← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1431

القرآن ونقض مطاعن الرهبان

صلاح الخالدي

Полный текст (753 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

عيسى ﵇، واستشهدَ بها على عقيدةِ أَهْلِ مِلَّتِه في المسيح، وحَرَّفَ مَعْناها ودلالتَها، وهذه الكلماتُ هي: ١ - المسيح كلمة الله: ذَكَرَ القرآنُ أَنّ عيسى ﵇ كلمةُ الله. قال تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) . وقال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) . وفهمَ الفادي الآيتين فَهْماً خاطئاً، قال: " كلمةُ اللهِ: هذا الاسْمُ الكريمُ لا يَصِحُّ أَنْ يُسَمّى به مخلوق، فهو خاصّ بالمسيح، انفردَ به عن سائرِ البشرِ والملائكة ". يُصَرخُ الفادي بأَنَّ عيسى ليس مخلوقاً، لأَنه سُمِّيَ باسمٍ لا يُطْلَقُ على المخلوقين، فلا يَجوزُ لأَيِّ مخلوقٍ من البشر والملائكةِ أَنْ يُسَمّى " كلمةَ الله "، وبما أَنَّ المسيحَ سُمِّيَ كلمةَ الله، فهذا يَعني أَنه ليسَ مخلوقاً، وإِذا لم يكنْ مَخْلوقاً كان خالِقاً، لأَنَّ الموجودَ إِنْ لم يكنْ مَخْلوقاً كان خالِقاً، وهذا يؤكِّدُ إِيمانَ الفادي وأَهْلِ مِلَّتِه بأَلوهيةِ عيسى وأَزليتِه!. وزعْمُهُ أَنَّ " كلمةَ الله " لم تُطلقْ على غيرِ المسيح في القرآنِ كَذبٌ وافتراء، وهو يَعلمُ أَنه كاذبٌ مفترٍ، لأَنه يَعلمُ أَنَّ " كلمةَ الله " في القرآنِ أُطلِقَتْ على غير المسيح. ذُكِرَتْ " كلمةُ الله " في مقابلِ " كلمةِ الذين كفروا "، وذلكَ في سياقِ الحديثِ عن نصرِ اللهِ رسولَه محمداً ﷺ في رحلةِ الهجرة. قال تعالى: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠) .

стр. 282

كلمةُ الكفار: هي رغبتُهم وإِرادتُهم في محاربةِ الحَقِّ والقضاءِ عليه. وكلمةُ اللهِ: هي إِرادةُ اللهِ فى نَصْرِ الحَق وهزيمةِ الباطل، وسُميتْ إِرادَتُه سبحانه " كلمة "، لأَنها أَمْرٌ من اللهِ ، حيثُ يأمرُ بإنفاذِ قدرتِه وإرادتِه، وتحقيقِ علمه، فيكونُ ما أَرادَه سبحانه وأَمَرَ به. قال تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) . وقال تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا) ، وكلمةُ رَبّك: هي إِرادَتُه وأَمْرُه بنَصرِ بني إِسرائيل وإِهلاكِ أَعدائِهم. فعبارةُ " كلمةِ الله " ليستْ خاصةً بالمسيحِ ﵇، إِنما أُطلقَتْ في القرآن على عيسى وعلى غيره. ومعنى كون عيسى ﵇ كلمةَ الله: أَنَّ اللهَ أَرادَ أَنْ يَجعلَ خَلْقَه معجزةً، عن غيرِ طريقةِ الخَلْقِ المعروفةِ المألوفة، عن طريقِ التزاوجِ والاتِّصالِ والمعاشرةِ والإِخصاب! فأَنْفَذَ إِرادَتَه وخَلَقَ عيسى في رَحِمِ مريمَ العذراء. وكان خَلْقُه بكلمتِه التكوينيةِ التنجيزية، التي تُحَوّلُ إِرادةَ اللهِ من صورتِها العلميةِ النظريةِ إِلى صورتِها العمليةِ الحادثة، التي تَمَّ بها إِيجادُ عيسى ﵇!. وفَرْقٌ بينَ إِخبارِ القرآنِ أَنَ عيسى كلمةُ (الله) ، أَيْ أَنَّه خُلِقَ بكلمةِ اللهِ وإِرادتِه، وبين كَلامِ الإِنجيلِ المحَرَّفِ أَنه كلمةُ الله: " في البدءِ كان الكلمة، والكلمةُ كانَ عندَ الله، وكانَ الكلمةُ الله، هذا كانَ في البدءِ عندَ الله! ". فالمسيحُ كلمةُ الله، أَيْ أَنه هو الله! كما سَبَقَ أَنْ صَرَّحَ الفادي بذلك، لأَنَّهُ يعَتقدُ أَنَ الكلمةَ ليستْ مخلوقة، وإِنما هي أَزليةٌ مثلُ الله، ملازِمَةٌ لله، لا تنفصلُ عن الله، وهذا هو الكفرُ الصريح. وقد قاس الفادى الجاهلُ كلمةَ اللهِ على كلمةِ الإِنسان، فقال: " ولقد سُمّيَ المسيحُ كلمةَ الله، لأَنَّ كلمةَ الإِنسانِ هي منه، ومن مقوماتِ شخصيتِه، فهي صورةُ عَقْلِه وفِكْرِه، والمترجمةُ له، والمنفذةُ لسلطانِه وقوَّتِه.. فالمسيحُ هو ذاتُ كلمةِ الله، وهذا يُثبتُ لاهوتَه،

стр. 283

لأَنَّ كلمةَ الله من اللهِ وفي اللهِ منذ الأَزل. وهل يُمكنُ أَنْ يكونَ قد مَرَّ وَقْتٌ على الله كان فيه بلا كلمة؟ ". كلمةُ اللهِ في نظرِ الفادي وأَهْلِ ملته أَزَلِيَّةٌ ملازمةٌ لله، وهي اللهُ نفسُه: " وكانَ الكلمةُ الله " كما وردَ في إِنجيلِ يوحَنّا، وبما أَنَّ عيسى كلمةُ الله فهو أَزليّ مثلُ الله، وليسَ مخلوقاً مثلُ المخلوقاتِ التي خَلَقَها الله.. وبما أَنَّ المسيحَ هو كلمةُ الله، وبما أَنَّ الكلمةَ هي الله، فإِنَّ المسيحَ هو الله!! وهذا ما يؤمنُ به الفادي وقومُه! وهذا هو كفر النصارى الذي أَدانهم اللهُ به، في قوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) . ٢ - المسيح روح من الله: أَخبرَ اللهُ أَنَّ المسيحَ عيسى ابنَ مريمَ ﵇ روحٌ من الله. قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) . وَوَقَفَ الفادي المفترِي الخبيثُ أَمامَ الآية، واستدلَّ بها على عقيدتِه الباطلة! قال: " لم تكتفِ الآية ُ بنْعتِ المسيحِ بالرسالة، بل شهدَتْ أَنه كلمةُ الله. ولكي لا نتوهَّمَ خلافَ المقصودِ باللفظِ " كلمةُ الله "، أَتْبَعَها بما يُزيلُ الشّكّ، وهو " وروحٌ منه "، لنفهمَ أَنَّ المسيحَ ليس مجردَ رسولٍ عادي، بل ابنٌ مرسَلٌ من أَبيه إِلى عالمِ الدُّنيا، كأَشعةِ الشمسِ المنبعثةِ إِلى الأَرضِ من الشمس!! وما الفرقُ بين القول: إِنَّ المسيحَ نورٌ من نورِ إلهٍ حَقٍّ من إِله حق، والقول: روحُ الله، أَو: روحٌ من الله؟ أَليسَ أَنَّه من ذاتِ اللهِ ومن جَوْهَرِه؟ ". يُؤَكِّدُ الفادي على فكرتِه الباطلةِ وعقيدتِه المخالفةِ للحق، التي تقومُ على أَنَّ المسيحَ جزءٌ ماديّ من ذاتِ اللهِ المادية!!. إِنه يرى أَنَّ المسيحَ ليس مجردَ رسولٍ عاديٍّ! ومعنى هذا أَنه ليسَ رسولاً بَشَراً، كباقي الرسلِ البشر!.

стр. 284

وهذا كلامٌ مرفوضٌ مردود؟ فعيسى ﵇ رسول عاديّ كباقي الرسل، كلُّ ما في الأَمْرِ أَنَّ اللهَ الحكيمَ خَلَقَه بدونِ أَب، وأَنطَقَه وهو في المهد، وهو في هذا يَختلفُ عن باقي الرسل، وفي ما سوى ذلك هو رسول عاديٌّ كباقي الرسل.. وشَبَّهَ القرآنُ خَلْقَ عيسى بخْلقِ آدم ﵇، ليُزيلَ استغرابَ النصارى من خَلْقِه بدون أَب. قال تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) . ونَظرةُ الفادي إِلى المسيحِ ﵇ نظرة باطلة، إِنّه يرى أَنه " ابنٌ مرسَل من أَبيه إِلى عالمِ الدنيا ". أَي أَنه ابْنُ الله، واللهُ أَبوه هو الذي أَرْسَلَه إِلى الدنيا!! وهذا هو الكفرُ والشركُ بالله! وقد نفى القرآنُ أَنْ يكونَ لله وَلَدٌ. قال تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) . وقال تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) . صلةُ عيسى باللهِ عندَ الفادي كصِلَةِ أَشعةِ الشمسِ بالشمسِ! وانظرْ ما أَسْخَفَ هذا التشبيه، وما أَجهلَ مَنْ ذَكَرَه! أَينَ الشمسُ وأَشعتُها من اللهِ ورسولِه عيسى ﵇؟ الشمسُ كوكبٌ مخلوق مرئيٌّ في السماء، إِننا نرى الشمسَ المخلوقةَ بعيونِنا، ونرى أَشعَّتَها المنبعثةَ منها. وفردقٌ بين الشمسِ المخلوقة، وبينَ اللهِ الذي خلَقَها، إِن اللهَ لا يُمكنُ أَنْ يُرى بالعينِ المجردةِ في الدنيا، كما تُرى الشمسُ! وفَرْقٌ بينَ عيسى الذي خَلَقَه الله، وبينَ أَشعةِ الشمسِ المتولدِة عنها والمنبعثةِ منها! لأَنَّ هذه الأَشعةَ منفصلة عن الشمس انفصالاً ماديّاً مُشاهداً، فهل انفصلَ عيسى عن اللهِ انفصال الجزءِ الصغيرِ من الكُل الكبير؟. إِنّ الفادي الكافرَ يرى أَنَّ عيسى انفصلَ عن اللهِ انفصال الجزءِ عن الكُلِّ! لأَنَّه جُزْءٌ ماديٌّ صَغيرٌ من ذاتِ اللهِ الكبيرة! قال: " أَليسَ أَنه من ذاتِ اللهِ ومن جوهرِه " فهو يؤمنُ أَنَّ للهِ ذاتاً مادية، وجَوْهَراً وجوديّاً، يُمكنُ أَنْ يُحصَرَ وُيجَسَّمَ ويُحَدَّدَ، ويُمكنُ أَنْ يَنفصلَ عنه جزءٌ صغير، فيه روحٌ وحياة، اسْمُه المسيح.

стр. 285

وهذا كُفْرٌ بالله، وتجسيم وتَحديدٌ له، وتَجزئةٌ وتَقسيم له، وفَصلُ جُزْءٍ منْه عَنْه!. ولقد كانت الآيةُ دقيقةً في الإخبارِ عن المسيحِ ﵇: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) . وتكلَّمْنا عن معنى كون عيسى ﵇ كلمةً في المسألةِ السابقة، ونُبَيّنَ هنا معنى قولِه تعالى: (وَرُوحٌ مِنْهُ) : فقد وَصَفَ اللهُ عيسى ﵇ بأنه روحٌ من الله. وفَرْق بعيد بين قولِه: روحٌ من الله، وقوله: روحُ الله. لو قالَ: إِنه روحُ الله لكانَ المعنى أَنَّ لله روحاً مادية، كانَتْ فيه، موجودةً داخِلَه، كما توجَد روحُ أَحَدِنا في كيانِه، ثم أَخرجَ اللهُ روحَه من داخلِه وجَعَلَها عيسى، وهذا الكلامُ لا يَقولُه عاقل!. عيسى ﵇ "روحٌ من الله". أَيْ خَلَقَ اللهُ روحَ عيسى ﵇، كما يَخلقُ روحَ أَيِّ إِنسانٍ آخَر، وهذا معناهُ أَنَّ هذه الروحَ غيرُ الله! وحَرْفُ الجَرِّ " مِنْ " في الآيةِ للبيان، كما أَنه للابتداء. أَي: الروحُ التي جعلَها اللهُ في عيسى ﵇ هي روحٌ من عندِ الله. حَرْفُ الجَرِّ " من " في قوله تعالى: (وَرُوحٌ منه) عند الفادي وأَهْلِ ملَّتِه للتبعيض، أَيْ أَنها جزءٌ وبعفق انفصلَ عن الله ودَخَلَ مريم وصارَ عيسى! بينما هذا الحرفُ عند المسلمين للبيانِ والابتداء، كما وَضَّحْنا!. ٣ - عيسى ابن من؟ : عيسى هو ابنُ مريمَ ﵍، وذَكَرَ القرآنُ ذلك أَكثر من مَرَّة، وقد شاءَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَه بدونِ أَب.. ولكنَّ الفادي الكافرَ يَقولُ: إِنَّه ابنُ الله. قال: " انفردَ المسيحُ عن سائرِ البشرِ بولادتِه من عذراء! فلماذا تَميَّزَ عن سائرِ الأَنبياءِ بدخولِه عالَمَنا بهذه الطريقةِ المعجزيَّة؟.،. إِنه كلمةُ الله وروحُ الله، حَلَّ في أَحشاءِ العذارء، وتَجسَّدَ وظهرَ بينَ الناسِ، آيةً ورحمةً للعالَمين ... فهو ابْن مَنْ أُمُّه؟ مريمُ.. ومَنْ أَبوه؟ الله. (فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١) .

стр. 286

سَبَقَ أَنْ تكلَّمنا عن معنى كونِ عيسى كلمةَ اللهِ، وروحاًْ من اللهِ، والجديدُ في كُفْرِ الفادي هنا أَنَّهُ نَصَّ على أَنَّ المسيحَ ابنُ الله: ْ " ومَنْ أَبوه؟ .. الله! ". وأَرادَ بالبُنُوَّةِ البنوَّةَ الحقيقيةَ المادية، لأَنه قال: أُمّه مريمُ وأَبوهُ الله! وهذا كُفْرٌ صريحٌ بالله، لادِّعاءِ أَنَّ له ابناً وولداً هو المسيح. وقد كان القرآنُ صريحاً في رفْضِ كونِ عيسى ابناً لله، وكُفْرِ الذينَ جَعلوا له وَلَداً، وإِنكارِ كونِ المسيحِ ابناً لله على وَجْهِ الخصوص. قالَ تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) . وقال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) . ودَعا اللهُ النَّصارى إِلى التَّخَلّي عن فكرةِ التثليثِ وزَعْمِ كونِ ولدٍ لله. قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١) . وبعدَ ما تحدَّثَتْ آياتُ سورةِ مريمَ عن قصةِ حَمْلِ مريمَ بعيسى وولادتِه وكلامِه في المهد، عَقَّبَتْ على ذلك بنفي بُنُوَّتِه لله. قال تعالى: (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) . ٤ - عيسى بدون دنب! تحدَّثَ الفادي في المسألةِ الرابعةِ عن تميُّزِ المسيحِ عن باقي الرسلِ ﵇، وجَعَلَ عنوانَ الحديثِ: " قُدُّوسٌ بدونِ شَرٍّ ". أَيْ أَنه لم يرتكبْ شَرّاً ولا ذَنْباً، في الوقتِ الذي ارتكبَ فيه الرسلُ الآخَرونَ الشرورَ والذُنوبَ والمعاصي والأَخْطاءَ! وبعدما أَوردَ آيةً قرآنية وحديثاً عن رسولِ الله ﷺ وكَلاماً لأَبي حامِد الغزالي

стр. 287

عن تميُّزِ عيسى عندَ ولادتِه بإِبعادِ الشيطانِ عنه، قال: " ونحنُ نسأَلُ: ما سِرُّ هذه القداسةِ المطلقة والكمالِ الفائق؟ ولماذا لا يَذكرُ القرآنُ للمسيح خَطَأً كما ذَكَرَ لغيرِه من الأَنبياء؟ ولماذا لا توجَدُ في القرآنِ إِشارةٌ إِلى أَنَّ المسيحَ تابَ إِلى الله، ولا أَنَّ اللهَ تابَ عليه، ولا قَدَّمَ استغفاراً، ولا أَنَّ اللهَ غَفَرَ له، كما جاءَ عن سائرِ الأَنبياءِ والرسلِ؟ أَليس لأَنَّ المسيحَ ذاتٌ قدسية، وهو كلمةُ اللهِ وروحُه؟ ". أَمّا أَنَّ اللهَ أَعاذَ عيسى ﵇ من الشيطان، فهذا صَحيحٌ، لأَنه ذُكِرَ في القرآنِ وفي الحديث. قالَ اللهُ عن دُعاءِ أُمِّ مريمَ عند ولادتِها: (وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) . واستجابَ اللهُ دعاءَها، فحمى ابنتَها مريمَ عند ولادتِها من الشيطان. روى البخاريُّ ومسلمٌ عن أَبي هريرةَ ﵁ عن رسولِ الله ﷺ ، قال: " ما مِنْ مَوْلودٍ يولَدُ إِلّا والشيطانُ يَمَسُّه حينَ يولَد، فيستهلُّ صارِخاً من مَسِّ الشيطانِ إِيّاه، إِلّا مريم وابْنها ". ثم قالَ أَبو هريرة: اقرؤوا إِنْ شِئْتُم قولَه تعالَى: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) . وأَمّا أَنَّ عيسى ﵇ لم يرتكبْ معصيةً ولا ذَنْباً، فهذا صحيحٌ أَيْضاً، لأَنه عبدُ اللهِ ونبيُّه ورسولُه، فاللهُ عصمهُ من الأَخطاءِ والذُّنوبِ والمعاصي، ولم يَجعلْ للشيطانِ سُلْطاناً عليه!. وأَمّا أَنَ الرسُلَ الآخَرين وَقَعوا في الأَخطاءِ والذنوبِ والمعاصي، فهذا خَطَأٌ وباطل، فكما عَصَمَ اللهُ رسولَه عيسى، كذلك عَصَمَ باقي الأَنبياءِ والمرسلين، ونَزَّهَهم من الأَخطاءِ والذنوبِ والمعاصي، واصْطَفاهم لنفسِه، وصَنَعَهم على عينِه، فلم يكنْ للشيطانِ سَبيلٌ ولا سلطانٌ عليهم. وأَخْطَأَ الفادي في اتهامِه للمرسلين: " ولماذا لم يَذْكُر القرآنُ للمسيحِ خَطَأً كما ذَكَرَ لغيرِه من الأَنبياء؟ ".

стр. 288

والراجحُ أَنَّ القرآنَ لم يَذْكُرْ للأَنبياءِ أَخطاءً أَو ذُنوباً، إِنَّما ذَكَرَ بَعْضَ المآخذِ التي أُخِذَتْ عليهم، وعاتَبَهم اللهُ عليها.. وهم لم يُخْطِئوا في تلك المواقف، ولم يُذْنِبوا في تلك الأَفْعال، وما صَدَرَ عنهم صواب، ولكنَّ اللهَ أَرشَدَهم إِلى ما هو أَوْلى، لأَنَّ اللهَ يُحِبُّ لهم الأَوْلى والأَفضلَ والأَصْوَبَ والأَكمل. إِنَّ عيسى ﵇ معصومٌ كَباقي الأَنبياء، وليسَ للشيطانِ سُلطانٌ عليه كباقي الأَنبياء، ولذلك لم يَعْصِ ولم يُخْطِئ ولم يُذنب، كباقي الأَنبياء. ٥ - حول معجزات عيسى ﵇: من مظاهِرِ كُفْرِ الفادي بالله، وجَعْلِه المسيحَ عيسى ﵇ ابْناً لله، حديثُه عن معجزاتِه، التي تَمَيَّزَ بها عن باقي الأنبياء. قال: " يَشهدُ القرآنُ للمسيحِ بقدرتِه المطلقةِ على إِتيانِ المعجزاتِ بصورةٍ ليس لها مثيلٌ بين سائرِ الأَنبياء " [ص ٩٠] . وهذا كَذِبٌ من المفترِي على عيسى ﵇، لأَنَّهُ نَسَبَ له القدرةَ المطلقةَ على إِتيانِ المعجزات، وهذا مَعناهُ أَنَّه هو الذي يَأتي بالمعجزاتِ ويَخْتارُها ويَصْنَعُها! وهذا خطأ كبير!!. معجزاتُ الأَنبياءِ ليستْ من اختيارِهم، وإِنما هي من اللهِ وَحْدَه. وقد كانَ القرآنُ صريحاً في تأكيدِ هذه الحقيقة، وجاءَ هذا في آياتٍ عديدة. منها قولُه تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) . وقالَ تعالى: (وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي) . وليس هذا خاصّاً بالنبيِّ ﷺ ، بل هو عامّ، يَشملُ جَميعَ الأَنبياءِ والمرسلين، ومنهم المسيحُ ﵇. قالَ تعالى: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) .

стр. 289

ولما طَلَبَ الأَقوامُ السابقونَ من رسلِهم آياتٍ ومُعْجزاتٍ أَخبرهم رسلُهم أَنَّ الآياتِ والمعجزاتِ بيدِ الله. قال تعالى: (قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) . فإِذا كان الرسُل جَميعاً يَعترفونَ أَنهم لا يُمكنُ أنْ يأتوا بالمعجزاتِ من أَنفسِهم، لأَنَّ اللهَ وَحْدَه هو الذي يَأتيهم بها فكيفَ يَقولُ الفادي المفترِي بأَنه كان للمسيحِ قدرةٌ مطلقةٌ على الإِتيانِ بالمعجزاتِ بصورةٍ ليس لها مَثيلٌ بين سائرِ ألأَنبياء؟! إِنَّ هذا افتراءٌ على القرآن، وكَذِبٌ على المسيحِ ﵇. ولما تكلمَ الفادي على معجزاتِ المسيحِ ﵇ في القرآن قَدَّمَ مجموعةً من الافتراءات، ونَسَبَها إِلى القرآن: أ - زَعَمَ المفترِي أَنَّ القرآنَ نَسَبَ لعيسى ﵇ العلمَ بالغَيْب، وذلك ليَخرجَ بنتيجتِه من أَنَّ المسيحَ إِله، لأَنَّ عِلْمَ الغيبِ خاصٌّ بالله، وبما أَنَّ عيسى يَعلمُ الغيبَ فهو إِله!! قال: " نَسَبَ القرآنُ له العلمَ بالغَيب، وذلك في قولِه: (وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) . مع أَنَّ عِلْمَ الغيبِ خاصٌّ باللهِ وَحْدَه: (فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ) .. علْمُ الغيبِ خاصٌّ باللهِ وَحْدَه، ولا يَعلمُ أَيُّ مخلوقٍ شيئاً من الغيبِ، إِلّا ما عَلَّمَهُ اللهُ إِياهء قال تعالى: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) ، وقالَ تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) . فعيسى ﵇ لم يَعْلَمْ شيئاً من الغيبِ إِلّا ما عَلَّمَهُ اللهُ إِياه. وكانَ من

стр. 290

معجزاتِه لبني إِسرائيلَ أَنه كانَ ينبئُهم ويُخبرُهم بما أَكَلوهُ من طعام، وما ادَّخَروه في بيوتِهم من الطعام، وجَعَلَ ذلك دَليلاً على نبوَّتِه. وهو لم يَعْلَمْ ذلك بنفسِه، لأَنه لا يَعلمُ الغيب، وإِنما أَعلمه اللهُ بذلك، وهو بدورِه أَنبأَهم به. فاللهُ هو الذي عَلِمَ الغيب، واللهُ هو الذي أَعْلَمَه بالغيب!!. وآتى اللهُ يوسفَ ﵇ وهو في السجنِ مع الفتَيَيْن نفسَ المعجزة، وذَكَرَها القرآنُ في قوله تعالى: (قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) . كان يوسفُ يخبرُ السجينَيْن اللذَيْن معه بنوعِ الطعام الذي سيَأتيهِما في السجنِ قبلَ تقديمِه لهما. وهذا علمٌ بالغيب، لكنَّه لم يعلَمْه بنفسِه، إِنما أَعلمَه به الله، ولذلك صَرَّحَ بقوله: (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) . ب - زعمَ المفترِي أَنَّ القرآنَ نَسَبَ لعيسى ﵇ القدرةَ على الخلق، والخلقُ خاصٌّ بالله، وبما أَنَّ عيسى يَخلقُ خَلْقاً سويّاً فهو إِله، لأَنَّه لا خالقَ إِلّا الله. قال: " ونسبَ القرآنُ للمسيحِ القدرةَ على الخلقِ. قال: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) ". ومعلومٌ أَنَّ الخلْقَ خاصٌّ باللهِ وَحْدَه: (أَفَمَن يحلُقُ كمَن لَّا يَخْلُق) . وزَعْمُ المفترِي مردودٌ عليه، وعيسى ﵇ لم يَخْلُقْ شيئاً خَلْقاً حقيقياً ماديّاً، يوجِدُ فيه المخلوقَ الحيَّ من العَدَم، لأَنَّ هذا الخلْقَ خاصّ باللهِ وَحْدَه، ولا يُمكنُ أَنْ يَفعلَه عيسى ﵇ ولا غيرُه، وقد جعلَه اللهُ دليلاً على وحدانيتِه. قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ) . وقد نَسَبَ القرآنُ الخلْقَ إِلى عيسى ﵇، لكنْ أَيُّ خَلْقٍ؟ وبإِذْنِ مَنْ كان يَتِمُّ الخلق؟ كان عيسى ﵇ يَخلقُ الطيرَ من الطين، لكنْ بإِذن الله، وليس بقدرتِه الذاتية. قال تعالى: (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) .

стр. 291

ما الذي كان يفعلُه عيسى ﵇ -؟ كان يَأخُذُ المادَّةَ الأَوليةَ التي خَلَقَها الله، يأخذُ حفنةً من الترابِ الذي خَلَقَه الله، ويأخُذُ إِناءً من الماءِ الذي خَلَقَه الله، ويَجبلُ الترابَ بالماءِ حتى يَصيرَ طيناً، ثم يأخذُ ذلك الطينَ، ويَشَكِّلُه على هيئةِ الطائر، ويُصَوّرُه على صورتِه، ويَجعُله تمثالَ طائِر، ثم ينفخُ فيه، ويطلبُ من اللهِ أَنْ يَبُثَّ فيه الروح، فيَجعلُ اللهُ فيه الروح، ويكونُ طيراً حيّاً. فعيسى لم يَخْلُقْ في الطائرِ روحاً، ولم يَجعلْه حيّاً، إِنما اللهُ الذي فَعَلَ ذلك. وبمعنى آيةِ سورةِ آلِ عمران السابقة قولُه تعالى: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي) . وقد نَصَّت الآيَتانِ من سورةِ آلِ عمران وسورةِ المائدة على أَنَّ وَضْعَ الروحِ في الطيرِ كان بإِذْنِ الله، فاللهُ هو الخالقُ في الحقيقة، وليس عيسى ﵇، فهو كانَ مجردَ سببٍ مادّيّ، يُشَكِّلُ ويُصوِّرُ ويَنفخ، والمسبِّبُ والمريدُ هو الله سبحانه. ج - زَعَمَ الفادي أَنَّ القرآنَ نَسَبَ لعيسى ﵇ القدرةَ على إِحياءِ الموتى! وإِحياءُ الموتى خاصّ بالله، وبما أَنَّ عيسى ﵇ فَعَلَ ذلك فهو إِله، لأَنه نجحَ في فعْلِ شيءٍ خاص بالله!.. قالَ: " وَنَسَبَ القرآنُ له القدرةَ على شفاءِ المرضى وإِحياءِ الموتى. قال: (وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ) . وإِحياءُ الموتى خاصّ بالله: (وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) ". وكما قُلْنا في خَلْقِه من الطينِ كهيئةِ الطيرِ نَقولُ في إِحيائِه الموتى، فاللهُ هو الذي آتاهُ معجزةَ إِحياءِ الموتى.. أَيْ كانَ عيسى ﵇ يَقِفُ أَمامَ الميت، ويَدْعو اللهَ أَنْ يُحييَه، ويَستجيبُ اللهُ له. فالذي أَحيا الميتَ في الحقيقةِ هو الله، ولم يَكُنْ عيسى ﵇ إِلّا سَبَباً. وهذا ما أَكَّدَهُ القرآن، في قولِه عن هذه المعجزة. قال تعالى: (وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ) . وقال تعالى: (وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي) . قالَ اللهَ لعيسى ﵇: إِنكَ ستُخرجُ الموتى بإِذْني. فأَخْبَرَ عيسى ﵇ بَني إسرائيلَ بذلك، وقال لَهم: أَنا سأُحيي الموتى بإِذْنِ الله.

стр. 292

٦ - رفع عيسى ﵇ إلى السماء: وَقَفَ الفادي المفترِي أَمامَ حديثِ القرآنِ عن رفْعِ عيسى ﵇ إِلى السماء، وأَساءَ فَهْمَهُ، واستدل به على عقيدتِه الباطلةِ في أُلوهيةِ المسيح! قال: " يَشهدُ القرآنُ أَنَّ المسيحَ رُفِعَ من الأَرضِ إِلى الله، وهو حَيٌّ خالدٌ في السماء، فجاءَ في سورةِ آل عمران (٥٥) : (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) . وقد سَبَقَ أَنْ ناقَشْنا كلامَ الفادي حولىَ معنى الآية، وذَكَرْنا مَعْناها الصحيح. وقد أَلْقى اللهُ على عيسى ﵇ النومَ، ورَفَعَهُ إِليه وهو نائم، والتَّوَفّي هنا تَوَفّي نَوْم وليس تَوَفّيَ مَوْت، وعيسى ﵇ حَيٌّ الآنَ في السماء. وهو ليس خالِداً في السماء، لأَنَّ اللهَ لم يَجعل الخلودَ لأَيّ مَخْلوقٍ من البَشَر، ولذلك أَخطأَ الفادي في قولِه: " وهو خالدٌ في السماء ". كُلُّ المخلوقين سَيَموتون، حتى رسولُ اللهِ محمدٌ ﷺ سيموت، والوحيدُ المخلَّدُ الذي لن يَموتَ - في نظرِ الفادي - هو عيسى ﵇، وهذا دليل عندَه على أُلوهيتهِ!! قال: " وقيلَ عن محمدٍ: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) . فلماذا انتصَرَ المسيحُ على المَوْت، وقد ماتَ الناسُ في كل جيل، وهو حَيّ خالد، وله الخُلْدُ، وله الرفعةُ والمجد؟ ". صحيحٌ أَنَّ عيسى ﵇ حَيّ الآنَ في السماء، بروحِه وجسمِه، ولكنَّه ليس مُخَلَّداً، ولنْ ينتصرَ على الموت، كما ادَّعى الفادي، وسيُنزلُه اللهُ إِلى الأَرض في آخرِ الزمان، وسَيموتُ مَوْتاً طبيعيّاً كما ماتَ البَشَر، ثم يُبْعَثُ معهم يومَ القيامة. ونَصَّ القرآنُ على أَنَّ عيسى ﵇ سَيَموت. قال تعالى: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) . وقال تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) .

стр. 293

٧ - المسيحُ وجيهٌ في الدنيا والآخرة: ذَكَرَ القرآنُ أَنَّ عيسى ﵇ وجيهٌ في الدنيا والآخرة. قال تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) . واستَخرجَ الفادي المفترِي من الآيةِ ما يتفقُ مع هواهُ من تَأليهِ عيسى ﵇. قال: " قال في تفسير الجلالين: " (وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) : ذا جاه في الدُّنيا بسببِ النبوة، وفي الآخرةِ بسببِ الشفاعةِ والدَّرَجاتِ العُلا". فلماذا يَخُصُّ القرآنُ المسيحَ بالوجاهةِ في الدنيا والآخرة؟ ". لم يَخُصّ القرآنُ المسيحَ بالوجاهةِ في الدنيا والآخرةِ، كما ادَّعى المفتري، وإِنَّما أَخبرَ أَنه وجيهٌ في الدنيا والآخِرة، والإِخبارُ بوجاهتِه لا يَعْني اخْتِصاصَه بها. فقد أَخبرَنا اللهُ أَنَّ موسى ﵇ وجيهٌ عندَ الله. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩) . والشفاعةُ في الآخرةِ مَقامٌ محمود، خَصَّ اللهُ به أَشرفَ الخلقِ محمداً ﷺ . قالَ اللهُ عنه: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩) . ويوضِّحُ المرادَ بالمقامِ المحمودِ في الآخرة بأَنه الشفاعةُ، ما رواهُ - البخاريّ عن أَنسِ بن مالك ﵁ عن رسولِ الله ﷺ أَنه قالَ في حديثِ الشفاعةِ الطويل: " ... يَجتمعُ المؤمنونَ يومَ القيامة، فيقولون: لو استشفَعْنا إِلى رَبِّنا، فيأتون آدمَ فيقولون: أَنتَ أَبو الناس.. فاشْفَعْ لنا عنْدَ رَبِّك، حتى يُريحَنا من مكانِنا هذا، فيقول: لستُ هُناكم ... " إِلى أَنْ " يَأتوا عيسى ﵇، فيقولون: يا عيسى: أَنتَ عبدُ اللهِ ورسولُه، وكلمتُه أَلْقاها إِلى مريمَ وروحٌ منه، اشفعْ لنا عندَ رَبّك، فيقول: لستُ هُناكم، ولكن ائْتُوا مُحَمداً، عَبْدَاً غفرَ اللهُ له

стр. 294

ما تقدَّمَ من ذنبِه وما تَأَخَّر ... فيَأتوني فأَنطلقُ، حتى أَستأذنَ على رَبّي، فَيُؤْذَنَ لي، فإِذا رأيتُ رَبّي وَقَعْتُ ساجداً، فيَدَعُني ما شاءَ اللهُ، ثم يُقال: ارْفَعْ رأْسَكَ، وسَلْ تُعْطَهْ، وقُلْ يُسْمَعْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ ". لم يَخُصّ اللهُ عيسى ﵇ بالشفاعةِ كما ادَّعى المفْتري، إِنما خَصّ بها عبدَه ورسولَه محمداً ﷺ . وارتكبَ الفادي المحَرّفُ جَريمةً نكراء، عندما حَرَّفَ معنى آيةٍ تتحدَّثُ عن اللهِ رَبِّ العالمين، وجَعَلَها تتحدثُ عن المسيح ﵇.. قال: " جاءَ في سورةِ السجدةِ: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) . تَذْكُرُ الآيةُ أَنَّ اللهَ هو الذي خَلَقَ السمواتِ والأَرضَ في ستةِ أَيام، وأَنه استوى على العرش، وتُبَيِّنُ أَنه لا يوجَدُ للناسِ وَلِيٌّ ولا شَفيع من دون الله ". وقد ادّعى المفترِي أَنَّ الآيةَ خَصَّتْ عيسى ﵇ بالشفاعةِ. قال: " فلماذا لم يُعْطِ اللهُ سُلْطاناً لأَحَدٍ من البَشَرِ بالشفاعةِ إِلّا المسيح؟ أَليس لأَنه ابْنُ اللهِ المتجسِّدُ، والوسيطُ الوحيدُ بينَ اللهِ والناس؟ ". آيةُ سورةِ السجدةِ لا تتحدَّثُ عن المسيحِ، وإِنما تتحدَّثُ عن الله، والهاءُ في (مِنْ دُونِهِ) لا تعودُ على المسيح، وإِنما تعودُ على الله. والمعنى: ليس للناسِ وليٌّ ولا شفيع من دونِ الله. وذَكَرَ الفادي المفترِي الكافِرُ باللهِ عبارةً كافرةً فاجرة، جعلَ فيها المسيحَ ابْناً لله: " أَليس لأَنهُ ابْنُ الله المتجسِّدُ ". ويؤمنُ المؤمنونَ أَن اللهَ ليسَ له ابْن ولا صاحبة. حتّى الجنُّ يؤمنون بذلك، وقد أَخْبَرَنا اللهُ عن إِيمانِهم بقولِه تعالى: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) . وكَذَبَ الفادي المفترِي عندَما قال: " والمسيحُ هو الوسيطُ الوحيدُ بينَ اللهِ والناس " ولقد رحمَ اللهُ النّاس، فلم يجعلْ أَيَّ شَخصٍ وَسيطاً بينَهم وبينَه، لا عيسى ولا محمداً ولا مَلَكاً.. وأَذِنَ اللهُ لأَيّ إِنسانٍ أَنْ يتصلَ به مباشرة، عن طريقِ ذِكْرِهِ وشُكْرِه وعبادتِه ومناجاتِه.

стр. 295

٨ - هل المسيح هو المخلِّص وحده ؟ : ساءَ الفادي المفترِي فَهْمَ اسمِ عيسى الذي ذَكَرَهُ القرآنُ خَمساً وعشرين مرة، حيثُ جعلَه بمعنى " يَسوع "، ومَعنى عيسى ويَسوع عنده هو: " المخُلِّص ". أَمّا معنى المسيحِ عنده فهو: " المعَيَّنُ مَلِكاً ونَبياً وكاهِناً ". وقد ذُكِرَ المسيحُ في القرآنِ ثماني مرات: ومعنى " الإِنجيل " هو: " الخبرُ المفرح ". وقد ذُكِرَ في القرآنِ اثنتي عشرةَ مرة. وخرجَ الفادي من هذا بنتيجةٍ خاطئة، اعتبرَ فيها المسيحَ يَسوعَ عيسى ﵇ هو وَحْدَه المخلِّصَ للجنسِ البشري!!. وهذا خَطَأٌ مردود، فليسَ المخلِّصُ والمنقذُ هو عيسى ﵇ وحْدَه، فكُلُّ نبيٍّ ورسول هو مُخَلِّصٌ أَيضاً، يُخَلِّصُ الناسَ من الخَطَر، ويُنقذُهم من الأَذى، ويُخرجُهم من ظلماتِ الكفرِ إِلى نورِ الهُدى والإِيمان. قال اللهُ لنبيّه محمدٍ ﷺ : (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) . وآخِرُ ما قالَه الفادي المفترِي عن تَمَيُّزِ وتَفَرُّدِ عيسى ﵇ عن سائرِ الأَنبياء، مما يدل على أُلوهيتِه وعدمِ بشريتِه؟ قولُه: " إِنَّ الذي ذَكَرَهُ القرآنُ عن المسيح، يَفوقُ ما ذَكَرَهُ عن سائرِ البشر، بمن فيهم محمدٌ.. أَلا يُشيرُ هذا إِلى تَفَرُّدِ المسيحِ عن سائرِ البشرِ؟ وهذا ما يقولُه الإِنجيلُ عن لاهوتِ المسيح ". إِنَّ الذي ذَكَرَه القرآنُ عن عيسى ﵇ لا يَفوقُ ما ذَكَرَهُ عن سائرِ البشر، كما ادَّعى الفادي المفترِي، فهناك رُسُلٌ تحدثَ القرآنُ عنهم أَكثرَ مما تَحَدَّثَ عن عيسى ﵇، مثلُ نوحٍ وإبراهيمَ وموسى ومحمدٍ عليهم الصلاة والسلام. ويُمكنُ الخروجُ بهذه النتيجةِ عندَ المقارنةِ بين ما ذَكَرَهُ القرآنُ عنهم وعن عيسى عليهم الصلاة والسلام، ولا نَنْسى أَنَّ هؤلاء الرسلَ الخمسةَ هم أُولو العزمِ من الرسل، وهم أَفضلُ الرسلِ عند الله ، وأَفْضَلُهم وأَشرفُهم هو نبيُّنا محمدٌ ﷺ .

стр. 296

أَمّا عن تَفَرُّدِ المسيحِ ﵇ عن سائرِ البشرِ فإِنه خاصٌّ بولادتِه، التي اختلَفَ فيها عن ولادةِ سائرِ البشر، ونُطْقِهِ وهو بالمهد، ورَفْعِه بعدَ ذلك إِلى السماءِ بروحِه وجسمه، وإِبقائِه هناك حَيّاً، وهو الآنَ ينتظرُ إِنزالَه إِلى الأَرْضِ قُبيلَ قيامِ الساعة، وهو فيما سوى ذلك مِثْلُ باقي الأَنبياءِ والمرسلين. إِنسانٌ له جسمٌ وروح، وهو عبدُ اللهِ ورسولُه، يَعْتَريه ما يَعْتَري الآخَرينَ من صحةٍ ومَرَضٍ، وحُزْنٍ وفَرَحٍ، ونَوْمٍ ويَقَظَة، وطعامٍ وشراب. قالَ تعالى: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ) . *** موقف الملائكة من خلق آدم ﵇ - أَساءَ الفادي فَهْمَ آيةٍ تتحدَّثُ عن موقفِ الملائكةِ من خَلْقِ آدمَ ﵇، وهي قولُ اللهِ : (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) . ما معنى إِخبار اللهِ الملائكةَ أَنه جاعلٌ في الأَرضِ خليفة؟ وما معنى سؤالِ الملائكةِ عن الخليفةِ الذي سيفسدُ ويسفكُ الدماءَ؟ وما معنى إِخبارِهم عن أَنفسِهم أَنهم يُسَبِّحونَ اللهَ ويَحمدُونه ويُقَدِّسونه؟. وقَفَ الفادي الجاهلُ أَمامَ الآية، وفَكَّرَ في هذه الأسئلة، فاعْتَبَرَها خطأً من أَخطاءِ القرآن! قال: " فلماذا يَستشيرُ اللهُ الملائكة، وهو غنيّ عن أَن يُشيرَ عليه أَحَد؟ ... وهل يُعْقَلُ أَنَّ الملائكةَ الأَبْرارَ يَعْصون، ويُعارضونَ رَغَباتِ الله، ويَدَّعونَ العلمَ بالغيب بغيرِ حَقٍّ، ويَطْعَنونَ في آدمَ من قَبْل خَلْقِه؟ ويُزَكّونَ أَنفسَهم بأَلسنتِهم؟ ".

стр. 297

فَهِمَ من قولِ اللهِ للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) أَنه يستشيرُهم، ويقولُ لهم: ما رَأْيُكُم؟ أَشيروا عَلَيَّ أَيها الملائكةُ، هل من المناسبِ أَنْ أَجعلَ في الأَرضِ خليفةً؟ ولذلك عَلَّقَ على ذلك بأَنَ اللهَ لا يَحتاجُ إِلى أَنْ يُشيرَ عليه أَحَد!. والصحيحُ أَنَّ قولَ اللهِ للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) ليسَ من بابِ استشارتِهم، لأَنَّ اللهَ سبحانَهُ لا يَحتاجُ إِلى مشورةِ أَحَد، لأَنَّه أَحاطَ بكلِّ شيءٍ علماً، وهو الأَعلمُ بالأَنسبِ والأَفضلِ والأَحكم، وكُلُّ فِعْلٍ يفعَلُه فهو صَواب!. إنَّ قولَه للملائكةِ من بابِ إِخبارِهم بما سيفعَلُه، ليكونَ عندهم علم وخَبَرٌ بما قررَ سبحانَه أَن يفعلَه، ولذلك جاءت الجملةُ بصيغةِ الجَزْمِ والقطعِ، حيثُ قالَ لهم: (إِنِّي جَاعِلٌ) ، ولم يقل: " إني سأجعل " ومن المعلومِ أَنَّ اللهَ يُخبرُ مَنْ شاءَ مِنْ خَلْقِه بما شاءَ أَنْ يَفعلَه، سواء كانَ المخلوقُ مَلَكاً مُقَرَّباً أَوْ نبيّاً مُرْسَلاً!!. وفَهِمَ الفادي من سؤالِ الملائكة: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) : أَنه اعتراضٌ منهم على فِعْلِ الله، فهم يُنكرونَ على اللهِ فِعْلَه، ويُخَطِّئونَه في ما سيفعَلُه، وهذه معصيةٌ منهم لله، وتَمَرّدٌ عليه! فكيفَ يفعلونَ ذلك؟. وهذا فَهْمٌ خاطئ مردود! فلم يكن سؤالُهم من بابِ الاعتراضِ والإِنكار، وإِنما كانَ من بابِ الاستفسارِ والاستِعلام، وكأَنَّهم قالوا: يا رَبَّنا: إِنّا نَعلمُ أَنك عليمٌ حكيم، وأَنَّ فِعْلَكَ هو الصواب، لكننا نريدُ منك أَنْ تُخبرنا عن حكمةِ ذلك، فما حكمةُ جَعْلِكَ خليفةً في الأَرض، يُفسدُ فيها ويَسفكُ الدماء؟. ولم يكن قولُهم عن آدمَ: (مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) طَعْناً في آدَمَ واتِّهاماً له قَبْلَ خَلْقِه، كما أَنه لم يكن ادِّعاءَ العِلْمِ بالغيب منهم، كما فَهِمَ الفادي الجاهل، فإِنَّه لا يَعلمُ الغيبَ إِلّا الله. وكلامُهم عن الخليفةِ أَنه سيُفسدُ في الأَرضِ ويَسفكُ الدّماءَ صحيح، بدليلِ إِقرارِ اللهِ له، ولو كانَ خَطَأً لأَخبرهم اللهُ أَنه خطأ، ولذلك اكتفى بقولِه لهم: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) .

стр. 298

أَيْ: أَنا أَعلمُ أَنَّ ذريةَ الخليفةِ سيُفسدونَ ويَسفكونَ الدماء، لكنَّ الخلافةَ في الأرضِ وتَعميرَها لا بُدَّ أَنْ يُصاحبَها إِفسادٌ وسَفْكٌ للدماء! *. أَما كيفَ عَرَفَ الملائكةُ ذلك، فليس في مصادِرِنا الإِسلامية اليقينيةِ المتمثلةِ في القرآنِ وما صَحَّ من حديثِ رسولِ اللهِ ﷺ ما يدلُّ على ذلك، ونحنُ لا نأخذُ شيئاً عن الإِسرائيليات، ولا نُفَسّرُ بها كلامَ الله!. ولعلَّ الراجحَ أَنَّ كلامَهم عن إِفسادِ الخليفةِ ولسَفْكِه الدماءَ من بابِ الاستشرافِ وفراسةِ المؤمنين، فَهُمْ قد شاهَدوا مراحلَ خَلْقِ آدم، من الترابِ والطين. ومعلومٌ أَنَّ الترابَ يَعْني الالتصاقَ بالأَرض والهبوطَ إِليها، والمخلوقُ من الترابِ قد تنحدرُ نفسُه إِلى الأَسْفَل، فيرتكبُ المُحرَّمات، ويُفْسِدُ ويَقْتُل!. ولم يَقصد الملائكةُ من قولِهم: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) أَنْ يُزَكّوا أَنفسَهم بأَلسنتِهم، كما فهمَ الفادي ذلك منه، كما أَنهم لم يكونوا طامِعين في أَنْ يَكونوا هم الخلفاء!. كلّ ما يُؤْخَذُ من قولِهم أَنَّ اللهَ خَلَقَهم من نور، وفَطَرَهم على ذِكْرِه وتَسبيحِه وتقديسِه، ولعلهم قاسوا الأَمْرَ عليهم، فَفَهِموا أَنَّ كُلَّ مخلوقٍ سيخلُقُه اللهُ لا بُدَّ أَنْ يكونَ مثلَهم، لا يَعرفُ إِلّا ذِكْرَ اللهِ وتَسبيحَه، فكيفَ سيكونُ الخليفةُ مُهْتَمّاً بالعملِ في الأَرض؟!. وبهذا نعرفُ أَنه ليسَ في الآيةِ التي اعترضَ عليها الفادي ما يَدْعو للاعتراض، وأَنْ تخطئَتَه لها بسببِ جَهْلِه!!. *** ما معنى سجود الملائكة لآدم ﵇ -؟ ذَكَرَ القرآنُ أَنَّ اللهَ عَلَّمَ آدمَ الأَسماءَ كُلَّها، ولما عَجَزَ الملائكةُ عن معرفِتها، عَرَفَها آدَمُ، فتميَّزَ عليهم بعلْمِه، ولذلك أَمَرهم اللهُ أَنْ يَسْجُدوا له.

стр. 299

قال تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) . وقد اعترضَ الفادي على هذهِ الآيات وخَطَّاَها، لأَنَّها تَتعارضُ مع توحيدِ اللهِ وعدْلِه! قال: " ونحنُ نسأَل: في أَوَّل الأَمْرِ عَلَّمَ اللهُ آدَمَ الأَسماءَ، ثم عَرَضَهم على الملائِكةِ فَعَجَزوا عن التَّسمية، واعْتَرَفوا بالعَجْز! فكيف يمتحنُ اللهُ الملائكةَ في ما لا يَعرفونَه، ويُعطي الإِجاباتِ لآدمَ ليَعْلَمَ ما لا يَعْلَمون؟ وكيفَ أَمَرَ الله ُ الملائكةَ أَنْ يَسْجُدُوا لآدَم؟ وحاشَ للهِ القُدْوسِ أَنْ يأْمُرَ بالسجودِ لغيرِ ذاتِه العلِيَّة! قال اللهُ في الخروج: لا تَسْجُدْ لإلهٍ آخَر، لأَنَّ الربَّ اسْمُه غَيور، إِلهٌ غَيورٌ هو ". واعتراضُه لا وَزْنَ له، فليسَ في الآيةِ ما يَدْعو للاعتراضِ والإنكار. أَرادَ اللهُ أَنْ يُبَيِّنَ للملائكةِ الحكمةَ من جعْلِه آدَمَ وذريَّتَه الخلفاءَ في الأَرض، مع أَنه قد يَصدُرُ عن هؤلاءِ الخلفاءِ إفسادٌ في الأَرضِ وسفَكٌ للدماء. فلما طَلَبوا من الله أَنْ يُخْبرَهم بحكمةِ استخلافِ آدَمَ أَجْرى لهم ولآدَمَ الامتحان، الذي أَشارتْ له هذه الآيات، وهي مرتبطةٌ مع الآيةِ السابقة التي تَحَدَّثْنا عنها في المبحت السابق: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) . رَدَّ على سُؤالِهِم بأَنه يَعلمُ ما لا يعلمون، أَيْ أَنَّه يَعلمُ أَنه لا يَصلحُ للخلافةِ في الأَرض إلَّا هذا الخليفة، لِأَنه سيُزَوِّدُه بوسائلَ ومواهبَ وطاقاتٍ وقُدُرات، يتمكَّنُ بها من حُسْنِ الخلافةِ في الأَرض، وفي مقدمتِها العلمُ الذي وَهَبَهُ اللهُ إِياه، والنطقُ الذي مَكَّنَهُ منه، بحيثُ يَستطيعُ أَنْ يُعَبِّرَ عما في نفسِه،

стр. 300

ويَرْمُزَ بالأَسماءِ للمسَمَّيات، والملائكةُ المسَبِّحونَ لله لا يَستطيعونَ ذلك، فالعلمُ والنطقُ والتفكيرُ والتعبير أُمورٌ ضروريةٌ للخلافةِ في الأَرض!. عَلَّمَ اللهُ آدَم الأَسماءَ كُلَّها، وجَعَلَ فيه النطق، والقدرةَ على التعبيرِ عما في نفسِه، والرَّمْزِ بالأَسماءِ للمسَمَّيات، والملائكةُ لا يَعلمونَ ذلك، لأَنهم لا يَحْتاجونَ إِليه فِي مهمَّتِهم في عبادةِ اللهِ وتسبيحِه.. وبعد ذلك أَرادَ اللهُ أَنْ يُبَيِّنَ للملائكةِ الحكمةَ من استخلافِ آدم، وأَنه مَيَّزَهُ عليهم بالعلمِ والنطقِ والتفكيرِ والتعبير.. فالموضوعُ ليس موضوعَ امتحانِ الملائكة بما لا يَعرفون، و" تَغْشِيشَ " آدمَ بتقديمِ الإجاباتِ له قبلَ دُخولِه الامتحان، كما فَهِمَ الفادي الجاهل، إنما الموضوعُ تَوجيهٌ وتَعليلٌ وبيانٌ للحكمةِ والعِلَّة، وهذا ما فهمَه الملائكة، ولذلك صَرَّحوا بعجْزِهم عن الجواب، لأَنَّ اللهَ لم يمنَحْهم ذلك العلم، وقالوا: (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) . ولما أنبأَهم آدَمُ بالأَسماءِ المطلوبة عَرَفوا حكمةَ استخلافِه في الأَرض، وذَكَّرَهم اللهُ بشمولِ عِلْمِه. قال تعالى: (فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) . أَما سجودُ الملائكةِ لآدمَ ﵇ فهو ليسَ من بابِ السجودِ لغيرِ الله، ولا عبادةِ آدمَ من دونِ الله، ولا الشركِ بالله، كما فَهِمَه الفادي الجاهل، ثم اعترضَ عليه وخَطَّأَهُ وأَنْكَره. إنه سجودٌ لله في الحقيقة، لأَنَّ الله هو الذي أَمَرهم أَنْ يَسْجُدوا لآدَم، أَيْ هو الذي كَلَّفَهم بذلك، ولو كان عبادةً لغيرِه لما أَمَرَهم به سبحانَه، لأَنَّ اللهَ لا يأذَنُ لأَيّ مَخْلوق أَنْ يَعْبُدَ غيرَه. وعندما سَجَدَ الملائكةُ لآدَمَ كانوا عابِدينَ لله، وكان آدَمُ كَأَنه قِبْلَةٌ لهم في عبادتِهم لله، كما يُصلي أَحَدُنا صلاتَه لله، ويَجعلُ الكعبةَ قِبْلَةً له، فهو لا يَعَبُدُها ولا يَسجدُ لها، وإنما هي مجردُ قِبلَة، واللهُ أَمَرَه بالتوجُّهِ إِليها واستقبالِها، وهكذا كان آدمُ بالنسبةِ للملائكة (١) .

стр. 301

لم يَكنْ سُجودُهم لآدمَ عبادةً له من دونِ الله، إِنما كانَ سُجودَ تكريمٍ وتَشريفٍ لآدَم، واعترافاً منهم بفَضْلِ آدَمَ عليهم، لأَنَّ الله مَيَّزَهُ عليهم بالعِلم. *** هل جهنم لجميع الأبرار والأشرار ؟ وَقَفَ الفادي أَمامَ آيتَيْن تتحدَّثانِ عن جهَنَّم، واعترضَ عليهما، وقارَنَهما بكلامِ الكتابِ المقَدَّس، وخَرَجَ بخَطَأِ القرآنِ وصَوابِ الإنجيل. والآيَتانِ هما قولُ الله تعالى: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤) . وقولُ الله: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) . لجهَنَّمَ سبعةُ أَبوابٍ كما وَرَدَ في سورةِ الحِجْر، ونَقَلَ الفادي عن بعضِ العلماءِ تحديدَ أَسماءِ تلكَ الأَبوابِ السَّبْعَة، وتحديدَ الأَصنافِ الذين يَدْخُلونَ من كلِّ بابٍ منها، وهذا كلامٌ لَيسَ عليه دَليل، فلا نَخوضُ فيه ولا نَتوقَّفُ عِنْدَه. وفَهِمَ الفادي الجاهِلُ من الآياتِ أَنَّ القرآنَ يُخبرُ أَنَّ جهنَّم للجِميع، سواء كانوا أَبْراراً أَوْ أَشْرارا، مؤمنين أَو كافرين! ولذلك خَطَّأَ القرآنَ في ذلك. قال: " ونَحنُ نَسأَل: كيفَ يَذْهَبُ المؤمنُ إِلى جهنم؟ وما قيمةُ التوبةِ والغفرانِ الإِلهي؟ يقولُ الكتابُ المَقدَّسُ بوجودِ مكانٍ للأَبرار، وهو السماء، ومكانٍ للأَشْرار، وهو جهنَّم: " فَيَمضي هؤلاء إلى عذاب أَبَديّ، والأَبرارُ إلى حياةٍ أَبديّة " ٢٥١ - ٤٦، فلا يَذهبُ الأَبرارُ إلى جَهَنَّم، لأًنَّ اللهَ بَرَّرَهم ببرِّهِ الكامل، وبالتالي لا يَخْرُجون من جهنَّم إِلى السماء ... وإِذا كانَ جميعُ الناس سَيَذْهبون إلى جهنَّمَ كما يقولُ القرآن، وإِذا كانت أُمَّةٌ واحدة من الطوائفِ الإسلاميةِ هي التي تَخْلُصُ كقولِ الحَديث، أَفَلا يُخَيِّمُ الخوفُ من الموتِ والدينونةِ على حَياةِ

стр. 302

كُلّ المسلمين؟ ما أَعظمَ الفرقَ بين حياةِ المسلمِ الخائِفِ الحائِر، وبينَ حياةٍ المسيحي، الذي يَشْتَهي أَنْ يَنطلقَ من الدنيا ليكونَ مع المسيح، ويَنتظر يومَ القيامةِ بفَرَح، حيثُ يَنال إِكليلَ الحياة! ". لم يَقُل القرآنُ إِنَّ جَميعَ الناسِ سَيَذْهَبونَ إِلى جهنَّمَ، والنتائجُ التي بَناها الفادي على هذا الزعم باطلةٌ مَردودة، لأَنَّ ما بُنِيَ على الفاسدِ فهو فاسد. ولا تَتَحدثُ آياتُ سورةِ الحِجْر التي خَطَّأَها الفادي الجاهِلُ عن الأَبرارِ والأَشرارِ، إِنما تتحدَّثُ عن الأَشْرارِ الغاوِين فقط، الذين اسْتَسْلَموا للشيطان، وتُقَرِّرُ أَنَّ جهنَّمَ موعدُ هؤلاء الغاوين أَجمعين، وتَسْتَثْني الصالحينَ الأَبرار. والآياتُ وارِدةٌ في سياقِ الحديثِ عن ما جَرى بين آدمَ ﵇ وبينَ إِبليس، وتَعَهُّدِ إِبليسَ بإِغواءِ مَن استجابَ له من بَني آدم. قال تعالى: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) . لا أَدري كيفَ فَهِمَ المفترِي من الآياتِ الواضحةِ الصريحة دُخول الأَبرارِ والأَشرارِ جهنم، مع أَنها صَريحةٌ في دُخول الكفارِ فَقَطْ جَهَنَّمَ.. إِنَّ الضميرَ المتَصِلَ " هم " في قوله: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) يَعودُ على " الغاوين " في الجملة السابقة: (إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) . والمعنى: إنَّ جهنَّمَ موعدُ الغاوينَ الذينَ اتَّبَعوك. ثم إِنَّ الآيات ِ اللاحقةَ صَرَّحَتْ بأَنَّ المتَّقينَ آمِنون في جناتٍ وعيون: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) . لقد تَعَمَّدَ الفادي المجرمُ أَنْ يُحَرّفَ معنى الآياتِ الواضحِ، وأَنْ يَتْرُكَ الآياتِ والكلماتِ الصريحة، وأَنْ يَتلاعَبَ بها، ليخرجَ منها بنتيجةٍ خاطئة، يُخَطِّئُها بها، مع أَنَّها لا توحي بها!!.

стр. 303

ولا تَدُلُّ آياتُ سورةِ مريم على دُخولِ الأَبرارِ والأَشْرارِ النار، كما ادَّعى الفادي المفترِي. قال تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) . الكلامُ في الآياتِ الأُولى عنِ الكافرين، حيثُ سيَحْشُرُهم اللهُ مع شَياطينِهم، ثم سيُحْضِرُهُم إِلى جَهَنّم، وسَيَجْثُونَ فيها على رُكبِهم، ثم يُخرجُ اللهُ منهم زُعماءَهم الذين هم أَشَدُّ عَدواةً لله، ثم سَيزيدُ عَذابَ هؤلاءِ الزعماء، ولا يَدْخُلُ المؤمنون ضمنَ هذه الآيات، لأَنهم مُؤْمِنون أَبرار صالحون. وبعدما قَرَّرَتِ الآياتُ دُخولَ الكفارِ جَهَنَّم توجَّهَتْ للمؤمنينَ بالخطاب، وأَدمجَتْهم في الخطابِ مع الآخرين، وأَخبرتْ عن وُرودِ جَميعِ الناسِ جهَنَّم، ولم تستَثْنِ أَحَداً من هذا الورود، سواء كانَ مُؤْمِناً أَو كافراً، وقَرَّرَتْ بعدَ ذلك نَجاةَ المتقين وهلاكَ الكافِرين الظالمين: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) . فالمرادُ بالورودِ في الآيةِ المرورُ فوقَ جَهَنَّم، بدليلِ ذِكْرِ نَجاةِ المتَّقين بَعْدَه. وهذا مَعْناهُ أَنه يُنْصبُ الصِّراطُ على شَفيرِ جَهَنَّم، ويمُرُّ عليه. جميعُ البَشَر، مؤمنين وكافرين، أَمّا المتقونَ فيُنْجيهم اللهُ برحمتِه، وأَمّا الظالمونَ فيُسْقِطُهم اللهُ فيها. وفَسَّرَ رسولُ اللهِ ﷺ الورودَ بالمُرور. فقد روى مسلمٌ عن أُمّ مُبَشِّر الأَنصاريةِ ﵂: أَنها سمعَتْ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ عندَ حَفْصَةَ ﵂: " لا يَدْخُلُ النّارَ - إنْ شاءَ اللهُ - مِنْ أَصحابِ الشَّجرةِ أَحَد! الذينَ بايَعوا تَحْتَها ". قالَتْ حَفْصَة: بلى يا رسولَ الله! فانْتَهَرها رسولُ اللهُ ﷺ . فقالتَ حفصة: قالَ اللهُ: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) ! فقالَ لها النبيُّ ﷺ : " قالَ الله: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) .

стр. 304

لقد فَهمت حفصةُ ﵂ الورودَ بأنه بمعنى الدخول، وأَنَ المؤمنين والكافرين سيَدْخُلونَ جهنَّم جَميعاً، ولكنَّ رسولَ اللهِ ﷺ فَسَّرَ الوُرودَ بالمرور، وأَخْبَرَها أَنَّ اللهَ يُنجي المؤمنينَ برحمتِه، فلا يُدْخِلُهم جَهَنَّم، وإِنما يَمُرّونَ عليها مُروراً سَريعاً، في طريقِهم إِلى الجنة. وروى مسلم عن أَبي سعيدٍ الخدري ﵁ حديثَ رَسولِ اللهِ ﷺ الطويلَ في الشفاعة: " ... ثم يُضْرَبُ الجِسْرُ على جَهَنَّم، وتَحِلّ الشَّفاعَة، ويقولون: اللهمَّ سَلِّمْ، سَلّمْ، قيلَ: يا رسولَ الله! وما الجِسْرُ؟ قال: دَحْضٌ مُزِلَّةٌ، فيه كَلاليبُ وخَطاطيفُ وحَسَك، تَكونُ بنَجْد، فيها شُوَيْكَة، يُقالُ لها: السَّعْدان، غيرَ أَنه لا يَعلمُ ما قَدْرُ عِظَمِها إِلّا الله. تَخْطِفُ الناسَ بأَعمالِهم، فمنهم الموبَقُ بعَمَلِه، ومنهم المُجازى حتى يَنْجو، فَيَمُرُّ المؤمنون كَطَرْفِ العَيْن، وكالعَيْن، وكالرّيح، وكالطَّيْرِ. وكأَجاويدِ الخَيْلِ والرّكاب، فنَاجٍ مُسْلَّمٌ، ومَخْدوش مُرسَلٌ، ومَكْدوسٌ في نارِ جَهَنَّم ... ". بهذا البيانِ القاطعِ مِن رسولِ اللهِ ﷺ يَتَّضِحُ أَنْ المرادَ بالورودِ هو المرورُ وليس الدخول، فالمتَّقونَ لا يَدْخُلونَ جَهَنَّم مُطْلَقاً! وبهذا نَعْرِفُ جَهْلَ وخَطَأَ الفادي في ادِّعائِه وافترائِه. *** مظاهر نعيم المؤمنين في الجنة اعترضَ الفادي المفترِي على حديثِ القرآنِ عن الجنة، ومظاهر النعيمِ التي فيها، واعتبرَ هذه المظاهرَ لا تَليقُ بالمؤمنين، وأَثْنى على حديثِ الكتابِ المَقَدَّسِ عن الجنة، وسَخِرَ مِن آياتِ القرآنِ التي ذَكَرَتْ صفاتِ الجنة. وقالَ في بدايةِ اعتراضِه وتهكّمِه: " هذه جنةٌ تُناسِبُ الميولَ الجسدية، وتُوافِقُ رغباتِهم الماديّة ". وفَصَّلَ الحديثَ في اعتراضِه قائلاً: " بَدَلَ الصحراءِ المحرقة، وَعَدَهم بجنةٍ تَجْري من تَحتِها الأَنهار.. وبَدَلَ النومِ على الرمالِ، وَعَدَهم بجنةٍ فيها

стр. 305

سُرُرٌ مرفوعة.. وبَدَل لبسِ وَبَرِ الجِمال، وَعَدَهم بجنةٍ يُحَلَّونَ فيها من أَساورَ من ذهبٍ ولؤلؤاً ولباسُهم فيها حرير.. وبَدَل القحطِ والمَحْل، وَعَدَهم بجنَّتَيْن ملآنَتَيْن بالفاكهة.. وبَدَلَ الخيامِ التي لا تَقي من حَرّ الصيفِ وزَمْهريرِ الشتاء، وَعَدَهم بِقُصورٍ مُشَيَّدَة، فيها غُرَفٌ من فوقِها غُرَفٌ مبنية، ولا يَرَوْنَ فيها شَمْساً ولا زَمْهَريراً.. وبَدَلَ النساءِ البدويَّات، وَعَدَهم بأزواجٍ من الحورِ العين، لم يطمثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ، وجعلهنَّ أَبكاراً عُرُباً أَتْراباً.. وبدلَ الحرمانِ من الخَدَم وَعَدَهم بولدانِ الحور، يُقَدِّمونَ لهم ما لَذَّ من الشَّراب.. وبَدَلَ طعامِ الفاقة وَعَدَهم بلحْمِ الطير.. وبَدَلَ الجوعِ والفاقةِ وشَظَفِ العيش، وَعَدَهم بجناتٍ فيها أَنهارٌ من ماءٍ غيرِ آسِن، وأَنهارٌ من لبنٍ لم يتغيَّرْ طعْمُه، وأَنهارٌ من خمرٍ لذةٍ للشاربين، وأَنهارٌ من عَسَلٍ مُصَفّى ... ". إنَّ الجنةَ التي يراها الفادي خاليةٌ من النعيمِ المادّي، فليس فيها أَشجارٌ ولا أَنهارٌ، ولا قُصورٌ وغُرَف، ولا أَسِرَّةٌ وبُسُط، ولا ملابسُ وأَساور، ولا نِساءٌ ولا ولْدان، ولا خَدَمٌ ولا حورٌ عين، ولا طَعامٌ ولا شَراب، ولا استمتاعٌ ولا شَهوة، ولا مُلْكٌ ولا أَرض ... ومع هذا يُسَمِّيها جنة، ولا أَدري كيفَ تكونُ جَنَّةً وهي خاليةٌ من كلّ هذه المظاهرِ للنعيمِ والاستمتاع؟!! وزَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ المسيحَ ﵇ نفى وُجودَ نعيم مادّيٍّ في الجنة. قال: " أين هذه الصفاتُ من قولِ المسيح: " في القيامة لا يُزَوَّجون ولا يَتَزَوَّجون، بل يَكونونَ كملائكةِ اللهِ في السماءِ " [متى: ٢٢ -.٣] . وقولِه أيضاً: " لأَنَّه ليسَ ملكوتُ اللهِ أَكْلاً وشُرْباً، بل هو بِرٌّ وسَلامٌ وفَرَحٌ في الروح القدس ". [رومية: ١٤ - ١٧] ". يَنسبُ الفادي للمسيحِ ﵇ أَنَّ المؤمنين يَكونونَ في الجنة بدونِ طَعامٍ أَوْ شراب أو زواج، فهم كالملائكةِ الذين لا يَأَكلُون ولا يَشْرَبون ولا يتزوَّجون، وحياتُهم في الجنةِ مُجَرَّدُ فَرَحٍ وسُرورٍ وبِر وسَلام!!.

стр. 306

وأَوردَ الفادي خرافاتٍ حولَ نعيمِ الجنة، نَسَبَها لرسولِنا محمدٍ ﷺ ، وزَعَمَ أَنَّ رسولَنا قال: إِنَّ لكلّ مؤمنٍ قصوراً كثيرةً في الجنة، في كُلّ قَصْرٍ سَبْعون داراً من ياقوتٍ أَحْمر، في كل دارٍ سَبْعونَ بيتاً من زُمُردٍ أَخْضَر، في كُلّ بيتٍ سَرير، على كُلِّ سَريرٍ سَبْعون فِراشاً من كُلِّ لون، على كُلِّ فراشٍ سَبْعون زوجةً من، الحورِ العين، وفي كُلِّ بيتٍ سَبْعون وَصيفة، وسَبْعون مائدة، وعلى كُلِّ مائدةٍ سَبْعون لَوْناً من الطعام، ويتزوَّجُ الرجلُ في الجنةِ خمسَمئةِ حوراء، وأَربعةَ آلافِ بِكْر، وثمانيةَ آلافِ ثَيّب!. وهذا كلامٌ مَكْذوبٌ على رسولِنا محمدٍ ﵇، لم يَقُلْه، وفيه طابَعُ المبالغةِ والمغالاة ... وهو كَلامٌ مَرْفوضٌ عندنا لأَنه لم يَصِح عن رسولِ اللهِ ﷺ ومعلومٌ أَنّ الجنةَ من عالمِ الغيب، ولا نأخذُ عالَمَ الغيبِ إِلّا من آياتِ القرآنِ الصريحة، وما صَحَّ من حديثِ رسولِ اللهِ ﷺ !. وأَنهى الفادي المفترِي اعتراضه على حديثِ القرآنِ عن الجنةِ بادّعاءٍ كاذب، قال: " ولم يَذْكُر القرآنُ أَنَّ في هذه الجنةِ سعادةً روحيةً في محبةِ الخالقِ وتسبيحه! ". ولقد ذَكَرَ القرآنُ السعادةَ العاليةَ التي يَكونُ عليها المؤمنونَ فى الجنة، والفرحَ والسرورَ الذي يُظَللُ حياتَهم. فوجوهُهم ناضرة، ضاحكةٌ مستبشرة. قالَ تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) . وقالَ تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) . وقالَ تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) . ويَحمدونَ اللهَ على ما أَنعمَ به عليهم، ويتذكَّرونَ ما كانوا عليه في الدنيا. قالَ تعالى: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨) .

стр. 307

ومِنْ سُرورِهم وسَعادتِهم الروحيةِ في الجنة إِذْهابُ الحَزَنِ عنهم فيها. قال تعالى: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥) . ومن سعادتِهم الغامرةِ في الجنةِ أَنهم لا يَسمعونَ فيها إِلّا ما يُحبون سَماعَه. قال تعالى: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦) . وتَأتيهم الملائكةُ، يَدْخلونَ عليهم، ويُرَحِّبونَ بهم ويُبَشِّرونَهم. قال تعالى: (أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) . ومن سعادَتِهم الغامرةِ أَنَّ اللهَ يُحِلُّ عليهم رِضوانَه، ويُخبرُهم بذلك، وهذا الرضوانُ أَكبرُ من كُلِّ مظاهرِ نعيمِ الجنة، من طَعامٍ وشَرابِ وزَواجٍ ولباس. قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢) . تنصّ الآيةُ على أَنَّ الرضوانَ الذي يُحِلّهُ اللهُ على المؤمنين والمؤمناتِ في الجنةِ أَكبرُ مِن كُلِّ مظاهرِ النعيمِ المادّيِّ فيها. ووَضَّحَ رسولُ اللهِ ﷺ هذا المعنى. فقد روى البخاريّ ومسلمٌ عن أَبي سعيدِ الخُدْرِيّ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : " إِنَّ اللهَ ﵎ يَقولُ لأَهْلِ الجَنَّة: يا أَهْلَ الجَنَّة. فيقولون: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْك. فيقول: هل رضيتُم؟ فيقولون: وما لَنا لا نَرْضى، وقد أَعْطَيْتَنا ما لم تُعْطِ أَحَداً من خَلْقِك. فيقول: أَنا أُعطيكُم أَفْضَلَ من ذلك. قالوا: يا رَبَّنا: وأَيُّ شيءٍ أفضلُ من ذلك؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رِضْواني، فلا أَسْخَطُ عليكم بعدَه أَبَداً ". أَبَعْدَ هذه الآيات ِ القرآنيةِ الصريحة، التي تُصَوِّرُ ما يكونُ عليه المؤمنونَ

стр. 308

في الجنةِ من سَعادةٍ ونَضرَةٍ وفَرَحٍ وسُرور، يَأتي الفادي المفْتَري ليَتَّهِمَ القرآنَ بأَنه لم يَذْكُرْ شيئاً عن هذه السَّعادَة؟!. إِنَّ اللهَ يُكرِمُ المؤمنينَ في الجنة، بكُلِّ مَظاهرِ النعيم، سواء كان نَعيماً مادّيًّا، مُمَثَّلاً في الجَنّاتِ والأَشْجارِ والأَنْهار والقُصورِ واللِّباسِ والطَّعامِ والشَّرابِ والحُورِ العين. أَو كان نَعيماً معنويًّا، مُمَثّلاً في سَعادتِهم وفَرحهِم وسُرورِهم ونَضْرَتِهم.. قال تعالى: (يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣) . *** أرواح الشهداء وأجواف الطيور الخضر خَطَّأَ الفادي المفترِي القرآنَ في حديثِه عن حياةِ الشهداءِ عندَ رَبِّهم، كما خَطَّأَ رسولَ اللهِ ﷺ في إِخبارِه عن كونِ أَرواحِ الشهداءِ في أَجوافِ طُيورٍ خُضر، واعترضَ على كلامِ القرآنِ عن البرزَخ. قالَ اللهُ عن البرزخ: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) . والبرزَخُ هو المرحلةُ الانتقاليةُ التي يَكونُ عليها الأَمواتُ من البَشَرِ في قُبورِهم، بانتظارِ قيامِ الساعة، وهم إِمّا " مُنَعَّمونَ في قُبورِهم إِنْ كانوا مُحْسنين، وإِمّا مُعَذَّبون في قُبورِهم إِنْ كانوا مُسيئين، والقَبْرُ إِمّا روضَةٌ من رياضِ الجَنَّة، وإِمّا حُفرَةٌ من حُفَرِ النّار، كما أَخبرَ رسولُ اللهِ ﷺ وعَلَّقَ الفادي على كلامِ القرآنِ عن البرزخِ بقوله: " والبرزَخُ هو مكانُ

стр. 309

الأَرواح، فيه تُحْفَظُ أَرواحُ الأَشْرار، فلا يَقْدِرونَ على الرُّجوعِ إِلى الحياةِ الدنيا ". وكلامُه غيرُ صحيح، فالبرزخُ ليسَ مَكاناً لحفْظِ أَرواحِ الأَشْرارِ فقط، وإِنَّما هو مكانّ لكُلِّ النّاس، مُؤْمِنين وكافِرين، ومُحْسِنين ومُسيئين، لأَنه مرحَلَةٌ حتميةٌ لما بَعْدَ الموت. كما أَنَّ البرزخَ ليسَ مَكاناً للأَرْواحِ فقط، وإِنما هو مكانٌ لكُلِّ إِنسان، بجسْمِه وروحِه وكيانِه كُلِّه. وقد أَخَبَرنا رسولُ اللهِ ﷺ أَنَّ كُلَّ إِنسَانٍ عندما يوضَعُ في قَبْرِه، تُرَدّ له روحُه في جَسَدِه، ويأْتيهِ الملَكانِ فَيُجْلِسانِه ويَسأَلانِه، فإِنْ أَجابَ كانَ مُنَعَّماً في قَبْرِه، وإنْ لم يُجِبْ كان مُعَذَّباً. فنَعيمُ القبرِ أَو عَذابُه ليسَ للروحِ فقط، لكنَّه للروحِ مع الجَسَدَ. لكنَّ البرزخ من عالَمِ الغيب، ولا يُقاسُ بمقاييسِنا الماديةِ الدنيوية، فلو فَتَحْنا قَبْراً ماتَ صاحِبُه قبلَ عشراتِ السنين فلنْ نَجِدَ فيه جِسْماً ولا روحاً، ولا نَعيماً ولا عَذاباً، ولن نَجِدَ فيه إِلا تُراباً، ولا يَعْني هذا أَنَّ صاحبَه صارَ تُراباً حقيقة، إِنما هو بروحِه وجَسَدِهِ في عالَمِ الغيب، وهو مُنَعَّمٌ أَو مُعَذَّبٌ في قبرِه، ويَعِيشُ حياتَه البرزخيةَ بانتظارِ قِيامِ الساعة!. أَما حياةُ الشهداءِ عندَ الله، فقد ذَكَرَها القرآنُ في قولِه تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) . وهذه الآيات ُ نازلةٌ بعدَ غزوةِ أُحُد، في السنةِ الثالثةِ من الهجرة، التي استُشْهِدَ فيها مَن اسْتُشْهِدَ من الصحابة، فأَخْبَرَ اللهُ أَهْلَهم عن حياتِهم. وهذا ما أَكَّدَهُ وَوَضَّحَهُ رسولُ اللهِ ﷺ . روى مسلمٌ عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁ قال: سأَلْنا رسولَ اللهِ ﷺ عن هذه الآية: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) .

стр. 310

فقال: " أَرواحُهم في جوفِ طَيْرٍ خُضرٍ، لها قناديلُ مُعَلَّقَةٌ بالعرش، تَسرحُ من الجنةِ حَيْثُ شاءَتْ، ثم تَأوي إلى تلك القناديل ". وروى أَبو داود عن ابنِ عباسٍ ﵄، قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لما أُصِيْبَ إِخوانُكُم بأُحُد، جَعَلَ اللهُ أَرواحَهم في جوفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنهارَ الجنة، تَأَكُلُ من ثِمَارِها، وتَأَوي إِلى قناديلَ من ذَهَب مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العرش.. فلما وَجَدوا طِيبَ مَأكَلِهِمْ ومَشْرَبِهم ومَقيلِهم، قالوا: مَنْ يُبَلغُ إِخوانَنا عَنّا أَنّا أحياءٌ في الجَنَّةِ نُرْزَقُ، لِئَلّا يَزْهَدوا في الجهاد، ولا يَنْكُلوا عندَ الحرب؟ فقالَ الله: أَنا أُبَلِّغُهُم عنكم! فأنزل قوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا) ... . وقد اعترضَ الفادي على كَلامِ رسولِ الله ﷺ ، واعتبرَ جَعْلَ أَرواحِ الشُّهداءِ في أَجْوافِ طُيورٍ خُضْرٍ لا يَتفقُ مع كرامَةِ الإنسان. قال: " ونَحنُ نسألُ: إِنْ كانَ اللهُ خَلَقَ الإنسانَ على أَحْسَنِ تَقْويم، فكيفَ إذا ذَهَبَ إِلى الجنةِ يُنَزِّلُهُ مَنزلةَ الطير؟ ويَتناسَخُ الأشرارُ في النارِ إِلى قردةٍ وخَنازير، والأَبرارُ في الجنةِ إِلى طيورٍ وعصافير؟ ". واعتراضُه يَدُلُّ على جَهْلِه وسَخافَةِ تَفْكيره، فلا يَدُلُّ حَديثُ رسولِ اللهِ ﷺ على أَنَّ اللهَ يُحَوّلُ الشُّهداءَ من بَشَر إِلى طيورٍ وعَصافير، إِنما يَدُلُّ على أَنَ اللهَ يُكْرِمُهم بعدَ استشهادِهم، فلا يُبقي أَرواحَهم مع أجسادِهم في الدنيا، وإنما يَستقدِمُها إِلى الجنة، ويَجعلُها في حواصلِ طيورٍ خُضْر، تتمتَّعُ في الجنةِ حيثُ شاءت، وتَسرحُ فيها بينَ أَنْهارِها وأَشْجارِها وثمارِها، وتأوي لَيْلاً إِلى قناديلَ مُعَلَّقَةٍ قي ظِلِّ العرش. وهذا كُلُّهُ في الدنيا، فأَجسادُهم بَقِيَتْ في قُبورِهم، وأَرواحُهم هي التي اسْتَقْدَمَها اللهُ إِلى الجنة، فليسَ في الأَمْرِ تناسُخٌ ولا اسْتِنْساخ، ولا إِهانَةٌ واحْتقار للشهيد، بتحوِيلِه من إنسانٍ مُكَرَّمٍ إلى عُصفور!.

стр. 311

أَمَّا يومُ القيامة فإِنَ اللهَ يَبعثُ الشُّهداءَ كما يَبعثُ الناسَ الآخَرين، ويَسيرونَ إلى الموقفِ بأَرواحِهم وأَجسادِهِم، ثم يُدخِلُهم اللهُ الجنةَ برحمتِه، ويكونونَ فيها بَشَراً أَسْوياء، مُعَزَّزين مُكرَّمين، على أَرقى وأَكملِ الصُّوَرِ البشرية!!. *** حول تأخر الوحي عن رسول الله ﷺ - ذَكَرَ الفادي المفترِي خُرافةَ مَوْتِ جَرْوٍ تحتَ سريرِ رسولِ اللهِ ﷺ ، مما جَعَلَ الوحْيَ يتأَخَّرُ عنه أَياماً، ولم يَنزلْ عليه إِلا بعدَ إِخراجِ جُثَّةِ الجرو، وجَعَلَ المفترِي عنوانَ الموضوعِ تَهَكُّمِيًّا: " جَرْوٌ يُعَطِّلُ الوَحْيَ! ". ونَسَبَ هذه الخرافةَ إِلى تَفسيرِ البيضاوي. وزَعَمَ أَنَّ خُرافةَ الجَرْوِ الميتِ سببٌ في نُزولِ قولِه تعالى: (وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) . قالَ الفادي: " قال البيضاوي: رُوِيَ أَنَّ الوحْيَ تَأَخَّرَ عن رسولِ اللهِ أَياماً.. لأَنَّ جَرْواً مَيتاً كانَ تَحْتَ سَريرِه.. فقالَ المشركون: إِنَ محمداً وَدَّعَهُ رَبُّه وقَلاه، فَنَزَلَت رَدّاً عليهم ". وجعل الفادي المفترِي نفسَه عالِماً بالحديث، خَبيراً بالتَّصحيحِ والتضعيف، فَزَعَمَ أَنَّ روايةَ الجَرْوِ المَيِّتِ مرويةٌ بسَنَدٍ صَحيح! قال: " ... ورُوِيَ بإِسنادٍ صَحيحٍ أَنَّ جَرْواً دَخَلَ بيتَ محمد، فاتَ تحتَ السرير، فماتَ، فانْقَطَع الوحْيُ عنه، فقال محمدٌ لخادمتِهِ خَوْلَة: يا خَوْلَة! ماذا حَدَثَ في بيتي؟ جبريلُ لا يَأتيني.. فَقُلْتُ في نَفسي: لو هَيَّأتُ البيتَ فَكَنَسْتُه، فأَهويتُ بالمكنسَةِ تَحْتَ السَّرير، فأَخْرَجْتُ الجَرْوَ ... فجاءَ محمدٌ يَرْعَدُ بجُبَّتِه، وكانَ إذا نَزَلَ الوَحْيُ أَخَذَتْه الرعدةُ، فقال: (وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) .

стр. 312

وهذه الروايةُ مكذوبةٌ موضوعة، رَغْمَ ورْودِها في بَعْضِ كُتُبِ المأثور، ومِن غَيْرِ المقبولِ والمعقولِ أَنْ يَموتَ جَرْوٌ تَحْتَ سَرِيرِ رسولِ الله ﵇، وأَنْ تَبْقى جُثَّتُه تحتَ السَّرير أَياماً عَديدةً، بدونِ أَنْ تَخْرُجَ رائحتُها المنتنة، أَو أَنْ يَنْتَبِهَ لها أَحَد. وأَثارَ الفادي المفترِي على الروايةِ المكذوبةِ أَسئلةً تهكميةً خبيثة، قال: " ونحنُ نسأَلُ: أَيُّ نوعٍ من الوحي هذا الذي يَنقطعُ عن البَشَر بسببِ جَرْوٍ؟ وأَيُّ مَلاكٍ هذا الذي يُقاطِعُ نبيًّا بسببِ جَرْوٍ؟ وما دَخْلُ الجَرْوِ في الوحي؟ أَلمَ يَكُنْ أَغَلَبُ الأَنبياءِ كإِبراهيمَ وإِسحاقَ ويعقوب وموسى وداودَ رُعاةَ أَغْنامٍ وتَحْرُسها الكلاب؟ فلماذا لَمْ نَسمعْ بمقاطعة السَّماءِ لهم من أَجْلِ كِلابِهم؟ ... ". وكلُّها أَسئلةٌ متهافتةٌ لأَنها تتعلقُ بروايةٍ مَكْذوبةٍ موضوعة، وهي تَدُلُّ على جَهْلِ الفادي وتحامُلِهِ، وحِرْصِه على إِثارةِ الشبهاتِ ضدَّ القرآن، ولو لم يَكُنْ عليها دَليلٌ أَوْ بُرْهان!. *** هل تذهب الحسناتُ السيئاتِ ؟ أَخْبَرَنا اللهُ أَنَّ الحسناتِ يُذْهِبْنَ السيئات، فقالَ تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) . وقد اعترضَ الفادي المفترِي على هذهِ الآية، وعلى استشهادِ الرسولِ ﷺ بها. قال: " روى الترمذيُّ عن أَبي البُسْرِ قال: أَتَتْني امرأةٌ تَبْتاعُ تَمْراً، فقلتُ: إِنَّ في البيتِ تَمْراً هو أَطْيَبُ منه، فدخلَتْ معي البيتَ، فأَهْوَيْتُ عليها،

стр. 313

فقبَّلتُها ... ثم ذَهَبَ إِلى محمد ﷺ وأَخْبَرَه بما كان، فأَطْرَقَ محمدٌ طويلاً، ثم قالَ: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) . فقالَ: يا رسولَ الله! أَهي لي خاصَّة أَمْ للنّاسِ عامة؟ قال: بل للنّاسِ عامة ". والذي صَحَّ في نُزولِ الآيةِ ما رواهُ البخاريُّ عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁: أَنَّ رَجُلاً أَصابَ من امرأةٍ قُبْلَة، فأَتى رسولَ الله ﷺ فَذَكَرَ له ذلك، فأَنزلَ اللهُ الآيةَ: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) . تَدُلُّ الحادثةُ على أَنَّ أَحَدَ المسلمين زَلَّتْ قَدَمُه، وارتكبَ ذَنْباً، حيثُ قَبَّلَ امرأةً قُبْلَةً مُحَرَّمَة، ثم استيقظَ ضَميرُه، وشَعَرَ بِذَنْبِهِ، واستغفَرَ اللهَ، وتابَ إِليه، وأَتى النبيَّ ﷺ مُسْتَسْلِماً، واضِعاً نَفْسَه بينَ يَدَيْه، ليَحْكُمَ فيه بأَمْرِه. ولاحَظَ الرسولُ ﷺ صِدْقَ الرجلِ في تَوبتِه، وإقلاعَهُ عن ذَنْبِه، وحِرْصَه على الإكثارِ من الحسنات، فأَخبره أَنَّ الحسناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئات!!. وقد صَرَّحَ الرسول ﷺ في حديثٍ آخَرَ أَنَّ الصلواتِ الخمس تُكَفِّرُ الذُّنوبَ، وشَبَّهَها برَجُلٍ يَغْتَسلُ في نَهْرٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ في اليوم. روى البخاريُّ ومسلمٌ عن أَبي هريرة ﵁ أنه سَمِعَ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: " أَرأَيْتُم لو أَنَّ نَهْراً ببابِ أَحَدِكم يَغتسلُ فيه كُلَّ يومٍ خَمْسَ مَرّات، هل يَبقى من دَرَنه شَيءٌ؟ " قالوا: لا يَبْقى من دَرَنهِ شيء. قال: " فذلك مَثَلُ الصلواتِ الخمسِ يمحو اللهُ بهنَّ الخَطايا ". وروى مسلمٌ عن أَبي هريرةَ ﵁ عن رسولِ اللهِ ﷺ قال: " الصلواتُ الخمسُ، والجمعةُ إِلى الجمعةِ، كَفَّارَةٌ لما بينهنّ، ما لم تُغْشَ الكَبائِر ". وقد رَفَضَ الفادي ما قَرَّرَتْه الآية، وما أَكَّدَهُ رسولُ الله ﷺ وطَرَحَ حولَها أَسئلتَه التشكيكيةَ، فقالَ: " ونحنُ نَسألُ: كيفَ يَقترفُ الناسُ الشُّرور، ثمَّ يُكَفِّرونَ عنها بالصلواتِ الخمس؟ أَلا يُنافي هذا قداسة اللهِ وعَدْلَه؟ فإنه لا يُمكنُ التكفيرُ عن الخطيئةِ إِلّا بَسَفْكِ دَمٍ، كقولِ الإنجيلِ: " بدون سَفْكِ دَمٍ لا تَحْصُلُ

стр. 314

مَغْفِرَة " وكيفَ يَسْتَخِفّونَ بخطِيئةٍ هي أَشنَعُ وأَفظعُ شَيْءٍ أَماْمَ الله ". لقد قَدَّمَ الفادي طريقاً شاقّاً للتوبةِ والتكفير، لا تَتَّفِقُ مع عقِيدَتِه النصرانية، إِنَّه لا توبةَ ولا تَكْفيرَ إِلّا بسَفْكِ دَم، وبدونِ سَفْكِ دَمٍ لا تَحصُل مغفِرة!! فما مَعْنى هذا؟ هل يَجِبُ على المذنبِ أنْ يَقتلَ نَفْسَه ليغفرَ اللهُ له؟ أَلا يؤمنُ النَّصارى أَنَّ المسيحَ هو الفادي؟ وأَنَّ اللهَ شاءَ أَنْ يُصْلَبَ ابْنُه ليكونَ فِداءً للبَشَرِ جَميعاً حتى قِيامِ السّاعة؟ وأَنه لا داعِيَ لأَنْ يَستغفرَ المذْنبون، فقد فَداهُم الفادي بنفسِه.. فكيفَ يَقولُ المفْتَري الآنَ: إِنه لا مَغفرةَ إِلّا بسَفْكِ دَمٍ؟!. أَمّا ادّعاؤُه أَنَّ الآيةَ وحديثَ رسولِ اللهِ ﷺ تُجَرِّئُ المسلمينَ على ارتكاب الذنوب، وتَدْعوهم إِلى الاسْتِخفافِ بالمعاصي، فهذا افتراءٌ باطل، لأَنَّ الآياتِ القِرآنيةَ وأَحاديثَ رسول الله ﷺ تَدْعو إِلى تَقْوى الله ومراقبتِه وتعظيم مقامِه، وعَدَمِ معصيتِه، فإذا أَخْطَأَ المسلمُ بدونِ قَصْدِ، وَوَقَعَ في ذنْبٍ بدون تَعَمُّد، ثم استغفرَ اللهَ وأَكثر مَن مظَاهر عبادتِه وطاعتِه فإنّ اللهَ يغفرُ له. لهذا المسلم التائبِ، المنيبِ لرَبّه، المقْلعِ عن ذَنْبِه، الذي عَملَ الحسناتِ بعدَ السيئات، تُوَجَّهُ الآيةُ، تَرغيباً له في الاستمرارِ على طريقِه الإِيجابيِّ بعدَ التوبة: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) ، كما تُوَجَّهُ له أَحاديثُ رسولِ الله ﵇ المرغبةُ في فِعْلِ الحسناتِ بعدَ السيئات. *** من الذي صُلب: المسيح أم شبيهه ؟ سَبَقَ أَنْ ناقَشْنا الفادي المفترِي في مسألة صَلْبِ المسيح ﵇ وموتِه ورَفْعِه إِلى السماء، عندما أَثارَ موتَ المسيحِ ثم حياتَه بعدَ موتِه، وذَكَرْنا ما قالَه القرآنُ حولَ ذلك.

стр. 315

وقد عادَ الفادي إِلى هذا الموضوع، وخَصصَ له مَبْحثاً خاصّاً، وهو السؤالُ الثامنُ والتسعون، الذي جَعَلَ عنوانه: " خِدْعَة إِلْقاءِ شبهِ المسيحِ على غيرِه ". اتهمَ الفادي المفترِي القرآنَ بالتناقُضِ في حديثِه عن عيسى ﵇، فأَحياناً يَذْكُرُ أَنَّ اليهودَ لم يَقْتُلوهُ ولم يَصْلُبوهُ، وإِنما قَتَلوا وَصَلَبوا شَبَهَه، وأَحياناً يذكُرُ أَنهم قَتَلوا المسيحَ ودَفَنوه، ثم أحياهُ اللهُ بعدَ موتِهِ، ورَفَعَهُ إِلى السَّماء!!. قالَ: " جاءَ في سورةِ النساء: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) . بسببِ هذه الآيةِ القرآنيةِ الواحدةِ يُنْكِرُ بعضُ المسلمين صَلْبَ المسيح، مع أَنَّ في القرآنِ ثلاثَ آياتٍ تقطعُ أَنَّ المسيحَ تُوُفِّيَ ومات، وبُعِثَ حَيّاً، ورُفِعَ إِلى السماء. وهي: (يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) . و (كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) . (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ". ثم قال: " ونحنُ نَسأل: كَيْفَ يَقولُ القرآنُ مرةً: إِنَّ المسيحَ لم يُصْلَبْ ولم يُقْتَل، بل رُفِعَ حَيّاً، ويَقولُ مِراراً: إِنه تُوُفِّيَ وماتَ ثم رفِعَ حَيّاً؟!. وإِنْ جازَ أَنْ يُقالَ: إِنَّ اللهَ يُلقي شَبَهَ إِنسانٍ على آخَر، أَلا يَفتحُ هذا بابَ الشَّكِّ في كلِّ شَيء؟ فإِذا رأيتَ زيداً، يُحتملُ أَنه ليسَ بزَيْد، بل أُلْقِيَ شَبَهُ زيدٍ عليه، وعند ذلك لا تَبْقى على الأَرضِ حقيقة! بل إِنّنا نَشُكُّ في التَّواتر، لأَننا نتساءل إِنْ كانَ ما رواهُ الأَوَّلونَ حقّاً أَو شَبيهاً بالحَق، بل إِنَّنا نَشُكُّ في الشرائعِ التي جاءَ بها أَشباهُ الأَنبياءِ، بل الأَنبياءُ أَنفسُهم! وهل في إِلْقاءِ الشَبَهِ

стр. 316

على آخَرَ ليَقْتُلَه اليهودُ بَدَلَ المسيح شيءٌ من العَدْلِ على الرجلِ المقْتول؟ أَلَا يَظُنُّ اليهودُ أَنَّ اللهَ يُعِزُّ المسيحَ ويُكْرِمُه؟ إِنَّ الذينَ يُنكرونَ الصلْبَ يَرسمونَ لنا اللهَ إِلهاً يَرضى بالغِشِّ والكذِب ". لقد أَثارَ الفادي المفترِي في كلامِه مجموعةً من الإِشكالاتِ والمغالطات، ويُمكنُ الرَّدُّ عليها في النقاط التالية: ١ - زَعَمَ أَنَّ القرآنَ مُتَناقِضٌ في حديثِه عن نهايةِ المسيح ﵇، فقالَ: إِنَّ اليهودَ لم يَقْتُلوه ولم يَصلبوه، وإِنما شُبِّهَ لهم، وقالَ: إِنّ عيسى تُوُفِّيَ وماتَ ثم بُعِثَ حَيّاً، وصَعَدَ إِلى السّماء. وهذا زَعْمٌ باطلٌ مردود، فلم يَتَناقض القرآنُ في حديثِه، ولا تَناقُضَ بين الآياتِ القرآنيةِ التي تتحدَّثُ عن الموضوعِ الواحد، وإِذا كان هناكَ تَناقُضٌ أَو تَعارض فهو موهوم، ناتِجٌ عن سوءِ فَهْمِها، ويُمكنُ إِزَالةُ ذلك التعارضِ بإِمْعانِ النظرِ فيها، وإِحسانِ فَهْمِها، ودِقَّةِ الجَمْعِ بينها. ٢ - المعْتَمَدُ في أَمْرِ المسيحِ ﵇ آياتُ سورةِ النساء، التي تُصَرِّحُ أَنَّ اللهَ حمى رسولَه عيسى ﵇، وعَصَمَه من كيدِ اليهود، فلما أَتَوْا بالجنودِ الرومانِ لصَلْبِه وقَتْلِه، أَلْقى اللهُ شَبَهَهُ على أَحَدِ تلاميذِه المتَبَرِّعين، فأَخَذوا المؤمنَ المتَبَرِّعَ، وقَتَلوهُ وصَلبوهُ على أَنه عيسى، ثم أَنْزَلوهُ ودَفَنوه! أَمّا عيسى ﵇ فقد أَنْجاهُ اللهُ وعَصَمَه وحَماه، ورَفَعَه إِلى السماءِ مُباشَرَة، فلم يُصَبْ بأَذى. ٣ - لم يَتَحدث القرآنُ عن صَلْبِ عيسى ودَفْنِه وموتِه، ثم قيامَتِه حَيّاً من قَبْرِه، كما ادّعى الفادي ذلك ونَسَبَهُ للقرآن. وقد سَبَقَ أَنْ ناقَشْناهُ في مَعْنى قولِه تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا) . وخُلاصةُ مَعْنى الآيةِ: أَنه بعدَ أَنْ أُلْقِيَ شَبَهُ عيسى ﵇ على ذلك الشابَ المتطوّع، بحيثُ صارَ كَأَنَّه عيسى تَماماً، أَلقى اللهُ النومَ على

стр. 317

عيسى ﵇، فنامَ وهو وسطَ تَلاميذِهِ الحَوارِيّين، في تلك الليلةِ المثيرة، وتوفّاة اللهُ بأَنْ أَنامَه، ثم رَفَعَه إِلى السماءِ وهو نائم، وكان ذلك بروحِه وجَسَدِه، وتَمَّ بآيةٍ خارقةٍ ومعجزةٍ باهرةٍ من الله!. فليسَ معنى قولِه: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) : سأَسْمَحُ لليهود بصلْبِك وقَتْلِك ودَفْنك، وأَكونُ بهذا قد أَمَتُّكَ وَتَوَفَّيْتُكَ، ثم أْحْييكَ بعدَ دفنِك مباشرة، وأَرفعكَ إِلَيَّ حَيّاً. كما يؤمنُ بذلك الفادي وأَهْلُ مِلَّتِهِ من النصارى. وإِنما مَعْناها: إِنّي مُنيمُك، ورافِعُكَ إِلَيَّ وأَنتَ نائِم، وبذلك أُطهِّرُكَ من الذين كَفَروا، فلم تَمتدَّ أَيديهم إِليكَ بسوء. ٤ - لا يَدُلّ قولُه تعالى: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) : لما أَمَتَّني عَلى الصليب، كما فهمَ ذلك الفادي المفترِي، إِنّما المرادُ بها هنا الوفاةُ الحقيقيةُ، التي سَيَتَوَفّى اللهُ بها عيسى ﵇، عندَ انتهاءِ أَجَلِه، وذلك بعدَ نزوله في آخرِ الزمان، حيث سيتوَفّاهُ اللهُ ويُميتُه كما يَتَوَفّى ويُميتُ أَيَّ إِنْسان!. ٥ - أَمّا قولُه تعالى: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) فليس كما فهمَه الفادي المفترِي، بما يَتفقُ مع هَواه، من أَنه ماتَ ودُفِنَ، ثم بَعَثَه اللهُ حَيّاً بعد ذلك ورَفَعَه إلى السماء، وإنما يُخبرُ عن المراحلِ الثلاثةِ التي يَمُرُّ بها عيسى ﵇، كما يَمُرُّ بها كلُّ إِنسان، وهي ميلادُه، ثم موتُه، ثم بعثُه حيّاً يومَ القيامة. فعيسى الحيّ الآنَ في السماءِ، سيُنْزِلُهُ اللهُ في آخرِ الزمان، ثم يُميتُه، ثم يَبْعَثُه حَيّاً يومَ القيامة كما يَبْعَثُ باقي الناس. وبهذا نُزيلُ التناقضَ الموهومَ بين الآيات، ونَعْرِفُ من القرآنِ أَنَّ اليهودَ لم يَقْتُلوا عيسى ولم يَصْلبوه، وأَنامَه اللهُ، وتوفّاه تَوَفِّيَ نَوْمٍ، ورَفَعَه إِليه وهو نائم، وسيُنزلِهُ في آخرِ الزمان، ويُميتُه كما يُميتُ باقي البشر، ويبعثُه حَيّاً يوم القيامة كما يَبْعَثُ باقي البَشَر!!.

стр. 318

٦ - لا يَتَرَتّبُ على إِلقاءِ شَبَهِ عيسى ﵇ على تلميذه المتطوِّعِ الإِشكالاتُ التي ذَكَرَها الفادي، لأَن هذا أَمْرٌ خاصٌّ أَرادَهُ الله، ومعجزةٌ خاصَّةٌ قَدَّرَها الله، ليحميَ بها عَبْدَه ورسوله عيسى ﵇، ولا يَصيرُ ذلك الشابُّ المؤمنُ على شَكْل عيسى ﵇ إِلّا بأَمْرِ الله، ولا يُؤَدي هذا إِلى الشَكِّ في الحقائقِ والأَشياءِ والأَشخاص، لأَنَّ هذه المعجزةَ لا تُعَمَّم على الجميع! كما أَنه ليسَ في الأَمر ظلمٌ للشاب المتطوِّع، الذي أُخِذَ وقُتِلَ وصُلِبَ على أَنه عيسى ﵇، لأَنه تبرعَ بذلك ورضيَ به، طالِباً الأَجْرَ من الله، حيثُ استَجابَ لدعوةِ عيسى ﵇: " مَنْ منكُم يَرْضَى أَنْ يُلقى عليه شَبَهي، فيؤْخَذَ ويُقْتَلَ، ويكونَ معي في الجنة؟ ". فقالَ ذلك الشاب: أنا. ٧ - الجملةُ الأَخيرةُ من كلامِ الفادي فاجرةٌ قَبيحةٌ مرذولة: " إِنّ الذينَ يُنْكرونَ الصَّلْبَ يَرسمونَ لنا اللهَ إِلهاً يَرضى بالغِشِّ والكَذِب! ". أَيْ أَنَّ ذلك الشابَّ الفدائى المتطوِّعَ كان كاذِباً غَشّاشاً عندما صارَ شَبيهاً بعيسى ﵇، علماً أَنَّ الأَمْرَ لم يَتِمَّ بفعْلِه، إِنما تَمَّ بفعلِ الله، وبما أَنَّ اللهَ الذي أَرادَ ذلك وفَعَلَه فهو الصوابُ الذي لا خَطَأ فيه!. *** حول تكفير الصوم للخطايا وَقَفَ الفادي المفترِي أَمَامَ تكفير صومِ رمضانَ للخطايا، وفَضْلِ ليلةِ القَدْرِ فيه، التي هي خيرٌ من أَلْفِ شَهْر، وأوردَ أَحاديثَ لم تَصح عن رسولِ اللهِ ﷺ ، ثم اعترضَ عليها. بعدَما سَجَّلَ آياتِ سورةِ القَدْرِ قال: جاءَ في حديثٍ عن ابنِ عباس: " إذا كانَتْ ليلةُ القَدْرِ أَمَرَ اللهُ جبريلَ أَنْ يَنزلَ إِلى الأَرض، ويَنزلَ معه سَبعُونَ أَلْفَ مَلَك، سُكان سدرةِ المنْتَهى، ومعهم أَلويةٌ من النّور، فَيُرَكّزونَ أَلويتَهم في

стр. 319

المسجدِ الحرام ومسجدِ محمد وبيتِ المقدس، ويُرَكِّزُ جبريلُ لواءً أَخضرَ على ظهرِ الكعبة.. ثم تَتَفرقُ الملائكةُ في أَقطارِ الأَرضين، فيَدْخُلونَ على كُلِّ مؤمن، يَجِدونَه في صلاةٍ أَو ذِكْرٍ، يُسَلِّمون عليه ويُصافحونَه، ويُؤَمِّنونَ على دُعائِه، ويَستغفرونَ لجميع أُمَّةِ محمدٍ حتى مَطْلَعِ الفجر ... "!! وفي حديث آخَر: " إِنَّ اللهَ يُعتقُ في كُلًّ يَوْمٍ من رمضان ستَّمئةِ أَلْفِ عَتيقٍ من النار، فإِذا كانَ آخْرُ يومٍ منه أَعتقَ بقَدْرِ ما مَضى! ". والحَديثان اللَّذان ذَكَرَهما لَيْسا صحيحين، ولم يَقُلْهما رسولُ الله ﷺ ، وفيهما مبالغةٌ واضحة غيرُ مقبولة. وانظرْ إلى شيطنةِ وخُبْثِ الفادي المجرم، في قولِه عن المساجدِ الثلاثة: " فَيُرَكّزونَ أَلويتَهم في المسجدِ الحرامِ ومسجدِ محمدٍ وبيتِ المقدس ". الروايةُ التي نقلَها تقول: " المسجدُ الحرامُ والمسجِدُ النبويُّ وبيتُ المقدس ". فَحَذَفَ المفتري المحَرِّفُ كلمةَ " المسجدِ النبوي "، وَوَضَعَ مكانها " مسجدَ محمد "!. وذلك ليَنْفي نُبُوَّةَ محمدٍ ﷺ ، لأَنه لا يؤمنُ بأَنه رسولُ الله، وإِنما هو كاذب مُفْتَرٍ مُدَّعٍ، ادّعى أَنه نبيّ، وأَلَّفَ القرآن، ولذلك يَحرصُ في كتابِه على حَذْفِ أَيِّ كلمةٍ تُشيرُ إِلى نبوَّتِه، فيحذفُها ويَضَعُ مكانَها اسْمَه المجرَّدَ! حتى لو أَدّى ذلكَ إِلى التلاعبِ بالنَّصِّ الذي أَمامَه وتحريفِه، وهذا مما لا يتفقُ مع الأَمانةِ العلميةِ في التعامُلِ مع النصوصِ المخالفة!. وقد اعترضَ الفادي على الحديئَيْن اللذين أَوردَهما، وخَطَّاَ القولَ بأَنَّ الصومَ يُؤَدّي إِلى مغفرةِ الخطايا. قال: " ونحنُ نَسْأَل: هل مجردُ صومِ رمضانَ يُؤَدّي إلى الخَلاصِ، ويَغفرُ الخَطايا؟ أَلا يُنافي هذا عَدْلَ اللهِ وقَداسَتَه؟ لقد وَفَّقَ اللهُ بحكمَته بينَ عَدْلِه ورحمتِه، وجَعَلَ المسيحَ بتجسّدِه يَموتُ عن الخُطاة، ليخَلِّصَهم من الخطيَّة، ويَمنحَهم القوةَ للعيشةِ بالبِرّ والقَداسَة. إِنَّ الاتكالَ على رحمةِ اللهِ فقط دونَ النظرِ للفداءِ يَطْعَنُ في عَدْلِ الله، فيكونُ اللهُ كمَلِكٍ يُصدرُ قانوناً، ويَتَهاونُ في تنفيذِه، فلا يُعاقِبُ كاسِريه! ".

стр. 320

واعتراضُ الفادي على تَكفيرِ الصوْمِ للخَطايا دَليلِّ على جهْلِه، فالمؤمنُ عندما يَصومُ يَقومُ بجهدٍ وعَمَلٍ وكسْب، ويَفعلُ الخير، مُتَقَرِّباً به إِلى الله، ويُكافؤُه اللهُ على جهدِه وعملِه بتكفيرِ خطاياه، ومضاعفةِ حَسَناتِه، وماذا في ذلك؟ ولماذا لا يَتفقُ هذا التكفيرُ مع عَدْلِ الله؟ ولماذا يُؤَدّي القولُ بهذا إِلى اتِّهامِ اللهِ بالتهاونِ في تَنفيذِ عِقابِه والتراجعِ عنه؟!. إِنَّ اللهَ واسعُ المغفرة، يتقبَّلُ الصالحاتِ من عبادِه الصالحين، ويَتعامَلُ معهم برحمتِه وكَرَمِه، فيضاعِفُ لهم الحسنات، وهو يُريدُ منهم أَنْ يَتَّقوهُ ويُطيعوه، فإِذا أَذْنَبوا ثم تَابوا واسْتَقاموا، وعَمِلوا الطاعات، فيقبَلُهم ويَعفو عنهم، واللهُ غفورٌ رحيم، يَغمرُ التائبين العابدين برحمتِه وفَضْلِه!!. وأَيُّهما الأَدْعى للإِنكارِ والاعتراضِ والتخطئة؟ فكرةُ الإِسلام عن تكفيرِ العباداتِ من صلاةٍ وصوم للذنوبِ والخطايا، أَو فِكرةُ النصرانيةِ عن الخَلاص والفداء؟ التي تَقومُ على أَنًّ اللهَ ضحَّى بابنِه المسيح، وأَذِنَ أَنْ يُقْتَلَ ويُصْلَبَ ليكونَ فادياً للناسِ جميعاً، وكان دَمُ ابنِه المسيح المسفوكُ تَكفيراً لجميعِ ذُنوبِ المذنبين حتى قيامِ الساعة! ولا داعي لأَنْ يَتوبَ هؤلاء المذنبون، ولا أَنْ يَسْتَغْفِروا الله، ولا أَنْ يَعْمَلوا الصالحات، ولا أَنْ يَتَوَقَّفوا عن المعاصي! فاللهُ ضَحَّى بابنِه المخَلِّصِ الفادي من أَجْلِهم!! باللهِ هذا كلامٌ؟! وهذا دين؟! وقائلُ هذا الكلامِ هل هو مُوَحِّدٌ لله؟ وهل هو مُؤَهَّلٌ للاعتراضِ على الإِسلام وتخطئتِه في كلامِه عن تكفيرِ الخطايا بالعملِ الصالح؟ صَدَق في كلامِ الفادي الجاهلِ قَولُ الشاعر: هذاكَلامٌ لَهُ خَبيءٌ ... مَعْناهُ لَيْسَتْ لنا عُقولُ *** نفي النبوة عن نسل إسماعيل ﵇ - يَحصرُ الفادي المفترِي وأَهْلُ مِلَّتِه النبوةَ في بني إِسرائيلَ من نَسْلِ إِبراهيمَ ﵇، ويَنْفونَ النبوةَ عن نَسْلِ إِسماعيل ﵇، وهذا مَعْناهُ أَنهم يَنْفونَ نُبُوَّةَ محمدٍ ﷺ .
следующие страницы →