُدِّ بينَها قبلَ أَن يُخْلَقَ شيء..
وإلَّا ففي الأَزَلِ اللَّانهائي كانت صفةُ الوُدِّ عاطلةً عن العمل، وابتدأَتْ
تَعمل، فبدأَ اللهُ " يَوَدُّ "، بعدَ أَنْ خَلَقَ الملائكةَ والناس!.
وحاشَ لِلّه أَنْ يكونَ
стр. 223
قابلاً للتَّغَيُّر! ".
الوَدودُ من أَسماءِ الله، والوُدُّ من صفاتِ الله، وتَقَومُ هذه الصفةُ على
المحَبَّة، فاللهُ وَدود يُحِبُّ عبادَهُ، ويُحسنُ إِليهم ويُنعمُ عليهم.
وعلى هذا تكونُ " وَدود " صفةً مُشَبَّهَة بمعنى اسمِ الفاعل، فهي بمعنى " وادّ "، والوادُّ هو المحِبُّ المنعمُ المحسِنُ.
ويمكنُ أَنْ تَكونَ " ودود " بمعنى اسْمِ المفعول " مَودود ".
أَي: هو سبحانَه المودودُ المحْبوب، يَوَدُّهُ عِبادُه ويُحبونَه، ويَدْعونَه ويَتَقَرَّبونَ إِليه.
ولا يَلزمُ من كونِ اللهِ وَدوداً تَعَدُّدُ الأَقانيم، لأَنَّ الوُدَّ صفةٌ قائمةٌ
بالموصوف ، لا تَنفصلُ عنه، ولا تتحوَّلُ إِلى " أُقنومٍ " آخَرَ.
غيرِ الله!.
وهكذا باقي صِفاتِ الله، كالعِلْمِ والرحمةِ والسمعِ والبَصَرِ، فهي صفات
متعدّدَةٌ لموصوفٍ واحد، فاللهُ عليم، وهو نفسُه رَحيم، وهو نفسُه سميع بَصير وَدود.
ويُغالطُ الفادي في زَعْمِ الشراكةِ بينَ المؤمنين وربّهم، عندَ إِيمانِهم
بصفاتِ الله، تلك الشراكةُ التي تَقودُ للإِيمانِ بالأَقانيم الثلاثة.
قال: " وهل نَستطيعُ أَنْ نُوَفّقَ بينَ الإِيمانِ بصفاتِ اللهِ الأَزليةِ كالسَّمعِ والتكلُّم، دونَ الإِيمانِ بثلاثةِ أَقانيمَ في إِلهٍ واحد؟
ولا نَستطيعُ أَنْ نملأَ الفجوة الهائلةَ بين علاقةِ الإِنسانِ باللهِ على غيرِ قاعدةِ الأُبوة والبُنُوَّة، وحياةِ الشركةِ المعلنةِ في عقيدةِ الثالوثِ القويمة "!!.
ولا أَدري كيفَ يَقودُ الإِيمانُ بأَسماءِ الله وصفاتِه إِلى الإِيمانِ بالأَقانيمِ
الثلاثة، إِنَّ اللهَ الواحدَ الأَحَدَ الصمد، هو العليمُ الحكيمُ الحليمُ السميعُ الحيّ القَيوم ...
فهو سبحانَه مُتَّصِفٌ بهذه الصفاتِ العظيمةِ الجليلة، ولهذهِ الصفاتِ
الجليلةِ آثارٌ عملية، ومظاهِرُ إِيجابية، تتعلَّقُ بحياةِ البشرية، وهذه المظاهِرُ
الإِيجابيةُ لا تَعني الأَقانيمَ الثلاثةَ التي يُؤْمِنُ بها النصارى، لأَنَّهُ فَرْقٌ بين الآثارِ
стр. 224
العمليةِ لصفاتِ الله، وبين الزعمِ بوجودِ ثلاثةِ كيانات، انبثقَ كلُّ كيانٍ عن
الذي قَبْلَه، وكأَننا أَمامَ شخصياتٍ ثلاثة: الآبُ والابنُ والروحُ القُدُس!!.
ويَدْعو الفادي الجاهلُ إِلى مَلْءِ الفجوةِ الهائلةِ بين اللهِ والإِنسانِ بالتثليثِ
والشراكة: " ولا نَستطيعُ أَنْ نملَأَ الفجوةَ الهائلةَ بين علاقةِ الإِنسانِ بالله على
غيرِ قاعدةِ الأُبُوةِ والبنوةِ، وحياةِ الشركةِ المعلنةِ في عقيدةِ الثالوث القويمة "!!.
وهذا هو أَساسُ الانحرافِ عند النصارى، الذي دَفَعَهم إِلى الإِيمانِ
بالأَقانيمِ الثلاثةِ والقولِ بالتثليث: إِنه ملءُ الفجوةِ بينَ اللهِ والإنسان، بحيثُ
أَدّى ذلك إِلى اتِّحادِ الخالقِ والمخلوق، وصارتْ حياةُ المخلوقِ انعكاساً
للخالق، ومَظْهَراً مادّياً عمليّاً له!.
وهذا هو ما تَمَيَّزَ به الإِسلام، حيثُ حَرَصَتْ نصوصُه على عدمِ مَلْءِ
الفجوةِ بين اللهِ والإِنسان، بل التأكيدُ المتواصلُ على الفصلِ الدقيقِ بين الخالقِ والمخلوق، والعابدِ والمعبود، ولذلك قامَت العقيدةُ الإِسلاميةُ على الإِيمانِ بحقيقتَيْن منفصلتَيْن: حقيقةِ الأُلوهية، وحقيقةِ العبودية..
فالرَّبُّ هو اللهُ وحْدَه، وما سواه ليسَ رَبّا ولا إِلهاً ولا مَعْبوداً، إِنما هو عبدٌ مخلوقٌ ضعيفٌ عاجز!!.
ووردَ هذا في آياتٍ عديدةٍ في القرآن، في مقدمتِها سورةُ الإِخلاص:
(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) .
ولا يلزمُ من الفصلِ التامِّ بين الخالقِ والمخلوق، والعابدِ والمعبود،
واللهِ والإِنسان تعطيلُ صفاتِ الله، أَو السيرُ في الحياةِ بعيداً عن الله، فالمؤمنُ يستحضرُ دائما عظَمةَ الله، ويشعُرُ بمعيَّتِهِ، ويأنَسُ به، ويَعيشُ مظاهرَ صفاتِه الإيجابية، ويَرى آثارَها فيه وفيما حولَه، فيعيشُ بالله ولله وفي الله ومع الله ...
لكنْ مع استحضارِه الفرقَ البعيدَ بينَه وبينَ الله، ويَقينه بأَنَّ الله متفردٌ في ذاتِه
وصفاتِه واَفعالِه.
قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) .
стр. 225
وبهذا نعرفُ جهلَ الفادي الجاهلِ وخَطَأَه عندما زَعَمَ أَنَّ عَدَمَ القولِ
بالثالوثِ معناهُ الإِيمانُ بالله بدونِ الأُنسِ الروحي به، وهذا إِيمانُ الشياطين.
قال: " إِنَّ الإِيمانَ بالتوحيدِ المجَرَّدِ بدونِ أُنسٍ روحي بالله هو إِيمانُ الشياطين
أَنْتَ تؤمنُ أَنَّ اللهَ واحِد؟ حَسَناً تفعل..
والشياطينُ يُؤْمنونَ ويَقْشَعِرّون! ".
إِننا نؤمنُ بالله، ونُوحِّدُ الله، ونعتقدُ أَنه متفرّدٌ في ذاتِه وصفاتِه وأَسمائِه
وأَفعالِه، ونُنكرُ الأَقانيمَ التي يؤمنُ بها النَّصارى، ولا نَجعلُ ذواتاً متولّدَةً عن
ذاتِه، ولا نجعل أَشخاصاً مُتَفَرّعينَ عن شخصه، ونؤمنُ أَنه سبحانَه خَلَقَ كُلَّ
المخلوقاتِ بكلمةِ " كُنْ " التكوينية.
- ونحنُ المسلمونَ أَكثرُ النّاسِ أُنْساً بالله، وسعادةً بذكْرِه، وملاحظةً للآثارِ العمليةِ لصفاتِه العلية، واسْتِحْضاراً لعظمتِه ورعايتِه وقيوميَّتِه سبحانه.
ويُجهدُ الفادي الجاهلُ نَفْسَه في إِقناعِنا بأَنَّ الثالوثَ يَعْني الوحدانية،
وأَنَّ التَّثْليثَ يَعْني الوحده، فيقول: " ومثل التثليثِ مثل العقلِ والفكرِ والقولِ، فهذه ثلاثَةُ أَشياءَ متميزةٌ غيرُ منفصلةٍ لشيء واحد؟
والنارُ والنورُ والحرارةُ ثلاثةُ أَشياءَ متميزةٌ غيرُ منفصلةٍ لشيء واحد! فهل نَستبعدُ وُجودَ ثلاثةِ أَقانيمَ متميزةٍ غيرِ منفصلةٍ في إِلهٍ واحد حسبَ إِعلانِ كتابِه المقَدّس؟ ".
إِنَّ الفادي الجاهلَ يُشَبِّهُ الأَقانيمَ الثلاثةَ: الآبَ والابنَ والروحَ القُدُس،
بالعقلِ والفكر والقول، ويُشَبِّهُها بالنار والنورِ والحرارة.
وَوَجْهُ الشَّبَهِ هو التثليت والتميزُ، وعدمُ الانفصال، والتَّوَحُّد!.
يريدُ الجاهلُ أَنْ يُقْنِعَنا أَنَّ العقلَ والفكرَ والقول، وأَنَّ النارَ والنُّورَ
والحرارة، مِثْلُ اللهِ وعيسى وجبريل! صحيحٌ أَنَّ العقلَ والفكرَ والقولَ ثلاثُ
صفاتٍ لموصوفٍ واحد، وهو ما يقولُه الإِنسان بعد تفكير، حيثُ يفكِّرُ
الإِنسانُ، ثم يُعملُ عَقْلَه، ثم يَنطقُ بما فَكّرَ به، وكأَنَّ القولَ يَمُرُّ بثلاثِ
محطات: الفكرِ والعقلِ والفمِ.
لكنَّه شيءٌ واحد، هو القول!!.
стр. 226
وكذلك النارُ والنورُ والحرارة، فهي نارٌ، لكنَّها موصوفةٌ بأَنها نورٌ نظراً
لإِضاءَتِها، وموصوفةٌ بالحرارةِ نَظَراً لحرارَتِها، فالنورُ والحرارةُ صفتانِ
لموصوفٍ واحدٍ، هو النار.
إِنَّ المثَلَيْن اللذَيْنِ أَوردَهما الفادي يُوَضّحانِ إِيمانَ المؤمنِ بصفاتِ الله،
كالعلمِ والحياةِ والسمعِ والبَصَر، فهي صفاتٌ لموصوفٍ واحدٍ هو اللهُ سبحانه، ولا يَلْزَمُ من تَعَدُّدِ الصفاتِ تَعَدُّدُ الذات، كما أَنها ليستْ صفاتٍ متميزة، لأَنَّ كُلَّ صفةٍ تَلْحَظُ معنىً من معاني الذات الإِلهية، فصفةُ العلمِ تَلْحَظُ هذا المعنى، وصفةُ السمعِ تَلْحَظُ هذا المعنى، وهكذا باقي الصفات.
ولا تَمَيُّزَ ولا انفصال بين هذه الصفات، وإِنما بينها تكامُلٌ وتَناسُق، لأَنها كُلَّها تَدُلُّ على ما يَتصفُ به اللهُ من صفاتِ الكمالِ والجلال.
ومَنْ قال: إِنَّ صِفَتَي النورِ والحرارةِ متميزَتان؟
إِنهما صِفَتانِ مُتكامِلَتان للنّارِ المشتعلة، لا يُمكنُ التمييزُ بينهما ولا التفريق، فالنُّورُ في النارِ مُتَداخِلٌ مع الحرارة، إِذْ كُلُّ جُزْءٍ من النّار حارٌّ مضيء، وتَجتمعُ فيه الإِضاءَةُ معَ الحرارة!.
أَما الأَقانيمُ الثلاثةُ التي يؤمنُ بها النصارى فإِنَّها ليستْ صفاتٍ لموصوفٍ
واحد، إِنما هي ثلاثَةُ كياناتٍ متميّزة منفصلَة، فالآبُ عندهم هو الله، والابنُ عندهم هو المسيحُ عيسى ابنُ مريم، والروحُ القُدُس عندهم هو جبريل، فهلْ هذه الكياناتُ الثلاثةُ مثلُ: النارِ والنورِ والحرارة، أَو مثلُ الفكرِ والعقلِ والقولِ؟
اللهم لا!!.
مَنْ هم الجاهلونَ إِذَنْ؟
هل هم المسلمون الذين يَقولون: اللهُ أَحَد، اللهُ الصَّمَد، لم يَلِدْ ولم يولَدْ ولم يَكُنْ له كُفُواً أَحَد؟
أَم هم النصارى الذين يقولون: الآبُ، والابنُ، والروحُ القُدُس.
ثلاثةُ أَقانيمَ متميزةٌ غيرُ منفصلةٍ عن الذات الواحدة؟
مع أَنها منفصلةٌ عن الذاتِ الواحدة!!.
وكَذَبَ المفترِي الفادي في اتِّهامِه للقرآنِ وتخطئتِه له، وصَدَقَ اللهُ القائلُ
стр. 227
في القرآن: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ) ..
وصَدق اللهُ في نصحِه للنصارى قائلاً: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ) .
***
الذنوب بين الاستغفار والتكفير والفداء
وَعَدَ اللهُ المؤمنين أَنْ يُكَفِّرَ عنهم الصغائرَ إِن اجْتَنَبوا الكبائر.
قال تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) .
وجاءَ في صفاتِ المؤمنين الفائزين قولُه تعالى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) .
وأَثارت الآيتانِ اعتراضَ الفادي، واعتبرَهما من مبادئِ القرآنِ الخاطئة،
لأَنَّهما تَتَعارضانِ معَ مَبدأ " الفِداء " عند النَّصارى، وسَجَّلَ اعتراضَه وتخطئتَه
بقولِه: " ونحنُ نسأل: هل من المعقولِ أَنْ يَغفرَ اللهُ أَو القاضي لمذنبٍ ارتكبَ
السرقةَ لأَنه تجنَّبَ القتْلَ؟
يؤكّدُ الكتابُ المقَدَّسُ لنا أَنه لا غُفرانَ بغيرِ الفادي المسيح، الذي قالَ عنه القرآنُ: (آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا) ، فالإِله القُدّوسُ العادلُ لا يَمنحُ الغفرانَ للخاطئ بدونِ كَفّارَة، ولا يَصفحُ عنه بدونِ فِداء!
إِنَّ الغفرانَ بغيرِ حساب استهتارٌ بصفاتِ اللهِ القُدّوسَةِ الكاملة، فالعَدْلُ
يَطلبُ قِصاصَ الخاطئ، والرحمةُ تَطلبُ العفْوَ عنه، وإِجابةُ أَحَدِ المطلَبَيْنِ تَعني
تَعطيلَ إِحدى الصفتَيْن! ".
لا يُصَدِّقُ الفادي المفترِي القرآنَ في وَعْدِه غفرانَ الصغائرِ باجتنابِ
الكبائر، مع أَنه وَعْدٌ قرآنيٌّ صريح، يَجزمُ به المؤمنُ ويَفرحُ له، لأَنه وَعْدُ اللهِ الذي لا يُخلفُ الميعاد.
стр. 228
وهذا من رحمةِ اللهِ بالمؤمنين، فهو يَعلمُ أَنه لا بُدَّ للمؤمنِ أَنْ يَضعفَ
ويَزِلَّ ويُخطئَ ويُذْنِب، وهو غيرُ معصومٍ من الأَخطاءِ والذنوب، وبما أَنَّه
يتجنبُ الكبائر، كالقتْلِ والزّنى والرِّبا والسرقةِ والخَمْر، فإِنَّ اللهَ يَغفرُ له
الصغائرَ اللَّمَم، التي يُلِمُّ بها بدونِ قَصْدٍ أَو تَعَمّد، كالكلمةِ الخَطَأ، والنظرةِ
الخَطَأ، والموقفِ الخَطَأ، والشعورِ الخَطَأ، على أَنْ يعترفَ بذنْبِه ويُسارعَ إِلى
التوبةِ والاستغفار، ويُتبعَ السيئاتِ الحسناتِ لتَمحوَها وتَذهبَ بها..
قالَ تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) .
هذا المبدأُ القرآنيُّ لا يُعجبُ الفادي المفترِي، واعْتَبَرَه لا يتفقُ مع العقلِ
والمنطق، ومنطقُه العقليُّ يُقَرِّرُ أَنَّ اللهَ القُدّوسَ العادلَ لا يَغفرُ للمخطئ بدونِ
كَفّارَة، ولا يَصفَحُ عنه بدونِ فِداء! وإِذا ظَنَّ المسلمُ أَنَّ اللهَ يُمكنُ أَنْ يغفرَ له
بدونِ فداءٍ أَو كفارةٍ فهذا استهتارٌ منه بالله، لأَنَّ اللهَ العادلَ لا يَرحمُ بدونِ
قِصاص، ولا يَغفرُ بدونِ كَفارةٍ أَو فداء.
وهل يَقْتُلُ المذنبُ نَفْسَه لتكونَ كَفارة؟!
وهل يَسفكُ دَمَه ليكونَ فداء؟!..
لا داعي لذلك، فقد فَدى اللهُ ذُنوبَ المذنبينَ السابقينَ واللاحقينَ بابنِه الفادي المسيح، الذي أَذِنَ لليهودِ أَنْ يَقْتُلوهُ ويَصْلبوه، ليكونَ قَتْلُه كفارةً لذنوبِ المذْنبين جميعاً، ويكونَ دَمُه المسفوكُ على الصليبِ كفارةً لجميعِ الذنوب!!.
وعلى المذنبينَ والعصاةِ والمخطئين أَنْ يَفْرَحوا ويَطمئنوا، فاللهُ فَداهم
بابنِه الفادي، وروحُ الفادي كفارةٌ لذنوبهم، ولا يُطْلَبُ منهم شيءٌ! لا توبةٌ ولا استغفار، ولا اجتنابٌ للكبائر، ولا تَرْكٌ للصغائر، ولا دَفْعٌ للكفارات!!
ليَعْمَلوا ما شاؤوا من الذنوبِ الكبيرةِ والصغيرة ولا يخافوا، فالمسيحُ الفادي
فَداهم وفَدى ذنوبَهم بنفسِه!.
اعتبرَ الفادي المفترِي القرآنَ مخطِئاً عندما دَعا المسلمين إِلى تَجَنُّبِ
الكبائر، وإِلى فعْلِ الحسنات، وإِلى التوبةِ والاستغفار، هذا كلُّه لا داعيَ له،
والبركةُ في المسيحِ الفادي، الذي فداهم بنفسه!!.
стр. 229
واستشهدَ الفادي المفترِي على هذا الفداءِ العجيبِ بالقرآن، حيثُ أَخْبَرَ
أَنَّ اللهَ جعلَ المسيحَ آيةً ورحمة.
قال تعالى: (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) .
فالمسيحُ رحمةٌ من اللهِ للناس، لأَنه فَداهم بنفسِه، ورضيَ أَنْ يُقْتَلَ ويُصْلَبَ ليخلِّصَهم من ذنوبهم!!.
وهذا فهمٌ خاطئ وتفسيرٌ منحرفٌ للآية، فاللهُ أَخبرَ أَنه سيجعلُ المسيحَ ﵇ آيةً منه للناس، لأَنه خَلَقَه بدونِ أَب، وبغيرِ الطريقةِ المعتادةِ للولادةِ والنَّسْل، فكانَ خَلْقُه ونُمُوُّه في رَحِمِ أُمّه آيةً دالَّةً على وحدانيةِ اللهِ وقدرتِه.
واللهُ جعلَه رحمةً منه للناس، وليستْ رحمةُ الناسِ به لأَنه فدى الناسَ بدمِه،
وقُتِلَ وصُلِبَ من أَجْلِهِم، فهذا لم يَحْصُل، وهو الآنْ حَيّ في السماءِ..
إِنما هو رحمةٌ لهم بنبوتِه ورسالتِه، وبالإِنجيلِ الذي أَنزلَه اللهُ عليه ليكونَ هدىً للآخَرين.
وكلُّ رسولٍ أَرسلَه اللهُ رحمةً للذينَ أُرسلَ إِليهم.
ولهذا خاطَبَ اللهُ رسولَنا محمداً ﷺ بهذا، فقالَ له: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧) .
وأَكَّدَ الفادي فِكْرَه الكنسيَّ في جعْلِ قَتْلِ عيسى وصَلْبِه - كما يَفهمُ
النَّصارى - توفيقاً بين عَدْلِ اللهِ في القصاصِ ورحمتِه بالعفو!
قال: " والمسيحيةُ تَكشفُ الستارَ عن حكمةِ اللهِ المطْلَقَة، فعن طريقِ قُدرةِ اللهِ غيرِ المحدودة جاءَ التّجَسُّدُ، وعن طريقِ الصلبِ جاءَ التوفيقُ بين عدلِ اللهِ الكاملِ ورحمتِه الكاملة.
قالَ الإِنجيل: " إِنَّ الناموسَ بموسى أُعْطيَ، أَما النعمةُ والحقّ فبيسوعَ
المسيحِ صارا.. " أيوحنا: ١/ ١٧، ".
إِننا نرفضُ هذا الفكْرَ الكنسيَّ حولَ الخَلاصِ والتكفيرِ والفداء، لأَننا نؤمنُ
أَنَّ اللهَ عَصَمَ رسولَه عيسى ﵇ من أَعدائِه، فلم يَقْتُلوه ولم يَصلبوه، فليسَ هناك قَتْلٌ ولا صَلْبٌ ولا فداءٌ ولا تكفير!!.
وهذا معناهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ عصى أَو أَذْنَبَ عليه أَنْ يَتوبَ إِلى اللهِ ويَستغفرَهُ،
стр. 230
ليغفِرَ اللهُ له ذَنْبَه، وعليه أَنْ يجتنبَ الكبائرَ ليكُفِّرَ اللهُ له الصغائر، وعليه أَنْ
يُكْثِرَ من الحسناتِ التي تُذْهِبُ السيئاتِ.
وقد اعترضَ الفادي المتحاملُ على القرآنِ في تقريرِه أَنَّ الحسناتِ يُذْهِبنَ
السيئات، واعتبرَ هذا لا يَتفقُ مع عدلِ الله، ولا يُريحُ ضميرَ المسلمِ العاصي.
لِنقرأْ قولَه العجيب: " أَمّا قولُ القرآن: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) ، فهو لا يتفقُ مع قَداسةِ اللهِ وعَدْلِه، ولا يُعطي الضميرَ راحةً ولا سَلاماً
ولا شعوراً بفَرَحِ الغفران ".
وهذا تَوَقّحٌ من الفادي على القرآن، وتخطئةٌ صريحةٌ له، واتهامٌ له بأنه
لا يَتفقُ مع عدلِ اللهِ وقداستِه، ولا أَدري لماذا؟!
أَليس اللهُ الرحيمُ هو الذي قضى أَنْ تُذْهِبَ الحسناتُ السيئاتِ؟ !
وماذا في ذلك طالما أَنه أَمْرُ اللهِ وقَضاؤُه؟!
وهو الفَعّالُ لما يُريدُ سبحانه..
أَليس اللهُ هو العزيزُ الغفور، الذي يَغفرُ لمن يشاء؟
أَليس اللهُ هو التوَّابُ الذي يَتوبُ على عبادِه التّائبين؟
لماذا يَدَّعي المفترِي أَنَّ هذا كلَّه لا يَتفقُ مع عدلِ الله؟!.
وادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ مفهومَ الذنبِ والتوبةِ والاستغفارِ في الإِسلام لا
تُعطي ضميرَ المسلمِ راحةً ولا سَلاماً ولا فرحاً..
وقد نَقَلَ أَقوالاً عن رسولِ الله ﷺ وأَصحابه، كأَبي بكرٍ وعمرَ وعلي ﵃، تُعَبِّرُ عن ما كانوا يَعيشونَه من قَلَقٍ
واضطرابٍ واكتئابِ وإِحباط..
وهذه الأَقوالُ مكذوبةٌ لم تَصْدُرْ عنهم، أَو لعلَّ
بعضَها صَدَرَ عنهم لَكنَّ الفادي المفترِي أَساءَ فَهْمَها وتأْويلَها وتفسيرَها.
***
ما هي مصادر القرآن البشرية ؟
يَرى الفادي المفترِي أَنَّ القرآنَ ليس كلامَ الله، وِإنما أَخَذَهُ رسولُ اللهِ ﷺ من مصادِرَ بشريةٍ حولَه! وزَعَمَ أَنَّ القرآنَ لا يَثبتُ أَمامَ التدبرِ والبحثِ والفحص.
стр. 231
وقد دَعانا اللهُ أَنْ نتدبَّرَ القرآنَ لمعرفةِ تناسُقِه وصحَّحِه وصَوابِه، وخُلُوِّهِ عن
الخطأ والتناقضِ والاختلافِ والاضطراب، وذلك في قولِه تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) .
وعلق الفادي على الآية بقوله: " وهل يَحتملُ القرآنُ التدبُّرَ والفحصَ؟
وهل يَقبلُ المسلمونَ مبدأَ البحثِ للوقوفِ على حَقيقةِ القرآن؟..
لقد دَلَّت الأَبحاثُ أَنَّ محمداً أَخَذَ القرآنَ وشرائعَه من الصابئين، وعربِ الجاهلية، واليهودِ، والمسيحيين، وعن تَصَرُّفاتِه التي جعلَها سُنَّةً لغيرِه ".
هكذا إِذن! القرآنُ في نظرِ المفترِي لا يَصْمُدُ أَمامَ الفحصِ والبحثِ
والتدبُّر! وقد دَلَّت الأَبحاثُ على أَنَ القرآنَ بشريُّ المصدر، أَخَذَهُ محمدٌ ﷺ من الناس الذين حولَه، كالعربِ واليهودِ والصابئين..
ولم يُخْبرنا الفادي المفتري من هم الذينَ قاموا بتلك الأَبحاث، ولا كيفيةَ قيامِهم بها، ولا مكانَها وزمانَها ونتائجَها.
وللتَّدليلِ على دَعواهُ عَرَضَ نماذجَ من ما أَخَذَهُ محمدٌ عن كل من:
الصابئين والعربِ واليهودِ والنصارى وعاداتِه الشخصية! لِننظرْ في النماذجِ التي قَدَّمَها:
أولاً: ما أَخذه عن الصابئين:
زَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ الرسولَ ﷺ اعتبرَ الصابئين أَصحابَ دينٍ سماوي، وأَدخلَهم الجنة، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) .
وقال أَيضاً بنفسِ الفكرةِ في سورة البقرة (٦١) ، وسورة الحج (١٧) ...
هل هذه الآيةُ اعترافٌ بدينِ الصابئين، وتَقريرٌ أَنهم على حق، وأَنهم من
أَهلِ الجنة؟
стр. 232
إِنها تَذْكُرُ الصابئين مع اليهودِ والنصارى، فهل كُلُّ اليهودِ مؤمنون
في الجنة؟
وهل كُلُّ النصارى مؤمنونَ في الجنة؟
كلا.
لا يُعْتَبَرُ مؤمناً مَقْبولاً من الصابئين واليهودِ والنَّصارى إِلّا مَنْ اَمنَ باللهِ واليومِ الآخرِ وعملَ صالحاً!.
ومتى يكونُ الإِيمانُ بالله صَحيحاً كاملاً؟
لا يَكونُ صحيحاً مقبولاً إلا إذا آمنَ صاحبُه بكلِّ رسلِ اللهِ وأَنبيائِه، وبكلِّ كتبه، فمنْ لم يؤمنْ بنبوةِ رسولٍ من رسلِه لم يُقْبَلْ إِيمانُه كُلُّه، ومَنْ لم يُؤْمِنْ بأَحَدِ كُتُبه التي أَنزلَها على رسلِه لم يُقْبَلْ إِيمانُه كُلُّه..
فهل الصابئون واليهودُ والنصارى يؤمنونَ بكلِّ كُتُبِ الله ورسلِه؟
الجوابُ بالنفي!!.
لا يؤمنُ الصابئونَ بدينِ اليهودِ والنصارى والمسلمين، فهم كافرونَ
مُخَلَّدونَ في جهنم..
ولا يؤمنُ اليهودُ بدينِ النصارى، وينكرونَ رسالةَ عيسى وكتابَه الإِنجيلَ، كما يُنكرونَ رسالةَ محمدٍ ﷺ والقرآنَ المنزَّلَ عليه.
فهم كفارٌ لم يؤمنوا باللهِ حقّاً..
أَمّا النَّصارى فإِنهم لا يؤمنون باللهِ حَقّاً، لأَنهم لا يؤمنونَ أَنَّ القرآنَ كَلامُ الله، ولا أَنَّ محمداً هو رسولُ الله ﷺ .
أَما نحنُ المسلمين فإِنَّنا وَحْدَنا الذين نؤمنُ باللهِ حَقّاً، ونُحققُ أَركانَ
الإِيمانِ كاملة، فإِننا نؤمنُ بكُل الرسلِ الذين أَرسلَهم الله، وفي مقدمتِهم موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، ونؤمنُ بكلِّ الكتبِ التي أَنزلها الله، ومنها التوراةُ والإِنجيلُ والقرآن.
وعندما ننظرُ في الآيةِ موضوعِ الحديث، فإِننا نَراها تُقَدِّمُ لنا المسلمين
باعتبارِهم الأُمَّةَ التي حَقَّقت الإِيمانَ الصحيحَ الكامل، أَمّا الأُمَمُ الأُخرى فإِنَّ
الواحدةَ منها لا تُقْبَلُ إِلّا إِذا كانَ إِيمانُها مثْلَ إِيمانِ المسلمين.
قال تعالى: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا) .
وتتكوَّنُ الآية ُ من جملتَيْن: الجملة الأُولى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) .
والمرادُ بالموصولِ وصلَتِه (الَّذِينَ آمَنُوا) المسلمون.
وخَبَرُ " إِنَّ " محذوف، والتقدير: إِنَّ المؤمنين مفلحون ...
стр. 233
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)
والجملة الثانية: (وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) ..
فالواوُ في: (وَالَّذِينَ هَادُوا) حرفُ استئناف وليسَ حرفَ عَطْف.
(وَالَّذِينَ هَادُوا) مبتدأ.
(وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى) معطوفٌ عليه.
والخَبَرُ هو: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) .
ومعنى هذه الجملةِ الاسمية: (وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) : المؤمنونَ من هذهِ الطوائف: اليهود والصابئين والنصارى، هم الذينَ آمَنوا بالله واليوم الآخر..
ولَنْ يَكونوا مؤمنين باللهِ حقّاً إِلّا إِذا آمَنوا بكلِّ كتبِه وخاتمِها القرآنِ، وآمَنوا بكلِّ رسلِ الله، وخاتمِهم محمدٍ ﷺ .
وليسَ في هذه الآية ثناءٌ على الصابئين، وشهادةٌ لهم بأَنهم من أَهلِ
الجنة، كما زَعَمَ الفادي المفترِي (١) .
وكَذَبَ الفادي المفترِي عندما زَعَمَ أَنَّ الإِسلامَ أَخَذَ عقيدتَه عن
الصابئين! وذلك في قوله: " وقد نَقَلَ الإِسلامُ عنهم عقائدَهم، المعمولَ بها فيه إِلى الآن!! ".
ولم يَجِد المفترِي دَليلاً على دعواهُ الكبيرةِ الضالّة، إِلّا كَلاماً مُجْمَلاً
نقلَه من كتاب " بلوغ الأَرَب في أَحوالِ العرب " للآلوسي، ولم يُقَدِّم الآلوسي دَليلاً على كلامِه، واكتفى بادِّعاءِ أَنَّ للصابئةِ خمسَ صلواتٍ مثْلَ صلواتِ المسلمين، ويُصَلُّونَ على الجنازةِ مثلَ صلاةِ المسلمين عَلَيْها، ويصومون ثلاثينَ يوماً مثلَ المسلمين، ويتوجَّهون في صلاتهم نحو الكعبة، ويُحَرِّمونَ الميتةَ والدمَ ولحمَ الخنزير، ويُحَرِّمونَ زواجَ المحرمات من القريبات مثل المسلمين!!
وَهَبْ أَنَّ هذا الكلامَ صحيحٌ فهل مَعْناهُ أَنَّ الإِسلام أَخَذَ عنهم عقائِدَهم؟
إِنَّ " الصابئينَ " فرقةٌ صغيرةٌ قليلةُ العدد، لا يتجاوزُ عَدَدُ أَفرادِها بضعةَ آلاف، وهم مُقيمونَ في العراق، ولعلَّهم تَأَثَّروا بالإِسلام على مَدارِ التاريخِ الإِسلامي، فأَخذوا منه بَعْضَ أَحكامِه وتَشريعاتِه..
أَمّا أَنْ يكونَ الإِسلامُ هو الذي أَخَذَ
стр. 234
عنهم عقائِدَهم وأَحكامَهم، فهذا ادعاءٌ كبيرٌ ليس عليه دَليل.
وبهذا نَرى أَنَّ القرآنَ لم يَأخُذْ من الصابئين شيئاً، وأَنَّ الفادي كاذبٌ
مُفْتَرٍ عندما ادَّعى ذلك!!.
ثانياً: ما أَخَذَه عن عرب الجاهلية:
نَقَلَ الفادي المفترِي أَقوالاً عن بعضِ العلماءِ المسلمين عن أَحوالِ
العربِ الجاهليِّين الدينية، مثلِ الشهرستاني في المِلَلِ والنَحَل، والآلوسي في
نهايةِ الأَرب، وزَعَمَ أَنَّ الإِسلام جاءَ بها واعتَمَدَها، وأَنَّ محمداً ﷺ أَخَذَها عنهم، وبذلك صارَتْ حياةُ العربِ الجاهليةُ من مصادرِ القرآن، وهذا معناهُ أَنَّ القرآنَ من عندِ محمدٍ ﷺ ، وليس من عندِ الله!!.
ومما نَقَلَه عن الشهرستاني والآلوسي عن أحوال العرب الدينيةِ في
الجاهليةِ: كانوا يُحَرّمونَ الجمعَ بين الأُختين، ويُحَرِّمونَ نِكاحَ زوجةِ الأَب،
ويَحُجّون ويَعْتَمرون، ويَطوفون ويَسعون، ويَغْتسِلون من الجنابة، ويقومونَ
بتقليمِ الأَظفار، ونَتْفِ الإِبْط، وحَلْقِ العانة، ويَقْطعون يَدَ السارقِ اليمنى..
وكانوا يَلتزمونَ بدينِ إِبراهيم وإسماعيل ﵉ وكانوا يُوَحِّدونَ اللهَ ولا يُشركونَ به أَحَداً، ويُصَلّون ويَصومون ويُزَكّون ويَحُجّون، ثم طَرَأَ عليهم الشركُ بعد ذلك.
وليس غريباً أَنْ يَلتزمَ العربُ الجاهليّون بدينِ إِبراهيمَ وإِسماعيلَ ﵉ فقد بَعَثَ اللهُ إِسماعيلَ رسولاً إِليهم ﵇، والبيتُ الذي بَناهُ إِبراهيمُ وإسماعيلُ ﵉ ما زالَ موجوداً بينهم، وقد كانوا مُوَحِّدينَ لله فترةً من الزمان، ثم طرأَ عليهم الشركُ بعد ذلك، عندما أَدخَل عمرُو بنُ لُحَيّ عبادةَ الأَصنامِ عليهم، ووضعَ الأَصنامَ في الكعبة، وحَتّى بعد شِرْكِهم بالله، بقيتْ فيهم بعضُ الأَحكامِ والقيمِ والأَعرافِ الصحيحة، التي أَخَذوها عن شريعةِ إِسماعيلَ ﵇.
стр. 235
وليس غريباً أَنْ يأتيَ الإِسلامُ بتلك الأَحكامِ والتشريعات، وأَنْ يكونَ
مُصَدِّقاً لها، لأَن اللهَ بعثَ إِسماعيل ﵇ رسولاَ، كما بَعَثَ محمداً ﷺ رسولاً، فالشريعةُ التي جاءَ بها إِسماعيلُ هي من عندِ الله، والشريعةُ التي جاء بها محمدٌ ﷺ هي من عندِ الله أَيضاً، والشرائعُ التي بَعَثَ اللهُ بها الرسلَ يُصَدِّقُ بعضُها بعضاً، مع أَنَّ كُلَّ شريعةٍ قد تختصُّ بما لم يوجَدْ بالشرائعِ قبلَها.
وقد جاءَ عيسى مُصَدِّقاً لما جاءَ به موسى قبلَه، عليهما الصلاة والسلام،
قال تعالى: (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) .
وجاءَ القرآنُ مُصَدِّقاً وموافقاً لما سَبَقَه من الكتبِ الربانية، فيما لم يُحَرَّفْ
منها، قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) .
وكونُ القرآنِ مُصَدِّقاً للتوراةِ والإِنجيلِ ليس معناهُ أَنه أَخَذَ حَقائِقَه
وأَحكامَه منهما، ولا يقولُ هذا إِلَّا جاهل متحامل مثلُ هذا الفادي المفترِي.
وكونُ الإِسلامِ موافِقاً لشريعةِ إِسماعيل ﵇ لا يَعني أَنَّ محمداً " ﵇ أَخَذَ رسالتَه من العربِ الجاهليّين، كما قالَ هذا المفترِي، إِنما يَعني توافُقَ الرسالتَيْن والشريعتَيْن: رسالةِ إِسماعيلَ وشريعتِه، مع رسالةِ محمدٍ وشريعتِهِ، عليهما الصلاة والسلام، لأنهما من عند الله.
ثالثاً: ما أخذه عن اليهود:
ادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ التوراةَ وأَسفارَ العهدِ القديمِ كانت أَحَدَ مصادرِ
القرآن، وأَنَّ الرسولَ ﷺ أَخَذَ القصصَ الكثيرةَ التي سَجَّلَها في القرآنِ عن أَسفارِ العهدِ القديم!! وهذا يَعني أَنها كانَتْ بينَ يَدَيْه، يقرأُ فيها ويَختارُ منها، ويَنقلُ عنها، ويَنسبُها إِلى الله! وما كان الرسولُ ﷺ قارئاً ولا ناقلاً ولا كاتباً.
وأَشارَ اللهُ إِلى أُمّيَّتِه الدالةِ على نبوَّتِه ورسالتِه، فقالَ تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) .
стр. 236
ولْنقرأْ دعوى الفادي الباطلة؟
قال: " في التوراةِ قصةُ آدمَ وقابيل وهابيلَ ونوحٍ وإِبراهيمَ وإِسماعيلَ وإِسحاقَ ولوطٍ ويوسفَ وموسى وفرعونَ وبني إِسرائيل والمَنِّ والسَّلوى والوصايا العشر والتّابوت، وشريعةِ العين بالعين والذبائح، وقصة الجواسيس وقورحَ وبلعامَ وجَدعونَ وصموئيلَ وشاولَ وداودَ وسليمانَ وإِيليا واليشعَ وأَيوب.
واقتطفَ القرآنُ من أَقوالِ دوادَ وأَشعياءَ وحزقيالَ ويونان وغيرهم.
وقال: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) ".
القَصَص المذكورةُ في القرآنِ أَخَذَها محمدٌ ﷺ من التوراة، في زعْمِ هذا المفتري، ودليلُه على هذه الدعوى وجودُ تلك القَصصِ في التوراةِ ووجودُها في القرآن، وهذا يعني أَنَّ الكتابَ المتأَخِّر أَخَذَها من الكتابِ المتَقَدِّم!!.
وعندما ننظرُ في حديثِ القرآنِ عن القصةِ من قَصَصِ السابقين وحديثِ
التوراةِ عنها فإِننا نجدُ فَرْقاً واضِحاً بين الحديثَيْن، ولا يَلْتَقيانِ إِلّا في ذكْرِ
عنوانِ القِصَّةِ ومُجْمَلِها، ولكنَّهما يَختلفانِ في التفاصيل، ويَظهرُ هذا في كلِّ
قصةٍ ذَكَرَها القرآن، كقصةِ آدمَ وقصةِ نوحِ وقصةِ إبراهيمَ وقصةِ يوسف وقصة موسى!.
والفادي نفسُه اعترفَ بالفَرْقِ بين حديثِ القرآنِ وحديثِ التوراةِ عن
قَصَصِ السابقين، واعتبرَ هذا الفرقَ دليلاً على وُقوعِ الأَخطاءِ التاريخيةِ في
القرآن، وسَبَقَ أَنْ ناقَشْناه في تلك الادِّعاءات.
وعجيبٌ موقفُ هذا الفادي وفهمُه الأَعوج، فإِذا وافَقَ القرآنُ التوراةَ في
حديثِه عن قَصصَ السابقين قال: أَخَذَ محمدٌ القرآنَ عن التوراة، ونَقَلَ ما فيها!
وإِذا خالَفَ القرآنُ التوراةَ في بعضِ التفاصيل قال: أَخطأَ القرآنُ في حديثِه لأَنه خالَفَ التوراة!! المهمّ أَنَّ القرآنَ عندهُ متَّهَمٌ على كلِّ حال، سواءٌ وافَقَ التوراةَ أَو خالَفَها!.
стр. 237
إِنَّ وجودَ فروقٍ بينَ حديثِ القرآن وحديثِ التوراةِ عن قَصَصِ السابقين
دليلٌ على أَنَّ القرآنَ وحيٌّ من عند الله، ولو كانَ من تأليفِ محمدٍ ﷺ لَنَقَلَ كُلَّ ما وَجَدَهُ أَمامَه، سواء كانَ خَطَأً أَوْ صَواباً.
وأَشارَ القرآنُ إِلى هذهِ الحقيقة، واعتبرَ ذِكْرَ أَحداثِ القصةِ في القرآنِ
دليلاً على أَنه من عندِ الله.
قال تعالى في خاتمةِ قصةِ نوح في سورةِ هود:
(تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا) .
وقالَ في خاتمةِ قصةِ يوسف: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) .
وقالَ في حديثِه عن قصةِ موسى: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) .
ومن مُغالطاتِ الفادي المفترِي أَنه أَرادَ أَنْ يَجعلَ القرآنَ نفسَه شاهداً
على أَنه مأخوذٌ من التوراة، فَذَكَرَ قولَه تعالى: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) ، شاهداً على ذلك.
قَطَعَ الآيةَ عن سياقِها ليُسيءَ الاستدلالَ بها، وهي واردةٌ في سياقِ آياتٍ
تتحدَّثُ عن مصدرِ القرآن، وتَجزمُ بأَنه من عندِ الله.
قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) .
وليس معنى قوله: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) أَنَّ مادةَ هذا القرآن مأخوذةٌ من
زُبُرِ الأَوَّلين، وكتبِ الأَنبياءِ السابقين، كالتوراةِ والزبور والإِنجيل، ولكن
معناها أَنَّ القرآنَ مُصَدِّقٌ للكتبِ الربانيةِ السابقة، المنزَّلَةِ على الأَنبياءِ السابقين،
стр. 238
وموافقٌ لها في ما قَدَّمَتْه من حقائقَ عقيديةٍ وأَخلاقيةٍ وعلمية.
رابعاً: ما أخذه عن النصارى:
زَعَمَ الفادي أَنَّ الإِنجيلَ كان أَحَدَ المصادرِ التي أَخَذَ محمدٌ ﷺ منه مادَّةَ القرآن! وقالَ في زعمه: " أَخَذَ القرآنُ عن الإِنجيلِ قصةَ بشارةِ الملاكِ لزكريا عن يوحَنّا، وقصةَ بشارةِ المَلاكِ لمريمَ العذراءِ عن ميلادِ المسيح، وعن اسمِه الكريمِ كلمةِ الله، وعن مَسْحِه بالروحِ القُدُس وتعاليمِه، ومعجزاتِه من حيثُ شفاءُ الأَبرص، وتفتيحُ عينِ الأَعمى، وإِقامةُ الموتى، ورفضُ اليهودِ له، وموتُه، وارتفاعُه للسماء، وشهادةُ الرسلِ والكنيسةِ والقساوسة..
واقتطفَ من أَقوالِ بولس الرسول من رسائِلِه لأَهْلِ رومية وكورنثوس وغلاطية وفيلبي وتسالونيكي والعبرانيين..
واقتطفَ من أَقوالِ يعقوب الرسول وبولس الرسول ويوحَنا الرائي.. ".
وما قلناهُ في المبحثِ السابقِ نقولُه هنا، فالقرآنُ موافقٌ للإِنجيلِ الحَقِّ
الذي أَنزلَه اللهُ على عيسى ﵇، ومُصدِّقٌ له، لأَنَّ الاثنينِ من عندِ الله، وكُتُبُ اللهِ يُصَدِّقُ بعضها بعضاً، وتتوافقُ فيما تَعرضُه من معلوماتٍ وأَخبارٍ وحقائق.
صَدَّق القرآنُ الإِنجيلَ في الإِخبارِ عن بشارةِ زكريا بيحيى ﵉، وعن نَذْرِ أُمِّ مريمَ وولادتِها لها، وعن بشَارةِ مريمَ بعيسى، ومجيءِ جبريلَ ﵇ لها، وعن حملِها بعيسى وولادَتِه، وعن كونِ عيسى ﵇ عبدَ اللهِ ورسولَه، وعن آياتِه التي آتاهُ اللهُ إِياها، وعن دعوتِه لبني إِسرائيل، وعداوتِهم له، ومحاولتِهم صلْبَه، وإِنجاءِ اللهِ له، وعن تبشيرِه بالنبيِّ الخاتمِ محمدٍ ﷺ .
ومع كونِ القرآنِ مُصدِّقاً للإنجيل في هذه الموضوعات، إِلّا أَنَّ هناكَ
فروقاً بين القرآنِ والأَناجيلِ الموجودةِ في ذكْرِ بعضِ التفصيلات، ولعلَّ السببَ
стр. 239
في ذلك هو تَحريفُ النصارى لأَناجيلِهم، وإِضافةُ كلامِهم إِلى كلامِ الله فيها، وتَسَرُّبُ الخطأ إِليها، ولذلك لا يُتابِعُها القرآنُ في تلك الأَخطاء!!.
ووجودُ هذه الفروقِ بين القرآنِ والأَناجيلِ دليلٌ على أَنَّ القرآنَ وَحْيٌ من
عندِ الله، فلو أَخَذَ محمدٌ ﷺ مادَّتَه من الأَناجيلِ لأَخَذَ كُلَّ ما فيها، سواء كان خَطَأً أَو صواباً! وهذا أَمْرٌ يعترفُ به كلُّ مُنْصفٍ محايد، يُفكرُ بعقلِه ويَبحثُ عن الحق!!.
خامساً: ما أخذه من تصرفاته:
زَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ محمداً ﷺ مَلَأَ القرآنَ بأَخبارِه وسيرتِه وتصرفاتِه وأَعمالِه.
قال: " يَحوي القرآنُ الكثيرَ من أَحوالِ محمدٍ الشخصية، التي جعلَها
سُنَّةً لأَتْباعِه، فَذَكَرَ فيه غزواتِه وحوادثَ زوجاتِه، عائشة وزينب وخديجة ومارية القبطية وحفصة وأم هانئ وغيرهن..
ودَوَّنَ ما أَصابَه من أَثَرِ السِّحْرِ وتعوُّذاتِه منه، وسَجَّلَ بعضَ أَقوالِ الصحابة، وقالَ: إِنها تنزيلُ الحكيم العليم!! ".
إِنَّ مزاعمَ الفادي باطلةٌ تافهة، فالقرآنُ ليس " سيرةً ذاتيةً " لمحمدٍ ﷺ ، سَجَّلَ فيها تفاصيلَ حياتِه ودقائقَ أَعمالِه، وليس كتابَ " مذكَّرات "، دَوَّنَ فيها كلَّ ما جرى له، كما يفعلُ الذين يكتبونَ مُذَكَّراتِ حياتِهم!! وإِنَّ الحديثَ عن حياةِ الرسولِ الخاصةِ ﷺ قليلٌ في القرآن.
فقد حَزِنَ ﷺ كثيراً لموتِ زوجِه خديجةَ ﵂ قبلَ الهجرة، حتى سُمِّيَ ذلك العامُ عامَ الحزن، وحَزِنَ لموتِ ابنِه
إِبراهيمَ بعد الهجرة..
ولم يَتحدث القرآنُ عن موتِهما، ولا عَنْ حُزْنِ الرسولِ ﵇، ولو كان القرآنُ من تأليفِه لوجَدْنا فيه صفحاتٍ في رثائِهما ونعيِهما ومشاعرِه تجاههما!.
أَمّا حديثُ القرآنِ عن جهادِ الرسولِ ﵇ لأَعدائِه فهذا لا غرابةَ فيه.
فقد تَحَدَّثَ القرآنُ عن دعوةِ الرسولِ ﷺ وتبليغِه، وعن موقفِ أَعدائِه المشركين
стр. 240
والمنافقينَ واليهودِ منه، وعن مواجهتِهم له، ومحاولاتِهم القضاءَ عليه وعلى
دعوتِه، وعن جهادِه لهم وانتصارِه عليهم، وجَعَلَ ذلك كُلَّه عِبرةً وعِظَةً لأَصْحابِه الذين عاشوا معه، والمؤمنينَ الذين سيأتونَ من بعدِه، ولذلك قال تعالى في تعقيبِه على أَحداثِ إِجلاءِ بني النضير: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢) .
إِنَّ القرآنَ كتابُ تعليمٍ وتوجيه، وكتابُ هدايةٍ وبَيان، وكتابُ تربيةٍ
وتزكية، وكتابُ تشريعٍ وتكليف، وكتابُ جهادٍ ومواجهة، وحَفقَ القرآنُ هذه المقاصدَ الحيةَ بمختلفِ الوسائلِ والأَساليب، ومنها ذِكْرُ أَحوالِ الرسولِ ﷺ وأَحوالِ أَصحابِه وأَحوالِ أَعدائِه، وجعلَ ذلك وسيلةً لبيانِ فضْلِ اللهِ على المسلمين، ومعيتِه لهم، وحفظِه لهم ورعايتهم، وتوجيهِهِم إِلى محبةِ اللهِ وذكْرِهِ وشكره.
وقد أَخطأَ الفادي المفترِي عندما عَدَّ أُمَّ هانئ ﵂ ضمنَ أَزواجِ النبي ﷺ ، مع أَنه لم يتزوَّجْها.
وكَذَبَ كِذْبَةً فاجرةً عندما ادّعى أَنَّ محمداً ﷺ سَجَّلَ في القرآنِ بعضَ أَقوالِ الصحابة، زاعِماً أَنها وحيٌ من اللهِ إِليه! ونتحدّاهُ
أَنْ يُثبِتَ هذا الافتراء!!.
***
هل صلاة الجمعة من تشريع الجاهلية ؟
اعترضَ الفادي المفترِي على مشروعيةِ صلاةِ الجمعةِ في القرآن، وادّعى
أَنها منْ تَشريعِ الجاهلية.
وقد أَمرَ اللهُ المؤمنين بصلاةِ الجمعةِ في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١) .
стр. 241
نَقَلَ الفادي عن تفسيرِ البيضاويِّ أَنَّ يومَ الجمعةِ في الجاهليةِ كان يُسَمّى
يومَ العَروبَة، وقيلَ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَمّاهُ يومَ الجمعة كعبُ بنُ لُؤَيّ، أَحَدُ أَجدادِ قريش، لأَنَّ الناسَ كانوا يَجتمعونَ إِليه فَيحدِّثَهم عند الكعبة.
وقالَ البيضاويُّ:
إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ صَلّاها رسولُ الله ﷺ كانت عندَ قدومِه المدينة حيثُ أدركَتْه صلاةُ الجمعةِ قُبيلَ المدينة، فصَلّاها في تجمعٍ للمسلمين في وادٍ لبني سالم بن عوف.
وَنَقَلَ عن كتابِ بُلوغِ الأَربِ للآلوسي أَنَّ كَعْبَ بنَ لُؤَيٍّ كانَ يَجمعُ قريشاً
في ذلك اليومِ حولَ الكعبةِ، ويَخطبُ فيهم، ولذلك سماهُ يومَ الجُمُعة.
وعَلَّقَ الفادي الجاهلُ على ذلك النقل بقولِه: " فيومُ الجمعةِ مصدَرُه عَرَبُ
الجاهلية، ومن وَضْعِ كعبِ بنِ لُؤَي، وليس من وحيِ السماء ".
نُبادرُ إِلى القول: لم يَثْبُتْ بروايةٍ معتمدةٍ ما قالَه البيضاويُّ والآلوسيُّ عن
وجودِ اسمَيْن ليومِ الجمعة، وعن سببِ تغييرِه من يومِ العَروبة إِلى يومِ الجمعة،
وعن أَنَّ كَعْبَ بنَ لُؤَيٍّ أَؤَلُ مَنْ جَمَعَ قريشاً وخطبَ فيهم حولَ الكعبة، وكانَ هذا قبلَ ولادةِ الرسولِ ﷺ بعشراتِ السنين.
وبما أَنَ هذا القولَ لم يَثْبُتْ عندنا، فإِننا نتوقفُ فيه، فلا نُكَذِّبُه ولا نُصَدّقُه.
وَهَبْ أَنَّ القولَ صحيح، فإِنه لا يُؤَدّي إِلى النتيجةِ الخاطئةِ التي خرجَ بها
الفادي الجاهلُ منه!! وأَقْصى ما يَدُلُّ عليه أَنَّ يومَ الجمعةِ سُمِّيَ بذلك قبلَ
ميلادِ الرسولِ ﷺ بعشراتِ السنين، وأَنَّ العربَ الجاهليّين كانوا يَجتمعونَ فيه ويتحدَّثون ا! وأَينَ هذا من مشروعيةِ صلاةِ الجمعة، التي أَمَرَ اللهُ المسلمين أَنْ يُؤَدّوها فيه؟!.
نعمْ مصدرُ يومِ الجمعةِ عربُ الجاهلية، وهم سَمّوهُ بهذا الاسمِ قبلَ
الإِسلامِ بعشراتِ السنين، كما أَنهم سَمّوا باقي أَيام الأُسبوعِ بأَسمائِها في
ذلك الزمنِ البعيد..
ولم يَدَّعِ المسلمونَ أَنَّ اسمَ يومِ الجمعةِ جاءَ وَحْياً
стр. 242
من السماء، حتى يُسَجِّلَ الجاهلُ اعتراضَه وتخطئتَه للقرآن!.
لما بَعَثَ اللهُ محمداً رسولاً ﷺ وأَنزلَ عليه القرآن، ْ كانَ هذا اليومُ يُسَمّى يومَ الجمعة، ولم يُسَمّهِ القرآنُ يومَ الجمعة، والجديدُ في الأَمْرِ أَنَّ اللهَ شَرَعَ فيه صلاةَ الجمعة، وكان تشريعُها قُبيلَ دُخولِ الرسولِ ﷺ المدينةَ يومَ الهجرة، ثم أَنزلَ اللهُ سورةَ الجمعةِ بعد الهجرة، وأَمَرَ المسلمينَ بأَداءِ الصلاة، وكان الأَمْرُ في آياتِ سورة الجمعة تأكيداً لمشروعيتِها يومَ الهجرة!.
وبهذا نَعْرِفُ جهلَ الفادي في عدمِ تفريقِه بين اسْمِ يومِ الجمعة الذي
سُمّيَ به قبلَ الإِسلامِ بعشراتِ السنين، وبين مشروعيةِ الصلاةِ فيه، التي
شَرَعَها اللهُ وأَمَرَ المسلمينَ بها يومَ الهجرة!.
ونقلَ الفادي خَبَرَاً نَسَبَهُ إِلى كتابٍ مجهول، سَمّاه " السيرة النبوية
المَلكيَّة "، زَعَمَ أَنَّ المسلمينَ هم الذين اقْتَرحوا على النبيِّ ﷺ صلاةَ الجمعة.
قال: " وَرَدَ في كتابِ (السيرة النبوية الملكية) أَنه لما هاجَرَ محمدٌ إِلى المدينةِ
قال له المسلمون: إِنَّ لليهودِ يَوْماً يَجتمعونَ فيه للعبادةِ وسَماعِ الوعظِ هو يومَ السبت، وللنصارى يوماً يجتمعونَ فيه للعبادةِ وسَماعِ الوعظ، ونحنُ المسلمينَ لا يومَ لنا نجتمعُ فيه لعبادةِ اللهِ تعالى أُسوةً بأَهْلِ الكتاب، فأَشارَ عليهم بيوم الجمعة ".
وهذا الخَبَرُ موضوعٌ مكذوبٌ باطل، ولذلك لم يَرِدْ في حديثٍ صحيحٍ أَو
حَسَنٍ أو ضَعيف، وهو يوحي بأَنَّ تشريعَ صلاةِ الجمعةِ بَشَرِيّ، وليش ربّانيّاً
من عندِ الله، خَضَعَ فيه الرسولُ ﷺ لرغبةِ المسلمين، المتأَثِّرين باليهودِ والنصارى، فلما طَلبوا منه استجابَ لهم وشرعَ لهم صلاةَ الجمعة!!.
وقد كانَ الفادي خَبيثاً عندما عَلَّقَ على خبرِه الموضوعِ قائلاً: " ونحنُ
نَسأل: إِذا كانَ اليهودُ يَجتمعونَ للعبادةِ يوم السبت، لذكْرِ خَلْقِ اللهِ العالمَ في ستةِ أَيام، واستراحتِه في اليومِ السابع، وإِذا كان النَّصارى يَحفظونَ يومَ الأَحَدِ لذكْرى قيامةِ المسيح فيه، فما الذي يَجعلُ المسلمينَ يَجتمعونَ يومَ الجمعة؟
стр. 243
هل لِيُحاكوا أَهْلَ الكتاب؟
- لِمَ لَمْ يَختاروا اليومَ الذي صنَعَه الربّ، بل اليومَ الذي وَضَعَتْهُ عربُ الجاهلية؟! ".
يُريدُ الفادي الخبيثُ من تعليقِه أَنْ يَجعلَ المسلمين مُقَلِّدين لليهودِ
والنصارى، راغبينَ في محاكاتِهم، فبما أَنَّ اليهودَ والنَّصارى يَجتمعونَ يَوْماً في
الأُسبوع فلماذا لا يَفعلُ المسلمون مثلَهم؟
وهو بهذا يُؤَكِّدُ على بشريةِ القرآن، وبشريةِ التشريعِ الإسلامي.
وعندما ننظرُ في الآيةِ التي أَمرت المؤمنين بصلاةِ الجمعة، فَسنجدُها
تَكْليفاً مباشِراً من اللهِ للمؤمنين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) ..
فاللهُ هو الذي خاطَبَهم وكَلَّفَهم وأَمَرَهم، وشرعَ لهم صلاةَ الجمعةِ في يومِ الجمعة، ولم يكن الآمِرُ هو الرسولَ ﷺ بناءً على طلبٍ منهم، كما زَعَمَ الفادي المفترِي!.
وقد أَخْبَرَنا رسولُ الله ﷺ أَنَّ يوم الجمعةِ هو أَفضلُ أَيامِ الأُسبوع، جعلَه اللهُ أَفْضَلَ الأَيام قبلَ وجودِ اليهودِ والنصارى، وأَنَّ اليهودَ والنصارى كانوا مأمورين بيومِ الجمعة، لكنَّهم تركوه، فاختارَ اليهودُ السبت، واختارَ النصارى الأحَد، وكانوا مُتَّبِعين لهواهم!.
روى مسلمٌ عن أَبي هريرةَ ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " نَحنُ الآخِرون، السابقونَ يومَ القيامة، بيد أَنهم أُوتوا الكتابَ من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، وهذا يومهم الذي فَرَضَ اللهُ عليهم، فاخْتَلَفوا فيه، فَهدانا اللهُ له، فهم لنا فيه تَبَعَ، اليهودُ غداً، والنَّصارى بعدَ غد ".
وروى مسلم عن أَبي هريرة وعن حذيفةَ بنِ اليمان ﵄ قالا: قالَ رسولُ الله ﷺ : " أَضل اللهُ عن الجمعةِ مَنْ كانَ قَبْلَنا، فكانَ لليهودِ يومُ السبت، وكانَ للنصارى يومُ الأَحَد، فجاءَ اللهُ بنا، فهدانا اللهُ ليومِ الجُمُعَة،
стр. 244
فجعلَ الجمعةَ والسبتَ والأَحد، وكذلك هم تَبَعٌ لنا يومَ القيامة، نحنُ
الآخِرون من أهلِ الدنيا، والأوَّلونَ يومَ القيامة، المقضيُّ بينهم قبلَ الخلائِق ".
وروى مسلمٌ عن أَبي هريرة ﵁ عن رسولِ الله ﷺ قال: " خَيْرُ يومٍ طَلَعَتْ فيه الشمسُ يومُ الجمعة، فيه خُلِقَ آدَم، وفيه أُدخلَ الجَنة، وفيه أُخرجَ منها ".
ولا وَزْنَ لكلامِ الفادي المفترِي واعتراضه، بعدَ هذه الآياتِ الصريحةِ
والأَحاديثِ الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، حولَ فَضْلِ يومِ الجمعةِ وصلاةِ الجمعة!.
***
هل يباح القتال في الأشهر الحرم ؟
جَعَلَ اللهُ أَربعةَ أَشهر في السنةِ أَشْهُراً حُرُماً، حَرَّمَ فيها القتال.
وهذه الأَشهرُ هي: ذو القعدة وذو الحجة ومُحرمٌ ورجب.
قالَ تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) .
واعترضَ الفادي على القرآنِ في حديثِه عن حرمةِ القتالِ في الأَشهرِ
الحُرُم، ثم إِباحتِه القتالَ فيها بعدَ ذلك.
قال: " يُحَرِّمُ الإِسلامُ القتالَ والقَتْلَ والثَّأرَ تَحريماً مُطْلَقاً في الأَشْهُرِ الحُرُم، وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم، مهما كانت الدواعي إِلى ذلك، ويعودُ أَصْلُ ذلك إِلى عربِ الجاهليةِ قبلَ الإِسلام "!.
وبعدَ أَنْ نَقَلَ كَلاماً للآلوسيِّ في نهايةِ الأَرَبِ أَكَّدَ مُغالَطَتَه واتِّهامَه السابقَ
بقولِه: " فالإِسلامُ أَخَذَ هذا التحريمَ عن عربِ الجاهلية، ولم يَأتِ بجديد ".
стр. 245
وقد سَبَقَ أَنْ ناقَشْنا الفادي في زعمهِ أَخْذَ القرآنِ تشريعاتِه من الجاهلية.
صحيحٌ أَنَّ العربَ الجاهليّين كانوا يُحَرِّمونَ القتالَ في الأَشْهُرِ الحُرُم، لكنَّ هذا ليسَ تشريعاً منهم، وإِنما أَخَذوهُ عن شريعةِ إِسماعيلَ ﵇، ضمنَ الكثيرِ من الموروثاتِ الدينيةِ التي وَرِثوها عنه ﵇، كالحَجِّ إِلى الكعبة..
ولكنَّهم تَلاعَبوا بحرمةِ الأَشهرِ الحُرُمِ بالنسيء، فإِذا كانَتْ مصلحَتُهم بالقتالِ في أَحَدِ الأَشهرِ الحُرُم، نَسَؤُوا حُرْمَتَه إِلى شهرٍ آخَر.
وقد ذَمَّهم اللهُ بقولِه تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧) .
ولما جاءَ الإِسلامُ حَرَّمَ النسيءَ الذي كان يمارسُه الجاهليّون، وثَبَّتَ
حرمةَ الأَشهرِ الأَربعةِ الحُرُم.
قال تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) .
وقد أَكَّدَ رسولُ اللهِ ﷺ على حُرمةِ الأَشهرِ الحُرُم، وثَبَّتَها، ومنعَ النَّسيءَ فيها، في خطبةِ الوَداع، التي أَلْقاها يومَ عرفةَ في حَجَّةِ الوداع.
روى البخاريُّ عن أَبي بَكْرَةَ ﵁ عن رسولِ اللهِ ﷺ قال: " إِنَّ الزمانَ قد اسْتَدار، كهيئَتِهِ يومَ خَلَقَ اللهُ السمواتِ والأَرض، السنةُ اثْنا عَشَرَ شَهْراً، منها أَربعةٌ حُرُمٌ، ثَلاثٌ مُتَواليات: ذو القعدةِ وذو الحجةِ والمحرم، ورجبُ مضرَ الذي بينَ جمادى وشعبان ".
وبهذا نَعرفُ أَنَّ القرآنَ لم يأخذْ تشريعَ حرمةِ الأَشهرِ الحُرُمِ عن الجاهليةِ
العربية، وإِنما هو تَشريعٌ ذاتيٌّ منه، توافَقَ مع شريعةِ إِسماعيل ﵇، على اعتبارِ أَنَّ شريعةَ إِسماعيلَ وشريعةَ محمدٍ ﷺ عندِ الله.
وبهذا نعرفُ افتراءَ الفادي في قولِه: " فالإِسلامُ أَخَذَ هذا التحريمَ عن
عَرَبِ الجاهلية، ولم يَأتِ بجديد "!.
стр. 246
وقد افْتَرى الفادي على الإِسلام افتراءً آخَرَ عندما زَعَمَ أَنَّ الإِسلامَ يُحَرّمُ
القِتال والقَتْلَ تَحريماً مُطْلَقاً في الأَشهرِ الحُرُم، مهما كانَت الدواعي: " يُحَرِّمُ
الإِسلامُ القَتْلَ والقِتال والثَّأرَ في الأَشهرِ الحُرُم، مهما كانت الدواعي إِلى
ذلك ".
والصحيحُ أَنَّ الإِسلام حرمَ على المسلمين أَنْ يَبْدَؤوا هم بالقتال في
الأَشهرِ الحرم، لكنَّه يُبيحُ للمسلمين أَنْ يُقاتِلوا الكُفارَ في الأَشْهُرِ الحُرُم، إِذا
بدأَ الكفارُ بالقتال، وعلى هذا قولُه تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) .
ومعنى الآية: التزامُ المسلمينَ بحرمةِ الشهرِ الحرامِ مشروطٌ بالتزامِ
المشركين، لأَنه لا بُدَّ على الطَّرَفِ الآخرِ من الالتزام، فإِذا لم يلتزم المشركونَ بذلك وهاجَموا المسلمين واعْتَدَوْا عليهم، كانَ المسلمون في حِلٍّ من الالتزام، لأَنه لا معنى لأَنْ يُواجِهَ المسلمونَ عُدْوانَ الكافرين بالكَفّ عن
قتالِهم والرَّدِّ على عدوانِهم، لأَنَّ هذا الشهرَ حرام! فالحُرُماتُ قِصاص، بمعنى أَنَّ المسلمين مُلْتَزمون بحرمَتِها إِذا التزمَ الكفارُ بها، فإِن انتهكوا حُرْمَتَها
واعتَدَوْا على المسلمين، جازَ للسلمين قتالُهم، والبادئُ أَظْلَم!.
واستشهدَ الفادي الجاهلُ على حُرْمَةِ الأَشهرِ الحُرُمِ بآيةٍ من سورةِ التوبة،
زَعَمَ أَنها نفسها في سورةِ محمد.
قال: " جاءَ في سورةِ محمد: ٤، وسورة التوبة: ٥: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) .
وبمراجعةِ سورةِ محمدٍ لم نَجد الآيةَ الرابعةَ فيها بهذا النَّصِّ كما زَعَمَ
المفتري، ونَصُّها هو: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) .
فإِحالةُ الفادي المفتري على آيةٍ ليستْ بالنَّصِّ الذي أَوردَه صورةٌ من صورِ تَحريفِه وتَلاعُبِه بكتابِ الله!.
واستشهادُ الفادي بالآيةِ الخامسةِ من سورةِ التوبة على حُرْمَةِ القتال في
стр. 247
الأَشهرِ الحُرُمِ دليل على جهلِه، والراجحُ أَنَّ الأَشهرَ المذكورةَ فيها غيرُ الأَشهرِ الحُرُمِ التي تَحَدَّثْنا عنها.
لقد ذَكَرَ القرآنُ نوعَيْنِ من الأَشهرِ الأَربعةِ الحُرُم:
النوع الأَول: الأَشهرُ الأَربعةُ الحُرُمُ، التي حَرمَ اللهُ على المسلمينَ البدءَ
بقتالِ الكفارِ فيها، وأَجازَ لهم الرَّدَّ على عدوانِهم، وهي: ذو القعدة وذو
الحجة ومحرم ورجب.
والتي ثَبَّتَ الرسولُ ﷺ حُرْمَتَها، ومنعَ النَّسيءَ فيها.
النوع الثاني: الأَشهرُ الأَربعةُ الحُرُم، التي جعلَها الرسولُ ﷺ مهلةً للمشركين لتَصويبِ أَوضاعِهم وتَرتيبِ أُمورِهم..
حيثُ سيعلنُ الحَرْبَ عليهم بعد انْقضائِها، لتطهيرِ الجزيرةِ العربيةِ من الشركِ والكفر.
وهي المذكورةُ في مقدمةِ سورةِ التوبة.
قالَ تعالى: (
بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) .
وقد كانَ نزولُ مقدمةِ سورةِ التوبة في أَواخِرِ السنةِ التاسعةِ من الهجرة،
حيثُ وَجَّهَ رسولُ اللِّهِ ﵇ أَبا بكر الصديق ﵁ ليحُجَّ بالمسلمين في موسمِ السنةِ التاسعة، وبعدما تَوَجَّهَ أَبو بكرٍ ﵁ بالحُجّاجِ إِلى مكةَ أَنزلَ اللهُ على رسولِه ﷺ مطلعَ سورةِ التوبة، بتحديدِ العهودِ بين رسولِ اللهِ ﷺ وبين المشركين، وإِعطائِهم مُهْلَةَ أَربعةِ أَشهر، تبدأُ من يومِ عرفةَ من السنةِ التاسعةِ، لترتيبِ أُمورهم، حيثُ سيُعلنُ عليهم الحربَ بعد انقضائِها، لتحريرِ الجزيرةِ
стр. 248
العربيةِ من الشرك..
فأَرسلَ رسولُ اللهِ ﷺ عليَّ بْنَ أَبي طالبٍ ﵁ ليلحقَ بأَبي بكرٍ ﵁، ويُخبرَ الناسَ في موسمِ الحج بمضمونِ الآيات.
وكانَ عليٌّ ومعه بعضُ الصحابة يَصيحونَ في تَجَمُّعاتِ الحُجّاجِ في عرفاتٍ ومِنى ومكةَ بمضمونِها.
قالَ عليّ بنُ أَبي طالب ل لمحبه: بَعَثَني رسولُ اللهِ ﷺ في موسم الحَجّ أُنادي في الناسِ بأَربعةِ أُمور: لا يَدخلُ الجنةَ إِلّا نفسٌ مؤمنة، ولا يَحُجَّ بعدَ هذا العامِ مشرك، ولا يَطوفُ بالبيتِ عريان، ومَنْ كانَ بينه وبينَ الرسولِ ﷺ عهدٌ فمدَّتُه أَربعةُ أَشهرٍ فقط.
وكان بدءُ الأَربعةِ أَشهرٍ المذكورةِ في قوله تعالى: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) هو العاشرَ من ذي الحجة من السنةِ التاسعة، وتنتهي في العاشرِ
من شهرِ ربيعِ الثاني من السنةِ العاشرة!!.
والذي حَصلَ أَنَّ كُل القبائلِ العربيةِ أَسلمتْ في كُلِّ الجزيرةِ العربيةِ
خلالَ الأَشهرِ الأَربعة، وبَعَثَتْ وُفودَها ومَندوبيها إِلى رسولِ الله ﷺ في عامِ الوفود، وهو السنةُ العاشرةُ من الهجرة.
ولكنَّ الفادي الجاهلَ لا يَعرفُ هذه المعلومات، فجعلَ الأَربعةَ أَشهرٍ
المذكورةَ في الآيةِ الخامسةِ من سورة التوبة، هي نفسَها الأَربعةَ أَشهرٍ المذكورةَ
في الآيةِ السادسة والثلاثين من السورة!!.
وقد تَوَقَّحَ الفادي المجرمُ على الرسولِ ﷺ ، وشَتَمَهُ وشَتَمَ الإِسلامَ والقرآن، وذلك في قولِه الفاجر: " ...
فالإِسلامُ أَخَذَ هذا التحريمَ عن عربِ الجاهلية، ولم يأتِ بجَديد..
وأَمّا الجديدُ في الأَمْرِ فهو أَنه بعد أَنْ وافَقَ الإِسلامُ العربَ على الأَشهرِ الحُرُمِ التي جَعلوها فُرصةً للسَّلامِ والتعايشِ والهدوءِ النِّسْبِيّ، وجعلَ هذا التحريمَ شريعةً من الله، رأى محمدٌ أَنَّ هذا يَتعارضُ مع رغبتِه في الغزوِ والانتقام، فَغَدَرَ بأَعدائِه، وأَباحَ ما سبق تحريمُه، وناقَضَ نفسَه بقولِه في سورة البقرة: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) ...
стр. 249
تَأَمَّلْ مَعَنا الجُمَلَ الخبيثةَ في كلامه، التي هاجَمَ فيها الإِسلامَ والقرآن،
وأَصَرَّ على بشريةِ القرآن، وأَنَّ الرسولَ ﷺ أَخَذَهُ من عربِ الجاهلية، ثم نَسَبَهُ إِلى الله، وجَعَلَ أحكامَه شريعةً من الله! وتَأَمَّلْ شَتْمَهُ للرسولِ ﷺ ، عندما زَعَمَ أَنَّ رغبَتَه قائمةٌ على الغزوِ والانتقام، وَوَصَفَهُ بالغَدْرِ! وناقَضَ نفسَه حيثُ أَباحَ ما سبقَ أَنْ حَرَّمَه على نفسِه من القتالِ في الأَشهرِ الحُرُم.
وزَعَمَ الفادي المجرمُ أَنَّ القرآنَ من تأليفِ محمدٍ ﷺ ، حيثُ قال: " وناقَضَ نفسَه بقولِه في سورةِ البقرة ... ".
أَيْ أَنَّ سورةَ البقرةِ من تأليفِه، والقرآنَ كُلَّه من تأليفِه..
وكُلُّ كتابِ الفادي المفترِي يُؤَكِّدُ على تكذيبِه القرآن، ونَفْيِ أَنْ يكونَ من عندِ الله، وتأكيدِ أَنه من كلامِ وتأليفِ محمدٍ ﷺ ، ولذلك وَقَعَ في الأَخطاءِ والتناقُض إ!.
وَوَصْفُ الفادي الرسولَ ﷺ بالغَدْرِ دليلٌ على بذاءَتِه ووَقاحتِه، وقد شهدَ أَبو سفيانَ الذي كانَ زعيمَ مكةَ الكافرة وأَشَدَّ الناسِ عداوةً لرسولِ اللهِ ﷺ بأَنه لم يَغْدِر.
فعندما سَأَلَه هِرَقْل: هل يَغْدِر؟
أَجابَه قائلاً: إِنه لا يَغْدِر!.
ويأتي هذا الدَّعِيُّ المفترِي اليومَ ليقولَ: إِنه يَغْدِر!!.
***
ما هو أصل التكبير ؟
يَرى الفادي المفترِي أَنَّ أَصْلَ التكبيرِ جاهليّ، وأَنَّ الجاهليّين كانوا
يقولون: اللهُ أَكبر!.
أَوردَ قولَ اللهِ : (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١) .
ومعنى قولِه: " كبره تكبيراً ": قل: اللهُ أَكبر!.
كما أَوردَ قولَ اللهِ في الإِخبارِ عن ما جرى بينَ إِبراهيمَ ﵇ وبينَ قومِه، عندما أَبْطَلَ كونَ الكواكبِ اَلهة: (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) .
стр. 250
وفَهِمَ الفادي الجاهلُ من كلامِ إِبراهيمَ ﵇ أَنه كانَ يؤمنُ بوجودِ آلهةٍ مع الله، وأَنَّ بعضَ تلك الآلهةِ صغير، وأَنَّ الشمسَ أَكبرُ من تلك الآلهة.
وخَرَجَ من هذا بافتراءٍ كبير، هو أَنَّ التكبيرَ من أَصْلٍ جاهليّ، وأَنَّ
المسلمينَ عندما يَذكرونَ اللهَ قائِلين: " الله أكبر "، إِنما أَخَذوا هذا عن
الجاهليّين المشركين! وأَنَّ معنى " الله أَكبر " عندَه أَنَّ اللهَ أَكبرُ من الآلهةِ
الصغيرة، التي تُساعِدُه في إِدارةِ هذا العالم! فالمسلمونَ في نظره مشركون،
يُؤمنونَ بوجودِ آلهةٍ صغيرةٍ بجانبِ اللهِ الأَكبر!!.
قالَ في افترائِه: " كان عَرَبُ الجاهليةِ يُكَبِّرونَ اللهَ في بعضِ الأَحوالِ
قائلين: اللهُ أَكبر..
بناءً على اعتقادِهم بوجودِ إِلهٍ في السماء، أَو اللهُ بينَ كُلِّ
الآلهةِ هو إِلهُها ورَبُّها، والآلهةُ الأُخرى أَعوانُه وعُمّالُه في أَرضِه.
وزَعَمَ النَّقْلَ عن كتابِ بلوغِ الأَرَب للآلوسي أَنه لما افْتَدى عبدُ المطلب
- جَدُّ الرسولِ ﷺ ابْنَه عبدَ الله بمئةٍ من الإِبِل ونجا ابْنُه من الذَّبْحِ صاحَ عبدُ الله قائلاً: اللهُ أَكْبَر.
وكَبَّرَتْ قريشٌ معه! ".
إِنَ كلامَه عن إِيمانِ العربِ الجاهليّين بوجودِ آلهةٍ مع اللهِ صَحيح، فهذا
معروفٌ عنهم، وقد ذَكَرَهُ القرآنُ في آياتٍ عديدة، وأَبْطَلَه وفَنَّدَه، وعَرَضَ الأَدلةَ العديدةَ على أَنَّ اللهَ هو الإِلهُ وَحْدَه، لا شريكَ له.
أَمّا زعْمُه أَنَّ العربَ الجاهليّين كانوا يُكَبّرونَ اللهَ في بعضِ أَحوالِهم فهذا
باطل، وزَعْمُه أَنَّ عبدَ الله كَبَّرَ اللهَ لما نَجا من الذَّبْحِ باطل، وهو يَعتمدُ على
بعضِ الأَخبارِ والرواياتِ غير الثابتة، ومعلومٌ أَنه ليس كُلُّ قولٍ أَو خبرٍ في
كتبِ المؤَرّخين أَو المحَدِّثين أَو المفسرين معتمداً، ولا بُدَّ من تخريجِ تلك
الأَقوالِ والأَخبار، واعتمادِ ما صَحَّ منها!!.
وقد كانتْ فريةُ الفادي كبيرةً، عندما زَعَمَ أَنَّ المسلمين أَخَذوا قولَهم:
" الله أَكبر " عن العربِ الجاهليّين، واعتبرَ هذه العبارةَ صورةً من صورِ الشركِ بالله، لأَنها تدل على وُجودِ آلهةٍ صغارٍ بجانبِ اللهِ الأَكبر!!.