← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1431

القرآن ونقض مطاعن الرهبان

صلاح الخالدي

Полный текст (753 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

على آخَرَ ليَقْتُلَه اليهودُ بَدَلَ المسيح شيءٌ من العَدْلِ على الرجلِ المقْتول؟ أَلَا يَظُنُّ اليهودُ أَنَّ اللهَ يُعِزُّ المسيحَ ويُكْرِمُه؟ إِنَّ الذينَ يُنكرونَ الصلْبَ يَرسمونَ لنا اللهَ إِلهاً يَرضى بالغِشِّ والكذِب ". لقد أَثارَ الفادي المفترِي في كلامِه مجموعةً من الإِشكالاتِ والمغالطات، ويُمكنُ الرَّدُّ عليها في النقاط التالية: ١ - زَعَمَ أَنَّ القرآنَ مُتَناقِضٌ في حديثِه عن نهايةِ المسيح ﵇، فقالَ: إِنَّ اليهودَ لم يَقْتُلوه ولم يَصلبوه، وإِنما شُبِّهَ لهم، وقالَ: إِنّ عيسى تُوُفِّيَ وماتَ ثم بُعِثَ حَيّاً، وصَعَدَ إِلى السّماء. وهذا زَعْمٌ باطلٌ مردود، فلم يَتَناقض القرآنُ في حديثِه، ولا تَناقُضَ بين الآياتِ القرآنيةِ التي تتحدَّثُ عن الموضوعِ الواحد، وإِذا كان هناكَ تَناقُضٌ أَو تَعارض فهو موهوم، ناتِجٌ عن سوءِ فَهْمِها، ويُمكنُ إِزَالةُ ذلك التعارضِ بإِمْعانِ النظرِ فيها، وإِحسانِ فَهْمِها، ودِقَّةِ الجَمْعِ بينها. ٢ - المعْتَمَدُ في أَمْرِ المسيحِ ﵇ آياتُ سورةِ النساء، التي تُصَرِّحُ أَنَّ اللهَ حمى رسولَه عيسى ﵇، وعَصَمَه من كيدِ اليهود، فلما أَتَوْا بالجنودِ الرومانِ لصَلْبِه وقَتْلِه، أَلْقى اللهُ شَبَهَهُ على أَحَدِ تلاميذِه المتَبَرِّعين، فأَخَذوا المؤمنَ المتَبَرِّعَ، وقَتَلوهُ وصَلبوهُ على أَنه عيسى، ثم أَنْزَلوهُ ودَفَنوه! أَمّا عيسى ﵇ فقد أَنْجاهُ اللهُ وعَصَمَه وحَماه، ورَفَعَه إِلى السماءِ مُباشَرَة، فلم يُصَبْ بأَذى. ٣ - لم يَتَحدث القرآنُ عن صَلْبِ عيسى ودَفْنِه وموتِه، ثم قيامَتِه حَيّاً من قَبْرِه، كما ادّعى الفادي ذلك ونَسَبَهُ للقرآن. وقد سَبَقَ أَنْ ناقَشْناهُ في مَعْنى قولِه تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا) . وخُلاصةُ مَعْنى الآيةِ: أَنه بعدَ أَنْ أُلْقِيَ شَبَهُ عيسى ﵇ على ذلك الشابَ المتطوّع، بحيثُ صارَ كَأَنَّه عيسى تَماماً، أَلقى اللهُ النومَ على

стр. 317

عيسى ﵇، فنامَ وهو وسطَ تَلاميذِهِ الحَوارِيّين، في تلك الليلةِ المثيرة، وتوفّاة اللهُ بأَنْ أَنامَه، ثم رَفَعَه إِلى السماءِ وهو نائم، وكان ذلك بروحِه وجَسَدِه، وتَمَّ بآيةٍ خارقةٍ ومعجزةٍ باهرةٍ من الله!. فليسَ معنى قولِه: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) : سأَسْمَحُ لليهود بصلْبِك وقَتْلِك ودَفْنك، وأَكونُ بهذا قد أَمَتُّكَ وَتَوَفَّيْتُكَ، ثم أْحْييكَ بعدَ دفنِك مباشرة، وأَرفعكَ إِلَيَّ حَيّاً. كما يؤمنُ بذلك الفادي وأَهْلُ مِلَّتِهِ من النصارى. وإِنما مَعْناها: إِنّي مُنيمُك، ورافِعُكَ إِلَيَّ وأَنتَ نائِم، وبذلك أُطهِّرُكَ من الذين كَفَروا، فلم تَمتدَّ أَيديهم إِليكَ بسوء. ٤ - لا يَدُلّ قولُه تعالى: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) : لما أَمَتَّني عَلى الصليب، كما فهمَ ذلك الفادي المفترِي، إِنّما المرادُ بها هنا الوفاةُ الحقيقيةُ، التي سَيَتَوَفّى اللهُ بها عيسى ﵇، عندَ انتهاءِ أَجَلِه، وذلك بعدَ نزوله في آخرِ الزمان، حيث سيتوَفّاهُ اللهُ ويُميتُه كما يَتَوَفّى ويُميتُ أَيَّ إِنْسان!. ٥ - أَمّا قولُه تعالى: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) فليس كما فهمَه الفادي المفترِي، بما يَتفقُ مع هَواه، من أَنه ماتَ ودُفِنَ، ثم بَعَثَه اللهُ حَيّاً بعد ذلك ورَفَعَه إلى السماء، وإنما يُخبرُ عن المراحلِ الثلاثةِ التي يَمُرُّ بها عيسى ﵇، كما يَمُرُّ بها كلُّ إِنسان، وهي ميلادُه، ثم موتُه، ثم بعثُه حيّاً يومَ القيامة. فعيسى الحيّ الآنَ في السماءِ، سيُنْزِلُهُ اللهُ في آخرِ الزمان، ثم يُميتُه، ثم يَبْعَثُه حَيّاً يومَ القيامة كما يَبْعَثُ باقي الناس. وبهذا نُزيلُ التناقضَ الموهومَ بين الآيات، ونَعْرِفُ من القرآنِ أَنَّ اليهودَ لم يَقْتُلوا عيسى ولم يَصْلبوه، وأَنامَه اللهُ، وتوفّاه تَوَفِّيَ نَوْمٍ، ورَفَعَه إِليه وهو نائم، وسيُنزلِهُ في آخرِ الزمان، ويُميتُه كما يُميتُ باقي البشر، ويبعثُه حَيّاً يوم القيامة كما يَبْعَثُ باقي البَشَر!!.

стр. 318

٦ - لا يَتَرَتّبُ على إِلقاءِ شَبَهِ عيسى ﵇ على تلميذه المتطوِّعِ الإِشكالاتُ التي ذَكَرَها الفادي، لأَن هذا أَمْرٌ خاصٌّ أَرادَهُ الله، ومعجزةٌ خاصَّةٌ قَدَّرَها الله، ليحميَ بها عَبْدَه ورسوله عيسى ﵇، ولا يَصيرُ ذلك الشابُّ المؤمنُ على شَكْل عيسى ﵇ إِلّا بأَمْرِ الله، ولا يُؤَدي هذا إِلى الشَكِّ في الحقائقِ والأَشياءِ والأَشخاص، لأَنَّ هذه المعجزةَ لا تُعَمَّم على الجميع! كما أَنه ليسَ في الأَمر ظلمٌ للشاب المتطوِّع، الذي أُخِذَ وقُتِلَ وصُلِبَ على أَنه عيسى ﵇، لأَنه تبرعَ بذلك ورضيَ به، طالِباً الأَجْرَ من الله، حيثُ استَجابَ لدعوةِ عيسى ﵇: " مَنْ منكُم يَرْضَى أَنْ يُلقى عليه شَبَهي، فيؤْخَذَ ويُقْتَلَ، ويكونَ معي في الجنة؟ ". فقالَ ذلك الشاب: أنا. ٧ - الجملةُ الأَخيرةُ من كلامِ الفادي فاجرةٌ قَبيحةٌ مرذولة: " إِنّ الذينَ يُنْكرونَ الصَّلْبَ يَرسمونَ لنا اللهَ إِلهاً يَرضى بالغِشِّ والكَذِب! ". أَيْ أَنَّ ذلك الشابَّ الفدائى المتطوِّعَ كان كاذِباً غَشّاشاً عندما صارَ شَبيهاً بعيسى ﵇، علماً أَنَّ الأَمْرَ لم يَتِمَّ بفعْلِه، إِنما تَمَّ بفعلِ الله، وبما أَنَّ اللهَ الذي أَرادَ ذلك وفَعَلَه فهو الصوابُ الذي لا خَطَأ فيه!. *** حول تكفير الصوم للخطايا وَقَفَ الفادي المفترِي أَمَامَ تكفير صومِ رمضانَ للخطايا، وفَضْلِ ليلةِ القَدْرِ فيه، التي هي خيرٌ من أَلْفِ شَهْر، وأوردَ أَحاديثَ لم تَصح عن رسولِ اللهِ ﷺ ، ثم اعترضَ عليها. بعدَما سَجَّلَ آياتِ سورةِ القَدْرِ قال: جاءَ في حديثٍ عن ابنِ عباس: " إذا كانَتْ ليلةُ القَدْرِ أَمَرَ اللهُ جبريلَ أَنْ يَنزلَ إِلى الأَرض، ويَنزلَ معه سَبعُونَ أَلْفَ مَلَك، سُكان سدرةِ المنْتَهى، ومعهم أَلويةٌ من النّور، فَيُرَكّزونَ أَلويتَهم في

стр. 319

المسجدِ الحرام ومسجدِ محمد وبيتِ المقدس، ويُرَكِّزُ جبريلُ لواءً أَخضرَ على ظهرِ الكعبة.. ثم تَتَفرقُ الملائكةُ في أَقطارِ الأَرضين، فيَدْخُلونَ على كُلِّ مؤمن، يَجِدونَه في صلاةٍ أَو ذِكْرٍ، يُسَلِّمون عليه ويُصافحونَه، ويُؤَمِّنونَ على دُعائِه، ويَستغفرونَ لجميع أُمَّةِ محمدٍ حتى مَطْلَعِ الفجر ... "!! وفي حديث آخَر: " إِنَّ اللهَ يُعتقُ في كُلًّ يَوْمٍ من رمضان ستَّمئةِ أَلْفِ عَتيقٍ من النار، فإِذا كانَ آخْرُ يومٍ منه أَعتقَ بقَدْرِ ما مَضى! ". والحَديثان اللَّذان ذَكَرَهما لَيْسا صحيحين، ولم يَقُلْهما رسولُ الله ﷺ ، وفيهما مبالغةٌ واضحة غيرُ مقبولة. وانظرْ إلى شيطنةِ وخُبْثِ الفادي المجرم، في قولِه عن المساجدِ الثلاثة: " فَيُرَكّزونَ أَلويتَهم في المسجدِ الحرامِ ومسجدِ محمدٍ وبيتِ المقدس ". الروايةُ التي نقلَها تقول: " المسجدُ الحرامُ والمسجِدُ النبويُّ وبيتُ المقدس ". فَحَذَفَ المفتري المحَرِّفُ كلمةَ " المسجدِ النبوي "، وَوَضَعَ مكانها " مسجدَ محمد "!. وذلك ليَنْفي نُبُوَّةَ محمدٍ ﷺ ، لأَنه لا يؤمنُ بأَنه رسولُ الله، وإِنما هو كاذب مُفْتَرٍ مُدَّعٍ، ادّعى أَنه نبيّ، وأَلَّفَ القرآن، ولذلك يَحرصُ في كتابِه على حَذْفِ أَيِّ كلمةٍ تُشيرُ إِلى نبوَّتِه، فيحذفُها ويَضَعُ مكانَها اسْمَه المجرَّدَ! حتى لو أَدّى ذلكَ إِلى التلاعبِ بالنَّصِّ الذي أَمامَه وتحريفِه، وهذا مما لا يتفقُ مع الأَمانةِ العلميةِ في التعامُلِ مع النصوصِ المخالفة!. وقد اعترضَ الفادي على الحديئَيْن اللذين أَوردَهما، وخَطَّاَ القولَ بأَنَّ الصومَ يُؤَدّي إِلى مغفرةِ الخطايا. قال: " ونحنُ نَسْأَل: هل مجردُ صومِ رمضانَ يُؤَدّي إلى الخَلاصِ، ويَغفرُ الخَطايا؟ أَلا يُنافي هذا عَدْلَ اللهِ وقَداسَتَه؟ لقد وَفَّقَ اللهُ بحكمَته بينَ عَدْلِه ورحمتِه، وجَعَلَ المسيحَ بتجسّدِه يَموتُ عن الخُطاة، ليخَلِّصَهم من الخطيَّة، ويَمنحَهم القوةَ للعيشةِ بالبِرّ والقَداسَة. إِنَّ الاتكالَ على رحمةِ اللهِ فقط دونَ النظرِ للفداءِ يَطْعَنُ في عَدْلِ الله، فيكونُ اللهُ كمَلِكٍ يُصدرُ قانوناً، ويَتَهاونُ في تنفيذِه، فلا يُعاقِبُ كاسِريه! ".

стр. 320

واعتراضُ الفادي على تَكفيرِ الصوْمِ للخَطايا دَليلِّ على جهْلِه، فالمؤمنُ عندما يَصومُ يَقومُ بجهدٍ وعَمَلٍ وكسْب، ويَفعلُ الخير، مُتَقَرِّباً به إِلى الله، ويُكافؤُه اللهُ على جهدِه وعملِه بتكفيرِ خطاياه، ومضاعفةِ حَسَناتِه، وماذا في ذلك؟ ولماذا لا يَتفقُ هذا التكفيرُ مع عَدْلِ الله؟ ولماذا يُؤَدّي القولُ بهذا إِلى اتِّهامِ اللهِ بالتهاونِ في تَنفيذِ عِقابِه والتراجعِ عنه؟!. إِنَّ اللهَ واسعُ المغفرة، يتقبَّلُ الصالحاتِ من عبادِه الصالحين، ويَتعامَلُ معهم برحمتِه وكَرَمِه، فيضاعِفُ لهم الحسنات، وهو يُريدُ منهم أَنْ يَتَّقوهُ ويُطيعوه، فإِذا أَذْنَبوا ثم تَابوا واسْتَقاموا، وعَمِلوا الطاعات، فيقبَلُهم ويَعفو عنهم، واللهُ غفورٌ رحيم، يَغمرُ التائبين العابدين برحمتِه وفَضْلِه!!. وأَيُّهما الأَدْعى للإِنكارِ والاعتراضِ والتخطئة؟ فكرةُ الإِسلام عن تكفيرِ العباداتِ من صلاةٍ وصوم للذنوبِ والخطايا، أَو فِكرةُ النصرانيةِ عن الخَلاص والفداء؟ التي تَقومُ على أَنًّ اللهَ ضحَّى بابنِه المسيح، وأَذِنَ أَنْ يُقْتَلَ ويُصْلَبَ ليكونَ فادياً للناسِ جميعاً، وكان دَمُ ابنِه المسيح المسفوكُ تَكفيراً لجميعِ ذُنوبِ المذنبين حتى قيامِ الساعة! ولا داعي لأَنْ يَتوبَ هؤلاء المذنبون، ولا أَنْ يَسْتَغْفِروا الله، ولا أَنْ يَعْمَلوا الصالحات، ولا أَنْ يَتَوَقَّفوا عن المعاصي! فاللهُ ضَحَّى بابنِه المخَلِّصِ الفادي من أَجْلِهم!! باللهِ هذا كلامٌ؟! وهذا دين؟! وقائلُ هذا الكلامِ هل هو مُوَحِّدٌ لله؟ وهل هو مُؤَهَّلٌ للاعتراضِ على الإِسلام وتخطئتِه في كلامِه عن تكفيرِ الخطايا بالعملِ الصالح؟ صَدَق في كلامِ الفادي الجاهلِ قَولُ الشاعر: هذاكَلامٌ لَهُ خَبيءٌ ... مَعْناهُ لَيْسَتْ لنا عُقولُ *** نفي النبوة عن نسل إسماعيل ﵇ - يَحصرُ الفادي المفترِي وأَهْلُ مِلَّتِه النبوةَ في بني إِسرائيلَ من نَسْلِ إِبراهيمَ ﵇، ويَنْفونَ النبوةَ عن نَسْلِ إِسماعيل ﵇، وهذا مَعْناهُ أَنهم يَنْفونَ نُبُوَّةَ محمدٍ ﷺ .

стр. 321

وبَحَثَ الفادي المفترِي في القرآنِ نفسِه عن دليلٍ يَحصرُ فيه النبوةَ ببني إِسرائيلَ، ويَنفي نبوةَ محمدٍ ﷺ ! وادَّعى أَنَّه وَجَدَ آيتَيْن تُصَرِّحانِ بذلك!. قالَ: جاء في سورة الجاثية (١٦) : (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦) . وجاء في سورة العنكبوت (٢٧) : (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا) . وخَرَجَ من الآيَتيْن بنتيجةٍ فاجرة! قال: " وهذا تَصريحٌ بأَنَّ النبوةَ محصورةٌ في بَني إِسرائيلَ دون سواهم، وهي تُوافقُ رَأَيَ التوراة، التي تُحَذِّرُ بَني إِسرائيلَ مِنْ قَبولِ مَنْ يَدَّعي أَنه نبيّ من ذريةِ إِسْماعيل ". ثم ذَكَرَ الفادي المفترِي نُصوصاً من سِفْرِ التكوينِ تُصَرِّحُ بذلك، منها: " قالَ إِبراهيمُ لله: ليتَ إِسْماعيلَ يَعيشُ أَمامَك! فقال الله: بل سارةُ امرأَتك تَلِدُ لك ابْناً وتَدْعو اسْمَه إِسحاق، وأُقيم عَهدي معه عَهْداً أَبدِياً لنَسْلِه منْ بَعْده! ". هذا النَّصُّ يَنفي نُبُوَّةَ إِسْماعيل ﵇، ويَرفعُ البركةَ عنه، وكأَنَّه ليس ابنَ إبْراهيمَ ﵇، ويَخُصُّ البركةَ والنبوَّةَ بإِسحاق ﵇ ونَسْلِه وذرِّيَّتِه!! وهذا كَلامٌ باطل، وهو من تأَليفِ الأَحبار، وهو مَردودٌ لأَنَّهُ يَتعارَضُ مع القرآنِ الذي صَرَّحَ بنبوةِ إِسْماعيلَ ﵇. ويَنقلُ الفادي المفْتَري من سِفْرِ التكوينِ المفترى قولَ اللهِ لإِسْحاق: " وأُكَثِّرُ نَسْلَكَ كَنُجومِ السماء، وأُعْطي نَسْلَكَ جميعَ هذه البلادِ، وتَتَبارَكُ في نَسْلِكَ جَميعُ أُمَمِ الأَرض "!. كما يَنقلُ قولَ اللهِ ليعقوبَ الهاربِ من أخيه عيسو: " ويكونُ نَسْلُكَ كَتُرابِ الأَرض، وتمتَدُّ شَرْقاً وغَرْباً وشمالاً وجَنوباً، ويَتَبارَكُ فيك وفي نَسْلِكَ جَميعُ قبائلِ الأَرض ". وقد كَذَّبَ القرآنُ كَلامَ الأَحبار، فاللهُ لم يُعْطِ إِبراهيمَ ﵇ وَعْداً مُطْلَقاً مَفْتوحاً، له ولذريَّتِه من نَسْلِ إِسحاقَ فقط، إِنما جعلَ الإمامةَ في الصَّالحينَ من

стр. 322

ذريتِه، سواءٌ كانوا من نَسْلِ إِسماعيلَ أَو من نَسْلِ إِسْحاق، وحَرَمَ الظالمينَ الكافرين من عَهْدِه وفَضْلِه. قال تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) . ثم مَنْ قال: إِنَّ نَسْلَ إِسحاقَ ويَعقوبَ أَكثرُ الأَقْوامِ نَسْلاً، وأَنَهم لا يُحْصَوْنَ لكثرتِهم، وأنَّهم كتُرابِ الأَرضِ ونُجومِ السماء؟ إِنَّ الواقعَ يُكَذَبُ ذلك، فاليهودُ في هذه الأَيامِ لا يَزيدونَ عن خمسةَ عَشَرَ مَلْيوناً في العالمِ أَجْمع، وكثيرٌ منهم لَيْسوا من أُصولٍ يَهوديةٍ إِسرائيلية، أَيْ ليسوا من نَسْلِ إِسحاقَ ويَعقوبَ ﵉، وإنما هم من أُصولٍ غير إِسرائيليةٍ دَخَلَتْ في الديانةِ اليهودية!. وقد ادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ النبوةَ محصورةٌ في نَسْلِ إِبراهيمَ وإسحاقَ ويَعقوبَ ﵈ قال: " فالبركَةُ للعالَمِ والعهدُ الإِلهيُّ عن النسلِ الموعودِ به يَنحصرُ في نَسْلِ إِبراهيمَ وإِسحاقَ ويَعقوبَ إِلى المسيح ". ومعنى قولِه هذا نفيُ نُبوَةِ الأَنبياءِ السابقين من غيرِ بَني إِسرائيل، والكفرُ بهم، مثلُ هودٍ وصالحٍ وشعيبِ عليهم الصلاة والسلام، والكفرُ بهم كفرٌ بالله، فهذا مظهرٌ من مظاهر كُفْر الفادَي بالله. وصرَّحَ الفادي المفترِي بعدَ ذلك بنفيِ نُبُوَّةِ محمدٍ ﷺ . قالَ: " فإذا كانت النبوةُ محصورةً في بَني إِسرائيل، حسبَ شَهادةِ التوراةِ والإِنجيلِ والقرآن، فكيف يكونُ محمدٌ نبياً؟ ". إِنَّ المفْتَري يَفْتَرِي ويَكْذِبُ على القرآن، ويَدَّعي أَنَّ القرآنَ حَصَرَ النبوةَ في بَنِي إِسرائيل، وهذا كَذِبٌ على القرآن، فقد ذَكَرَ القرآنُ قَصَصَ أَنبياءٍ من غيرِ بَني إِسرائيل، مثلُ: نوحٍ وهودٍ وصالحٍ ولوطٍ ومحمد، عليهم الصلاة والسلام. وقد صرَّحَ المفترِي بكفْرِهِ الصريح في نَفْي نبوةِ محمدٍ ﷺ : "فكيفَ يَكونُ محمدٌ نبياً؟ " وهو بهذا يُكَذِّبُ الآيات ِ القرآنيةَ الكثيرةَ التي تُصَرِّحُ بنبوةِ

стр. 323

محمدٍ ﷺ " كقولِه تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) . وهذا مظهرٌ آخَرُ من مظاهر كُفْرِه بالله!. ويُكَذِّبُ الفادي المجرمُ القرآنَ في تصريحِه بنبوةِ إِسماعيلَ ﵇. قال: وكيفَ يقولُ القرآن: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) ، ثم يَقولُ: إِنَّ محمداً وَحْدَه نبيُّ العرب، وقَبْلَه لم يُرْسَلْ لهم نبيٌّ: (وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) ، وقال: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) . يُريدُ المفْتَري أَنْ يَتَّهِمَ القرآنَ بالتناقُضِ، فهو يَذْكُرُ أَنَّ إِسماعيلَ ﵇ كانَ رسولاً نبِياً، ثم يَذْكُرُ أَنَّ اللهَ لم يَبْعَثْ رسولاً نبيّاً للعَرَبِ قبل محمدٍ ﷺ . مع أَنه لا تَناقُضَ بين آياتِ القرآن، فإِسماعيلُ بنُ إِبراهيمَ ﵉ بَعَثَهُ اللهُ رسولاً إِلى العربِ الذين كانوا في مكةَ، عندما تَمَّ بِناءُ الكعبة، وبذلك ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ ؤرسالتُه!.. ولما نفى اللهُ وُجودَ رسولٍ نذيرٍ للعرب في الحجازِ قبلَ نبوةِ محمدٍ ﷺ إِنما أَرادَ نَفْيَ وُجودِ نبيٍّ من زَمنٍ قريب، لأَنَّ آخِرَ الأَنبياءِ هو عيسى ﵇، وهو خاتَمُ أَنبياءِ بني إِسرائيل. وأَخْبَرَنا رسولُ اللهِ ﷺ عن عدمِ وُجودِ أَنبِياءَ بينَه وبينَ عيسى ﵇، وهي مدةُ ستةِ قُرونٍ تقريباً، فالآياتُ التي نَفَتْ إِرسالَ نَذيرٍ للعَرَبِ في الحجازِ تحدَّثَتْ عن الفترةِ بينَ عيسى ومحمد - صلى الله عليهما وسلم - ولَا تَمتَدُّ هذِه الفترةُ لتَنْفي نبوةَ إِسماعيل، الذي كانَ قبلَ محمدٍ عليهما الصلاة والسلام بأَكثرَ من أَلْفَيْ سنة!. إِنَّ إِسماعيلَ نبيٌّ رسولٌ ﵊، وإِنَّ محمداً رسولُ الله وخاتَمُ النبيين ﷺ ، هذا ما ذَكَرَهُ القرآن، وهذا ما نُؤمنُ به، ومَنْ أَنكرَ نُبُوَّتَهما - كالفادي المجرمِ - فهو كافرٌ بالله، لأَنه كَذَّبَ ما قالَه اللهُ في القرآن.. وليست النبوةُ محصورةً في بني إِسرائيلَ كما ادَّعى الفادي المفترِي، فهناكَ أَنبياء من غيرِ بني إِسرائيل، مثلُ هودٍ وصالحٍ - صلى الله عليهما وسلم -، لأَنَّ اللهَ بَعَثَ لكلِّ أُمَّةٍ نذيراً، كما قالَ

стр. 324

تعالى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤) . مع أَنَّ معظمَ الأَنبياءِ المذكورين في القرآنِ إِنما بُعِثوا لبني إسرائيل، وكانوا من بَني إِسْرائيل!!. ووقفَ الفادي المفترِي أَمامَ بعضِ الآياتِ التي تُثْني على إِسحاقَ ويعقوب، واستدلَّ بها على عدمِ نبوةِ إِسماعيل. قال: " وذَكَرَ القرآنُ مِراراً أَنَّ إِسحاقَ (الابنَ الثاني لإِبراهيم) ويَعقوبَ (حفيدَه) هما هبةُ اللهِ لإِبراهيم، دونَ ذِكْرِ إِسماعيلَ (مع أَنه بِكْرُ إِبْراهيم) فقال: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا) ، وقال: (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) ". وما خَرَجَ به الفادي المفترِي من الآياتِ غَيْرُ صَحيح، فبينما اكْتَفَتْ بعضُ الآياتِ بذكْرِ إِسحاقَ ويعقوب، فقد ذَكَرَتْ آياتٌ أُخرى إِسماعيل، وأَثْنَتْ عليه كما أَثْنَتْ عليهما، عليهم جميعاً الصلاة والسلام. فالآياتُ التي ذكَرَتْ إِسحاقَ ويَعقوبَ ﵇ في سورةِ مريم، تَلَتْها آياتٌ أَثْنَتْ على إِسماعيلَ ﵇، حيثُ قالَ اللهُ عنه: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) . وسورةُ الأَنبياءِ التي أَثْنَتْ على إِسحاقَ ويعقوب- ﵉: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) . أَثْنَتْ بعدَ ذلك على إِسماعيلَ ﵇: (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) . وسورةُ الأَنعامِ التي ذَكَرَتْ إِسحاقَ ويَعقوبَ ﵉: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا) ، ذَكَرَتْ إِسماعيل ﵇ بعد ذلك: (وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) . وسورةُ الصافات التي تحدثَتْ عن إِسحاقَ: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣) .

стр. 325

تَحَدَثْتَ عن إِسماعيلَ غَظبز قبلَ ذلك، وذكرتْ قصةَ الذبْحِ والفِداء: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) . ولما حَضَرَ يعقوبَ ﵇ الموت وأَرادَ أَنْ يطمئِنَّ على تَدَيُّنِ أَولادِه، سأَلَهم عن مَنْ سيَعْبُدونَ من بعده؟ فذكروا أنهم سيعبدونَ إِله آبائِه، ومنهم عَمُّه إِسماعيلُ، قال تعالى: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) . وقُدِّمَ إِسماعيلُ على إِسحاقَ ضمنَ ذِكْرِ مجموعةٍ من الأَنبياء، وذلك في قولِه تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) . *** هل بلاد العرب للمسيح ﵇ -؟ ذَكَرَ الفادي الآيةَ التي تُخْبِرُ أَنَّ نصارى مَخْصوصينَ هم أَقربُ الناسِ مَوَدة للمؤمنين. قال تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) . ولا ننسى أَنَّ هذه الآيةَ لا تَتحدثُ عن كُلِّ النَّصارى، وإنما عن نصارى مخصوصين، هم القِسّيسون والرُّهبانُ الذينَ كانوا مع النَّجاشيِّ مَلِك الحبشة،

стр. 326

والذين تَأَثَّروا بالقرآنِ عندما سمِعوه، وفاضَتْ أَعْيُنُهم من الدَّمْع، وأَعْلَنوا إِيمانَهم بالقرآنِ وبالنبيِّ ﷺ . وهذا ما صَرَّحَتْ به الآياتُ التي بَعْدَ تلك الآية: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) . ولا تَتَحَدَّثُ الآياتُ عن النَّصارى الأَعداءِ المقاتلين الصليبيّين، الذين جَهّزوا الجيوشَ وغَزَوا بلادَ المسلمين، وسَفَكوا دِماءَهم! كما أَنها لا تتحدَّثُ عن النَّصارى الذين حارَبوا القرآن، وشَكَّكوا فيه، وخَطَّؤُوه، وَذمّوه وانتهكوه، من أَمْثالِ هذا الفادي المُعادي!. وقد جَعَلَ الفادي عنوانَ سُؤالِه الواحِدِ بَعْدَ المئة: " بلادُ العَرَبِ للمسيح "! وهو عنوانٌ خطيرٌ مُثير، سَجَّلَ فيه الفادي اَمالَه في أَنْ تكونَ بِلادُ العَرَبِ للنَّصارى، بأَنْ يَتَنَصَّرَ أَهْلُها!. وقالَ المفترِي في كلامِه: " انتشرت المسيحيةُ في بلادِ العَرَب، ودَخَلَتْ قبائِلُها فيها، حِمْيَرُ وغَسَّانُ ورَبيعُ ونَجرانُ والحيرة، وكان بعضُ العربِ حاضِرين عيدَ الخمسين في أُورشليم، فحملوا أَخبارَ المسيحيةِ لبلادِهم ... فلماذا اضطهدَ المسلمون المسيحيّين، فَقَتَلوا بعضَهم، وأَجبروا بعضَهم على الإِسلام، ونَفَوا الباقين؟ ". وكلامُ الفادي غيرُ صَحيح، فلم تَنْتَشر النصرانيةُ في بلادِ العَرَب، ومعظمُ القبائلِ العربيةِ لم تَتَنَصرْ، وبَقِيَتْ على وثنيتِها، والذين تَنَصروا بعضُ القبائلِ العربية على أَطْرافِ بلادِ العَرَب، مثلُ نجران في منطقةِ تهامة والغساسنةِ في شمالِ الجزيرة على حدودِ الشام والرومان، والمناذرةِ على حُدودِ فارس. ولما جاءَ الإِسلامُ، وجاهَدَ المسلمونَ الكافِرين، وفَتَحوا بلادَ الشامِ

стр. 327

والعراق، طَرَدوا الرومانَ من مِصْرَ والشام، وجَعَلوها بلاداً إِسْلامية، وأَخْضعوا سُكّانَها لسلطان المسلمين، ولم يَضطهدوا النَّصارى فيها، ولم يُجْبِروهم على الدخولِ في الإسلام، لأَنه لا إِكْراهَ في الدين. ومَكَّنوا النَّصارى من حريةِ الاختيارِ بدونِ إِكْراه، فدخَلَ معظمُهم في الإِسلام، والذين بَقوا على النصرانيةِ لم يَتَدَخَّلْ بهم المسلمون!. ثم ما دَخْلُ هذا الكلامِ عن النَّصارى في بلادِ العرب بأَخطاءِ القرآن؟ والفادي خَصَّصَ كِتابَه لاكتشافِ وتَسجيلِ أَخطاءِ القرآن!!. *** هل أكلت الشاة القرآن ؟ ذَكَرَ الفادي المفترِي آيةَ سورةِ الحِجْرِ التي تَكَفَّلَ اللهُ فيها بحفْظِ القرآن، وهي قولُه تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) . وذَكَرَ خرافةً تَتَنَاقَضُ مع الآية، تَقومُ على أَكْلِ شاةٍ للوَرَقِ المكتوبِ عليه القرآن! قال: " روى ابنُ ماجه: قالَتْ عائشة: إِنَّ آيةَ الرَّجْمِ والرَّضاعةِ نَزَلَتا ... وكانَ القرطاسُ المكتوبتانِ فيه تَحْتَ فِراشي. وماتَ رسولُ اللهِ ﷺ حينئذٍ، وفيما أَنَا مشغولةٌ بموتِه دَخَلَتْ بَهيمةٌ وأَكَلَت القرطاس "!. وهذه خُرافةٌ مكذوبةٌ موضوعةٌ باطلة، لم تَرِدْ في حديثٍ صَحيح، وَرَدَّها علماءُ الحديث. ولا يَعْتَمِدُها إِلّا صاحبُ هوى مثلُ الفادي المفتري!! وَهَب الحادثةَ حَصَلَتْ، وأَنَّ الشاةَ أَكَلَت الورقَ المكتوبَ عليه بعضُ آياتِ القرآن، الموجودِ في بيتِ عائشة، فهل معنى هذا أَنه ضاعَ بعضُ آياتِ وسورِ القرآن؟ التي أَكَلَتْها الشاة لم تَكُنْ هي النسخةَ الوحيدةَ المدوَّنَةَ من القرآن، بل كانَتْ هناك عشراتُ النُّسَخِ في بيوتِ الصحابة، يمكنُ أَخْذُ الآياتِ المأكولةِ من أَيِّ نسخةٍ منها! إِلّا إِذا هاجَمَت الغنمُ البيوتَ كُلَّها في وقتٍ واحد، وبَلَعَت النُّسَخَ كُلَّها في لحظةٍ واحدة!!.

стр. 328

وكم كانَ الفادي بَذيئاً فاقِدَ الذوقِ والأَدَبِ والحياءِ في تَعليقِه السَّمِجِ على تلكَ الأُكذوبة، حيثُ قال: " فإِذا كان القرآنُ أَقوالَ الله، فلماذا لم يَحْفَظْهُ اللهُ من الضَّياعِ في جوفِ بَهيمة؟ ". *** حول إحراق عثمان المصاحف أَثارَ الفادي الشبهاتِ حولَ إِحراقِ عثمانَ ﵁ المصاحفَ المخالفةَ لمصحَفِه، واعتبرَ هذا طَعْناً في صحةِ القرآنِ وحِفْظِه، ودَليلاً على أَنَّ القرآنَ ليسَ من عندِ الله. ويَتناقضُ مع قوله تعالى: (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢) . فالآيةُ تُقررُ أَن سنةَ اللهِ لا تَتَبَدَّل، وعثمانُ بَدَّلَ القرآن، وهذا معناهُ أَنَّ القرآنَ ليس كلامَ الله، فلو كان كلامَ اللهِ لمنَعَ اللهُ عُثمانَ من تبديلِهِ إ!. قال الفادي المفترِي في تَعْليقِه على الآيةِ السابقة: " أحرقَ عثمانُ بنُ عَفّان - ثالثُ الخلفاءِ الراشدين - جميعَ نُسَخِ القرآنِ التي تَختلفُ عن نسخَتِه، وأَبقى على نسختِه التي كَتَبَها هو. ونحنُ نسأل: أَليستْ جَميعُ الأَقوالِ التي تَختلفُ عن نسخةِ عُثْمان قُرآناً؟ فلماذا أَحْرَقَها؟ ولماذا لم تُحْفَظْ من الضَّياعِ بالنار إِنْ كانَتْ أَقوالَ الله؟ ولماذا بَدَّلَ قرآناً بقُرآن، وأَحرقَ الواحدَ وأَبقى على الآخر؟ ". يَكذبُ الفادي عندما يَدَّعي أَنَّ عُثمانَ كَتَبَ نسخَتَه من القرآن، وأَنه حَرَقَ كُلَّ النسخ المخالفةِ لها، ومَنْ يقرأُ هذا الكلامَ يَظُنُّ أَنَّ عُثمان أَلَّفَ القرآنَ من عنده، وأَنه حَرَّفَه وغَيَّرَه وبَدَّلَه، واستَغَلَّ منصبَه باعتباره خليفَةً، لإِقرارِ واعتمادِ نسختِه المبَدَّلَة المحَرَّفَة، وإِتلافِ جميعِ النسخِ الأُخْرى المخالفةِ لها. ولا يَتَّسِعُ المجالُ للحديثِ المفَصَّلِ عن جَمْعِ القرآنِ وحِفْظِه والمراحلِ التي مَرَّ بها، إِنما نُشيرُ إِشارةً سريعةً إِلى ذلك.

стр. 329

لقد جُمِعَ القرآنُ أَيامَ رسولِ الله ﷺ بطريقَتَيْن: جَمْعُهُ في الصُّدور، بإِتْقانِ حِفْظِه من قِبَلِ الآلافِ الحُفّاظِ من الصحابة. وجَمْعُهُ في السُّطور، بكتابتِه على أدواتِ الكتابةِ الميَسَّرةِ في عصرِهم، وهذا تَمَّ على أَيْدي العشراتِ من الصحابة.. حيث كان الصحابيُّ يَكتبُ على أَوراقِهِ بعضَ سورِ القرآن التى يَخْشى نِسيانَها، فمنهم مَنْ كَتَبَ كُلَّ القرآن، ومنهم مَنْ كَتَبَ نِصْفَه أَو ثلثَه أَو ربعَه أَو بعضَ سورِه. وفي خلافةِ أَبي بكرٍ الصديقِ ﵁ بدأَتْ حركَةُ الجهاد، واستُشْهِدَ كثيرٌ من حُفّاظِ القرآن في المعارك، فدعَت الحاجةُ إلى جَمْع القرآن، وأَلْهَمَ اللهُ عمرَ ﵁ أَنْ يُشيرَ على أبي بكرٍ ﵁ بذلك، وكَلَّفَ أبو بكرٍ زيدَ بنَ ثابتٍ ﵁ بذلك. فكتبَ زيدٌ النسخةَ الأُولى من المصحف، وسَجَّلَ فيها القرآنَ مُرَتَّبَ السورِ والآياتِ كما أَمَرَ اللهُ رسولَه ﷺ ، في العَرْضةِ الأَخيرةِ التي حَضَرَها زيدُ بنُ ثابت ﵁. وكان زيدِّ لا يكتبُ أيةَ آيةٍ في المصحف إِلا بعدَ أَنْ يأتِيَه صحابيٌّ يَحفظُها حِفْظاً مُتْقَناً، ويأتيهِ بها مكتوبةً عنده، ومعه شاهِدٌ آخرُ من الصحابة، وكان زيدٌ نفسُه حافظاً مُتْقِناً. وبهذا كان يشهدُ على كلِّ آيةٍ أربعةٌ من الصحابةِ الحافظين، وكانت الآية مدَوَّنَةً مكتوبة. ووُضعت النسخةُ المعتَمَدَةُ من المصحفِ والتي أَجمعَ عليها جميعُ الصحابةِ عندَ أَبي بكر، ثم عندَ عُمر، ثم عندَ حفصة بنت عمر ﵄. والذي دَعا إِلى اْلجمعِ الثالثِ للقرآنِ في خلافةِ عثمانَ هو بَقاءُ النُّسَخِ الخاصَّةِ مِن مصاحفِ بعضِ الصحابة في بيوتِهم، ولم تَكنْ على طريقةٍ واحدةٍ كما ذكرنا، فأَدّى هذا إِلى اختلافٍ في بعْضِ تلك النُّسَخ، في ترتيبِ بعضِ السور والآيات، للأَسبابِ التي أَشَرْنا لها، وكانَ كُلُّ واحدٍ يُقْرِئُ الآخرين من نسختِه التي قد تخالفُ بعضَ النسخ، فأَلهم اللهُ حذيفةَ بنَ اليَمانِ ﵁ أَنْ يُشيرَ على الخليفةِ عثمان بجمعٍ جديدٍ للقرآن، لاعتمادِ النسخةِ الجديدةِ وإِلغاءِ ما سِواها من النسخ المخالفة!.

стр. 330

فشكَّلَ عثمانُ لجنةً من الصحابةِ برئاسةِ زيدِ بنِ ثابتٍ لإِعادة جَمْع القرآن، على أَساسِ النسخةِ التي كَتَبَها زيدٌ زمنَ الصديق، وأجمعت اللجنة على النسخةِ الجديدة، ثم نَسَخَ منها عدةَ نُسَخ، أُرسلَتْ إلى العواصمِ الإِسلامية في مكةَ واليمن والبصرة والكوفة والشام، وأَجمعَ الصحابةُ على اعتمادِ تلكَ النّسْخَة، بعدَ تَرَدُّدٍ من بعضِهم كعبد الله بن مسعود ﵁، الذي عادَ ووافقَ الصحابةَ على إِجماعهم. وسُمِّيَ ذلك المصحفُ " المصحفَ العثمانيَّ "، نسبةً إلى الخليفةِ عثمانَ الذي جُمِعَ في عهده، وبما أَنه نالَ إِجماع جميعِ الصحابة وإِقْرارَهم، لذلك سُمّيَ " المصحفَ الإِمامَ "!. عند ذلك أَمَرَ عُثمانُ ﵁ أَيَّ صَحابيٍّ عَنْدَه مصحفٌ كاملٌ أَو جزءٌ منه، أَو بعضُ سورٍ منه أَنْ يَحرقَ ما عندَه، لأَنه قد يختلفُ في ترتيبِ بعضِ آياتِه وسورِه عن ما جاءَ في " العَرْضَةِ الأَخيرة "، التي عَرَضَ فيها جبريلُ القرآنَ على رسولِ الله ﷺ . وبذلك أُحْرِقَتْ تلكَ النُّسَخُ غيرُ الكاملةِ للقرآن، واعْتُمِدَ المصحفُ العثماني الإِمامُ، وكان هذا من مظاهرِ حفظِ اللهِ للقرآن!. ولقد مَدَحَ عليّ بنُ أَبي طالب عندما كان أَميراً للمؤمنين جَمْعَ عثمانَ للمصحف، وإِحْراقَه المصاحفَ المخالفة بقولِه: لا تَقولوا في عثمانَ إلّا خَيْراً، فواللهِ ما فَعَلَ ما فَعَلَ إِلّا عن موافقةٍ مِنّا، ولو كنتُ مكانَ عُثْمانَ لفعلْتُ ما فَعَلَ عُثْمان!!. *** كيف يضل الله الإنسان ثم يعذبه ؟ ذَكَرَ الفادي سِتَّ آياتٍ تُخبرُ أَنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ويَهْدي مَنْ يشاء، منها قولُه تعالى: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) ، وقولُه تعالى: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) .

стр. 331

واعترضَ على ما تُقَرِّرُهُ هذه الآيات، واعتبرَه لا يَتفقُ مع رحمةِ اللهِ وعَدْلِه؟ قال: " ونحنُ نَسأل: أَيُّ إِلهٍ هذا، الذي يُضلُّ الناسَ الذينَ خَلَقَهم، ليَملأَ بِهم جهنَّم، بعدَ أَنْ قضى بهذا منذُ الأَزَل قضاءً مُبرماً لا مَفَرَّ منه بالضَّلالةِ والعذاب؟ فأينَ كَرامةُ الإِنسان؟ وأَينَ حريةُ إِرادتِه؟ وما معنى الأَوامِرِ والنَّواهي والشرائعِ، والترغيبِ بالثوابِ والتحذيرِ بالعقاب؟ ". يُريدُ الفادي أَنْ يَقول: كيفَ يُضلُّ اللهُ النّاسَ الذينَ خَلَقَهم؟ وكيفَ كَتَبَ عليهم الضلالَ منذُ الأَزَل؟ وكيف خَلَقَهم إِلى النار؟ وإِذا كانوا مَخْلوقينَ إِلى النارِ فأَين إِرادَتُهم واختيارُهم؟ وما فائدةُ التكاليفِ والشرائعِ والأَوامر؟. يتكلمُ الفادي عن قضيةٍ معروفةٍ في الفكر الإِسلاميِّ بقضيةِ " الجَبْرِ والاختيار " وهل الإِنسانُ مُسَيَّر أَو مُخَيَّر؟ وكَثُرَ حولَهَا الكلامُ عند رجالِ الفرقِ الإِسلامية. وقد كانَ كَلامُ القرآنِ واضِحاً حولَ هذه القضية. ونُلَخِّصُ الكلامَ عنها بالإِشاراتِ السريعةِ التالية: اللهُ الخالقُ لكُلِّ شيءٍ في هذا الوُجود، وكُلُّ شيء يكونُ بإِذْنِ الله ومشيئتِه وإِرادتِه، وحاشَ لله أَنْ يَقعَ شيء في الكونِ رَغْماً عنه، فالخيرُ والشرّ، ْوالكفرُ والإِيمان، والطاعةُ والمعصية، كلُّ ذلك بإِرادتِه سبحانه، لكنَّه لا يَرضى الكفْرَ والمعصيةَ والشَّرّ، ولا يَقْبَلُ ذلك من أَصحابِه، ولذلك يُعاقِبُهم عليه، أَمّا الإِيمانُ والطاعةُ فإنه يَرضاهما، ويقبَلُهما من أصحابهما، ويثيبهُم عليهما!. وكَرَّمَ اللهُ الإِنسانَ الذي خَلَقَه، ومَنَحَه القدرةَ على اختيارِ ما يُريد، ولم يُجْبِرْه على أَيِّ شيء، إِيماناً أَو كفراً، طاعةً أَو معصية، فالإِنسانُ يخْتارُ طريقَه بحريتِه وإِرادتِه، يُمكنُ أَنْ يَختارَ الإِيمانَ والطاعةَ بحريتِه وإرادتِه، ويمكنُ أَنْ يَختارَ الكفرَ والضلالَ بإِرادتِه وحريتِه، واللهُ لا يُجْبِرُه على هذا، ولا على هذا!!.

стр. 332

لكنَّ الإِنسانَ لا يَختارُ إِحدى الطريقَيْن إِلّا بمشيئةِ اللهِ وإذنِه وإِرادتِه؟ لأَنه لا يَحدثُ شيءٌ في الكونِ إِلّا بإِذْنِه ومشيئَتِه كما قَرَّرْنا، فالمؤمنُ يؤمنُ بمشيئةِ الله، والكافرُ يكفُرُ بمشيئةِ اللهِ أَيضاً!. ومشيئةُ اللهِ مشيئَةُ علْمٍ أَوَّلاً، أَيْ أَنَّ اللهَ يَعلمُ أَنَّ فُلاناً سيؤمن، وأَنَّ فلاناً سيكْفُر، وعِلْمُه بذلك منْذُ الأَزَل، قبلَ خَلْقِه سبحانه السمواتِ والأَرض، فيكونُ إِيمانُ المؤمنِ وكُفْرُ الكافرِ تَحْقيقاً لما عَلِمَه اللهُ وشاءَه وقَدَّرَه وأَرادَه!. ومن المعلومِ أَنَّ اللهَ لا يُحاسِبُ الإِنسانَ إِلّا على ما كَسَبَه وعَمِلَه وفَعَلَه، فهو سبحانه لا يُحاسِبُه على ما عَلِمَه منه، ولكنْ يُحاسبُه بعد فِعْلِه المتفقِ مع ما عَلِمَه منه، وهو مُخَيَّرٌ في ما سيفْعَلُه ويَختارُه!. من الآيات ِ الصريحةِ التي تُقَرِّرُ هذه الحقيقةَ قولُه تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) . ومنها قولُه لعالى: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣) . ومنها قولُه تعالى: (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١) . وإذا كانَ الإِنسانُ يؤمنُ بإِذْنِ الله، ويكفُرُ بإِذْنِ الله، بالمفهومِ الذي وَضَّحْناه، كان الإِيمانُ والهُدى بيدِ الله، وكانَ الكفْرُ والضَّلالُ بيدِ الله، فاللهُ هو الذي يَهْدي مَنْ يَشاءُ هدايتَه، واللهُ هو الذي يُضلُّ مَنْ يشاء إِضْلاله، بالمفهوم الذي أوضحناه ... بهذا نفهمُ معنى إسنادِ الهُدى والضَّلالِ إِلى الله، كما في قولِه تَعالى: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) ، وكما في قولِه تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) .

стр. 333

بقيتْ في هذه القضيةِ مسأَلة؟ وهي: مَنْ هو الذي يَشاءُ اللهُ هدايتَه؟ ومَنْ هو الذي يَشاءُ اللهُ إِضْلالَه؟. يَشاءُ اللهُ هدايةَ الشخص الذي يَختارُ الإِيمانَ والهدى ويُريدُه، ويتوَجَّهُ إِليه، ويَرغبُ فيه، فهذا يُعينُه اللهُ ويُثَبِّتُه عليه، ويُحِبُّه ويَرضى عنه، ويُثيبُه على ما فعلَ جَنّاتِ النعيم. ويَشاءُ اللهُ إِضْلَال الشخصِ، الذي يَختارُ الكفرَ والضَّلال، ويَرفضُ الإِيمانَ والهدى، ويَسيرُ في طريقِ الانحرافِ والفساد، ويُحصي اللهُ عليه جرائمَه، ويُحاسبُه على أَفعالِه، ويُعَذَبُه في نارِ جهنَّم. ومن الآياتِ الصريحةِ في تقريرِ هذه الحقيقةِ قولُه تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) . *** بين قدر الله وإرادة الإنسان ذَكَرَ الفادي أَربعَ آياتٍ تُقَرِّرُ أَنَّ كلَّ شيء يَقعُ في هذا الوجودِ - إِنَّما يكونُ بقَدَرِ اللهِ ومشيئَتِه وإِرادَتِه، سواء كانَ الشيءُ خَيْراً أَو شَرّاً. منها قولُه تَعالى: (إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣) . وقولُه تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) . وخَطَّأَ المفترِي هذه الآياتِ ورَفَضَ ما تُقَرِّرُه، واعترضَ عليها قائلاً: " من هذهِ الآياتِ وغيرها كثيرٌ يَرى الإِسلامُ أَنَّ كُلَّ ما يَقَعُ في الوجودِ من خيرٍ وشَرٍّ هو من عندِ الله! فيكونُ اللهُ عِلَّةَ الشُّرورِ ابتداءً، وتكونُ رسالةُ الأَنبياءِ وتكليفهُم

стр. 334

بالكرازةِ والدعوةِ عَبَثٌ لا ضرورةَ له ولا فائدَة فيه!.. وهذا بعكْسِ تعاليمِ الكتابِ المقَدَّس ". وبعدما أَوردَ بعضَ كلامِ المسيحِ في الأَناجيل عن حريةِ الإِنسانِ وإِرادتِه قال: " وقال الفلاسفةُ في البيانِ النظريِّ عن الحيوان: إِنَّه الجسمُ الحَسّاسُ المتحركُ بالإِرادَة.. فإِذا كان حَدُّ الحيوانِ البهيميِّ أَنه متصَرَفٌ بالإِرادة، فكيفَ نتصوَّرُ أَنَّ الإِنسانَ - أَشْرَفَ مخلوقاتِ اللهِ في عالَمِ الحِسّ - عاجِزٌ، مَجْبُورٌ على العصيانِ أَو الطاعة؟ وإذا كان هناك إجبارٌ فما فائدةُ العَقْل؟ ". يَتَحَدَّثُ الفادي المفترِي عن قضيةِ الإِيمانِ بالقَدَر، ولذلك جَعَلَ عنوانَها: " اللهُ قَدَّرَ الشُّرور "! وهذه القضيةُ مرتبطةٌ بالقضيةِ السابقة، التي أَثارَها في السؤالِ السابق، قضيةِ " الجَبْرِ والاختيار ". ونَدْعو إِلى استصحابِ ما قُلْناهُ في المسألةِ السابقةِ ونحنُ نناقشُ الفادي في كلامِهِ عن الإِيمانِ بقَدَرِ الله. نقررُ بدايةً أَنَّ الإِيمانَ بالقَدَرِ جُزْءٌ سادسٌ من أَركانِ الإِيمانِ، وإذا لم يؤمن الإنسان بالقدرِ كان كافراً، حَتّى لو آمَنَ بأَركانِ الإِيمانِ الخَمسةِ الأُخرى: الإِيمانُ بالله، وملائكتِه، وكتبِه، ورسلِه، واليومِ الآخِر. ويَقومُ الإِيمانُ بالقَدَرِ على حقيقةِ أَنَّ كُل شيء يَقَعُ في هذا الوجودِ يكونُ بقَدَرِ اللهِ، وحاش لله أَنْ يقعَ شيءٌ في الوجودِ رَغْماً عنه، فاللهُ هو الذي قَدَّرَ كُلَّ شيءٍ وأَرادَه وشاءَه. والآياتُ التي تُقَرِّرُ هذه الحقيقةَ كثيرة. منها قولُه تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) . وقولُه تعالى: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) .

стр. 335

وهذا معناهُ أَنَّ اللهَ قَدَّرَ كُلَّ شيءٍ في الوجودِ وأَرادَه، وجاءَ هذا الشيءُ كما قَدَّرَهُ اللهُ وأَرادَه، سواءٌ كانَ هذا الشيءُ خَيراً أَو شَرّاً، هُدى أَو ضَلالاً، طاعةً أَو معصية.. وهذا معناهُ أَنَّ الشُّرورَ والمصائبَ تكونُ بقَدرِ اللهِ سبحانه؟ لأَنها إِنْ لم تَكُنْ بقَدَرِ اللهِ وإِرادتِه يكونُ أَصحابُها قد فَعلوها رَغْماً عن الله، ويَكونونَ بذلك قد قَهَروهُ وغَلَبوهُ، وأَعْجَزوهُ وهَزموه!!. وليس معنى كونِ الشُّرورِ واقعةً بقَدَرِ اللهِ وإِرادتِه أَنَّ اللهَ راضٍ عنها مُحِبّ لأَصحابِها، أَو أَنَّ اللهَ مُحِبٌّ لهذه الشرورِ راغبٌ فيها وآمِرٌ بها، فإِنَّ اللهَ لا يَرضى عن الشرور، ولا يُحِبُّ أَصحابَها، ولا يَأَمُرُ بها سبحانَه. ولذلك رَدَّ الله على الذين بَرَّروا فواحِشَهم بأَنَّ اللهَ يُحِبُّها ويأمُرُهم بها بقولِه (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) . ولقد فَرَّقَ القرآنُ بينَ تقديرِه للكفرِ وعَدَمِ رضاهُ به، وبينَ تقديرِه للإِيمانِ والشكرِ ورِضاهُ به. قالَ تعالى: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) . وهذا مَعناهُ أَنَّ القرآنَ يُفَرِّقُ بينَ القَدَرِ والرِّضا والإِرادةِ والمحَبَّة، فليس كلُّ ما يُقَدِّره يَرضى عنه ويَأْمُرُ به، وليس كُلُّ ما يُريدُهُ اللهُ يُحِبُّه، فالشُّرورُ يُقَدِّرُها اللهُ ويُريدُها، لكنَّه لا يَرضى عنها ولا يُحِبُّها، ولذلكَ يُعاقبُ أَصحابَها، أَمّا الطاعاتُ فإِنَّ اللهَ يُقَدِّرُها ويَرضى عنها، ويُريدُها ويحبُّها، ولذلك يُثيبُ أَصحابَها!!. ومِن كُرْهِ اللهِ للشّرورِ أَنه نهى عنها، ومن محبتِه للطاعاتِ أَنه أَمَرَ بها، وأَرسلَ رسلَهُ بالدعوةِ إِلى الخيرِ، والأَمْرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكر. ومن جانبِ آخَر، فإِنَّ اللهَ مَنَحَ الإِنسانَ حريةَ الاختيار، والقدرةَ على الاختيار، وتمكينَه من الاختيار، ولم يُجْبِرْه على شيء، ولم يُكْرِهْهُ على اختيارِ شيء.

стр. 336

عند الإِنسانِ الكافرِ قدرةٌ على اختيارِ الكفر، وعندَ الإِنسانِ المؤمنِ قدرةٌ على اختيارِ الإِيمان، لم يَمنع اللهُ الكافرَ عن كُفْرِه بالقَسْرِ والإِكراه، ولم يُجبر اللهُ المؤمنَ على الإِيمانِ إِجباراً، فالكافرُ كَفَرَ باختيارِه، والمؤمنُ اَمَنَ باختيارِه. لكنَّ اللهَ شاءَ كُفْرَ الكافرِ وأَرادَه، بمعنى أَنه عَلِمَهُ منذُ الأَزَل، وقَدَّرَهُ بقدرته، وأَرادَه بإِرادتِه الكونيةِ العامة، وكان الكافرُ بكفرِه مُتَوافقاً مع علمِ اللهِ وقدرتِه وإِرادتِه، ويُحاسبُه اللهُ عليه، لأَنَّه نَهاهُ عنه وكَرِهَهُ ولم يَرْضهُ منه. أَمّا إِيمانُ المؤمنِ فإِنَّ اللهَ شاءَهُ وأَرادَه، بمعنى أَنَّه عَلِمَه منذُ الأَزَل، وقَدَّرَهُ بقدرَتِه، وأَرادَه بإِرادتِه الكونية والشرعية، والمؤمنُ بإِيمانِه متوافقٌ مع عِلْمِ اللهِ وقدرتِه وإِرادتِه، واللهُ يُحِبُّ ذلك ويَرْضاهُ، ويتقبَّلُهُ منه، ويُثيبُه عليه. بهذا البيانِ الواضحِ يتمُّ التوفيقُ والتنسيقُ بين قَدَرِ اللهِ وقُدْرَةِ الإِنسان، وبينَ إِرادَةِ اللهِ واختيارِ الإِنسان، وكُرْهِ اللهِ للشرورِ التي يَختارُها الإِنسانُ الشّرّير، ومحبةِ اللهِ للطاعاتِ التي يَخْتارُها الإِنسانُ المطيع!! وعلى هذه الحقيقةِ آياتٌ عديدة، منها قولُه لعالى: (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١) . وقولُه تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩) . وقولُه تعالى: (كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦) . وبعدَ هذا نعرفُ جهلَ الفادِي الجاهلِ في اعتراضِه على قدرِ اللهِ قائلاً: " كيف نَتَصَوَّرُ الإِنسانَ أَشَرفَ مخلوقاتِ الله في عالمِ الحِسّ، أَنه عاجزٌ مَجْبورٌ على العصيانِ أَو الطاعَة؟! وإِذا كانَ هناكَ إِجبارٌ فما فائدةُ العَقْل؟! ".

стр. 337

الفصل الخامس نقض المطاعن اللغوية

стр. 338

ذكر المرفوع بعد المنصوب قالَ اللهُ وَبَئّ: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) . خَطَّاَ الفادي الجاهلُ الآية، لأَنَّ كلمةَ (وَالصَّابِئُونَ) فيها مرفوعةٌ بالواو، مع أَنها معطوفة على اسم " إِنَّ " المنصوب، ولذلكَ جَعَلَ عنوانَ تخطئتِه: " رَفْعُ المعطوفِ على المنصوب "، وهذا خَطَأ نحويّ؟ لأَنَّ المعطوفَ على المنصوبِ منصوب، وقالَ الجاهلُ في تخطئتِه: " وكانَ يجبُ أَنْ يُنْصَبَ المعطوفُ على اسم " إِنّ " فيقول: " والصابئين " كما فعلَ هذا في سورةِ البقرةِ وسورةِ الحج ... ". لقد ذَكَرَ القرآنُ أَصحابَ الدياناتِ المعروفةِ في ثلاثٍ من سُوَرِه: ١ - قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) ٢ - وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . ٣ - وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا ... ) . ولا إِشكالَ على آيةِ سورةِ البقرة؟ لأَنَّ (الَّذِينَ آمَنُوا) في محلِّ نَصْب اسمِ " إنَّ " و (الَّذِينَ هَادُوا) معطوفةٌ عليها في محلِّ نَصْب، و (النَّصَارَى) معطوفةٌ

стр. 339

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) ٢ - وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . عليها منصوبة، و (الصَّابِئِينَ) : معطوفَةٌ عليها منصوبةٌ بالياء. وخَبَرُ " إِنَّ " اسْمُ الموصولِ (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) . والتقدير: إِنَّ المؤمنين واليهودَ والنَّصارى والصابئين المقبولُ منهم هو المؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِر. ولا إِشكالَ على آيةِ سورةِ الحج؟ لأَنَّ: (وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) معطوفَة على اسمِ " إِنَّ "، وهو (الَّذِينَ آمَنُوا) ، وخَبَرُ " إِنَّ " جملةُ (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ) والتقدير: إِنَّ المؤمنينَ واليهودَ والصابئين والنَّصارى والمجوسَ والمشركين مَفْصولٌ بينهم يومَ القيامة. والمشكلةُ في آيةِ سورةِ المائدة، لأَنَّ ظاهِرَها عَطْفُ المرفوعِ (وَالصَّابِئُونَ) على المنصوبِ (الَّذِينَ آمَنُوا) الذي هو اسْمُ " إِنَّ "، وهذا لَا يَجوزُ في اللغةِ والنحو، ولذلك اعْتَبَرَهُ الفادي خطأً نحوياً!. والراجحُ أَنَّ آيةَ سورةِ المائدةِ مُكَوَّنَةٌ مَن جملتَيْن: الجملةُ الأُولى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) . وهي تتحدَّثُ عن المؤمنينَ المسلمينَ من أُمَّةِ محمدٍ ﷺ ، وتُقَرِّرُ فَلاحَهم عندَ الله. والراجحُ أَنَّ خبرَ " إِنَّ " محذوف، والتقديرُ: إِنَّ المؤمنين مفلحون. الجملةُ الثانية: (وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) . والراجحُ أَنَّ الواوَ في (وَالَّذِينَ هَادُوا) حرفُ استئنافٍ وليستْ حَرْفَ عَطْف، والجملةُ بَعْدَها استئنافيةٌ وليستْ معطوفةً على ما قبلَها، والراجحُ أَنَّ (وَالَّذِينَ هَادُوا) في محلّ رفْع مبتدأ. والواوُ في (وَالصَّابِئُونَ) حرفُ عطف، (وَالصَّابِئُونَ) مرفوعةٌ لأَنَّها معطوفةٌ على المبتدأ (الَّذِينَ آمَنُوا) ، (وَالنَّصَارَى) مرفوعة لأَنها معطوفة على المبتدأ. والراجحُ أَنَّ خَبَرَ المبتدأ هو اسْمُ الموصول (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) . والتقدير: واليهودُ والصابئون والنَّصارى المؤمنون بالله واليومِ الآخِرِ منهم هم المفلحون!!. وعلى هذا التوجيهِ يكونُ مَعْنى الآية: المؤمنونَ من أُمَّةِ محمدٍ ﷺ .

стр. 340

مُفْلِحون فائزون. واليهودُ والصابئون والنصارى لا يُقْبَلُ منهم إِلَّا مَنْ آمَنَ باللهِ واليومِ الآخر. وبهذا نعرفُ أَنه لا خَطَأَ نحوياً في الآية، وأَنها ليستْ من عَطْفِ المرفوعِ على المنصوب كما فهمَ الفادي الجاهل، وإِنما هي من استئنافِ جملة بعدَ جملة!. *** الفاعل لا يكون منصوباً قال تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) . زَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ (الظَّالِمِينَ) في جملةِ (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) فاعلُ الفِعْل (يَنَالُ) ، وبما أَنه فاعلٌ فلا بُدَّ أَنْ يَكونَ مَرْفوعاً، ولا بُدَّ أَنْ تَكونَ الجملةُ هكذا: لا يَنالُ عهدي الظالمون! وقد أَخْطَأَ القرآنُ في نَصْبِ (الظَّالِمِينَ) لأَنَّ الفاعلَ لا يكونُ منصوباً!. وهذا الكلامُ دَلَّ على جَهْلِ الفادي باللغةِ العربيةِ وقواعدِها. إِنَّ (عَهْدِي) هو الفاعل، و (الظَّالِمِينَ) مفعولٌ به منصوب. ومَعْنى (يَنَالُ) هنا: يَصِلُ ويُصيبُ. أَيْ: لا يَصِلُ عهدي الظالمين من ذريتِك. وليسَ مَعْنى (يَنَالُ) هنا: يَأخذ، إِذْ لو كانَ كذلك لكانَ فاعِلُه " الظالمون "، ولكان المعنى: لا يَأْخُذُ عَهْدي الظالمون. فجملةُ (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) تُريدُ أَنْ تُقَرِّرَ أَنَّ عَهْدَ اللهِ لا يَصِلُ الظالمين. *** المبتدأ مؤنث والخبر مذكر قال تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) . خَطَّأَ الفادي الجاهلُ الآيةَ لأَنَّ خَبَرَ " إنَّ " مُذَكَّرٌ (قَرِيبٌ) ، مع أَنَّ اسْمَها مُؤَنَّث

стр. 341

(رَحْمَتَ اللَّهِ) ، والأَصْلُ أَنْ يَتْبَعَ الخَبرُ المبتدأَ في التذكيرِ والتأنيث، فالأَصْلُ أَنْ تكونَ الآيةُ هكذا: إِنَّ رحمةَ الله قريبةٌ من المحسنين. ولتَوجيهِ تَذْكيرِ خَبَرِ " إِنَّ " في الآية نَقول: يَجبُ أَنْ يَتبعَ الخَبَرُ المبتدأَ في التذكيرِ والتأْنيث، إِذا كانَ المبتدأُ مُؤَنَّثاً تَأْنيثاً حَقيقياً، ولم يَفْصِلْ فاصلٌ بينَ المبتدأ والخَبَر. تَقُولُ: عائشةُ قريبة منا. فإِذا كانَ تأنيثُ المبتدأ غيرَ حقيقيّ جازَ في خَبَرِه التَّذكيرُ والتَّأْنيث. وتَأنيثُ (رَحْمَتَ) غيرُ حقيقيّ؟ لأَنها ليستْ أُنثى حقيقية. وقد فَصَلَ لَفْظُ الجلالةِ (اللهَ) بين اسْمِ " إِنَّ " وخَبَرِها: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) . وهذه الآيةُ كقولِه تعالى: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا) ، فتأنيثُ الساعةِ غيرُ حقيقي، وفَصَلَ فعلُ (تكونُ) بين الكلمتَيْن، فجاءَتْ كلمةُ (قَرِيب) مُذَكَّراً وليستْ مؤنثة!. وهناكَ حكمة أُخْرى لتذكيرِ خَبَرِ " إِنَّ " في الآية، وهي أَنَّ كلمةَ (قَرِيب) مجاورةٌ لكلمةِ " الله "، فمن غيرِ المناسب أَنْ تُؤَنَّث (قَرِيب) ، لهذه المجاورة اللفظية، من بابِ تنزيهِ اللهِ عن شُبهةِ التأَنيثِ اللفظي!!. *** تأنيث العدد وتذكير المعدود قالَ اللهُ عن أَسباطِ بني إِسرائيل: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا) . العددُ في الآيةِ مُؤَنَّث (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ) . والمعدودُ مذكَّر (أَسْبَاطًا) لأَنَه جمعُ " سِبْط " وهو مذكَّر. وقد خَطَّأَ الفادي الجاهلُ الآية، وقال: " كانَ يَجبُ أَنْ يُذَكِّرَ العَدَدَ ويَأتي بالمعدود مُفْرَداً، فيقول: وقَطَّعْناهم اثْنَتي عَشَرَ سِبْطاً ".

стр. 342

والراجحُ أَنَّ (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ) حال منصوب، وصاحبُ الحالِ ضميرُ " هُمْ " الذي هو في مَحَلِّ نَصْب مفعول به، في (وَقَطَّعْنَاهُمُ) ، وهو يَعودُ على بني إسرائيل. والراجحُ أَنَّ (أَسْبَاطًا) بَدَل من (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ) منصوب. أَيْ: قَطَّعْناهم أَسباطاً.. والراجحُ أَنَّ (أمُما) بَدَل من (أَسْبَاطًا) منصوب. أَيْ: قَطَّعناهم أُمماً. ولا تَصلحُ (أَسْبَاطًا) أَنْ تَكونَ تَمييزاً للعَدَدِ (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ) لأَنَّ شَرْطَ تمييزِ العَدَد أَنْ يَكونَ مُفْرَداً، فالراجحُ أَنَّ تمييزَ العددِ محذوف، والتقدير: قَطَّعناهم اثنتي عَشْرَةَ فرقةً أَو قبيلةً أَو أمَّةً. وبما أَنَّ التمييزَ المحذوفَ مؤنَّثٌ مُفْرَد، فقد زالَ اعتراضُ الفادي. وصارَ تركيبُ الآيةِ هكذا: وقَطَّعْناهم اثْنَتَي عشرةَ فِرْقَةً أَسباطاً أُمماً.. واتَّفَقَ العددُ مع المعدودِ في التأنيث، وجاءَ المعدودُ التمييزُ مفرداً، فلا إِشكالَ في الآية (١) . *** جمع الضمير العائد على المثنى قال تعالى: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ) . خَطَّأَ الفادي صياغَةَ الآية، فكلمةُ (خَصْمَانِ) مُثَنَى، والجملةُ الفعليةُ بَعْدَها صفة لها، والفاعلُ في (اخْتَصَمُوا) واوُ الجماعة يَعودُ على المثَنّى (خَصْمَانِ) قال: " وكانَ يَجِبُ أَنْ يُثَنّى الضميرُ العائدُ على المُثنّى، فيقول: هذانِ خصمانِ اخْتَصَمَا في ربهما ... ". (هَذَانِ) : اسْمُ إِشارةٍ مُثَنّى في مَحَلّ رفْع مبتدأ. و (خَصْمَانِ) خَبَرُه مرفوع، والكلمتانِ مُثَنّى لَفْظاً، لكنهما تُشيرانِ إِلى جَمْع، لأَنهما ليسا رَجُلَيْن مُخْتَصِمَيْن، وإِنما فَريقان مختصمان، وكلُّ فريق مُكَونٌ من عِدَّةِ أَفْراد، فريقُ الكافرين وفريقُ المؤمنين.

стр. 343

ولذلك جاءَ الخَبَرُ (خَصْمَانِ) مثنى مراعاةً لاسم الإِشارةِ المثَنّى " هذان "، وجاءَ الضميرُ العائدُ عليه جمعاً (اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) مراعاةً لعَدَدِ أفرادِ الفريق، والفريقُ جَمْع. ولذلك جاءَ بعد ذلك قولُه: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ ... ) بصيغة الجمع!. *** اسم الموصول المفرد العائد على الجمع قال تعالى: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) . اعترضَ الفادي على الآيةِ بقوله: " كانَ يجبُ أَنْ يَجمعَ اسْمَ الموصول العائدَ على ضميرِ الجمعِ، فيقول: خُضتُم كالذينَ خاضوا ". ولا مَعْنى لاعتراضِه، لأَنَّ شبْهَ الجملةِ (كَالَّذِى) صفةٌ لمفعول مطلقٍ محذوف، والتقدير: خُضْتُم خَوْضاً كالذي خاضوه. أَيْ: خُضتُم خَوْضاً كخوضِ الذينَ من قبلِكم. وبهذا يكونُ اسْمُ الموصول " الذي " عائداً على مُفرد، وليس على جَمْع، وبهذا تَناسَقَ الموصول وما عادَ عليه، فلا إِشكال في صياغةِ الآية والخوضُ في الآية معطوفٌ على الاستمتاع قبلَه. قال تعالى: (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) . والمعنى: استمتَعْتُم بخَلاقِكُم استمتاعاً كاستمتاعِ الذينَ من قبلِكم، وخضْتُم خَوْضاً كخوضِ الذينَ من قبلكم. وبهذا نعرفُ جَهْلَ الفادي بقواعدِ اللغة (١) .

стр. 344

جزم فعل معطوف على منصوب اعترضَ الفادي على تركيبِ وصياغةِ قولِه تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) . قال في اعتراضِه على الآية: " وكان يَجبُ أَنْ يُنْصَبَ الفعلُ المعطوفُ على المنصوب: " فَأَصَّدَقَ وأَكونَ ". أَيْ أَنَّ فعْلَ " أَكُنْ " معطوفٌ على فعْلِ " أَصَّدقَ " وبما أَنَّ المعطوفَ عليه منصوبٌ فيجبُ أَنْ يُنْصَبَ المعْطوف. ولذلك كان جَزْمُ المعطوفِ خَطَأً نحويّاً وَقَعَ به القرآن!! ". في قولِه: (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) قراءتان صحيحتان: الأُولى: قراءةُ أَبي عَمْرو البَصْري بِنصْبِ الفعلِ المعطوف: " فَأَصَّدَقَ وأَكونَ "، وتوجيهُ هذه القراءةِ أَنَّ " أَكونَ " معطوفٌ على " أَصَّدَّقَ " منصوبٌ مثْلُه. لأَنَّ المعطوفَ على المنصوبِ منصوبٌ. الثانية: قراءةُ القراءِ التسعةِ بجَزْمِ الفعلِ " أَكُنْ ". وهو ليس معطوفاً على " أَصَّدَّقَ " لأَنه لا يَجوزُ عَطْفُ المجزومِ على المنصوب. ولكنه معطوفٌ على مَحَلِّ " أَصَّدَقَ " الذي هو الجَزْم. لأَنه في معنى جوابِ الشرط، ففعْلُ " أَصَّدَّقَ " منصوبٌ لفظا لكنه مجزومٌ مَحَلًّا!. إِنَّ فعْلَ " أَصَّدَّقَ " منصوبٌ بحرفِ " أَنْ " المصدريِّ المقَدَّر، وهو واقعٌ في جوابِ التمنّي، فالجملةُ هكذا: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) . (يَأْتِيَ) : فعلٌ مضارعٌ مَنْصوبٌ بحرفِ " أَنْ "، و " يَقَول": مضارعٌ منصوبٌ لأَنه

стр. 345

معطوفٌ على (يَأْتِيَ) . و (لَوْلَا) : حرفٌ للتَّمني. وجوابُ التَّمَنّي جملة: (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) . والتقديرُ: لولا أَخَرْتَنى إِلى أَجَلٍ قريب فأَنْ أَصَّدَّق. ومع أَنَّ " أَصَّدَّق" منصوبٌ لَفْظاً بحرفِ " أَنْ "، إِلَّا - أَنه مجزومٌ مَحَلًّا، على أنه جوابُ الشَّرط، فالجملةُ للتَّمَنّي في الظاهر، لكنَّها جملةٌ شرطيةٌ في الحقيقة، والتقدير: إِنْ أَخّرتني إِلى أَجَلٍ قريبِ أَصَّدَّقْ. وعلى هذا يكونُ (أَكن) مجزوماً، َ لأَنه معطوف على مَحَلِّ "أَصَّدَّق". الذي هو جوابُ الشرطِ في الحقيقة، والتقدير: إِنْ أَخَّرْتَني إِلى أَجَلٍ قريبِ أَصَّدَّق، وأَكُنْ من الصالحين. أَيْ أَنَّ الكافرَ يتعهَّدُ بفعْلِ أَمْرَيْن اثْنَيْن إِنْ أَخَّرَ اللهُ أَجَلَه: يتصدَّقُ في سبيلِ الله، ويكونُ من الصالحين (١) . *** عود ضمير الجمع على المفرد اعترضَ الفادي على قولِ اللهِ : (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) . اعتراضه على ضمير الجمع في (بِنُورِهِمْ) ، فكيفَ جاءَ بصيغةِ الجمعِ مع أَنَّهُ يَعودُ على المفرد، وهو الضميرُ المستتر في (اسْتَوْقَدَ) . قال: " وكانَ يَجِبُ أَنْ يَجْعَلَ الضميرَ العائدَ على المفردِ مُفْرَداً، فيقول: استوقد ناراً فلما أَضاءتْ ما حوله ذهبَ اللهُ بنورِه ". واعتراضُ الفادي دليلُ جَهْلِه بأَساليبِ التعبيرِ الرائعةِ البليغةِ في اللغةِ العربيةِ الشاعرة. إِنَّ التشبيهَ في الآيةِ تَشبيهٌ تَمثيليّ، شَبَّهَ حالاً بحال، حالَ المنافقينَ في عدمِ انتفاعِهم بالإِيمانِ، بحالِ الذي استوقَدَ ناراً ثم أَطْفَأَها اللهُ، فلم ينتفعْ هو بها.

стр. 346

وجاءَ ضمير " هُمْ " في قوله: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) جَمْعاً، مراعاةً للحالِ المشَبَّهَة، وهي حالُ المنافقين، وليس الحالَ المشَبَّهَ بها، وهي حالُ المستوقِدِ ناراً، لأَنَّ الهدفَ من هذا التشبيهِ التمثيلي هو المَشبَّهُ وليس المشَبَّه به، وبيانُ عَدَمِ استفادةِ المنافقين من الهدى والنور. لقد عادَ ضميرُ " هم " في (بِنُورِهِمْ) على ضميرِ " هُمْ " في (مَثَلُهُمْ) ، والمرادُ بهذا الضميرِ المنافقون. ولو عادَ الضميرُ على المفردِ، وقالَ: " ذهب الله بنوره وتركه في ظلمات " لكانَ التركيزُ على التشبيهِ والتمثيل، وهذا ممكِن، ولكنه ليسَ فصيحاً. إِنَّ الأَفصحَ والأَبلغَ الانتقالُ من التمثيل والتشبيهِ إِلى الحقيقة، ليدُلَّ على أَنَّ اللهَ أَذهبَ نورَ الإِيمانِ من قلوبِ المنافقين؟ لأَنَّ هذا هو المقصودُ من التشبيه. وصارَ التقدير هكذا: مَثَلُ المنافقين في عَدَمِ استفادتِهم من الإِيمانِ كَمَثَلِ رجلٍ استوقدَ ناراً، فلما أَضاءَتْ ما حولَه، ذهبَ اللهُ بنارِه، فلم يَسْتَفِدْ منها، وكذلك المنافقون ذَهَبَ اللهُ بنورِهم، فلم يستفيدوا من الإِيمان. وقد جاءَ ضميرُ الجمعِ في (بِنُورِهِمْ) بين ضميرَيْ جَمْع: الضميرِ في (مَثَلُهُمْ) قبلَه. والضمير في (وَتَرَكَهُمْ) بعدَه!!. وعلى هذا يكونُ اعتراضُ الفادي لا معنى له، فالأَفصحُ والأَبلغُ هو ما وردَ في القرآن! (١) . *** هل يجوز نصب المعطوف على المرفوع ؟ اعترضَ الفادي على قولِ اللهِ : (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢) .

стр. 347

خَظَأَ نَصْبَ (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) لأَنها في نَظَرِهِ القاصِرِ معطوفة على (الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) ، والأَصْلُ أَنْ تَكونَ مرفوعة: لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون ... والمقيمون الصلاة والمؤتون الزكاة ... وتَخطئةُ الفادي للآيةِ دَليلُ جهلِه بقواعِدِ اللغةِ العربية. الآيةُ مُكَوَّنَةٌ من الجملِ التالية: الأُولى: الجملةُ الاسمية: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) : (لَكِن) : حرفُ استدراكٍ مُلْغى لأَنه مُخَفَّف. (الرَّاسِخُونَ) : مبتدأٌ مرفوع. (وَالْمُؤْمِنُونَ) : مَعطوفٌ على ما قبله مرفوع. والجملةُ الفعليةُ (يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) في مَحَلِّ رفْع خَبَر. والتقدير: الراسخونَ في العلمِ والمؤمنون هم المؤمنونَ بما أُنزلَ إِليك. الثانية: الجملةُ الفعليةُ: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) . وهي معطوفةٌ على الجملةِ السابقة. (وَالْمُقِيمِينَ) منصوبٌ على المدْح. أَيْ أَنَّه مفعولٌ به لفعْلٍ محذوف، تَقديرُه: أَمْدَحُ المقيمين الصَّلاةَ، (الصَّلَاةَ) مفعولٌ به منصوبٌ لاسْم الفاعل (وَالْمُقِيمِينَ) . الثالثة: (وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا) . وهي معطوفَةٌ على الجملةِ الأُولى: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) . (وَالْمُؤْتُونَ) : مبتدأ مرفوع. ومي آلزكًؤةَ) : مفعولٌ به لاسْمِ الفاعل (وَالْمُؤْتُونَ) . (وَالْمُؤْمنونَ) معطوفٌ على (وَالْمُؤْتُونَ) مرفوع. وجملةُ (أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا) في محلِّ رفْع خَبَرِ المبتدأ (وَالْمُؤْتُونَ) . وبهذا نَعرفُ أَنَّ (وَالْمُقِيمِينَ) ليستْ معطوفةُ على (الرَّاسِخُونَ) ، من بابِ عَطْفِ كلمةٍ على كلمة، لتكونَ مرفوعةً مثلَها. والعَطْفُ من بابِ عَطْفِ جُملةٍ على جُمْلَة. والعُدولُ عن الجملةِ الاسمية إِلى الجملةِ الفعلية، ونَصْبُ اسْمِ الفاعلِ

стр. 348

بفعْلٍ مُقَدَّرٍ، جَمالٌ رائع في الأُسلوبِ القرآني، وتَعبيرٌ بَليغٌ معجزٌ رَفيع. لكنَّ الجاهلينَ من أمثالِ الفادي لا يَرْتَقون إِلى مستوى فهمِه فيُخَطِّئونَه! (١) . *** هل ينصب المضاف إليه ؟ خَطَّا الفادي نَصبَ (ضَرَّاءَ) في قوله تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) . وبما أَنَّ (بَعدَ) ظَرْفُ زَمان، وهي مضاف، فإِنّ (ضَرَّاءَ) مُضافٌ إِليه. والمضافُ إِليه مجرور، فلا بُدَّ أَنْ تَكونَ كلمةُ (ضَرَّاءَ) مجرورةً بالكسرة!!. إِنَّ اعتراضَ الفادي على الآيةِ وتَخْطِئَتَه لها دليلٌ على جَهْلِه المطبقِ بأَبسطِ قواعدِ اللغةِ العربية. إِنه لا يَعرفُ الشيءَ المسَمّى " الممنوع من الصرف ". وهو الاسْمُ الذي لا يَلْحَقُه التَّنْوين، والذي يُجَرُّ بالفتحةِ بَدَلَ الكسرة. وتَحكمُ الممنوعَ من الصرفِ قواعدُ وضوابط دقيقة. ومن الأَسماءِ الممنوعةِ من الصَّرْفِ كُلُّ اسمٍ مُؤَنَّثٍ مختومٍ بأَلِفٍ ممدودةٍ بَعْدَها همزة، على وَزْنِ " فَعْلَاءَ ". وفي الآيةِ التي خَطَّاَها الجاهلُ كَلِمتَانِ مَمْنوعَتان من الصَّرْفِ هما (نَعْمَآءَ) ، (ضَرَّاءَ) . وهما كلمتانِ مُتَقابلتان. (نَعْمَآءَ) : مفعولٌ به ثانٍ للفعْلِ (أَذَقنَاهُ) . وهو منصوبٌ بالفتحةِ وليس بالتنوين؟ لأَنه ممنوعٌ من الصرف. و (ضَرَّاءَ) في قوله: (بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّته) مضافٌ إِليه مجرورٌ بالفتحةِ بَدَلَ الكسرة، لأَنه ممنوعٌ من الصَّرْف. ولكنْ أَنّى للفادي الجاهلِ أَنْ يَعرفَ هذه القواعد؟ ومع ذلك نَصَّبَ نَفْسَه قاضياً على القرآن!!.

стр. 349

جمع الكثرة بدل جمع القلة خَطَّأَ الفادي الإِتيانَ بجمعِ الكثرةِ بَدَل جمعِ القِلَّة، في قولِ الله : (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) . قالَ في اعتراضِه على الآية: " وكانَ يَجبُ أَنْ يَجْمَعَها جمعَ قِلَّة؟ لأَنَّهم أَرادوا القِلَّة، فيقول: أَياماً معدودات ". يَرى الفادي أَنَ " معدودات " جمعُ قِلَّة، وأَنَ (مَعْدُودَةً) جمعُ كثرة! وهذا الكلامُ باطل، فالصّيغَتان جمعُ قِلَّة. لكنَّ (مَعْدُودَةً) تدلُّ على عددٍ أَقَلَّ من " معدودات ". فإذا أَريدَ العددُ الأَقَلُّ ذُكِرَتْ صيغةُ (مَعْدُودَةً) ، وإِذا أُريدَ العددُ الأَكثرُ ذُكِرَتْ صيغةُ " معدودات ". وهذا عكسُ ما قالَه الفادي الجاهلُ باللغةِ العربية. والآيةُ التي خَظَأَها الجاهلُ تتحدَّثُ عن اليهود، واستخفافِهم بعذابِ الله، وادِّعائهم أَنهم أَبناءُ اللهِ وأَحِبّاؤه. قال تعالى: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) . واللطيفُ في التعبيرِ القرآنيِّ المعجزِ أَنَه أَوْرَدَ الصيغتَيْن " معدودة، ومعدودات" في نفسِ الموضوع، وهو زَعْمُ اليهودِ عدمَ تعذيبِهم إِلّا أَيّاماً قليلةً في جهنَّم. قال تعالى: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) . وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) .

стр. 350

(وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) ما حكمةُ وَصْفِ الأَيّامِ في سورةِ البقرة بالصيغةِ الدالَّةِ على العَدَدِ الأَقَلّ: (أَيَّامًا مَعْدُودَةً) ، وَوَصْفِ الأَيّام نفسِها في سورةِ آل عمران بالصيغةِ الدالةِ على العددِ الأكثر: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) ؟ مع أَنَّ الأَيّامَ في السورتَيْن واحدة، والقائلين فيهما اليهود؟. إِنَّ السياقَ هو الحَكَم، وهو في سورةِ البقرة غيرُه في سورةِ آل عمران!. إِنَّ الكلامَ في سورةِ البقرة مختَصَر، والهدفُ منه ذِكْرُ زَعْمِ اليهودِ ثم الرَّدُّ عليه بإِيجاز، ولذلك وُصِفَت الأَيّامُ بالصيغةِ الدالَّةِ على القِلَّة، لِتَتَناسَبَ مع الهدفِ من الكلامِ، وهو الاختصارُ الدالُّ على التقليل: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) . أَمّا الكلامُ في سورةِ آل عمران فإنه مُفَصَّلٌ مُطَوَّل قليلاً، فهو لا يَكتفي بمجردِ تسجيلِ زَعْم اليهود، وإِنَّما يَدْعو إِلى التعجبِ من موقفِ اليهودِ الاستعلائي، فإِنهم عندما يُدْعَون إِلى الاستجابةِ لحُكْمِ الله، يَرْفُضون تلكَ الدعوة، ويَتَوَلُّونَ ويُعْرضون، ويُصرّونَ على باطِلهم، والسببُ في هذا زَعْمُهم أَنهم لن يُعَذَّبوا في النارِ إِلّا أَياماً معدودات، واغترارُهم في دينهم، وتصديقُهم مزاعِمَهم. وبما أَنَّ الكلامَ في سورةِ آلِ عمران مُطَوَّلٌ مُفَصَّل، في عَرْضِ بعضِ صفاتِ اليهودِ وتصرفاتِهم وأَقوالِهم، جاءَ بالصيغة الدالَّةِ على تكثيرِ الأيام، لتتناسبَ مع السياقِ الذي وَرَدَتْ فيه: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) (١) . *** جمع القلة بدل جمع الكثرة بناءً على تَفريقِ الفادي الجاهلِ بينَ (مَعْدُودَةً) و (مَعْدُودَاتٍ) على أَنَّ (مَعْدُودَةً) جمعُ كَثْرَة، و (مَعْدُودَاتٍ) جمعُ قِلَّة، تابَعَ اعتراضه على القرآن، فأَثارَ سُؤالَه السابعَ عَشَرَ بعد المئة، وجَعَلَه تابعاً لسؤالِه السابق، الذي ناقَشْناهُ فيه.

стр. 351

قال: " جاء في سورة البقرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) ، وكانَ يَجِبُ أَنْ يَجمعَها جمعَ كَثْرَة، حيثُ إِنَّ المرادَ جمعُ كثرةٍ عِدَّتُه ثَلاثون يوماً، فيقول: أَياماً معدودةً ". ومعنى اعتراضِه أَنَّ شَهْرَ رمضانَ الواجبَ صيامُه ثلاثون يوماً، وهي أَيامٌ كثيرة، فمن غيرِ المناسبِ أَنْ توصَفَ أَيّامُهُ بجمعِ القِلَّة (مَعْدُودَاتٍ) ، وإِنما توصَفُ بجمْعِ الكثرةِ: (مَعْدُودَةً) . وعلى هذا يكونُ القرآنُ - في نظرِ الفادي - قد أَخْطَأَ، عندما قال عن أَيامِ رمضان: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) ، وكان الواجبُ أَنْ يَقول: أَياماً معدودة!!. وقد سبقَ أَنْ ناقَشْناهُ في المبحثِ السابق، ورَفَضْنا كلامَه أَنَّ (مَعْدُودَاتٍ) جمعُ قلة، و (مَعْدُودَةً) جمعُ كثرة، وذَكَرْنا أَنَّ اللفظَيْن جمعُ قِلَّة. وأَنَّ (مَعْدُودَةً) تُستعملُ مع العددِ الأَقَل، و (مَعْدُودَاتٍ) مع العَدَدِ الأَكْثَر!. نقول مثلاً: هذه عشرةُ أيامٍ معدودةٍ. وتقول: هذه ثلاثون يوماً معدودات!!. ولذلك ذَكَرَ القرآنُ صفةَ " معدوداتٍ " مع أَيامِ شهرِ رمضان الثلاثين: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) . *** هل يجمع الاسم العلم ؟ ذَهَبَ الفادي إِلى أَنَّ القرآنَ جَمَعَ اسْمَ العَلَمِ المفردَ الأَعجميّ، وهذا لا يَجوزُ في اللغة، ولذلك خَطَّأَ القرآنَ. قال: " جاءَ في سورةِ الصافات: (سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) .

стр. 352

(سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ) فلماذا قال: (إِلْ يَاسِينَ) بالجمع عن " إِلياس " المفرد؟ فمِنَ الخَطَأِ لغويّاً تَغييرُ اسمِ العَلَمِ حُبًّا في السَّجْعِ المتَكَلَّف. وجاءَ في سورةِ التين: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) . فلماذا قال: (سِينِينَ) بالجمعِ عن سيناء؟ فمِن الخطأ لغويّاً تَغييرُ اسْمِ العَلَمِ حُبًّا في السَّجْع المتكَلَّف؟ ". (إِلْ يَاسِينَ) في نظرِ الفادي جمعُ الاسْمِ الأَعجميِّ " إِلياس ". و (سِينِينَ) جمعُ الاسمِ الأَعجميّ (سَيْنَآء) ، فهل هذا صحيح؟. نَقفُ أَمامَ كلمةِ (إِلْ يَاسِينَ) أَوَّلاً. في كلمةِ (إِلْ يَاسِينَ) قراءَتان صحيحتان: الأُولى: قراءةُ نافع وابنِ عامر: " سلام على آل ياسين ". بإضافة " آل " إِلى " ياسين ". و" ياسين " هو " إِلْياس ". و" آل ياسين " هم أَتَبْاعُهُ المؤمنون الذين آمَنوا به ودَخَلوا في دينِه. والسَّلامُ على آلِ ياسين سَلامٌ على إِلْياس نفسِه، لأَنَّه هو السببُ في هدايتِهم!. الثانية: قراءةُ عاصم وحمزة والكسائي وابن كثير وأبي عمرو: (سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ) بكسْرِ الأَلفِ وسكونِ اللّام. و (إِلْ يَاسِينَ) ليس جمعَ إِلْياس، وإِنما هو لغةٌ ثانيةٌ في " إِلْياس "، تقول: إِلْياس وإِلْياسين، كما نقول: إِسماعيل وإِسماعين، وجبرائيل وجبرائين، وميكائيل وميكائين، وإِسرائيل وإِسرائين. فتُقْلَبُ اللامُ نوناً في هذه الأَسماءِ بهدفِ التسهيل. وفي إِلْياس، أُضيفَتْ له الياءُ والنونُ للتسهيلِ وليس للجمع. وقد يُرادُ بكلمةِ (إِلْ يَاسِينَ) آلُ إِلياس الذين آمَنوا به واتَّبعوه. وعلى هذا تكونُ (إِلْ يَاسِينَ) جمع، مفردُه " إِلْيَاسِيٌّ " بياءِ النِّسْبَة. تقول: إِلْياس. وعندما تَنْسِبُ إِليه مَن اتبعَه تقولُ: إِلْياسِيٌّ. كما تقول: شافِع، ومع الياء تقول: شافِعِيّ.

стр. 353

وجمعُ " إِلْياسِيّ ": " إِلْياسِيّون " بالياءِ المشَدَّدَة. كما تقول في "شافِعيّ " شافِعِيّونَ". ثم حُذِفَتْ إِحدى الياءَيْنِ للتَّسهيل، فصارت الكلمةُ " إِلْياسون " وعندما جُرَّتْ بحرفِ الجَرِّ صارَتْ: (سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ) . والمرادُ بكلمةِ (إِلْ يَاسِينَ) على هذا التوجيه " آل إِلْياس "، فآل إِلياس هم " إلْياسون "، وهم المؤمنونَ به (١) . أَمَّا (وَطُورِ سِينِينَ) : فهو اسْمٌ مكَوَّنٌ من جزأَيْن: (طُورِ) : وهو اسْمُ جَبَلِ الطورِ الذي ذُكِرَ عدةَ مراتٍ في القرآن، وهو الموجودُ في سيناء، وناجى عليه موسى ﵇ رَبَّه. و (سِينِينَ) : وهو اسْمٌ لصحراءِ سيناءَ المعروفة، التي تَفْصِلُ بينَ مصرَ وفلسطين. وهي المرادَةُ في قوله تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) . وبالجمعِ بينَ آيةِ سورةِ المؤمنون (طُورِ سَيْنَاءَ) وآيةِ سورةِ التين (وَطُورِ سِينِينَ) نعرفُ أَنَّ للصحراءِ الواقعةِ بينَ مصرَ وفلسطين اسْمَيْنِ في القرآن: سيناء، وسينين، والكلمتان أَعجميتان. وبهذا نعرفُ أَنَّ القرآنَ لم يَجْمَع اسْمَ العلمِ الأَعجميِّ المفرد، لأَنَّ هذا لا يَجوزُ في اللغة، وأَنَّه لم يَفعلْ ذلك حُبًّا في السَّجْعِ المتكَلَّف، كما اتَهمه الفادي الجاهلُ بذلك!! (١) . *** بين اسم الفاعل والمصدر اعترضَ الفادي على صياغةِ قول اللهِ: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) . واعتراضُه على جملةِ (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) ، حيثُ جاءَ خَبَرُ " لكنَّ " اسْمَ موصول، والموصول وصلتُه هنا بمعنى اسم الفاعل. والتقدير: ولكنَّ البرَّ المؤمنُ بالله!.

стр. 354

قال: " والصوابُ أَنْ يُقال: " ولكنَّ البِرَّ أَنْ تُؤمِنوا بالله "، لأَنَّ البِرَّ هو الإِيمانُ وليس المؤمنَ ". صَحيح أَنَّ البِرَّ هو الإِيمانُ وليس المؤمنَ، ولكنَّ الخَبَرَ في الحقيقةِ ليس اسْمَ الموصول " مَنْ "، وإِنما هو مَحذوف، و " مَنْ " في الحقيقةِ مضافٌ إِليه لمضافٍ محذوف. والتقدير: ولكنَّ البِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ بِالله. أي: ولكنَّ البِرَّ بِرُّ المؤمن. فلم يأتِ اسْمُ الفاعل " المؤمن " في الآية بَدَل المصدر، كما فَهم الفادي الجاهل، وإِنما هو مُضاف إِليه لمضافٍ مَحْذوف: ولكنَّ البِرَّ بِرُّ مَنْ آمن (١) . *** لا يُعطف المنصوب على المرفوع اعترضَ الفادي على صياغةِ قولِه تعالى: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ) . واعتبرَ (وَالصَّابِرِينَ) المنصوب معطوف على (وَالْمُوفُونَ) المرفوع، وهذا خَطَأ. قال: " وكانَ يجبُ أَنْ يُرفعَ المعطوفُ على المرفوع، فيقول: والموفونَ بعهدِهم ... والصابرون ... ". (وَالصَّابِرِينَ) ليستْ معطوفةً على (وَالْمُوفُونَ) ، وإِلّا لكانَتْ مرفوعة، لأَنه لا يَجوزُ عَطْفُ المنصوبِ على المرفوع. إِنَّ (وَالصَّابِرِينَ) مفعولٌ به منصوبٌ بالياء، لفعلٍ محذوف، تقديرُه: " أَمدح " أَي: وأَمدحُ الصابرين في البأساء والضراء. وقد سبقَ أَنْ ناقَشْنا الفادي المفترِي في آيةٍ قريبةٍ من هذه الآية، وهي قولُه تعالى: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) .

стр. 355

حيث ظَنَّ الفادي أَنَّ (وَالْمُقِيمِينَ) منصوبٌ لأَنَّه معطوفٌ على المرفوعِ قبلَه: (وَالْمُؤْمِنُونَ) ، مع أَنه منصوبٌ؟ لأَنَّه مفعولٌ به لفعلٍ محذوفٍ تقديره: أَمْدَحُ المقيمين الصلاة (١) . *** حكمة وضع المضارع بدل الماضي اعترضَ الفادي على قولِ اللهِ تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) . قالَ في اعتراضه: "كانَ يَجِبُ أَنْ يُعتبرَ المقامُ الذي يَقْتَضي صيغةَ الماضي لا المضارع، فيقول: ثم قالَ له: كُنْ، فكان ". الكلامُ في الجملةِ عن خَلْقِ أَبي البشر آدمَ ﵇، فاللهُ خَلَقَه بكلمتِه التكوينية، ولَمّا سَوّاهُ من تُراب، قالَ له: (كُنْ) ، فكان، وصارَ إنساناً حَيًّا. و (كُنْ) فعْلُ أَمْرٍ تامّ، يَحتاجُ إِلى فاعلٍ فَقَط، وهو ضميرٌ مستترٌ تَقديرُه: أَنْتَ. وهو بمعنى الوجودِ والتكوين. أَيْ: تَكوَّنْ وتَشَكَلْ كما نُريدُ. والفاءُ في (فَيَكُونُ) حَرْفُ عطف. وجملةُ (يَكُونُ) معطوفةٌ على جملةِ (كُنْ) . و (يَكُونُ) فعلٌ مضارع تامٌّ، وفاعلُه تقديرُه " هو " وجملةُ " يكونُ " في محلِّ رَفْعٍ خبر لمبتدأ محذوف، تقديرُه: فهو يَكون. أَيْ: قالَ له: كُنْ، وتَكَوَّنْ، فهو كائِنٌ مُتَكَوِّنٌ كما أَمَرَهُ الله. وكانَ المتوقَّعُ أَنْ يُعَبِّرَ بالماضي: ثم قالَ له: كُنْ فكان. لأَنه أَخْبَرَ عن خَلْقِ آدَمَ ﵇ في بدايةِ تاريخِ البشريةِ، لكنَّهُ عَدَل عن الماضي إِلى المضارع، فقال: ثم قالَ له: كُنْ، فيكون. وذلك لكي نستحضرَ نحنُ في خيالِنا خَلْقَ أَبينا آدمَ ﵇ لأَنَّ المضارعَ يدل على التجدّدِ والاستمرارِ، والحيويةِ والتفاعل (٢) .
следующие страницы →