← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1431

القرآن ونقض مطاعن الرهبان

صلاح الخالدي

Полный текст (753 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقد افْتَرى الفادي على الإِسلام افتراءً آخَرَ عندما زَعَمَ أَنَّ الإِسلامَ يُحَرّمُ القِتال والقَتْلَ تَحريماً مُطْلَقاً في الأَشهرِ الحُرُم، مهما كانَت الدواعي: " يُحَرِّمُ الإِسلامُ القَتْلَ والقِتال والثَّأرَ في الأَشهرِ الحُرُم، مهما كانت الدواعي إِلى ذلك ". والصحيحُ أَنَّ الإِسلام حرمَ على المسلمين أَنْ يَبْدَؤوا هم بالقتال في الأَشهرِ الحرم، لكنَّه يُبيحُ للمسلمين أَنْ يُقاتِلوا الكُفارَ في الأَشْهُرِ الحُرُم، إِذا بدأَ الكفارُ بالقتال، وعلى هذا قولُه تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) . ومعنى الآية: التزامُ المسلمينَ بحرمةِ الشهرِ الحرامِ مشروطٌ بالتزامِ المشركين، لأَنه لا بُدَّ على الطَّرَفِ الآخرِ من الالتزام، فإِذا لم يلتزم المشركونَ بذلك وهاجَموا المسلمين واعْتَدَوْا عليهم، كانَ المسلمون في حِلٍّ من الالتزام، لأَنه لا معنى لأَنْ يُواجِهَ المسلمونَ عُدْوانَ الكافرين بالكَفّ عن قتالِهم والرَّدِّ على عدوانِهم، لأَنَّ هذا الشهرَ حرام! فالحُرُماتُ قِصاص، بمعنى أَنَّ المسلمين مُلْتَزمون بحرمَتِها إِذا التزمَ الكفارُ بها، فإِن انتهكوا حُرْمَتَها واعتَدَوْا على المسلمين، جازَ للسلمين قتالُهم، والبادئُ أَظْلَم!. واستشهدَ الفادي الجاهلُ على حُرْمَةِ الأَشهرِ الحُرُمِ بآيةٍ من سورةِ التوبة، زَعَمَ أَنها نفسها في سورةِ محمد. قال: " جاءَ في سورةِ محمد: ٤، وسورة التوبة: ٥: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) . وبمراجعةِ سورةِ محمدٍ لم نَجد الآيةَ الرابعةَ فيها بهذا النَّصِّ كما زَعَمَ المفتري، ونَصُّها هو: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) . فإِحالةُ الفادي المفتري على آيةٍ ليستْ بالنَّصِّ الذي أَوردَه صورةٌ من صورِ تَحريفِه وتَلاعُبِه بكتابِ الله!. واستشهادُ الفادي بالآيةِ الخامسةِ من سورةِ التوبة على حُرْمَةِ القتال في

стр. 247

الأَشهرِ الحُرُمِ دليل على جهلِه، والراجحُ أَنَّ الأَشهرَ المذكورةَ فيها غيرُ الأَشهرِ الحُرُمِ التي تَحَدَّثْنا عنها. لقد ذَكَرَ القرآنُ نوعَيْنِ من الأَشهرِ الأَربعةِ الحُرُم: النوع الأَول: الأَشهرُ الأَربعةُ الحُرُمُ، التي حَرمَ اللهُ على المسلمينَ البدءَ بقتالِ الكفارِ فيها، وأَجازَ لهم الرَّدَّ على عدوانِهم، وهي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب. والتي ثَبَّتَ الرسولُ ﷺ حُرْمَتَها، ومنعَ النَّسيءَ فيها. النوع الثاني: الأَشهرُ الأَربعةُ الحُرُم، التي جعلَها الرسولُ ﷺ مهلةً للمشركين لتَصويبِ أَوضاعِهم وتَرتيبِ أُمورِهم.. حيثُ سيعلنُ الحَرْبَ عليهم بعد انْقضائِها، لتطهيرِ الجزيرةِ العربيةِ من الشركِ والكفر. وهي المذكورةُ في مقدمةِ سورةِ التوبة. قالَ تعالى: ( بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) . وقد كانَ نزولُ مقدمةِ سورةِ التوبة في أَواخِرِ السنةِ التاسعةِ من الهجرة، حيثُ وَجَّهَ رسولُ اللِّهِ ﵇ أَبا بكر الصديق ﵁ ليحُجَّ بالمسلمين في موسمِ السنةِ التاسعة، وبعدما تَوَجَّهَ أَبو بكرٍ ﵁ بالحُجّاجِ إِلى مكةَ أَنزلَ اللهُ على رسولِه ﷺ مطلعَ سورةِ التوبة، بتحديدِ العهودِ بين رسولِ اللهِ ﷺ وبين المشركين، وإِعطائِهم مُهْلَةَ أَربعةِ أَشهر، تبدأُ من يومِ عرفةَ من السنةِ التاسعةِ، لترتيبِ أُمورهم، حيثُ سيُعلنُ عليهم الحربَ بعد انقضائِها، لتحريرِ الجزيرةِ

стр. 248

العربيةِ من الشرك.. فأَرسلَ رسولُ اللهِ ﷺ عليَّ بْنَ أَبي طالبٍ ﵁ ليلحقَ بأَبي بكرٍ ﵁، ويُخبرَ الناسَ في موسمِ الحج بمضمونِ الآيات. وكانَ عليٌّ ومعه بعضُ الصحابة يَصيحونَ في تَجَمُّعاتِ الحُجّاجِ في عرفاتٍ ومِنى ومكةَ بمضمونِها. قالَ عليّ بنُ أَبي طالب ل لمحبه: بَعَثَني رسولُ اللهِ ﷺ في موسم الحَجّ أُنادي في الناسِ بأَربعةِ أُمور: لا يَدخلُ الجنةَ إِلّا نفسٌ مؤمنة، ولا يَحُجَّ بعدَ هذا العامِ مشرك، ولا يَطوفُ بالبيتِ عريان، ومَنْ كانَ بينه وبينَ الرسولِ ﷺ عهدٌ فمدَّتُه أَربعةُ أَشهرٍ فقط. وكان بدءُ الأَربعةِ أَشهرٍ المذكورةِ في قوله تعالى: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) هو العاشرَ من ذي الحجة من السنةِ التاسعة، وتنتهي في العاشرِ من شهرِ ربيعِ الثاني من السنةِ العاشرة!!. والذي حَصلَ أَنَّ كُل القبائلِ العربيةِ أَسلمتْ في كُلِّ الجزيرةِ العربيةِ خلالَ الأَشهرِ الأَربعة، وبَعَثَتْ وُفودَها ومَندوبيها إِلى رسولِ الله ﷺ في عامِ الوفود، وهو السنةُ العاشرةُ من الهجرة. ولكنَّ الفادي الجاهلَ لا يَعرفُ هذه المعلومات، فجعلَ الأَربعةَ أَشهرٍ المذكورةَ في الآيةِ الخامسةِ من سورة التوبة، هي نفسَها الأَربعةَ أَشهرٍ المذكورةَ في الآيةِ السادسة والثلاثين من السورة!!. وقد تَوَقَّحَ الفادي المجرمُ على الرسولِ ﷺ ، وشَتَمَهُ وشَتَمَ الإِسلامَ والقرآن، وذلك في قولِه الفاجر: " ... فالإِسلامُ أَخَذَ هذا التحريمَ عن عربِ الجاهلية، ولم يأتِ بجَديد.. وأَمّا الجديدُ في الأَمْرِ فهو أَنه بعد أَنْ وافَقَ الإِسلامُ العربَ على الأَشهرِ الحُرُمِ التي جَعلوها فُرصةً للسَّلامِ والتعايشِ والهدوءِ النِّسْبِيّ، وجعلَ هذا التحريمَ شريعةً من الله، رأى محمدٌ أَنَّ هذا يَتعارضُ مع رغبتِه في الغزوِ والانتقام، فَغَدَرَ بأَعدائِه، وأَباحَ ما سبق تحريمُه، وناقَضَ نفسَه بقولِه في سورة البقرة: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) ...

стр. 249

تَأَمَّلْ مَعَنا الجُمَلَ الخبيثةَ في كلامه، التي هاجَمَ فيها الإِسلامَ والقرآن، وأَصَرَّ على بشريةِ القرآن، وأَنَّ الرسولَ ﷺ أَخَذَهُ من عربِ الجاهلية، ثم نَسَبَهُ إِلى الله، وجَعَلَ أحكامَه شريعةً من الله! وتَأَمَّلْ شَتْمَهُ للرسولِ ﷺ ، عندما زَعَمَ أَنَّ رغبَتَه قائمةٌ على الغزوِ والانتقام، وَوَصَفَهُ بالغَدْرِ! وناقَضَ نفسَه حيثُ أَباحَ ما سبقَ أَنْ حَرَّمَه على نفسِه من القتالِ في الأَشهرِ الحُرُم. وزَعَمَ الفادي المجرمُ أَنَّ القرآنَ من تأليفِ محمدٍ ﷺ ، حيثُ قال: " وناقَضَ نفسَه بقولِه في سورةِ البقرة ... ". أَيْ أَنَّ سورةَ البقرةِ من تأليفِه، والقرآنَ كُلَّه من تأليفِه.. وكُلُّ كتابِ الفادي المفترِي يُؤَكِّدُ على تكذيبِه القرآن، ونَفْيِ أَنْ يكونَ من عندِ الله، وتأكيدِ أَنه من كلامِ وتأليفِ محمدٍ ﷺ ، ولذلك وَقَعَ في الأَخطاءِ والتناقُض إ!. وَوَصْفُ الفادي الرسولَ ﷺ بالغَدْرِ دليلٌ على بذاءَتِه ووَقاحتِه، وقد شهدَ أَبو سفيانَ الذي كانَ زعيمَ مكةَ الكافرة وأَشَدَّ الناسِ عداوةً لرسولِ اللهِ ﷺ بأَنه لم يَغْدِر. فعندما سَأَلَه هِرَقْل: هل يَغْدِر؟ أَجابَه قائلاً: إِنه لا يَغْدِر!. ويأتي هذا الدَّعِيُّ المفترِي اليومَ ليقولَ: إِنه يَغْدِر!!. *** ما هو أصل التكبير ؟ يَرى الفادي المفترِي أَنَّ أَصْلَ التكبيرِ جاهليّ، وأَنَّ الجاهليّين كانوا يقولون: اللهُ أَكبر!. أَوردَ قولَ اللهِ : (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١) . ومعنى قولِه: " كبره تكبيراً ": قل: اللهُ أَكبر!. كما أَوردَ قولَ اللهِ في الإِخبارِ عن ما جرى بينَ إِبراهيمَ ﵇ وبينَ قومِه، عندما أَبْطَلَ كونَ الكواكبِ اَلهة: (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) .

стр. 250

وفَهِمَ الفادي الجاهلُ من كلامِ إِبراهيمَ ﵇ أَنه كانَ يؤمنُ بوجودِ آلهةٍ مع الله، وأَنَّ بعضَ تلك الآلهةِ صغير، وأَنَّ الشمسَ أَكبرُ من تلك الآلهة. وخَرَجَ من هذا بافتراءٍ كبير، هو أَنَّ التكبيرَ من أَصْلٍ جاهليّ، وأَنَّ المسلمينَ عندما يَذكرونَ اللهَ قائِلين: " الله أكبر "، إِنما أَخَذوا هذا عن الجاهليّين المشركين! وأَنَّ معنى " الله أَكبر " عندَه أَنَّ اللهَ أَكبرُ من الآلهةِ الصغيرة، التي تُساعِدُه في إِدارةِ هذا العالم! فالمسلمونَ في نظره مشركون، يُؤمنونَ بوجودِ آلهةٍ صغيرةٍ بجانبِ اللهِ الأَكبر!!. قالَ في افترائِه: " كان عَرَبُ الجاهليةِ يُكَبِّرونَ اللهَ في بعضِ الأَحوالِ قائلين: اللهُ أَكبر.. بناءً على اعتقادِهم بوجودِ إِلهٍ في السماء، أَو اللهُ بينَ كُلِّ الآلهةِ هو إِلهُها ورَبُّها، والآلهةُ الأُخرى أَعوانُه وعُمّالُه في أَرضِه. وزَعَمَ النَّقْلَ عن كتابِ بلوغِ الأَرَب للآلوسي أَنه لما افْتَدى عبدُ المطلب - جَدُّ الرسولِ ﷺ ابْنَه عبدَ الله بمئةٍ من الإِبِل ونجا ابْنُه من الذَّبْحِ صاحَ عبدُ الله قائلاً: اللهُ أَكْبَر. وكَبَّرَتْ قريشٌ معه! ". إِنَ كلامَه عن إِيمانِ العربِ الجاهليّين بوجودِ آلهةٍ مع اللهِ صَحيح، فهذا معروفٌ عنهم، وقد ذَكَرَهُ القرآنُ في آياتٍ عديدة، وأَبْطَلَه وفَنَّدَه، وعَرَضَ الأَدلةَ العديدةَ على أَنَّ اللهَ هو الإِلهُ وَحْدَه، لا شريكَ له. أَمّا زعْمُه أَنَّ العربَ الجاهليّين كانوا يُكَبّرونَ اللهَ في بعضِ أَحوالِهم فهذا باطل، وزَعْمُه أَنَّ عبدَ الله كَبَّرَ اللهَ لما نَجا من الذَّبْحِ باطل، وهو يَعتمدُ على بعضِ الأَخبارِ والرواياتِ غير الثابتة، ومعلومٌ أَنه ليس كُلُّ قولٍ أَو خبرٍ في كتبِ المؤَرّخين أَو المحَدِّثين أَو المفسرين معتمداً، ولا بُدَّ من تخريجِ تلك الأَقوالِ والأَخبار، واعتمادِ ما صَحَّ منها!!. وقد كانتْ فريةُ الفادي كبيرةً، عندما زَعَمَ أَنَّ المسلمين أَخَذوا قولَهم: " الله أَكبر " عن العربِ الجاهليّين، واعتبرَ هذه العبارةَ صورةً من صورِ الشركِ بالله، لأَنها تدل على وُجودِ آلهةٍ صغارٍ بجانبِ اللهِ الأَكبر!!.

стр. 251

إِنَّ كلمةَ " اللهُ أَكبر " عنوانُ التوحيد، بجانبِ الكلمةِ الطيبة: " لا إِله إِلّا الله "، ولذلك جعَلها الإِسلامُ عنوانَ الدخولِ في الصلاة، والانتقال فيها، وفي العيدَيْن وغيرهما. *** حول عالم الجن تَحَدَّثَ القرآنُ عن عالَمِ الجِنّ، وأَخبرَ عن استماعِ نَفَرٍ من الجِنِّ القرآنَ من رسولِ اللهِ ﷺ ، وإيمانِهم به، ودخولِهم في الإِسلام. قال تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) . وقد خَطَّأَ الفادي المفترِي القرآنَ في حديثِه عن عالَمِ الجن، ونفى وجودَ جِن مؤمنين، لأَنَّ عالَمَ الغيب عنْدَه إِما ملائكةٌ وإمّا شياطين، وأَثارَ حولَ القرآنِ أَسئلةً تشكيكيةً. قال: " ويُعَلِّمُنا الكتابُ المقَدسُ بوجودِ ملائكةٍ وشياطين، ولكنَّه لا يُعَلمُ بوجودِ الجِنّ، الذي يَقولُ المسلمونَ: إِنهم جنسٌ عاقلٌ بينَ الإِنسِ والشياطين، وإنهم لما سَمعوا القرآنَ آمَنوا به وبالله، وبَشَّروا الجِنَّ الآخَرين، وقالوا: إِنَ القرآنَ جاءَ من بعدِ موسى. فلماذا لم يُسمع اللهُ الجِنَّ رسالةَ موسى وعيسى؟ ولماذا خَصَّ الجِنَّ بالقرآنِ وَحْدَه؟ ولماذا يَقولُ الجِنُّ: إِنَّ القرآنَ جاءَ من بعْدِ موسى؟ ولم يَقُلْ من بعدِ الزبورِ والإِنجيل، مع أَنَّ الإِنجيلَ أَقربُ إِليهم من عَهْدِ موسى؟ وكيف يَتَصَوَّرُ صاحبُ القرآنِ أَنَّ الجنَّ وهم أَرواحٌ يَتَزَوَّجونَ وَيَتَناسلونَ مع أَنهم يقولون: إِن إِبليسَ من الجن؟ ".

стр. 252

يَزعمُ الفادي أَنَّ الكتابَ المقَدَّسَ لا يتحدَّثُ إِلا عن الملائكةِ والشياطين، وهو لا يتحدثُ عن الشياطينِ وطبيعتِهم والمادةِ التي خُلِقوا منها، ويَنفي الفادي وجودَ عالَمِ الجِنّ، لأَنَّ الكتابَ المقَدّسَ لم يتحدثْ عنه. وقد كانَ القرآنُ صريحاً في حديثِه عن الجِنّ، حيثُ ذَكَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ الجِنَّ قبلَ الإِنْس، وأَنَّه خَلَقَهم من مارِجِ من نار. قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧) . وأَخْبَرَنا رسولُ اللهِ ﷺ عن المادَّةِ التي خُلِقَ منها كلّ من الملائكةِ والجِنِّ والإِنس: " خَلَقَ اللهُ الملائكةَ من نور، وخَلَقَ الجِنَّ من النار، وخَلَقَ آدَمَ مما وَصَفَ لكم ". والمخلوقاتُ العاقلةُ في هدا الكونِ ثلاثةٌ هي: الملائكةُ والجِنُّ والإِنس. وسُمَيَ الجِنُّ جِنّاً لأَنهم يَسْتَتِرون عن الإِنسِ ولا يَرونَهم. قالَ تعالى عن إِبليسَ والجِنّ: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) . والشياطينُ ليسوا جِنْساً مستقلّاً كالإِنْس والجِن، وإنما وَصفٌ يُطْلَقُ على الكافرين، سواء كانوا إِنساً أَو جِنّاً، فهناك شياطينُ الإِنس وهناك شياطينُ الجن. قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) ، وَوُصِفَ الكفارُ بأَنهم شياطينُ لأَنهم مُتَمَرِّدونَ بَعيدونَ عن رحمةِ الله. وإبليسُ شيطان لأَنه أَولُ كافر، وهو من الجِنِّ بنَصِّ القرآن. قالَ تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ) ، فهو جِنّيٌّ من حيثُ النَّسَب والجنس، وهو شيطان من حيثُ الوصف. والجِنُّ مُكَلَّفون كالإِنس، لأَنهم عقلاءُ مثلُهم، ومنَحَهم اللهُ من وسائلِ العلمِ والمعرفةِ والقدرة والإرادةِ ما أَهَّلَهم للمسؤوليةِ والتكليف. وبعثَ اللهُ رسلاً للجِنِّ كما بَعَثَ رُسُلاً للإِنسِ، والراجحُ أَنَّ رُسُلَ الجِنِّ

стр. 253

من الجِن، لأَن اللهَ بعثَ كلَّ رسول بلسانِ قومِه، ليُبينَ لهم الدعوة، ويَفْهَموا عليه كلامَه. قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) . وأَخبرَنا اللهُ أَنه بعثَ للجنِّ رُسُلاً من الجنِّ. قال تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا) . ولذلك لم يُبْعَثْ أَحَدٌ من الرسلِ السابقين المذكورين في القرآن إِلى الجن، ولم يُبْعَثْ رسولاً للناسِ كافَّة، وإِنما بُعِثَ كُلٌّ منهم إِلى قومِه خاصّة، يَنطبقُ هذا على نوحٍ وإِبراهيم، كما ينطبقُ على موسى وهارون، وعلى داودَ وسليمان، وعلى زكريا وعيسى - صلى الله عليهم وسلم -. وخَصَّ الله أَفضلَ الخلقِ وأَشرفَهم محمداً ﷺ بخاصيةٍ، دالَّةٍ على فضْلِه على باقي الأَنبياءِ والمرسلين، فبعَثَه للناسِ كُلِّهم، على اختلافِ الزمانِ والمكان، حتى قيام الساعة، ونَسَخَ برسالتِه جميعَ الرسالاتِ السابقة. وَوَرَدَ هذا صريحاً في أكثرَ من آية، منها قولُه تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) . ولم يَبْعَثْهُ للإِنس كلّهم فقط، وإِنما بَعَثَه للإِنسِ والجِنِّ جَميعاً، وأَمَرَ الجن بأَنْ يُؤمنوا به كالإِنس، واستجابَ فريقٌ منهم وآمَنوا به، وصاروا مسلمين، والذين لم يَدْخُلوا في الإِسلامِ كافرون مخلَّدون في نار جهنم، ككفارِ الإِنس. قال تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) . ولذلك ساقَ اللهُ إِلى رسولِه نَفَراً من الجنّ، فسمعوا القرآنَ منه، وتأَثَّروا

стр. 254

به، وأَعلنوا إِيمانَهم وإسلامَهم، قال تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) . وقال تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ) . بعدَ هذا التيانِ نَعرفُ سخافةَ وغباءَ الفادي الجاهلِ في اعتراضِه على حديثِ القرآنِ عن الجن، وفي أَسئلتِه التشكيكيةِ التي أَثارَها حولَ الجِنّ وموسى وعيسى ﵉، والجنِّ والتوراةِ والزبورِ والإِنجيل!! فلم يكونوا مكَلَّفين بالإِيمانِ بموسى وعيسى ﵉، ولا الإِيمانِ بالكتبِ السابقةِ كالتوراةِ والإِنجيل، لأَنهم مأمورونَ بالإِيمانِ بالقرآنِ فقط. وحديثُهم عن التوراةِ النازلةِ على موسى ﵇ لا غَرابةَ فيه، وهو الذي أَشارَ له قولُه تعالى: (قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) . فرغْمَ أَنَّ الجنَّ لم يكونوا مكَلَّفين بالتوراةِ وبموسى ﵇، إِلّا أَنهم كانوا يَعرفونَ أَنَّ اللهَ بعثَ موسى ﵇ رسولاً، وأَنزلَ عليه التوراةَ، لأَنَّ الجنَّ يعلمونَ أَخبارَ الإِنسِ وأَحوالَهم، وأَخبرَهم رسلُهم من الجنِّ بهذه الأَخبارِ عن موسى والتوراة. المهمُّ عندنا أَنَّ مرجعيّتَنا هو القرآن، وكلُّ ما وردَ فيه فهو حَق، نؤمنُ به ونُصدِّقُه، لأَنه كلامُ اللهِ الذي لا يأتيه الباطلُ من بينِ يَدَيْه ولا من خلْفِه. *** هل يأمر الله بالفسق والفحشاء ؟ اعترضَ الفادي على قولِ اللهِ : (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) . وأَثارَ حولَ هذه الآيةِ أَسئلةً خبيثة، تدلُّ على تخطئتِه لها. قال: " فهل

стр. 255

يُريدُ اللهُ إِهلاكَ النّاس؟ وهل يأْمُرُ مُتَنَعِّميهم بالفسق، لتحقَّ العقوبةُ عليهم وعلى الفقراءِ بينَهم؟ وهلْ يُناسبُ هذا عدل اللهِ وقداستَه وأَمانتَه؟ وكيفَ يُنْسَبُ للهِ الجورُ والفسقُ والظلم؟ ". وذَكَرَ آياتٍ أُخرى تُناقضُ الآيةَ السابقةَ في نظره. قال: " ويُناقضُ القرآنُ قولَه السابقَ بقولِه: (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ) ، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) . وقوله: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) . ولا تَناقُضَ بينَ آيةِ سورةِ الإِسراءِ والآياتِ الثلاثِ التي أَوردَها، لأَنه لا تناقُضَ بينَ آياتِ القرآن، وهذه بدهيَّةٌ مُقَرَّرة. فتتفقُ الآياتُ الثلاثُ مع آيةِ سورةِ الإسراءِ على أَنَّ اللهَ لا يأْمرُ بالفحشاء، ولا يأمرُ بالفسق، ولا يأمرُ بالحرام، ولذلك كَذَّبَ القرآنُ المشركين الذينَ فعلوا الفحشاءَ، وزَعموا أَنَّ اللهَ هو الذي أَمرهم بها، وأَخبرَ أَنه لا يأمُرُ إِلّا بالقسطِ والعدلِ والخير: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) . أَما آيةُ سورةِ الإِسراءِ فإِنَّ الفادي الجاهلَ لم يفهمْ معناها، ولذلك خَطَّأَها وأَثار حولَها أَسئلتَه التشكيكيةَ الخبيثة. إِنَّ الآيةَ تُخبرُ عن سُنَّةٍ ربانيةٍ مطردة، بشأْنِ فسقِ المترفين وبطرِهم، وتكبرِهم على أَوامرِ ربّهم، ونشرِهم الفسادَ في البلاد، مما يُؤَدّي إِلي العقابِ والإِهلاكِ والتدمير. تُخبرُ الآية ُ عن إِنعامِ اللهِ على أَهلِ القريةِ بالمال، وغنى مجموعةٍ منهم، وتحوُّلِهم إِلى أَغنياءَ مُترفين، ويأمُرُ اللهُ هؤلاء المتْرَفين بعبادتِه وطاعتِه، وتنفيذِ أَوامره، واجتنابِ مُحَرَّماتِه، لكنهم يَتَكَبَّرونَ على الله، ويرفضونَ طاعتَه،

стр. 256

ويُخالفون أَمره، ويَفسقونَ في القرية، ويَنْشُرون فيها الفسادَ والمعاصي والفسوق، ويُفْسِدونَ بذلك أَهْلَها، فيحق عليها القول، وتنطبقُ عليها السنةُ الربانية، ويوقعُ بها العقابَ، ويُدَمِّرُها تَدْميراً. في معنى الآيةِ جُمَلٌ مُقَدَّرَة، لتوضيح المعنى، ومعلومٌ أَنَّ الحذفَ والذكْرَ ملحوظانِ في القرآن، ومرادانِ لحكمةٍ مقصودة، فإِذا ذَكَر القرآنُ الجملةَ ذَكَرَها لحكمةٍ مقصودةٍ مرادة، وإِذا حَذَفَها حَذَفَها لحكمةٍ مقصودةٍ مرادة، فهو معجزٌ في ما يَذْكُر، ومعجزٌ في ما يَحْذِف!. وتقديرُ الآية: إِذا أَرَدْنا أَنْ نهلكَ أَهْلَ قرية، أَمَرْنا مُتْرَفيها بالطاعة، لكنَّهم يَرفضون أَمْرَنا، ويَفْسُقونَ فيها، وبذلك يحقُّ عليها قولُنا، وتنطبقُ عليها سُنَّتُنا، ونُدَمِّرُها تَدْميراً. وتَهدفُ الآيةُ إِلى أَنْ تُقَررَ قاعدةً مطردة، وهي ارتباطُ الترفِ بالتمردِ والعصيانِ والمخالفةِ والفسقِ، وانتشارُ الفسادِ ثمرةٌ للترفِ والفسق، وهذا كلّه طريقٌ للهلاكِ والعقابِ والتدمير. وبهذا نعرفُ غَباءَ أَسئلةِ الفادي التي اعترضَ بها على الآيَة. فاللهُ لا يُريدُ إِهلاكَ الناسِ ابتداءً، لأَنه مُنَزهٌ عن الظلمِ سبحانه، ولكنَّه يُرتِّبُ الإِهلاكَ على العصيانِ والفسقِ والذنوب، فإِذا عصى الناسُ عاقَبَهم الله وقَرَّرَ إِهلاكهم، وهذا عدلٌ منه سبحانه!. ولم يأْمر اللهُ المتْرَفين بالفسقِ كما فهمَ الفادي الجاهل، وإِنما أَمَرهم بالطاعة، لكنَّ الفسقَ ناتجٌ عن عِصيانِهم لأَمْرِ الله، وعِقابُ اللهِ للفاسقين المترفين المجرمين عَدْلٌ منه سبحانه. ومَنْ قالَ: إِنَ الآية تَنسبُ الجورَ والفسقَ والظلمَ إِلى الله؟! هذا هو فهمُ الفادي الجاهل! إِنَّ الآيةَ تَنسبُ العَدْلَ إِلى الله، وتُرَتّب العِقابَ على الفسق الناتجِ عن معصيةِ الله!.

стр. 257

لم يشك الرسول ﷺ بالوحىِ وَضعَ الفادي المفترِي عِنواناً مثيراً هو: " الوحيُ الذي يَشُكُّ فيه مُبَلِّغُه " اعترضَ فيه على آيتَيْن من القرآن، ووظَّفَهما دليلاً على عَدَمِ نبوةِ محمدٍ ﷺ ، وعلى سيطرةِ الوساوسِ عليه بشأنِ الوحي: الأولى: قوله تعالى: (كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) . اعتبرَ الفادي الآيةَ دَليلاً على شَكِّ الرسولِ ﷺ بالوحيِ والنبوة، وزعم أَنه ملأَ الحرجُ والشَّكُّ صَدْرَه، وسيطرت الوساوسُ عليه، ولذلك تَدْعوه الآية إِلى إِخراجِ الحَرَجِ من صَدْرِه، وإِزالةِ الشّكّ والوساوسِ عنه!. ونَقَلَ كَلاماً عن البيضاوي يُؤَيِّدُ ما ذَهَبَ إِليه. قال: " وقالَ البيضاويُّ في تفسيرِ الآية: (حَرَجٌ منهُ) : أَيْ شَكّ فيه. فإِنَّ الشّاكّ حَرِجُ الصدْرِ وضَيِّقُ القَلْبِ مَخافَةَ أَنْ يُكَذَّبَ فيه..". وقد تَصرَّفَ المفْتَرِي في كلامِ البيضاوي! والذي قالَه البيضاويُّ هو: (فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) : أَيْ: شَكّ، فإِنَّ الشّاكَّ حَرِجُ الصَّدْرِ. أَو: ضِيقُ قَلْبٍ من تبليغِه، مخافَةَ أَنْ تُكَذَّبَ فيه، أَو تُقَصرَ في القيام بحقِّه.. وتَوجيهُ النهيِ إِليه للمبالغة..". لا تدلُّ الآيةُ على أَنَّ الرسولَ ﷺ كان عندَه شَكّ في الوحْي، كما فهمَ الفادي منها ذلك، إِنما تَنهى الآيةُ الرسولَ ﷺ عن التحرج من تَبليغِ الوحْيِ وإِنذارِ الناسِ به: (فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) . أَيْ: لا تتحرجْ من إِنذارِ الناسِ به.. وفَرْقٌ بين القول: كانَ عنْدَه شَكّ في الوحيِ والنبوة. وبينَ القول: يَدْعوهُ اللهُ إِلى عدمِ التحرجِ من إِنذارِ الناسِ به!.

стр. 258

وإِذا تحرجَ من الإِنذارِ والتبليغِ، يكونُ التحرجُ خشيةَ أَنْ يُكَذّبَه الكافرون، أَو خشيةَ تقصيرِه من القيامِ بِالحَقِّ وأَداءِ الواجب. ولا تَدُلُّ الآية ُ على أَنَّ الرسولَ ﷺ تحرجَ من الإِنذار، إِنما تدلُّ على أَنه إِذا أَصابَه التحرجُ من الإِنذارِ فعليه أَنْ يُزيلَه. علماً أَنَّ الرسولَ ﷺ لم يتحرجْ من الإِنذارِ أَبداً!!. الثانية قولُه تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) . إِنْ شَك الرسولُ ﷺ بالوحيِ الذي أَنزلَه اللهُ إِليه فعليه أَنْ يُزيلَ هذا الشَّكَّ، بسؤالِ أَهْلِ الكتابِ من قَبْلِه، أَمّا إِنْ لم يَشُكّ بالوحيِ فلا داعي لسؤالِ أَهْلِ الكتاب.. فهلْ شَكَّ بالوحْيِ واضطرَّ إِلى السؤالَ؟ الجوابُ بالنَّفْي، فلم يَشُكَّ بالوَحي، ولم يضطرَّ إِلى السؤال. ولما أَرادَ الفادي المفترِي أَنْ يُوَظِّفَ الآيةَ لافترائِه، ويجعلَها إِدانةً للنبي ﷺ بأَنَّه شاكٌّ بالوحيِ والنبوة، ذَهَبَ إِلى تفسيرِ البيضاويِّ كعادتِه، فلما لم يَجدْ عنْدَه ما يُريدُ؟ تَرَكَه، وتَوَجَّهَ إِلى تفسيرِ الرازي! فلماذا الرازي في هذه المرة؟ لأَنَّ المفترِي يظنُّ أَنَّ عنده ما يوافقُ هواه!. قالَ الفادي: " قالَ الإِمامُ الرازي في تفسيرِ سورة يونس: من الوجوهِ في تفسيرِ النصّ: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ) الخطابُ لمحمد. وأَنَّ محمداً من البشر، وكان حصولُ الخواطرِ المشوِّشةِ والأَفكارِ المضطربة في قلبِهِ من الجائزاتِ، وتلكَ الخواطرُ لا تندفع إلّا بإيرادِ الدلائلِ وتقريرِ البينات، حتى إِنَّ بسببِها تَزُولُ عن خاطرِه تلك الوساوس ". ولما رَجَعْنا إِلى تفسيرِ الرازي وَجَدْنا الأَمْرَ على غيرِ ما ذَكَرَه الفادي المفترِي. فقد ذَكَرَ الرازي قولَيْن في تحديد المخاطبِ بالآية: الأول: الخطابُ للنبيِّ ﷺ في الظاهرِ، والمرادُ غيرُه.

стр. 259

الثاني: الخطابُ للإِنسانِ الشّاكِّ في نبوةِ محمدٍ ﷺ . والتقديرُ: إِنْ كنتَ أَيها الإنسانُ في شَكٍّ مما أَنزلْنا إِليك من الهدى على لسانِ محمدٍ ﷺ ، فاسأَلْ أَهْلَ الكتابِ لِيَدُلُّوكَ على صحةِ نبوَّتِه. ونفى الرازي أَنْ يكونَ الخطابُ في الحقيقةِ للنبيِّ ﷺ ، ورَجَّحَ أَنْ يكونَ الخطابُ في الظاهرِ له، لكنَّ المرادَ غيره. وقالَ كَلاماً رائعاً في توجيهِ ذلك: " والذي يَدُلُّ على صحةِ ما ذَكَرْناهُ من وجوه: الاوَّل: قولُه تعالى في آخرِ السورة: (يا أيُّهَا ألنَّاسُ إِن كنُتم فِى شَكٍّ من دِينِى) . فَبَيَّنَ أَنَّ المذكورَ في الآيةِ السابقة هم المذكورونَ في هذه الآيةِ على سبيلِ التصريح. الثاني: أَنَّ الرسولَ ﷺ لو كانَ شاكاً في نبوةِ نفسِه لكانَ شَكُّ غَيرِه في نبوتِه أَوْلى، وهذا يوجبُ سُقوطَ الشريعةِ بالكلية. الثالث: بتقديرِ أَنْ يكونَ شاكاً في نبوةِ نفسِه، فكيفَ يزولُ ذلك الشَّكُّ بإِخبارِ أَهْلِ الكتابِ عن نبوَّتِه، مع أَنهم في الأَكثرِ كُفّار؟! وقد ثَبَتَ أَنَّ ما في أَيديهم من التوراةِ والإِنجيلِ مُصحَّفٌ مُحَرَّف ... فثبتَ أَنَّ الحَقَّ هو أَنَّ هذا الخطابَ وإِنْ كانَ في الظاهرِ لرسولِ الله ﷺ ، إلا أَنَّ المرادَ به أُمَّتُه ". حذف الفادي هذا الكلامَ كُلَّه، لأَنه لا يُساعدُ في ما يريدُه من اتهامِ النبيِّ وتخطئةِ القرآن. حتى الوجهُ الذي قالَه الرازي، ونقلَه الفادي عنه ليس كما نَقَلَه الفادي، لأَنه أَخَذَ منه الجزءَ الذي يتفقُ مع هواه، وأَسقطَ الجزءَ المهمَّ منه، وهو قولُ الرازي: " وتَمامُ التقرير في هذا الباب: إِنَّ قولَه: (فإن كنُتَ فِى شَكٍّ) فافعلْ كذا وكذا قضيةٌ شرطية، والقضيهُ الشرطيةُ لا إِشعارَ فيها ألبتة بأَنَّ الشرطَ وَقَعَ أَو لم يَقَعْ، ولا بأَنَّ الجزاءَ وَقَعَ أَو لم يقع، وليس فيها إِلّا بيانُ أَنَّ ماهيةَ ذلك الشرط مستلزمةٌ لماهيةِ ذلك الجزاء ... . إِنَّ الآيةَ تدلُّ على أَنه لو حَصَلَ هذا الشّكّ لكانَ الواجبُ عليه هو،

стр. 260

فِعْلَ كذا وكذا، فأما أَنَّ هذا الشَّكَّ وَقَعَ أَو لم يقع، فليسَ في الآيةِ دلالةٌ عليه. والفائدةُ في إِنزالِ هذه الآيةِ على الرسولِ ﷺ أَنَّ تَكثيرَ الدلائلِ وتقويتَها مما يَزيدُ في قوةِ اليقينِ وطمأنينة النفس وسكون الصدر، ولهذا السبب أَكثرَ اللهُ في كتابِه من تقريرِ دلائلِ التوحيدِ والنبوة ". ذَكَرْنا ما قالَه الرازي في تفسيرِ الآيةِ لنُطلعَ القراءَ على مزاجيةِ الفادي وافترائِه، وتلاعُبه وتحريفِه، وافتقادِه الأَمانةَ العلميةَ في النقلِ والإِحالة، مع أَنه يلبسُ ثوبَ الموضوعيةِ والمنهجيةِ والحيادِ والبحثِ عن الحقيقة. واستخرجَ من كلامِ الرازيِّ والبيضاوي أُكذوبةً مفتراة، لم يذكُرْ أَيٌّ منهما حَرْفاً واحداً منها؟ قال: " واضحٌ من هذا أَنَ محمداً كان يَشُكُّ في مصدَرِ وَحْيِه، وأَنَّ كلامَه من عندِ الله أَم ليس بوحي، حتى نَصَحَهُ مَصدَرُ وَحْيِه أَنْ يَسألَ في ذلك اليهودَ والنصارى، الذين يَقْرَؤونَ الكتابَ من قبلِه، فإِن كانَ الرسولُ يشكُّ في رسالتِه، والمبلّغُ يَرتابُ في صِدْقِ بَلاغِه فكيف يَتوقَّعُ من سامِعيه أَنْ يُصَدِّقوه؟ ". ولقد كانَ الفادي كاذباً مفترياً في كلامِه، وفي هذه النتيجةِ التي خَرَجَ بها، وسَبَقَ أَنْ نفاها كُلٌّ من الرازي والبيضاوي. ونفى الرسولُ ﷺ الشّكَّ عن نفسِه، ولذلك قال: " واللهِ لا أَشُكُّ ولا أَسْأَلُ " أَي: أَنا لستُ في شَكٍّ مما أَوحى اللهُ إِليَّ، ولستُ بحاجةٍ إِلى سؤالِ أَهْلِ الكتاب (١) . وادَّعى الفادي المفترِي دَعوى كاذبةً، زَعَمَ فيها أَنَّ محمداً ﷺ اعترفَ أَنَّ مرجعَ القرآنِ هو الكتابُ المقَدَّس. قال: " وفي الوقتِ الذي كانَتْ فيه الشكوكُ تُساورُ محمداً في وحْيِه اعترفَ أَنَّ المرجعَ والمحكَّ لأَقوالِه هو الكتابُ المقَدَّس، ولذلك قالَ في القرآن: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) .

стр. 261

ولا نُعيدُ ما قلناهُ قبلَ قليلٍ عن دلالةِ الجملةِ الشرطية: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) . إِنما نُشيرُ إِلى افتراءِ وكَذِبِ الفادي في فريتِه، التي جعلَ فيها الكتابَ المقَدَّسَ مَرْجعاً للقرآنِ، وحَكَماً عليه. وقد أَخْبَرَنا اللهُ أَنَّ القرآنَ هو المرجعُ والحَكَم، وأَنَّ الكتبَ السابقةَ كالتوراةِ والإِنجيل لا بُدَّ أَنْ تُحاكَمَ إِلى القرآن، وأَنْ تُعْرَضَ على القرآن، فما اتفقَ مع القرآنِ منها أَخَذْناهُ، وما خالفَ القرآنَ رَدَدْناه، وجَزَمْنا بوضعِه وكَذِبِه واختلاقِه، وأَنه ليسَ من كلامِ الله، وإِنما هو من كلامِ الأَحبارِ أَو الرهبان. قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) . وافترى الفادي كذبةً أُخرى عندما نَسَبَ إِلى القرآنِ إِقْرارَه بأَنَّ توراةَ يهودِ عصْره صحيحةٌ سليمة، قال: " وأَكَّدَ القرآنُ أَنَّ التوراةَ المَي بينَ يَدي يهودِ عصْرِه صحيحةٌ سليمة، فيها حُكْمُ الله، والأَوْلى أَنْ يَرْجِعوا إِليها، لا أَنْ يَرْجِعوا إِلى محمد، فقال: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ) . وأَوصى القرآنُ المسيحيين أَنْ يُلازِموا أَحكامَ إِنجيلِهم، وحَكَمَ بالفِسْقِ على مَنْ لا يُقيمُ أَحكامَ الإِنجيل. فقال: (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧) . لم يُقِر القرآنُ أَنَّ التوارةَ التي مع اليهودِ في عصْرِ التنزيلِ صحيحةٌ سليمةٌ، فيها حُكْمُ اللهِ الذي يَجبُ أَنْ يُتَّبَع، وإِنما جَزَمَ أَن هذه التوارةَ محرفةٌ مَكْذوبة. وجاءَ هذا في عدةِ آيات، منها قولُه تعالى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) . وقوله تعالى: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) . وأَنكرَ اللهُ على اليهودِ احتكامَهم إلى رسول الله ﷺ ، لأَنهم أَرادوا بذلك التلاعبَ والتحايلَ والمكْرَ والخِداع، بهدفِ الحُصولِ على حُكْمِ مُخَفَّفٍ منه، وقد عَرَفَ الرسول ﷺ هذا التلاعُبَ والمكر، فحكَمَ فيهم بَحكْمِ اللهِ في التوراة، وأَقامَ حَدَّ الرجمِ على اليهوديِّ واليهوديةِ اللَّذَيْنِ زَنَيا.

стр. 262

ودعوةُ القرآنِ النصارى إِلى الاحتكامِ للإِنجيل، ليقودَ ذلك إِلى الاعتقادِ بأَنَّ القرآنَ كلامُ الله، وأَنَّ محمداً هو رسولُ الله ﷺ ، لأَنَّ الإِنجيلَ بَشَّرَ بالنبيِّ الخاتمِ ﷺ ، فاحتكامُهم الصحيحُ للإِنجيل معناهُ دخولُهم في الإِسلام!!. *** هل في القرآن أقوال للناس ؟ هل أَخَذَ محمدٌ ﷺ القرآنَ من النّاس؟ وهل وَضَعَ فيه أَقوالاً للنّاس؟ هذا ما يؤكِّدُه الفادي المفترِي، ولذلك بَدَأَ اعتراضَه السادسَ والثمانينَ على القرآنِ بنَفْي كونِ القرآنِ وَحْياً من عندِ الله، قال: جاءَ في سورةِ المدثر: (إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) . فقالَ محمد: إِنَّ قرآنَه وحيٌ من الله: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) . وهذه مغالطةٌ من الفادي المفترِي، فآيةُ سورةِ المدَّثرِ التي سَجَّلَها، ذَكَرَ اللهُ فيها اتهامَ زعيمِ مكةَ الوليدِ بن المغيرةِ للقرآنِ بأَنه سِحْر، والآيةُ ضمنَ آياتٍ تتحدَّثُ عن حادثةِ الوليدِ واتِّهامِه، يَعرفُها الفادي عن يَقين، لكنَّه لم يُشِرْ إِليها. وخلاصةُ حادثةِ الوليدِ بن المغيرة أَنَ زعماءَ قريشٍ اجْتَمعوا قُبيلَ موسمِ الحَجِّ، ليتَّفِقوا على كلامٍ موحَّد، يَقولونَه في القرآن، ليصُدّوا الناسَ عنه، فقالَ لهم الوليد: قولوا وأَنا أَسمع. فقالوا: نَقولُ عنه: إِنَّه شِعْر. قال: إِنَّه ليس شِعْراً. فقالوا: نقول: إِنه سِحْر. قال: إِنَّه ليس سِحْراً. فقالوا: نقول: إِنه كَذِب. قال: إِنه ليس كَذباً.. وكُلَّما ذَكروا قولاً رَدَّه الوليدُ بأَنه غيرُ منطقي، وأَنَّ الذين يَسمعونَه لا يُصَدِّقونه!. فقالوا له: قُلْ أَنتَ يا أَبا الوليد! فماذا تَقول فىِ القرآن؟. قال: دَعوني أُفَكّرْ ... ولما فَكَّر لم يَجِدْ إِلّا أَنْ يَتَّهمه بأَنه سِحْر! وهو ما نَفاهُ عنه من قَبل. وقالَ لهم: قولوا: إِنه سِحْرٌ يُؤْثَر، يُفَرقُ بينَ المرءِ وزوجِه.

стр. 263

وقد أَنزلَ اللهُ آياتٍ من سورةِ المدَّثِّر تُصَوّرُ الوليدَ بنَ المغيرة صورةً ساخرةً وهو يُفَكِّرُ ويُقَدِّرُ، ويَقولُ كلاماً لا يُصدقُه هو. قال تعالى: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) . فالذي قالَ عن القرآن: " إِنْ هذا إِلّا قولُ البشر " هو الزعيمُ القرشيّ الكافر، الوليدُ بنُ المغيرة، واعتمدَ الفادي المفترِي كلامَه، لأَنه يوافقُ هوىً في نفسه إ!. ولاحِظْ قَصْدَ المفترِي الخبيث من قولِه: " فقالَ محمد: إِنَّ قرآنَه وحي من الله: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) . فهو يُؤَكِّدُ على بشريةِ القرآنِ، وأَنَّ محمداً ﷺ هو الذي يُؤَلِّفُ الآيات، ويَضَعُها في السُّوَر، ويَدَّعي أَنها من عندِ الله "!!. وأَثارَ الفادي المفترِي الشبهاتِ حولَ " موافقات عمر "، واستشهدَ بها على فكرتِه الشيطانيةِ حولَ بشريةِ القرآن!. ومُوافقاتُ عمرَ هي حوادِثُ محدَّدَةٌ، كانَ عمرُ بن الخطابِ ﵁ يقترحُ على رسولِ الله ﷺ فعْلَ شيء مُعَيَّن، فتنزلُ الآيةُ توافِقُه على اقتراحِه، ويَدعو اللهُ فيها إِلى الأَخْذِ به. قالَ الفادي المفترِي: " أَمّا أَنَّه قولُ البشرِ فواضِحٌ من أَنَّ القرآنَ حوى أَقوالَ عمرَ بنِ الخطابِ التي دَوَّنَها محمد، باعتبارِ أَنها نزلَتْ من السماء ". ويَقصدُ المجرمُ من هذا الكلامِ الاستفزازيِّ الوقحِ أَنَّ القرآنَ من قولِ البَشر، وأَنَّ محمداً ﷺ أَخَذَه من قولِ الناسِ وكلامِهم وعباراتِهم، وادَّعى أَنها نازلة عليه من عندِ الله، ونَسَبَ القرآنَ كلَّه لله!!.

стр. 264

وهو بهذا الاتهامِ يَنفي الجريمةَ التي وَقَعَ هو وأَهْلُ مِلتِه وأَسيادُه اليهودُ بها عن نفسِه وشياطينِه، ويوجِّهُها للنبيِّ ﷺ . اليهودُ والنصارى هم الذين حَرَّفوا التوراةَ والإِنجيل، وقد أَدانَهم اللهُ على جريمتِهم، قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) . أَمّا الرسولُ ﷺ فقد رَدَّ على الكفارِ الذين طَلَبوا منه تغييرَ القرآنِ أَو تَبديلَه، بأَنه لا يُمْكِنُهُ أَن يَفعلَ ذلك، لأَنه مُتَّبعٌ للوحْيِ الذي يَأتيه من عندِ الله. قال تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦) . وهَدَّدَ اللهُ بأَنه لن يسمحَ لأَحَدٍ أَنْ يَتقوَّلَ عليه، ويَنسبَ له ما لم يَقُلْه، حتى لو كانَ هذا الشخصُ هو رسولَ اللهِ ﷺ ، قال تعالى: ( فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) . وقد نَسَبَ الفادي المفترِي خمسةَ أَقوالٍ لعُمر، وزَعَمَ أَنَّ النبيَّ ﷺ أَخَذَها منه وأَثْبَتَها في القرآن. قالَ عن القولِ الأَول: " مَرَّةً قالَ عُمر: يا رسولَ الله! لو اتَّخَذْنا من مَقامِ إِبراهيمَ مُصَلّى. فجاءَ قرآنٌ يَقول: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) . والروايةُ صحيحة، ومقامُ إِبراهيمَ هو الحجرُ الذي كانَ إِبراهيمُ ﵇ يَقومُ

стр. 265

ويَقفُ عليه وهو يَبْني الكعبة، حيثُ كانَ ابنُه إِسماعيلُ ﵇ يُناولُه الحجارة، وكان هو يَقفُ على الحَجَر، وكان ذلك الحجرُ مُلْتصقاً بالكعبة، ثم أَبْعَدَه عمرُ عن الكعبة لئلا يَشُقَّ الطوافُ على الطائفين. وقد اقترحَ عمرُ ﵁ على رسول اللهِ ﷺ أَنْ يُصلِّيَ الطائفون ركعَتي الطوافِ عندَ مَقامِ إِبراهيم، وهما ركْعَتا السنَّةِ اللَّتان يُصَلّيهما الطائفُ بعد الانتهاءِ من الطواف، فأَقَرَّه الرسولُ ﷺ على اقتراحِه. وأَنزلَ اللهُ قولَه تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) . وهو يَدُلُّ على صحةِ اقتراحِ عمرَ ﵁ وفطنتِه وبُعْدِ نَظَرِه. وقالَ عن القولِ الثاني لعُمَر: " ومَرَّةً قالَ عمر: يا رسولَ الله! إِنَّ نِساءَك يَدخلُ عليهن البَرُّ والفاجر، فلو أَمرتَهن أَنْ يحتجبْنَ. فجاءَ قرآنٌ يقول: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) . والروايةُ صحيحة، دالّةٌ على بُعْدِ نَظَرِ عمرَ ﵁، فَرَغْمَ أَنَّ أَزواجَ الرسولِ ﷺ مُحَرَّماتٌ على المسلمين، إِلَّا أَنَّ بعضَ المسلمين قد تَخطرُ لهم خواطرُ السوءِ نحوهن، ولذلك اقترحَ عمرُ على رسولِ الله ﷺ أَنْ يأْمرهن بالحجاب، لأَنه يدخلُ عليهنَّ البَرُّ والفاجر، وهذا من فَرْطِ غيرتِه عليهن. وأَنزلَ اللهُ الآيةَ يأمُرُه بذلك، مما يدلُّ على صحةِ اقتراحِ عمر ﵁. وقالَ الفادي عن القولِ الثالث: " ومَرَّةً اجتمعَ نساءُ محمدٍ في الغيرة. فقالَ عمرُ لهنّ: عسى ربُّه إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَه أَزواجاً خيراً منكن. فجاءَ قرآنٌ يقول: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ) . والروايةُ صحيحة، فقد اجْتمعَتْ أَزواجُ النبيِّ ﷺ ، واتَّفقْنَ على أَنْ يُطالبنَه بالتوسعةِ عليهن، وزيادةِ نفقتِهنَّ، فتألَّمَ النبيُّ ﷺ من مَطالبهن، فوعَظَهُنَّ عمرُ ﵁ وذَكَّرَهُنَّ وهَدَّدَهُنَّ، وقالَ لهنّ: إِنْ طَلَّقَكنَّ فعسى ربُّه أَنْ يُبدلَه أَزواجاً خيراً منكُنّ. فأَنزلَ اللهُ تعالى قوله: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ) .

стр. 266

وقال الفادي عن القولِ الرابع: " ومَرَّةً جاءَ قرآنٌ يَقول: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) ... ، فقالَ عمر: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) ، فسجَّلَ محمدٌ قولَ عمرَ في القرآن: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) . وهذه الروايةُ أَوردَها الحاكمُ وابنُ مردويه وابنُ المنذر، لكنَّها لم تَصِحّ. فلا تُصَنَّفُ ضمنَ موافقاتِ عمر. وقالَ الفادي عن القولِ الخامس: " ومَرةً لقيَ يهوديٌّ عمرَ بنَ الخطاب، فقالَ: إِنَ جبريلَ الذي يَذْكُرُه صاحبُكم عَدَوٌّ لَنا! فقال له عمرُ: مَنْ كانَ عدوّاً للهِ وملائكتِه ورسلِه وجبريلَ وميكال فإِنَّ اللهَ عدوٌّ للكافرين. فَسَجَّلَ محمدٌ أَقوالَ عمر هذه بنصها: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨) . وهذه الروايةُ أَوردَها الحاكم، ولكنَّها لم تصح. والحادثةُ وَقَعَتْ بينَ رسولِ الله ﷺ وبينَ اليهود، وليسَ بين عمرَ ﵁ وبين اليهود. روى البخاريُّ عن ابنِ عباسٍ ﵄ عن حوارٍ بينَ رسولِ الله ﷺ وبينَ اليهودِ حولَ أَسئلةٍ ثَلاثةٍ سأَلوهُ عنها، لا يَعلمُ جوابَها إِلّا نبيّ، فلما أَجابَهم عليها الجوابَ الصحيحَ قالوا له: حَدِّثْنا مَنْ وليُّك من الملائكة، فعندها نجامِعُك أَو نُفارِقُك.. قال: فإِنَّ وَلِيّي جبريلُ، ولم يَبعث اللهُ نبيّاً قَطّ إِلّا وهو وليُّه.. قالوا: عندها نفارقُك، ولو كَانَ وَليُّكَ سِواه من الملائكةِ تابَعْناكَ وصَدَّقْناك!. قال: فما يمنَعُكُم أَنْ تُصدِّقوه؟ قالوا: إِنه عَدُوّنا!.. فأَنزلَ اللهُ قولَه تعالى: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨) .

стр. 267

وبهذا نعرفُ أَنَّ نسبةَ القولَيْن الرابعِ والخامسِ لعمرَ ﵁ لم تَصِحّ، رغم أَنَّهما ذُكِرا في بعضِ الروايات، ونقلَهما عنها السيوطيُّ في " الإِتقان "، ومعلومٌ أَنَّ السيوطيَّ لا يتحرّى الدِّقَّةَ في ما يَنقل، وأَنَّ صحةَ الروايةِ عن رسولِ الله ﷺ وأَصحابِه شرطٌ لقَبولِها واعْتمادِها. أَمَّا الأَقوالُ الثلاثةُ السابقة فقد ذَكَرَها البخاريُّ في صحيحه، وهي من موافقاتِ عمر. روى البخاريُّ عن أَنَسِ بنِ مالك ﷺ قالَ: قالَ عمرُ بنُ الخطاب ﵁: وافَقْتُ رَبّي - أَو وافَقَني ربّي - في ثلاث: قلتُ: يا رسولَ الله: لو اتّخَذْتَ من مَقامِ إِبراهيمَ مُصلّى، فنزلَتْ: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) . وقلتُ: يا رسولَ الله: يدخلُ عليك البَرُّ والفاجر، فلو أَمرتَ أُمَّهاتِ المؤمنين بالحجاب، فأَنزلَ اللهُ آيةَ الحجاب. وبَلَغَني مُعاتبةُ النبيِّ ﷺ بعضَ نسائِه، فدخَلْتُ عليهنّ فقلْتُ: إِن انتهيْتُنَّ أَو لَيُبْدِلَنَّ اللهُ رسولَه خيراً منكن، فأَتَتْ إِحْدى نسائِه، فقالَتْ: يا عُمَر: أَما في رسولِ اللهِ ما يَعِظُ نِساءَه، حتى تَعِظَهُنَّ أَنت؟ فأَنزلَ اللهُ قولَه تعالى: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ) . ولا تَدُلُّ موافقاتُ عمرَ ﵁ وما نَزَلَ من القرآنِ على لسانِ بعضِ الصحابة كما ذكرَ السيوطيُّ في الإِتقان - على أَنَّ في القرآنِ أَقوالَ الناس. وأَنَّ القرآنَ صناعةٌ بشرية، كما قالَ الفادي المفتري! فكلّ مسلمٍ يُؤمنُ أَنَّ القرآنَ كُلَّه كلامُ الله، وأَنَّ ما فيه من موافقاتٍ إِخبارٌ من اللهِ عن بعضِ ما قالَه الصحابةُ أَو فَعَلوه، وهذا عِلْمٌ معروفٌ بعِلْمِ " أَسبابِ النزول ". وهو أَنْ تَقَعَ الحادثةُ، فتنزل الآيةُ عَقِبَها. وموافقاتُ عمرَ التي نَزَلَت الآياتُ مُقَرِّرَةً لكلامِ عمرَ واقتراحِه، تَدُلُّ على فَضْلِ ومنزلةِ وفطنةِ عمرَ ﵁، بحيثُ يُنزلُ اللهُ الآيةَ في اعتمادِ كلامِهِ والأَخْذ ومن هذا البابِ ما " حكاهُ " القرآنُ في قصصِه، ونَسَبَهُ لأُناسٍ من السابقينَ، من كلماتٍ وأَقوالٍ وحِوارات، حيث نَقَلَ ما قالوه بلغاتِهم السابقةِ غيرِ العربية بلسانٍ عربيٍّ مبين!!.

стр. 268

ولقد شَتَمَ الفادي المجرمُ القرآنَ والرسولَ ﷺ في عباراتٍ استفزازية، مثل قولِه: " فَسَجَّلَ محمدٌ قولَ عمرَ في القرآن "، وقولُه: " فَسَجَّلَ محمّدٌ أَقوالَ عمرَ هذه بنَصها".. وهو يَجزمُ في هذه العباراتِ بأَنَّ محمداً ﷺ هو الذي صاغَ القرآنَ وأَلَّفَه، ونَقَلَ فيه من أَقوالِ الناس، ومنهم عمر بن الخطاب ﵁!!. *** حول سور الخَلْع والحَفْد والنّورين يَرى الفادي المفترِي أَنَّ المسلمينَ حَرَّفوا القرآن، وأَسقطوا منه بعضَ سُوَرِه، وأَنَّ بعضَ المسلمين أَلَّفَ بعضَ السورِ القرآنية، وهو بهذا يُكَذِّبُ آياتِ التحدي، التي قَرَّرَتْ أَن البَشَرَ لا يمكنُ أَنْ يأتوا بمثْلِ القرآن. قال: " جاءَ في سورةِ البقرة: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) . وجاءَ في سورةِ يونس: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) . وجاءَ في سورة الإسراء: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) . " ولم يُصَدِّق الفادي المفترِي مضمونَ آياتِ التحدي، وزَعَمَ أَنه تَمَّ الإِتْيانُ بسُوَرٍ مثلِ القرآن. قال: " فماذا يَحدثُ لو أَنَّنا أَتينا بسورةٍ واثنتينِ وثلاثِ سُوَرٍ مثلِ القرآن، دونَ حاجةٍ إِلى اجتماعِ الإِنسِ والجِنِّ؟ ". والسورُ الثلاثُ التي زَعَمَ الفادي المجرمُ أَنها مثْلُ القرآن، هي سور: الخَلْعِ والحَفْدِ والنُّورَيْن، وزَعَمَ أَنَّ سورتي الحَفْدِ والخَلْعِ كانتا في مصحفِ أُبَيّ بنِ كَعْب وابنِ عباس، وذَكَرَ كلماتِ السُّوَرِ الثلاث.

стр. 269

ونَصُّ سورةِ الخلْعِ الذي ذَكَرَه هو: " اللهمَّ إِنّا نَستعينُك ونَستغفرُك، ونُثْني عليكَ ولا نَكْفُرُك، ونَخلعُ ونَتركُ مَنْ يَفجرُك ". ونَصُّ سورةِ الحَفْدِ الذي ذَكَرَه هو: " اللهمَّ إِيّاك نَعْبُد، ولك نُصَلّي ونَسجد، وإِليكَ نَسْعى ونَحْفِد، نَرجو رحمتَك ونَخشى عَذابَك، إِنَّ عذابَك بالكفارِ مُلْحِق ". وعَلَّقَ على كلماتِ السورتَيْن المزعومتَيْن بقوله: " ومعلومٌ أَنَّ سورتَي الخَلْعِ والحَفْدِ جاءَتا في مصحفِ أُبَيِّ بنِ كعب، وفي مصحفِ ابنِ عباس، وأَنَّ محمداً عَلَّمَهُما لعليّ بن أَبي طالب، الذي كان يُعَلِّمُهما للناس، وصَلّى بهما عمر بن الخطاب.. فلماذا لا تُوجدَانِ في القرآن المتداوَلِ اليوم؟ ولماذا أَسْقَطَهُما المسلمون؟.. ". وهذا التعليقُ كَذِب وافتراء، ومَصاحفُ الصحابةِ الشخصيةُ لا تُخالفُ المصحفَ الإِمامَ، الذي أَجمعَ عليه الصحابة، ولم يكنْ لأُبَيِّ بنِ كعبٍ، ولا لابْنِ عَبّاس ولا لابنِ مسعود ﵃ مصاحِفُ خاصَّة، فيها سورتا الخَلْعِ والحَفد، كما زَعَمَ الفادي المفترِي. وأَلْفاظُ سورتي الخَلْعِ والحَفْدِ التي سَجَّلَها الفادي الجاهلُ، كان عمرُ بنُ الخطاب ﵁ يَقرأ بها في الصلاةَ! وعَلَّمَها الرسولُ ﷺ علياً، ليقرأَ بها في الصلاة!! نعم، هذا صحيح!! لكنْ ليسَ على أَنها من القرآن، وإِنما على أَنها دعاء لله. أَلفاظُ السورتَيْن المزعومتَيْن جزءٌ من دعاءِ القُنوت، كانَ رسولُ الله ﷺ يَدْعو به في الصلاة، وعَلَّمَه لعمرَ وعليٍّ وغيرهما من الصحابة ﵃، وكانوا يَدْعونَ اللهَ به في الصلاة، وسمعَه منهم المسلمون، ورَوَوه عنهم، وذُكِرَ هذا في الكتب.. وقَرَأَ قومُ الفادي من المستشرقين أَلْفاظَ هذا الدعاء، وأَنهم كانوا يَذْكُرونَه في الصلاة، فاعْتَبَروهُ من القرآنِ لجَهْلِهم وغَبائِهم!!.

стр. 270

دُعاءُ القنوتِ الذي يَدْعو به المؤمنون في صلاةِ الفجر، وفي صلاةِ الوِتْر هو: " اللهمَّ إِنّا نَستعينُك، ونَستهديك، ونَستغفرُك، ونَتوبُ إِليك، ونُؤمنُ بك، ونتوكَّلُ عليك، ونُثْني عليكَ الخيْرَ كُلَّه، نَشكُرُك ولا نَكفُرُك، ونَخلعُ ونَتركُ مَنْ يَفجرُك، اللهمَّ إِيّاك نَعْبُد، ولكَ نُصَلّي ونَسْجُد، وإِليكَ نَسْعى ونَحْفِد، نَرجو رَحْمَتَك، ونَخشى عَذأبَك، إِنَّ عذابَكَ الجِدَّ بالكُفّارِ مُلْحِق ". أَمّا كلماتُ سورةِ النورَيْن التي زعمَ المفْتري وقومُه أَنَّها من القرآنِ المحذوفِ فإِنها كلماتٌ ركيكةٌ ضعيفة، لا تَرْقى إِلى مستوى الكلامِ العربيِّ الفَصيحِ البليغ، فَضْلاً عَنْ بُلوغِها مستوى القرآنِ العظيمِ المعجز، وهي كلماتٌ صاغَها قومٌ ضعفاءُ في التعبيرِ البيانيِّ المشرق!. وأَضَعُ بين يدي القراءِ كلماتِ هذه السورةِ المفتراة، وأَدْعوهم إِلى إِمعانِ النظرِ فيها، ليَعْرِفوا صِدْقَ ما أَقول: " بسم الله الرحمن الرحيم: يا أيها الذين آمَنوا: آمِنوا بالنورَيْن، أَنزلناهما، يَتْلُوان عليكم آياتي، ويُحَذِّرانكم عذابَ يومٍ عظيم.. نُورانِ بعضهما من بعض، وإِنّا لَسميعٌ عليم.. إِنَّ الذين يعرفون بعَهْدِ اللهِ ورسوله في آياتٍ لهم جَناتُ النعيم.. والذين كفروا من بعدِ ما آمَنوا بنقْضهم ميثاقَهم وما عاهَدهم الرسولُ عليه يَقذفونَه في الجحيم.. ظَلموا أَنفسهم، وعَصوا الوحيَ الرسولَ أُولئك يُسقَوْنَ من حميم.. إِن اللهَ الذي نَوَّرَ السماواتِ والأَرض بما شاء، واصطفى الملائكةَ والرسل، وجَعَلَ من المؤمنين أُولئكَ من خَلْقِه، يَفعلُ اللهُ ما يشاء، لا إِلَه إِلا هو الرحمنُ الرحيم.. قد كفر الذين من قبلِهم برسلهم، فأَخَذْتُهم بمكْرِهم، إِنَّ أَخْذي أَليمٌ شديد.. إِنَّ اللهَ قد أَهلكَ عاداً وثمود بما كَسَبوا، وجعَلَهم لكم تذكرة، أفلا تتقون.. وفرعونُ بما طغى على موسى وأَخيه هارون أَغرقْتُه ومَنْ تَبِعَه أَجمعين.. ليكونَ لكم آية، وإِنَّ أَكثركم فاسقون.. إِنَّ اللهَ يجَمعُهم يومَ الحشر فلا يَستطيعونَ الجوابَ حين يُسأَلون.. إِنَّ الجحيم مأواهم، وإنَّ اللهَ حكيمٌ عليم.. يا أَيها الرسولُ بَلّغْ إِنذاري فسوفَ يَعلمون.. قد خَسِرَ الذين

стр. 271

كانوا عن آياتي وحُكْمي مُعْرضين.. مثل الذينَ يوفون بعهدِك إِني جزيتُهم جناتِ النَعيم.. إِني لذو مغفرةٍ وأَجرٍ عظيم ... . وإِنَّ عليّاً لمن المتَّقين.. وإِنّا لنُوَفِّه حَقَّه يومَ الدين.. وما نحنُ عن ظُلْمِه بغافِلين.. وكَرَّمْناهُ على أَهلِكَ أَجمعين.. وإِنَّه وذريتَه لَصابرون.. وإِنَّ عَدُوَّهم إِمامُ المجرمين.. قل للذينَ كَفَروا بعدما آمَنوا: طَلَبْتُم زينةَ الحَياةِ الدنيا، واستعجَلْتُم بها، ونَسيتمُ ما وَعَدَكُم اللهُ ورسولُه، ونقضتمُ العهودَ من بعدِ توكيدِها، وقد ضرَبْنا لكم الأَمثالَ لعلكم تهتدون.. يا أَيها الرسولُ: قد أَنزلْنا إِليكَ آياتٍ مُبَيِّنات، فيها مَنْ يَتَوَفَّهُ مُؤْمِناً، ومَنْ يتوَلَّه من بعدِك يَظْهَرون.. فأَعرضْ عنهم إِنهم مُعرضون.. إِنّا لهم مُحَرّضون، في يوم لا يُغْني عنهم شيءٌ، ولا هم يُرْحَمون.. إِنَّ لهم في جهنَّم مقاماً عنه لا يَعْدلون.. فَسَبِّحْ باسمِ رَبِّك وكُنْ من الساجدين.. ولقد أَرسلْنا موسى وهارون، فبَغَوْا هارون، فصَبْرٌ جَميل، فجعلْنا منهم القِرَدَةَ والخَنازير، ولَعَنّاهم إلى يوم يُبْعَثون.. فاصْبِرْ فسوفَ يُبْلون، ولقد آتينا بك الحُكْم، كالذينَ من قبلِك من المرسلين.. وجعلْنا لك وَصِيَّاً منهم لعلَّهم يَرجعون.. ومَنْ يَتَولَّ عن أَمْري فإني مُرجعُه، فلْيتمتَّعوا بكفْرهم قليلاً، فلا تسأَلْنِ عن الناكثين.. يا أَيها الرسولُ قد جعَلْنا لك في أَعناقِ الذين آمَنوا عهداً، فَخُذْهُ وكُنْ من الشاكرين.. إِنَّ علياً قائماً بالليلِ ساجِداً، يَحذرُ الآخرةَ ويَرجو رحمةَ ربه. قل هل يَستوي الذين ظَلموا، وهم بِعذابي يعلمون.. سيَجعلُ الأَغلالَ في أَعناقِهم، وهم على أَعمالِهم يندمون.. إِنا بشرناك بذرية الصالحين.. وإنهم لأمرنا لا يخلفون.. فعليهم مني صلاة ورحمة، أَحياءً وأَمواتاً ويومَ يُبْعَثون.. وعلى الذين يَبْغونَ عليهم من بعْدِك غَضَبي، إِنهم قومُ سوءٍ خاسرين.. وعلى الذين سَلَكوا مَسْلَكَهم منّي رحمة وهم في الغُرُفات آمِنون.. والحمدُ لله ربّ العالمين.. آمين.. ". هذا هو النصُّ الركيكُ لسورة النّورَيْن، وقد تَعَمَّدْتُ أَنْ أَذكُرَه كما هو في كتابِ الفادي المفترِي، بأَخطائِه النحويةِ واللغوية، وأَدْعو القُرّاءَ إِلى الصبرِ

стр. 272

على قراءتِه، ليعرفوا المستوى الهابط الذي انحدر إليه الذين كتبوه.. وزعموا أنه وحي من الله، وأَنه كانَ في القرآن، ثم حَذَفَه منه المسلمون زَمَنَ عثمانَ ﵁. ولا وَجْهَ للمقارنةِ بينَ هذا الكلامِ وبينَ القرآن، لأَنه لا مُقارنَةَ بين الثّرى على الأَرْضِ والثُّرَيّا في السماء!!. وكم كان الفادي غَبِيّاً سَخيفاً عندما جَعَلَ عنوانَ كلامِه: " سُوَرٌ مِثْلُه "، وادَّعى أَنَّ هذا الكلامَ مِثْلُ القرآن! ولا أَتحرجُ من ذِكْرِ وتَسجيلِ ما زَعَمَه بعضهم من أَنَّه قرآن، وما ادَّعاهُ بعضُهم من القدرةِ على معارضةِ القرآنِ والإِتيانِ بسوَرٍ مثلِه، ولا أَخافُ منه على القرآن. ولدي قراءتِنا لكلامِهم التافهِ الذي كَتَبوه نَزْدادُ ثقةً بالقرآن، ومحبةً له، ويَقيناً بأَنَّه كلامُ الله، وعجز البشرِ الأَبَدِيِّ عن معارضتِه!!. *** كيف يشاء الله الكفر ؟ اعترضَ الفادي المفترِي على قولِ اللهِ : (قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) . ونَقَلَ من تفسيرِ البيضاويِّ كَلاماً، خُلاصتُه: " (وَمَا يَكُونُ لَنَا) : ما يَصِحّ لَنا (أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا) خِذلانَنا وارْتِدادَنا.. وفيه دليلٌ على أَنَّ الكفرَ بمشيئةِ الله! ". وسَجَّلَ اعتراضَه وتساؤلَه قائلاً: " ونحنُ نسأل: كيفَ يَشاءُ اللهُ الكفر، وهو أَكبرُ المعاصي؟! وهل يتفقُ هذا معَ قداسةِ اللهِ وصَلاحِه وعَدْلِه؟ أَليسَ الأَوفقُ والأَكرمُ لمجدِ اللهِ أَنْ نعتقدَ بقولِ التوراةِ وقولِ الإِنجيل: اللهُ يُريدُ أَنَّ جميعَ الناس يُخْلِصون، وإِلى معرفةِ الحَقِّ يُقْبِلون ".

стр. 273

الآيةُ التي اعترضَ - عليها المفترِي ضمنَ آياتٍ تتحدثُ عن قصةِ شعيبٍ ﵇ مع قومِه، وتُسَجِّلُ رَدَّ شعيبِ على تهديدِ قومِه الكافرين له ولأَتْباعِه المؤمنين، بإِخراجِهم من قريتِهم إِنْ لمَ يَعودوا في مِلَّتِهم. قال تعالى: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا) . أَخبرَ شعيبٌ ﵇ قومَه بأَنه لنْ يعودَ هو وأَتباعُه المؤمنون في ملَّتِهم الكافرة، وأَنه لا يكونُ ولا يَنْبَغي له ولأتْباعِه المؤمنين أَنْ يَعودوا إلى الكفر بعدَ أنْ نَجَّاهم الله منه، ومَنَّ عليهم بالإِيمان. ثم رَبَطَ شعيب ﵇ الأَمْرَ بمشيئةِ الله: (وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا) . والمعنى: نحنُ قَرَّرْنا أَنْ لا نعودَ في ملَّتِكم، لكن لا نَدري ما الذي يَشاؤُه اللهُ ويُريدُه، فإِنْ شاءَ خِذْلانَنا ورِدَّتَنا فإِنَّ مشيئَتَه نافذةٌ ماضية. والمصْدَرُ " أَنْ يشاءَ اللهُ ربُّنا " في محلِّ نصب مستثنى، والاستثناءُ هنا منفصل، غيرُ مرتبط مع ما قَبْلَه، والمفعولُ به لفعل " يشاء " محذوف، تقديرُه: يَشاءُ اللهُ ربّنا عودَتَنا. وتقديرُ الاستثناء: ما يكونُ لنا أَنْ نعوَد فيها إِلا مشيئة ربِّنا ذلك. وحكمةُ ذكْرِ الاستثناءِ هنا، رَبْطُ كُلِّ شيء بمشيئةِ اللهِ وإِرادتِه، وعلمه وقَدَرِه وقَضائِه، وبيانُ أَنَّ مشيئةَ الله هي النافذة، وأَنَّ إِرادتَه هي الماضية، وأَنه إِذا أَرادَ شيئاً أَوجَده كما أَراد، وأَنَّه لن يَقَعَ شيءٌ في الوجودِ كُلِّه إِلا بمشيئتِهِ سبحانَه وإِرادتِه. وهذا معناه أَنْ يُسَلِّمَ المؤمنُ أَمْرَهُ إِلى الله، وأَنْ يحسنَ التوكلَ عليه، والتفويضَ إِليه، والرضا بقدرِه!. وخاطَبَ إِبراهيمُ ﵇ قومَه بكلامٍ قَريب مما خاطَبَ به شعيبٌ ﵇ قومَه

стр. 274

قال تعالى: (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) . فبعدَ أَنْ واجَهَهم بعدمِ خوفِه مِنهم ومِن آلهتِهم، رَبَطَ الأَمْرَ بمشيئةِ الله، والمعنى: أَنا لا أَخافُ آلهتَكم لأَنها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَع، فإِنْ شاءَ اللهُ رَبّي أَنْ تَضُرَّني، وَقَعَ الضُّرُّ بي، لأَنَّ اللهَ شاءَ ذلك، وليس لأَنها هي تَضُرُّ، فهي سببٌ في هذه الحالة، والمسَبِّبُ والمقَدِّرُ هو الله!!. ولم يَفْهَم الفادي الجاهلُ معنى إِرادةِ اللهِ ومشيئتِه، وادَّعى أَنَّ اللهَ لا يَشاءُ الكفر! وهذا ادِّعاءٌ كبير، وخَطَأٌ فادح!. إِذا كانَ اللهُ لا يَشاءُ الكفر، فمعنى ذلك أَنَّ الكفارَ يَكْفُرون رَغْماً عن الله، وهذا يَقودُ إِلى إثباتِ العجزِ لله، لأَنه لا يَستطيعُ مَنْعَ كُفْر الكفار، وأَنَهُ تَحدثُ في مُلْكِه أَشياءُ بدونِ إِذْنِه!! وهذا اتِّهامٌ للهِ بالنقصِ والضَّعفِ والعَجْز!!. ولا إِشكالَ في قولِنا: الكافرُ يكفُرُ بمشيئةِ الله، واللهُ هو الذي يَشاءُ الكفر، لأَنه لا يَقعُ شيءٌ في الوجودِ بدونِ إِذْنِ اللهِ وإِرادتِه ومشيئتِه سبحانه، ومَنْ هو ذلك الشخصُ المخلوقُ القادرُ على تعجيزِ الله؟!. ومشيئةُ اللهِ كُفْرَ الكافرِ تَعْني عِلْمَه بأَنه سيكفُرُ، وإِرادَتَه في أَنْ يَكْفُر، ولو لم يُرِدْ ذلك لَمَنَعَ الكافرَ من الكفر، ومَنَعَ العاصي من المعصية. ولا يَعْني هذا أَنَ اللهَ يَرضى ذلك الكفر، ويحبُّ الكافرَ عندما يكفر، فإِنَّ اللهَ لا يَرضى ذلك، ولا يُحِبه، وقد نَهى الكافِرَ عنه، وهَدَّدَه بالعذاب، وسيحاسِبُه ويعاقِبُه ويُعَذِّبُه. ومعنى هذا أَنَّ مشيئةَ اللهِ وإِرادتَه نوعان: الأَول: مشيئةٌ كونيَّة: وهي مشيئَةٌ تَقومُ على مجردِ العِلْم، وهي المتعلقةُ بكفرِ الكافرِ، ومعصيةِ العاصي.. فاللهُ شاءَ ذلك الكفرَ وأَرادَه، بمعنى أَنه عَلِمَه، لكنَه لا يرضى ذلك ولا يَقْبَلُه، وقد نَهى عنه وحَذَّر منه، وتَوَعَّدَ فاعِلَه بالعذاب.

стр. 275

الثاني: مشيئة شرعية: وهي تقومُ على العِلْمِ أَوَّلاً، ثم يَنتجُ عنها الرضا والمحبة، وهي المتعلقةُ بإِيمانِ المؤمنِ وعبادتِه لله وطاعتِه له. فاللهُ شاءَ إِيمانَ المؤمن وعبادتَه، بمعنى أَنَّه عَلِمَ أَنَّه سيؤمن، وقَدَّرَ له أَنْ يُؤمن، وأَرادَ له أَنْ يُؤمن، وأَعانَه على أَنْ يُؤمن، ورضيَ له أَنْ يُؤمن ... ولَمّا آمَنَ المؤمنُ أَحَبَّهُ الله، وأَثابَه على إِيمانِه، وأَعطاهُ على ذلك الأَجْرَ والثواب!. والقرآنُ صَريحٌ في حديثِه عن هاتَيْن المشيئَتَيْن، وذَكَرَ ذلك في آياتٍ عديدة، نكتفي منها بقولِ اللهِ (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) . وبهذا نعرفُ أَنَّه لا مَحْذورَ في الحديثِ عن مشيئةِ الله، وتَقْريرِ أَنه يَشاءُ الكفر، بالمعنى الذي وَضَّحْناه، وإِنما المحذورُ في نفيِ ذلك عن الله، لأَنه يُؤَدّي إِلى إثباتِ العَجْزِ والضعفِ لله، وهو ما يُؤَدّي إِليهِ كلامُ الفادي الجاهل!!. *** الله يبتلي عباده بالخير والشر تحدثَتْ آياتُ سورةِ الأَعراف عن قصةِ أَصحابِ السبت، وهم سُكّانُ قريةٍ من اليهود، نَهاهم اللهُ عن صيدِ الأَسْماكِ يومَ السبت، فتَحَايَلُوا على ذلك، وارْتَكَبوا المحْذور، ولم يَسْتَجيبوا للنّاصحين الذين نَصحوهم ونَهوهم عن ذلك، فعاقَبَهم اللهُ بأَنْ مَسَخَهم قردةً خاسِئين، وأَنجى الدعاةَ الذين نَهوهم عن ارتكابِ ما حَرَّمَ الله!. ومما قالَهُ اللهُ عن أَصحابِ السبت: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) . تُخبرُ الآيةُ أَنَّ اللهَ ابْتَلى أَصحابَ القرية، فَوَجَّهَ الأَسماكَ والحيتانَ إِليهم

стр. 276

يومَ السبت، الذي حُرِّمَ عليهم صَيْدُها فيه، حيث كانت تأتيهم على وجْهِ الماء، وكأَنها شُرَّعٌ تَسيرُ على وَجْهِ الماء، وفي باقي الأَيامِ كانت لا تَأتيهم، وكانوا يُتْعِبونَ أَنفسَهم في البحثِ عنها في البحرِ لصيْدِها. واعترضَ الفادي على الآية، وخَطَّأَها، واعتبرها لا تتفقُ مع عَدْلِ الله. قال: " ومعنى هذا أَنَّ اللهَ أَوصى بني إِسرائيل أَنْ يسْتَريحوا من أَعمالِهم للعبادةِ يومَ السبت، وجَعَلَ الحيتانَ تأتي ظاهرةً يَوْمَ السبت، لإِغرائِهم بصيدها، وتَخْتَفي باقىِ أَيام الأُسبوع ... فكيف نتصوَّرُ إِلهاً يُجَرِّبُ عبادَه بالشُّرور، ويُسَهِّلُ لهم العصيان بإِظهار الحيتانِ يومَ السبت؟.. مع أَنَّ الإِنجيلَ يَقول: لا يَقُلْ أَحَدٌ إِذا جُرِّبَ إِني أُجَربُ من قِبَلِ الله، لأَنَّ اللهَ غَيْرُ مُجَرِّبٍ بالشّرور، وهو لا يُجَرِّبُ أَحَداً، ولكن كلُّ واحِدٍ يُجَرَّبُ إِذا انْجَذَبَ وانْخَدَعَ من شهوتِه ". يَرى الفادي الجاهلُ أَنَّ اللهَ لا يَبْتَليَ عبادَه ولا يَمتحنُهم ولا يُجَرِّبُهم، لأَنَّ هذا لا يتفقُ مع عَدْلِه، أَيْ كيفَ يُقَدِّمُ لهم الشرورَ والمغرياتِ، ويُسَهِّلُ لهم الحصولَ عليها، ثم يمنَعُهم منها ويُحَرِّمُها عليهم؟!. واعتراضه مرفوض، وكلامُه مردود، فاللهُ خَلَقَ عبادَه وكَلَّفَهم بالتكاليف، وذلك ليبتَلِيَهم ويمنحِنَهم، ويُجَرِّبَهم ويَختبرَهم، فالتكاليفُ والشرائعُ ابتلاءٌ من اللهِ لعبادِه.. قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) . واللهُ يَبْتَلِي عبادَه بالخير، كما يَبْتَليهم بالشَّرِّ، ليَميزَ الخبيثَ من الطَّيِّب. فالمؤمنُ يشكرُ اللهَ عند الخير والسّرّاء، ويَصبرُ عندَ الشَّرِّ والضرّاء، وبذلكَ ينجحُ في هذا الابتلاءِ والاختبار. أَمّا الكافرُ والفاسقُ فإِنه يَطْغى عندَ الخَيْرِ والنعمة. ويَيْأَسُ عند الشَّرّ والمصيبة، وبذلك يَخسرُ ويَرسبُ في الابتلاءِ والامتحان. قال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) .

стр. 277

على ضوءِ هذه الآيةِ نَعرفُ ابتلاءَ أَهْلِ القرية، حيثُ امتَحَنَهم بعدمِ صَيْدِ الحيتان يوم السبت، ومبالغةً في الابتلاءِ كان يَسوقُ إِليهم الأَسماكَ والحيتانَ في يومِ السبت، وكانت هذه الحيتانُ لا تأْتيهم في باقي أَيام الأُسبوع. ورسب معظم أَصحابِ القريةِ في الامتحان، حيث تَحايَلوا على حُكْمِ الله، وارْتَكَبوا ما حَرَّمَ الله. وكما ابْتَلى اللهُ بني إِسرائيلَ بالتكليف، ومَنَعَهم من الصيدِ يومَ السبت، ابْتَلى اللهُ المؤمنين، ومَنَعَهم من صَيْدِ البَرِّ أَثناءَ إِحرامِهم بالحَجِّ أَو العمرة. قال تعالى. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) . فاللهُ قَرَّبَ الصيدَ للمسلمين المُحْرِمين، كما قَرَّبَ الحيتانَ لليهودِ من أَصحابِ القرية، وعَبَّرَت الآيةُ عن هذا التقريب: (تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ) . وقد نجحَ المسلمونَ في هذا الابتلاءِ والامتحان، والْتَزموا بحُكْمِ الله. *** حديثُ القرآن عن المسيح ﵇ - تحدَّثَ القرآنُ عن المسيح عيسى ابنِ مريمَ ﵇ كما تَحَدَّثَ عن غيرِه من الرسل، وكان حَديثُه عن أُولي العزمِ من الرسلِ أَكثرَ من حديثِه عن غيرِهم. وأُولو العزمِ من الرسلِ خمسةٌ هم: نوحٌ وإِبراهيمُ وموسى وعيسى ومحمدٌ، عليهم الصلاةُ والسلام. وقد كَذَبَ الفادي المفترِي عندما قالَ: " إِنَّ الذي ذَكَرَهُ القرآنُ عن المسيحِ يَفوقُ ما ذَكَرَهُ عن سائرِ البَشَر، بمنْ فيهم محمدٌ ﷺ أَلا يُشيرُ هذا إِلى تَفَرُّدِ المسيحِ عن سائرِ البشر؟ وهذا ما يقولُه الإِنْجيلُ عن لاهوتِ المسيح ".

стр. 278

إِنَّ ما ذَكَرَهُ القرآنُ عن محمدٍ ﷺ أَكثرُ مما ذَكَرَه عن عيسى ﵇، وكذلك ما ذَكَرَهُ عن إِبراهيمَ وموسى ﵉ أَكثرُ مما ذَكَرَهُ عنه. أولاً: مثل عيسى كمثل آدم: أَخْبَرَ اللهُ أَنَّ مَثَلَ عيسى كَمَثَلِ آدم ﵇. قال تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) . خَلَقَ اللهُ آدمَ ﵇ من تراب، ثم نَفَخَ فيه من روحِه، وقالَ له: كُنْ إِنساناً حَيّاً، فكانَ إِنْساناً حَيّاً.. وهكذا عيسى ﵇، أَرادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَه بدونِ أَبٍ، فأَمَرَ جبريلَ ﵇ أَنْ يَنفخَ روحَه في مريم ﵍ فَفَعَل، وقالَ الله لعيسى: كُنْ إِنساناً حَيّاً في رَحِمِ مريم، فكانَ كما أَرادَ الله. فلا غَرابةَ في خَلْقِ عيسى ﵇ بدونِ أَبٍ، كما أَنه لا غَرابةَ في خَلْقِ آدمَ بدونِ أَبٍ أَو أُمّ. ولكنَّ هذا الكلامَ لم يُعْجب الفادي المفترِي، ولذلك اعترضَ على الآيةِ بقولِه: " ونحنُ نَقولُ: إِنَّ آدَمَ مِثْلُ المسيحِ في أَنه أَبو الجِنْسِ البشريِّ ووكِيلُه ونائبُه، ولكنَّ آدمَ بمعصيتِه جَرَّ ذريتَه جَميعاً للهَلاك. أَمّا المسيحُ فهو أَبٌ ووكيلٌ ونائبٌ جَديدٌ للمؤمنين به، الذين مَنَحَتْهُم كفارتُه وعملُه النيابيُّ وطاعتُه خلاصَهم، ولهذا قالَ الإِنجيل: آدمُ الذي هو مِثالُ الآتي ". أَمّا أَنَّ آدمَ ﵇ أَبو البشر فهذا متفقٌ عليه، لأَنه أَوَّلُ مخلوقٍ من البشر. وأَمّا أَنّ عيسى المسيحَ ﵇ أَبو البشرِ فهو أَمْرٌ مَرْفوض، لأَنه وُلدَ بعدَ آدمَ بفترةٍ طويلة، تَزيدُ عن مئاتِ الآلافِ من السنين. ولقد كانَ الفادي وأَهْلُ ملَّتِه مُغالين مُبالغين عندما اعْتَبَروا عيسى ﵇ أَباً للبشر، ووكيلَهم ونائباً عنهم، لدرجةِ أَنْ فَداهم بنفسِه، وجَعَلَ دَمَه كفارةً لذُنوبهم، وتَخْليصاً لهم!! وقد سبقَ أَنْ ناقَشْنا الفادي في موضوعِ الكفارةِ والفداءِ والخلاص. ويُخَطِّئُ الفادي الآيةَ، لأَنها شَبَّهَتْ عيسى ﵇ بآدمَ: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) . فهو يَرى أَنَّ خَلْقَ

стр. 279

عيسى ليسَ كخلْقِ آدم، قال: " أَمّا تَشبيهُ المسيح بآدَم، بما يُفيدُ أَنَّ المسيحَ مخلون كآدمَ بأَمْرِ الله، فهذا خَطَأ.. لأَنَّ المسيحَ ليس بكائِنٍ من كلمةِ الله، بل هو ذاتُه كلمةُ اللهِ الأَزليّ، الذي تَجَسَّدَ من مريمَ العذراء، وظَهَرَ بينَ الناسِ ليخلَصَهم.. ". يَرى الفادي أَنَ آدمَ ﵇ خُلِقَ بكلمةٍ من الله، وكُلُّ بَشَرٍ خُلِقَ بكلمةٍ من الله، إِلّا المسيحُ ﵇، فإِنه ليسَ مَخْلوقاً بكلمةٍ من الله، وإِنما هو كلمةُ اللهِ ذاتُها، التي يَخْلُقُ بها الناس، وهي كلمةٌ أَزليةٌ غيرُ مَخلوقة، وَجَّهَها الله ُ إِلى مريم، وتجسَّدَتْ هذه الكلمةُ في عيسى!!. ومعنى هذا الكلامِ أَنَّ عيسى ليسَ مخلوقاً، وإِنما هو أَزَليّ، والأَزَلِيُّ هو الله، لأَنَّ كُلَّ ما سوى اللهِ مَخْلوق، فإِنْ لم يكنْ عيسى مخلوقاً، وإِنْ كانَ أَزَلِيّاً، فسيكونُ إِلهاً، لأَنَّ الموجودَ إِمّا أَنْ يكونَ مَخلوقاً حادِثاً، وإِمّا أَنْ يَكونَ أَزَليّاً خالِقاً، فإِنْ لم يكنْ مَخْلوقاً حادِثاً كان أَزَلِيّاً خالقاً!!. إِنَّ جملةَ الفادي السابقةَ تأليه منه لعيسى ﵇. وقد أَدانَ اللهُ الذين أَلّهوا عيسى ﵇ وكفَّرَهم، وذلكَ في قولِه تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) . ثانياً: وضوح حديث القرآن عن المسيح: كانَ القرآن واضحاً صريحاً في تقريرِه خَلْقَ عيسى كخلقِ آدمَ ﵇، وَوَجْهُ الشَّبَهِ بينَهما أَنَ كُلّاً منهما خُلِقَ بكلمةِ اللهِ الأَزلية، التي خَلَقَ بها باقي المخلوقين، وهي كلمةُ " كُنْ " التكوينية: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) . ورغْمَ تقريرِ القرآنِ الواضحِ بشأنِ خَلْقِ عيسى ﵇، وأَنه عبدُ اللهِ ورسولُه، إِلَّا أَنَّ الفادي اتَّهَمَهُ بالتناقض. قال: " ويقولُ القرآنُ في المسيحِ

стр. 280

كَلاماً متناقضاً. تقولُ سورةُ المائدة: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) . وَوَرَدَ في سورةِ الزخرف: (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) . وفي الوقْتِ نفسِهِ توجَدُ آياتٌ أُخرى تُشيرُ إِلى لاهوتِ المسيح، كشخصٍ غريبٍ وعَجيب بين البشر، وتُعطيهِ أَعظمَ الأَلْقاب، التي لم تُعْطَ في القرآنِ لغيره ". إِنّ الفادي يَفتري على القرآن عندما يَتهمُه بالتناقضِ في حديثِه عن عيسى ﵇، وهو الذي لم يُحْسِنْ فهمَ حديثِ القرآن!. ومن أَرادَ أَنْ يَعرفَ حديثَ القرآن عن عيسى ﵇، وأَنْ يَتَعَرَّفَ على شخصيتِه من خلالِ القرآن، فعليهِ أَنْ يَجمعَ الآياتِ التي تحدثَتْ عنه من مختلفِ السُّور، وأَنْ يَنظرَ فيها مجتمعة، وأَنْ يَجمعَ بينها، ويستخرجَ دلالتَها. ومعلومٌ أَنه لا تَعارُضَ ولا تَناقُضَ في آياتِ القرآن. عيسى ﵇ خَلَقَهُ اللهُ بدونِ أَب: وخَلَقَ روحَه بكلمتِه التكوينية، " كُنْ "، وأَمَرَ جبريلَ أَنْ يَحملَ روحَه المخلوقَة، وأَنْ يَتَوَجَّهَ إِلى مريمَ العذراء، وأَنْ يَنفخَ تلك الروحَ فيها، فحملَتْ مريمُ بعيسى بأَمْر الله، وكانَ حملَ معجزةٍ بأَمْرِ الله، وبعدَ ولادةِ عيسى بلحظاتٍ كَلَّمَ أُمَّه، وبعدَ ذلك كَلَّمَ قومَها، فهو عبدُ اللهِ ورسولُه، وهو كلمتُه التكوينيةُ " كُنْ "، والروحُ التي فيه روحٌ من عندِ الله، وهو خَيْرُ مَنْ يُقَدِّمُ نفسَه، عندما كَلَّمَ قومَ أُمَّه بعدَ ميلادِه. قال تعالى: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) . وقد وَقَفَ الفادي أَمامَ كلماتٍ قرآنيةٍ وَرَدَتْ في حديثِ القرآنِ عن

стр. 281

عيسى ﵇، واستشهدَ بها على عقيدةِ أَهْلِ مِلَّتِه في المسيح، وحَرَّفَ مَعْناها ودلالتَها، وهذه الكلماتُ هي: ١ - المسيح كلمة الله: ذَكَرَ القرآنُ أَنّ عيسى ﵇ كلمةُ الله. قال تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) . وقال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) . وفهمَ الفادي الآيتين فَهْماً خاطئاً، قال: " كلمةُ اللهِ: هذا الاسْمُ الكريمُ لا يَصِحُّ أَنْ يُسَمّى به مخلوق، فهو خاصّ بالمسيح، انفردَ به عن سائرِ البشرِ والملائكة ". يُصَرخُ الفادي بأَنَّ عيسى ليس مخلوقاً، لأَنه سُمِّيَ باسمٍ لا يُطْلَقُ على المخلوقين، فلا يَجوزُ لأَيِّ مخلوقٍ من البشر والملائكةِ أَنْ يُسَمّى " كلمةَ الله "، وبما أَنَّ المسيحَ سُمِّيَ كلمةَ الله، فهذا يَعني أَنه ليسَ مخلوقاً، وإِذا لم يكنْ مَخْلوقاً كان خالِقاً، لأَنَّ الموجودَ إِنْ لم يكنْ مَخْلوقاً كان خالِقاً، وهذا يؤكِّدُ إِيمانَ الفادي وأَهْلِ مِلَّتِه بأَلوهيةِ عيسى وأَزليتِه!. وزعْمُهُ أَنَّ " كلمةَ الله " لم تُطلقْ على غيرِ المسيح في القرآنِ كَذبٌ وافتراء، وهو يَعلمُ أَنه كاذبٌ مفترٍ، لأَنه يَعلمُ أَنَّ " كلمةَ الله " في القرآنِ أُطلِقَتْ على غير المسيح. ذُكِرَتْ " كلمةُ الله " في مقابلِ " كلمةِ الذين كفروا "، وذلكَ في سياقِ الحديثِ عن نصرِ اللهِ رسولَه محمداً ﷺ في رحلةِ الهجرة. قال تعالى: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠) .

стр. 282

كلمةُ الكفار: هي رغبتُهم وإِرادتُهم في محاربةِ الحَقِّ والقضاءِ عليه. وكلمةُ اللهِ: هي إِرادةُ اللهِ فى نَصْرِ الحَق وهزيمةِ الباطل، وسُميتْ إِرادَتُه سبحانه " كلمة "، لأَنها أَمْرٌ من اللهِ ، حيثُ يأمرُ بإنفاذِ قدرتِه وإرادتِه، وتحقيقِ علمه، فيكونُ ما أَرادَه سبحانه وأَمَرَ به. قال تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) . وقال تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا) ، وكلمةُ رَبّك: هي إِرادَتُه وأَمْرُه بنَصرِ بني إِسرائيل وإِهلاكِ أَعدائِهم. فعبارةُ " كلمةِ الله " ليستْ خاصةً بالمسيحِ ﵇، إِنما أُطلقَتْ في القرآن على عيسى وعلى غيره. ومعنى كون عيسى ﵇ كلمةَ الله: أَنَّ اللهَ أَرادَ أَنْ يَجعلَ خَلْقَه معجزةً، عن غيرِ طريقةِ الخَلْقِ المعروفةِ المألوفة، عن طريقِ التزاوجِ والاتِّصالِ والمعاشرةِ والإِخصاب! فأَنْفَذَ إِرادَتَه وخَلَقَ عيسى في رَحِمِ مريمَ العذراء. وكان خَلْقُه بكلمتِه التكوينيةِ التنجيزية، التي تُحَوّلُ إِرادةَ اللهِ من صورتِها العلميةِ النظريةِ إِلى صورتِها العمليةِ الحادثة، التي تَمَّ بها إِيجادُ عيسى ﵇!. وفَرْقٌ بينَ إِخبارِ القرآنِ أَنَ عيسى كلمةُ (الله) ، أَيْ أَنَّه خُلِقَ بكلمةِ اللهِ وإِرادتِه، وبين كَلامِ الإِنجيلِ المحَرَّفِ أَنه كلمةُ الله: " في البدءِ كان الكلمة، والكلمةُ كانَ عندَ الله، وكانَ الكلمةُ الله، هذا كانَ في البدءِ عندَ الله! ". فالمسيحُ كلمةُ الله، أَيْ أَنه هو الله! كما سَبَقَ أَنْ صَرَّحَ الفادي بذلك، لأَنَّهُ يعَتقدُ أَنَ الكلمةَ ليستْ مخلوقة، وإِنما هي أَزليةٌ مثلُ الله، ملازِمَةٌ لله، لا تنفصلُ عن الله، وهذا هو الكفرُ الصريح. وقد قاس الفادى الجاهلُ كلمةَ اللهِ على كلمةِ الإِنسان، فقال: " ولقد سُمّيَ المسيحُ كلمةَ الله، لأَنَّ كلمةَ الإِنسانِ هي منه، ومن مقوماتِ شخصيتِه، فهي صورةُ عَقْلِه وفِكْرِه، والمترجمةُ له، والمنفذةُ لسلطانِه وقوَّتِه.. فالمسيحُ هو ذاتُ كلمةِ الله، وهذا يُثبتُ لاهوتَه،

стр. 283

لأَنَّ كلمةَ الله من اللهِ وفي اللهِ منذ الأَزل. وهل يُمكنُ أَنْ يكونَ قد مَرَّ وَقْتٌ على الله كان فيه بلا كلمة؟ ". كلمةُ اللهِ في نظرِ الفادي وأَهْلِ ملته أَزَلِيَّةٌ ملازمةٌ لله، وهي اللهُ نفسُه: " وكانَ الكلمةُ الله " كما وردَ في إِنجيلِ يوحَنّا، وبما أَنَّ عيسى كلمةُ الله فهو أَزليّ مثلُ الله، وليسَ مخلوقاً مثلُ المخلوقاتِ التي خَلَقَها الله.. وبما أَنَّ المسيحَ هو كلمةُ الله، وبما أَنَّ الكلمةَ هي الله، فإِنَّ المسيحَ هو الله!! وهذا ما يؤمنُ به الفادي وقومُه! وهذا هو كفر النصارى الذي أَدانهم اللهُ به، في قوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) . ٢ - المسيح روح من الله: أَخبرَ اللهُ أَنَّ المسيحَ عيسى ابنَ مريمَ ﵇ روحٌ من الله. قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) . وَوَقَفَ الفادي المفترِي الخبيثُ أَمامَ الآية، واستدلَّ بها على عقيدتِه الباطلة! قال: " لم تكتفِ الآية ُ بنْعتِ المسيحِ بالرسالة، بل شهدَتْ أَنه كلمةُ الله. ولكي لا نتوهَّمَ خلافَ المقصودِ باللفظِ " كلمةُ الله "، أَتْبَعَها بما يُزيلُ الشّكّ، وهو " وروحٌ منه "، لنفهمَ أَنَّ المسيحَ ليس مجردَ رسولٍ عادي، بل ابنٌ مرسَلٌ من أَبيه إِلى عالمِ الدُّنيا، كأَشعةِ الشمسِ المنبعثةِ إِلى الأَرضِ من الشمس!! وما الفرقُ بين القول: إِنَّ المسيحَ نورٌ من نورِ إلهٍ حَقٍّ من إِله حق، والقول: روحُ الله، أَو: روحٌ من الله؟ أَليسَ أَنَّه من ذاتِ اللهِ ومن جَوْهَرِه؟ ". يُؤَكِّدُ الفادي على فكرتِه الباطلةِ وعقيدتِه المخالفةِ للحق، التي تقومُ على أَنَّ المسيحَ جزءٌ ماديّ من ذاتِ اللهِ المادية!!. إِنه يرى أَنَّ المسيحَ ليس مجردَ رسولٍ عاديٍّ! ومعنى هذا أَنه ليسَ رسولاً بَشَراً، كباقي الرسلِ البشر!.

стр. 284

وهذا كلامٌ مرفوضٌ مردود؟ فعيسى ﵇ رسول عاديّ كباقي الرسل، كلُّ ما في الأَمْرِ أَنَّ اللهَ الحكيمَ خَلَقَه بدونِ أَب، وأَنطَقَه وهو في المهد، وهو في هذا يَختلفُ عن باقي الرسل، وفي ما سوى ذلك هو رسول عاديٌّ كباقي الرسل.. وشَبَّهَ القرآنُ خَلْقَ عيسى بخْلقِ آدم ﵇، ليُزيلَ استغرابَ النصارى من خَلْقِه بدون أَب. قال تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) . ونَظرةُ الفادي إِلى المسيحِ ﵇ نظرة باطلة، إِنّه يرى أَنه " ابنٌ مرسَل من أَبيه إِلى عالمِ الدنيا ". أَي أَنه ابْنُ الله، واللهُ أَبوه هو الذي أَرْسَلَه إِلى الدنيا!! وهذا هو الكفرُ والشركُ بالله! وقد نفى القرآنُ أَنْ يكونَ لله وَلَدٌ. قال تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) . وقال تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) . صلةُ عيسى باللهِ عندَ الفادي كصِلَةِ أَشعةِ الشمسِ بالشمسِ! وانظرْ ما أَسْخَفَ هذا التشبيه، وما أَجهلَ مَنْ ذَكَرَه! أَينَ الشمسُ وأَشعتُها من اللهِ ورسولِه عيسى ﵇؟ الشمسُ كوكبٌ مخلوق مرئيٌّ في السماء، إِننا نرى الشمسَ المخلوقةَ بعيونِنا، ونرى أَشعَّتَها المنبعثةَ منها. وفردقٌ بين الشمسِ المخلوقة، وبينَ اللهِ الذي خلَقَها، إِن اللهَ لا يُمكنُ أَنْ يُرى بالعينِ المجردةِ في الدنيا، كما تُرى الشمسُ! وفَرْقٌ بينَ عيسى الذي خَلَقَه الله، وبينَ أَشعةِ الشمسِ المتولدِة عنها والمنبعثةِ منها! لأَنَّ هذه الأَشعةَ منفصلة عن الشمس انفصالاً ماديّاً مُشاهداً، فهل انفصلَ عيسى عن اللهِ انفصال الجزءِ الصغيرِ من الكُل الكبير؟. إِنّ الفادي الكافرَ يرى أَنَّ عيسى انفصلَ عن اللهِ انفصال الجزءِ عن الكُلِّ! لأَنَّه جُزْءٌ ماديٌّ صَغيرٌ من ذاتِ اللهِ الكبيرة! قال: " أَليسَ أَنه من ذاتِ اللهِ ومن جوهرِه " فهو يؤمنُ أَنَّ للهِ ذاتاً مادية، وجَوْهَراً وجوديّاً، يُمكنُ أَنْ يُحصَرَ وُيجَسَّمَ ويُحَدَّدَ، ويُمكنُ أَنْ يَنفصلَ عنه جزءٌ صغير، فيه روحٌ وحياة، اسْمُه المسيح.

стр. 285

وهذا كُفْرٌ بالله، وتجسيم وتَحديدٌ له، وتَجزئةٌ وتَقسيم له، وفَصلُ جُزْءٍ منْه عَنْه!. ولقد كانت الآيةُ دقيقةً في الإخبارِ عن المسيحِ ﵇: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) . وتكلَّمْنا عن معنى كون عيسى ﵇ كلمةً في المسألةِ السابقة، ونُبَيّنَ هنا معنى قولِه تعالى: (وَرُوحٌ مِنْهُ) : فقد وَصَفَ اللهُ عيسى ﵇ بأنه روحٌ من الله. وفَرْق بعيد بين قولِه: روحٌ من الله، وقوله: روحُ الله. لو قالَ: إِنه روحُ الله لكانَ المعنى أَنَّ لله روحاً مادية، كانَتْ فيه، موجودةً داخِلَه، كما توجَد روحُ أَحَدِنا في كيانِه، ثم أَخرجَ اللهُ روحَه من داخلِه وجَعَلَها عيسى، وهذا الكلامُ لا يَقولُه عاقل!. عيسى ﵇ "روحٌ من الله". أَيْ خَلَقَ اللهُ روحَ عيسى ﵇، كما يَخلقُ روحَ أَيِّ إِنسانٍ آخَر، وهذا معناهُ أَنَّ هذه الروحَ غيرُ الله! وحَرْفُ الجَرِّ " مِنْ " في الآيةِ للبيان، كما أَنه للابتداء. أَي: الروحُ التي جعلَها اللهُ في عيسى ﵇ هي روحٌ من عندِ الله. حَرْفُ الجَرِّ " من " في قوله تعالى: (وَرُوحٌ منه) عند الفادي وأَهْلِ ملَّتِه للتبعيض، أَيْ أَنها جزءٌ وبعفق انفصلَ عن الله ودَخَلَ مريم وصارَ عيسى! بينما هذا الحرفُ عند المسلمين للبيانِ والابتداء، كما وَضَّحْنا!. ٣ - عيسى ابن من؟ : عيسى هو ابنُ مريمَ ﵍، وذَكَرَ القرآنُ ذلك أَكثر من مَرَّة، وقد شاءَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَه بدونِ أَب.. ولكنَّ الفادي الكافرَ يَقولُ: إِنَّه ابنُ الله. قال: " انفردَ المسيحُ عن سائرِ البشرِ بولادتِه من عذراء! فلماذا تَميَّزَ عن سائرِ الأَنبياءِ بدخولِه عالَمَنا بهذه الطريقةِ المعجزيَّة؟.،. إِنه كلمةُ الله وروحُ الله، حَلَّ في أَحشاءِ العذارء، وتَجسَّدَ وظهرَ بينَ الناسِ، آيةً ورحمةً للعالَمين ... فهو ابْن مَنْ أُمُّه؟ مريمُ.. ومَنْ أَبوه؟ الله. (فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١) .
следующие страницы →